تجاوز إلى المحتوى

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)

ذكر الحسبة ودار العيار

وكان بجوار حبس المعونة: دكة الحسبة، ومكانها اليوم يعرف: بالإبازرة، ومكسر الحطب بجوار سوق القصارين والفحامين.

قال ابن الطوير: وأما الحسبة، فإنّ من تسند إليه لا يكون إلاّ من وجوه المسلمين وأعيان المعدّلين لأنها خدمة دينية، وله استخدام النوّاب عنه بالقاهرة ومصر، وجميع أعمال الدولة، كنوّاب الحكم، وله الجلوس بجامعي القاهرة ومصر يوما بعد يوم، ويطوف نوّابه على أرباب الحرف، والمعايش ويأمر نوّابه بالختم على قدور الهرّاسين، ونظر لحمهم ومعرفة من جزاره، وكذلك الطباخون ويتتبعون الطرقات، ويمنعون من المضايقة فيها، ويلزمون رؤساء المراكب أن لا يحملوا أكثر من وسق السلامة، وكذلك مع الحمالين على البهائم ويأمرون السقائين بتغطية الروايا بالأكسية، ولهم عيار: وهو أربعة وعشرون دلوا، كل دلو: أربعون رطلا، وأن يلبسوا السراويلات القصيرة الضابطة لعوراتهم، وهي زرق، وينذرون معلمي المكاتب بأن لا يضربوا الصبيان ضربا مبرّحا، ولا في مقتل، وكذلك معلمو العلوم بتحذيرهم من التغرير بأولاد الناس، ويقفون على من يكون سيء المعاملة، فينهونه بالردع والأدب، وينظرون المكاييل والموازين، وللمحتسب النظر في دار العيار، ويخلع عليه ويقرأ سجله بمصر والقاهرة على المنبر، ولا يحال بينه، وبين مصلحة إذا رآها، والولاة تشدّ معه إذا احتاج إلى ذلك وجاريه: ثلاثون دينارا في كل شهر، انتهى.

وكان للعيار: مكان يعرف بدار العيار تعير فيه الموازين بأسرها، وجميع الصنج، وكان ينفق على هذه الدار من الديوان السلطانيّ، فيما تحتاج إليه من الأصناف كالنحاس والحديد والخشب والزجاج، وغير ذلك من الآلات، وأجر الصناع والمشارفين ونحوهم،

ويحضر المحتسب أو نائبه إلى هذه الدار ليعير المعمول فيها بحضوره، فإن صح ذلك أمضاه، وإلاّ أمر بإعادة عمله، حتى يصح، وكان بهذه الدار أمثلة يصحح بها العيار، فلا تباع الصنج، والموازين والأكيال، إلاّ بهذه الدار، ويحضر جميع الباعة إلى هذه الدار باستدعاء المحتسب لهم، ومعهم موازينهم، وصنجهم ومكاييلهم، فتعير في كل قليل، فإن وجد فيها الناقص استهلك، وأخذ من صاحبه لهذه الدار، وألزم بشراء نظيره، مما هو محرّر بهذه الدار، والقيام بثمنه، ثم سومح الناس وصار يلزم من يظهر في ميزانه أو صنجه خلل بإصلاح ما فيها من فساط فقط، والقيام بأجرته فقط، وما زالت هذه الدار باقية جميع الدولة الفاطمية.

فلما استولى صلاح الدين على السلطنة أقرّ هذه الدار، وجعلها وقفا على سور القاهرة مع كان جاريا في أوقاف السور من الرباع والنواحي الجارية في ديوان الأسوار، وما زالت هذه الدار باقية.

اصطبل الجميزة: وكان بجوار القصر الغربيّ من قبليه اصطبل الجميزة من جانب باب الساباط الذي هو الآن: باب سرّ المارستان المنصوريّ، وقيل له: اصطبل الجميزة من أجل أنه كان في وسطه شجرة جميز كبيرة، وكان موضع هذا الاصطبل، تجاه من يخرج من باب الساباط، فينزل من الحدرة التي هي الآن تجاه باب سرّ المارستان المتوصل منها إلى حارة زويلة، ويمتدّ فيما حاذاه يسارك، إذا وقفت بأوّل هذه الحدرة، حيث الطاحون الكبيرة التي هي الآن في أوقاف المارستان، وما وراءها ويحاذيها إلى الموضع المعروف اليوم:

بالبندقانيين، وكانت بئره تعرف: ببئر زويلة، وعليها ساقية تنقل الماء لشرب الخيول، وموضع هذا البئر اليوم: قيسارية تعرف بقيسارية يونس تجاه درب الأنجب، وقد شاهدت هذه البئر، لما أنشأ الأمير يونس الدوا دار هذه القيسارية والربع علوها، فرأيت بئرا كبيرة جدّا، وقد عقد على فوهتها عقد ركب فوقه بعض القيسارية، وترك منها شيء، ومنها الآن الناس تسقي بالدلاء، وما زال هذا الاصطبل باقيا إلى أن انقرضت الدولة الفاطمية، فحكر وبنى في مكانه الآدار التي هي موجودة الآن، وحكره جار في أوقاف الصلاح الأزبكيّ، وقد تقدّم ذكر هذا الاصطبل عند ذكر اصطبل الطارمة، فانظر رسومه هناك.

دار الديباج: وكان بجوار اصطبل الطارمة من غربيه: دار الديباج، وهي حيث المدرسة الصاحبية بسويقة الصاحب وما جاورها من جانبها، وما خلفها إلى الوزيرية، وكانت هي: دار الوزارة القديمة، وأوّل من أنشأها: الوزير يعقوب بن يونس بن كاس وزير العزيز بالله، ثم سكنها الوزير الناصر للدين قاضي القضاة، وداعي الدعاة علم المجد أبو

محمد الحسن بن عليّ بن عبد الرحمن البازوريّ، وما زالت سكن الوزراء إلى أن قدم أمير الجيوش بدر الجماليّ من عكا، ووزره المستنصر، وصار وزيرا مستبدّا، فأنشأ داره: بحارة برجوان، وسكنها وسكن من بعده ابنه الأفضل ابن أمير الجيوش بدار القباب التي عرفت:

بدار الوزارة الكبرى، وصارت هذه الدار تعرف: بدار الديباج، لأنه يعمل فيها الحرير الديباج، ويتولاها الأماثل والأعيان.

فمن وليها أبو سعيد بن قرقة الطبيب متولي خزائن السلاح، وخزائن السروج والصناعات، فلما انقرضت الدولة الفاطمية بنى الناس في مكان دار الديباج المدرسة السيفية، وما وراءها من المواضع التي تعرف أماكنها اليوم: بدرب الحريريّ، وما جاور هذا الدرب إلى المدرسة الصاحبية، وما بجوارها وما هو في ظهرها، فصار يعرف خط دار الديباج في زمننا بخط سويقة الصاحب.

الأهراء السلطانية: وكانت أهراء الغلال السلطانية في دولة الخلفاء الفاطميين حيث المواضع التي فيها الآن خزانة شمائل، وما وراءها إلى قرب الحارة الوزيرية.

قال ابن الطوير: وأما الأهراء فإنها كانت في عدّة أماكن بالقاهرة وهي اليوم:

اصطبلات ومناخات، وكانت تحتوي على ثلثمائة ألف أردب من الغلات، وأكثر من ذلك.

وكان فيها مخازن يسمى أحدها: بغداي، وآخر: الفول، وآخر: القرافة، ولها الحماة من الأمراء والمشارفين من العدول، والمراكب واصلة إليها بأصناف الغلات إلى ساحل مصر، وساحل المقس، والحمالون يحملون ذلك إليها بالرسائل على يد رؤساء المراكب، وأمنائها من كل ناحية سلطانية، وأكثر ذلك من الوجه القبليّ، ومنها إطلاق الأقوات لأرباب الرتب والخدم وأرباب الصدقات، وأرباب الجوامع، والمساجد، وجرايات العبيد السودان بتعريفات، وما ينفق في الطواحين برسم خاص الخليفة، وهي طواحين مدارها سفل، وطواحينها علو حتى لا تقارب زبل الدواب، ويحمل دقيقها للخاص، وما يختص بالجهات في خرائط من شقق حلبية.

ومن الأهراء تخرج جرايات رجال الأسطول، وفيها ما هو قديم يقطع بالمساحي، ويخلط في بعض الجرايات بالجديد بجرايات المذكورين وجرايات السودان، ومنها ما يستدعي بدار الضيافة لإخباز الرسل، ومن يتبعهم، وما يعمل من القمح برسم الكعك لزاد الأسطول، فلا يفتر مستخدموها من دخل وخرج ولهم جامكية مميزة، وجرايات برسم أقواتهم، وشعير لدوابهم وما يقبض من الواصلين بالغلال إلاّ ما يماثل العيون المختومة معهم، وإلاّ ذرّي، وطلب العجز بالنسبة.

وذكر ابن المأمون: أن غلاّت الوجه القبليّ، كانت تحمل إلى الأهراء، وأما الأعمال البحرية، والبحيرة والجزيرتان والغربية والكفور، والأعمال الشرقية، فيحمل منها اليسير، ويحمل باقيها إلى الإسكندرية، ودمياط وتنيس ليسير إلى ثغر عسقلان، وثغر صور، وإنه كان يسير إليهما في كل سنة مائة وعشرون ألف أردب، منها العسقلان خمسون ألفا، ولصور: سبعون ألفا، فيصير هناك ذخيرة، ويباع منها عند الغنى عنها.

قال: وكان متحصل الديوان في كل سنة ألف ألف أردب.

وذكر جامع السيرة البازورية: أن المتجر كان يقام به للديوان من الغلة، وأن الوزير أبا محمد البازوريّ قال للخليفة المستنصر: وهو يومئذ يتقلّد وظيفة قاضي القضاة، وقد قصر النيل في سنة أربع وأربعين وأربعمائة ولم يكن بالمخازن السلطانية غلال، فاشتدّت المسغبة بأمير المؤمنين: إنّ المتجر الذي يقام بالغلة فيه أو في مضرّة على المسلمين، وربما أقحط السعر من مشتراها، ولا يمكن بيعها، فتتغير في المخازن وتتلف، وإنه يقام متجر لا كلفة فيه على الناس، ويفيد أضعاف فائدة الغلة، ولا يخشى عليه من تغير في المخازن، ولا انحطاط سعر، وهو الصابون والخشب والحديد، والرصاص، والعسل، وما أشبه ذلك، فأمضى الخليفة ما رآه، واستمرّ ذلك ودام الرخاء على الناس وتوسعوا.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر قصور الخلفاء ومناظرهم والإلماع بطرف من مآثرهم وما صارت إليه أحوالها من بعدهم

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.