من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
ذكر الدار المأمونية
وكان بجوار درب السلسلة الدار المأمونية، وهي المدرسة السيوفية، وكانت هذه الدار سكن المأمون ابن البطائحي، وعرفت قديما، بقوام الدولة حبوب، ثمجدّدها المأمون محمد ابن فاتك.
المأمون البطائحي: هو أبو عبد اللّه محمد ابن الأمير نور الدولة أبي شجاع فاتك بن الأمير منجد الدولة أبي الحسن مختار المستنصري، اتصل بخدمة الأفضل بن أمير الجيوش في شهر شوّال سنة إحدى وخمسمائة، عند ما تغير على تاج المعالي المختار الذي كان اصطنعه، وفخم أمره وسلم إليه خزائن أمواله، وكسواته، وسلم ما كان بيده من الخدمة لمحمد بن فاتك، فتصرّف فيها، وقرّر له الأفضل ما كان باسم مختار من العين خاصة دون الإقطاع، وهو مائة دينار في كل شهر، وثلاثون دينارا عن جاري الخزائن مضافا إلى الأصناف الراتبة مياومة ومشاهرة ومسانهة فحسن عند الأفضل موقع خدمته، فاعتمد عليه وسلم له جميع أموره، وصرّفه في كل أحواله.
فلما كثر عليه الشغل استعان بأخويه أبي تراب حيدرة، وأبي الفضل جعفر، فأطلق الأفضل لهما ما وسع به عليهما من المياومة والمشاهرة والمسانهة، ونعته الأفضل بالقائد، فصار يخاطب بالقائد، ويكاتب به، وصار عنده بمنزلة الأستادار، فلما قتل الأفضل ليلة عيد الفطر من سنة خمس عشرة وخمسمائة، قام القائد أبو عبد اللّه بن فاتك لخدمة الخليفة الآمر بأحكام اللّه وأطلعه على أموال الأفضل، وبالغ في مناصحته، حتى لقد اتهم أنه هو الذي دبر في قتل الأفضل بإشارة الخليفة، فخلع عليه الآمر في مستهل ذي القعدة، بمجلس اللعبة من القصر، وهو المجلس الذي يجلس فيه الخليفة، ولم يخلع قبله على أحد فيه، وحل المنطقة من وسطه، وخلع على ولده، وحل منطقته، وخلع على إخوته، واستمرّ تنفيذ الأمور إليه إلى أن استهل ذو الحجة، ففي يوم الجمعة ثانية، خلع عليه من الملابس الخاص في فرد كمّ مجلس اللعبة طوق ذهب مرصع، وسيف ذهب كذلك، وسلم على الخليفة، وتقدّم الأمر للأمراء، وكافة الأستاذين المحنكين بالخروج بين يديه، وأن يركب من المكان الذي كان الأفضل يركب منه، ومشى في ركابه القوّاد، على عادة من تقدّمه، وخرج بتشريف الوزارة، ودخل من باب العيد راكبا، ووصل إلى داره، فضاعف الرسوم، وأطلق الهبات.
فلما كان يوم الاثنين خامسه اجتمع الأمراء بين يدي الخليفة، وأحضر السجل في لفافة خاص مذهبة، فسلمه الخليفة له من يده فقبله، وسلمه لزمام القصر، فأمره الخليفة
بالجلوس إلى جانبه عن يمينه، وقرئ السجل على باب المجلس، وهو أوّل سجل قرئ هناك، وكانت سجلات الوزراء قبل ذلك تقرأ بالإيوان، ورسم للشيخ أبي الحسن بن أبي أسامة كاتب الدست أن ينقل نسبة الأمراء، والمحنكين من الآمريّ إلى المأمونيّ، وكذا الناس أجمع، ولم يكن أحد ينتسب إلى الأفضل، ولا لأمير الجيوش، وقدّمت له الدواة، فعلم في مجلس الخليفة، ونعت بالسيد الأجل، المأمون تاج الخلافة ووجيه الملك، فخر الصنائع، ذخر أمير المؤمنين، عز الإسلام، فخر الأنام، نظام الدين، أمير الجيوش سيف الإسلام، ناصر الأنام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين، وكان يجلس بداره في يومي الأحد والأربعاء للراحة والنفقة في العسكر البساطية إلى الظهر، ثم يرفع النفقة، ويحط السماط، ويجلس بعد العصر، والكتاب بين يديه، فينفق في الراجل إلى آخر النهار، وفي يوم الجمعة يطلق للمقرئين بحضرته خمسة دنانير، ولكل من هو مستمرّ القراءة على بابه من الضعفاء، والأجراء مما هو ثابت بأسمائهم: خمسمائة درهم، ولبقية الضعفاء والمساكين: خمسمائة درهم أخرى.
فإذا توجه يوم الجمعة إلى القرافة يكون المبلغ المذكور مستقرّا لأربابه، ولم يزل إلى ليلة السبت الرابع من رمضان سنة تسع عشرة وخمسمائة، فقبض الآمر المذكور عليه، وعلى إخوته الخمسة مع ثلاثين رجلا من خواصه وأهله، واعتقله ثم صلبه مع إخوته في سنة اثنتين وعشرين.
قيل: إن سبب القبض عليه ما بلغ الآمر عنه أنه بعث إلى الأمير جعفر بن المستعلي يغريه بقتل أخيه، ليقيمه مكانه في الخلافة، وكان الذي بلّغ الآمر ذلك الشيخ أبا الحسن بن أبي أسامة، وبلغه أيضا عنه أنه: سير نجيب الدولة أبا الحسن إلى اليمن ليضرب سكة عليها، الإمام المختار محمد بن نزار، وذكر عنه أنه سمّ شيئا، ودفعه لقصاد الخليفة، فنمّ عليه القصاد.
وكان مولد المأمون في سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، وكان من ذوي الآراء، والمعرفة التامّة بتدبير الدول كريما واسع الصدر سفاكا للدماء، كثير التحرّز والتطلع إلى معرفة أحوال الناس من العامّة والجند، فكثر الوشاة في أيامه.
حبس المعونة: وكان بجوار الدار المأمونية حبس المعونة، وموضعه اليوم: قيسارية العنبر.
قال ابن المأمون في سنة سبع عشرة وخمسمائة: تقدّم أمر المأمون إلى الواليين بمصر والقاهرة بإحضار عرفاء السقائين وأخذ الحج على المتعيشين منهم بالقاهرة بحضورهم، متى
دعت الحاجة إليهم ليلا ونهارا، وكذلك يعتمد في القربيين، وأن يبيتوا على باب كل معونة، ومعهم عشرة من الفعلة بالطوارئ والمساحي، وأن يقوما لهم بالعشاء من أموالهما بحكم فقرهم، انتهى.
وكان حبس المعونة هذا يسجن فيه أرباب الجرائم، كما هو اليوم السجن المعروف:
بخزانة شمائل، وأما الأمراء، والأعيان، فيسجنون: بخزانة البنود، كما تقدّم، ولم يزل هذا الموضع سجنا مدّة الدولة الفاطمية، ومدّة دولة بني أيوب إلى أن عمره: الملك المنصور قلاون قيسارية، أسكن فيها العنبرانيين في سنة ثمانين وستمائة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع