من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
ذكر حشيشة الفقراء
قال الحسن بن محمد في كتاب السوانح الأدبية في مدائح القنبية: سألت الشيخ جعفر بن محمد الشيرازيّ الحيدريّ ببلدة تستر في سنة ثمان وخمسين وستمائة، عن السبب في الوقوف على هذا العقار ووصوله إلى الفقراء خاصة، وتعدّيه إلى العوام عامّة، فذكر لي أن شيخه شيخ الشيوخ حيدرا ﵀، كان كثير الرياضة والمجاهدة، قليل الاستعمال للغذاء، قد فاق في الزهادة وبرز في العبادة، وكان مولده بنشاور من بلاد خراسان، ومقامه بجبل بين نشاور ومارماه وكان قد اتخذ بهذا الجبل زاوية وفي صحبته جماعة من الفقراء، وانقطع في موضع منها ومكث بها أكثر من عشر سنين لا يخرج منها، ولا يدخل عليه أحد غيري للقيام بخدمته. قال: ثم أن الشيخ طلع ذات يوم وقد اشتدّ الحرّ وقت القائلة منفردا
بنفسه إلى الصحراء، ثم عاد وقد علا وجهه نشاط وسرور، بخلاف ما كنا نعهده من حاله قبل، وأذن لأصحابه في الدخول عليه، وأخذ يحادثهم، فلما رأينا الشيخ على هذه الحالة من المؤانسة بعد إقامته تلك المدّة الطويلة في الخلوة والعزلة، سألناه عن ذلك فقال: بينما أنا في خلوتي إذ خطر ببالي الخروج إلى الصحراء منفردا، فخرجت فوجدت كل شيء من النبات ساكنا لا يتحرّك لعدم الريح وشدّة القيظ، ومررت بنبات له ورق، فرأيته في تلك الحال يميس بلطف ويتحرّك من غير عنف، كالثمل النشوان، فجعلت أقطف منه أوراقا وآكلها، فحدث عندي من الارتياح ما شاهدتموه، وقوموا بنا حتى أوقفكم عليه لتعرفوا شكله.
قال: فخرجنا إلى الصحراء، فأوقفنا على النبات، فلما رأيناه قلنا هذا نبات يعرف بالقنب، فأمرنا أن نأخذ من ورقه ونأكله، ففعلنا، ثم عدنا إلى الزاوية فوجدنا في قلوبنا من السرور والفرح ما عجزنا عن كتمانه، فلما رآنا الشيخ على الحالة التي وصفنا، أمرنا بصيانة هذا العقار، وأخذ علينا الأيمان أن لا نعلم به أحدا من عوامّ الناس، وأوصانا أن لا نخفيه عن الفقراء، وقال إن اللّه تعالى قد خصكم بسرّ هذا الورق ليذهب بأكله همومكم الكثيفة، ويجلو بفعله أفكاركم الشريفة، فراقبوه فيما أودعكم، وراعوه فيما استرعاكم. قال الشيخ جعفر: فزرعتها بزاوية الشيخ حيدر بعد أن وقفنا على هذا السرّ في حياته، وأمرنا بزرعها حول ضريحه بعد وفاته، وعاش الشيخ حيدر بعد ذلك عشر سنين وأنا في خدمته لم أره يقطع أكلها في كل يوم، وكان يأمرنا بتقليل الغذاء وأكل هذه الحشيشة، وتوفي الشيخ حيدر سنة ثمان عشرة بزاويته في الجبل، وعمل على ضريحه قبة عظيمة، وأتته النذور الوافرة من أهل خراسان وعظموا قدره وزاروا قبره، واحترموا أصحابه، وكان قد أوصى أصحابه عند وفاته أن يوقفوا ظرفاء أهل خراسان وكبراءهم على هذا العقار وسرّه، فاستعملوه.
قال: ولم تزل الحشيشة شائعة ذائعة في بلاد خراسان ومعاملات فارس، ولم يكن يعرف أكلها أهل العراق حتى ورد إليها صاحب هرمز، ومحمد بن محمد صاحب البحرين، وهما من ملوك سيف البحر المجاور لبلاد فارس في أيام الملك الإمام المستنصر بالله، وذلك في سنة ثمان وعشرين وستمائة، فحملها أصحابهما معهم وأظهروا للناس أكلها، فاشتهرت بالعراق ووصل خبرها إلى أهل الشام ومصر والروم فاستعملوها. قال: وفي هذه السنة ظهرت الدراهم ببغداد، وكان الناس ينفقون القراضة، وقد نسب إظهار الحشيشة إلى الشيخ حيدر الأديب محمد بن عليّ بن الأعمى الدمشقيّ في أبيات وهي:
دع الخمر واشرب من مدامة حيدرمعنبرة خضراء مثل الزبرجد
يعاطيكها ظبي من الترك أغيديميس على غصن من البان أملد
فنحسبها في كفه إذ يديرهاكرقم عذار فوق خدّ مورّد
يرنحها أدنى نسيم تنسّمتفتهفو إلى برد النسيم المردّد
وتشدو على أغصانها الورق في الضحىفيطربها سجع الحمام المغرّد
وفيها معان ليس في الخمر مثلهافلا تستمع فيها مقالا مفند
هي البكر لم تنكح بماء سحابةولا عصرت يوما برجل ولا يد
ولا عبث القسيس يوما بكأسهاولا قرّبوا من دنها كل مقعد
ولا نصّ في تحريمها عند مالكولا حدّ عند الشافعيّ وأحمد
ولا أثبت النعمان تنجيس عينهافخذها بحدّ المشرفيّ المهند
وكف أكفّ الهمّ بالكف واسترحولا تطرح يوم السرور إلى غد
وكذلك نسب إظهارها إلى الشيخ حيدر الأديب أحمد بن محمد بن الرسّام الحلبيّ فقال:
ومهفهف بادي النفار عهدتهلا ألتقيه قط غير معبس
فرأيته بعض الليالي ضاحكاسهل العريكة ريضا في المجلس
فقضيت منه مآربي وشكرتهإذ صار من بعد التنافر مؤنسي
فأجابني لا تشكرنّ خلائقيواشكر شفيعك فهو خمر المفلس
فحشيشة الأفراح تشفع عندناللعاشقين ببسطها للأنفس
وإذا هممت بصيد ظبي نافرفاجهد بأن يرعى حشيش القنبس
واشكر عصابة حيدر إذ أظهروالذوي الخلاعة مذهب المتخمّس
ودع المعطّل للسرور وخلنيمن حسن ظنّ الناس بالمتنمّس
وقد حدّثني الشيخ محمد الشيرازيّ القلندري أنّ الشيخ حيدرا لم يأكل الحشيشة في عمره البتة، وإنما عامّة أهل خراسان نسبوها إليه لاشتهار أصحابه بها، وأن إظهارها كان قبل وجوده بزمان طويل، وذلك أنه كان بالهند شيخ يسمى بيررطن، هو أوّل من أظهر لأهل الهند أكلها، ولم يكونوا يعرفونها قبل ذلك، ثم شاع أمرها في بلاد الهند حتى ذاع خبرها ببلاد اليمن، ثم فشا إلى أهل فارس، ثم ورد خبرها إلى أهل العراق والروم والشام ومصر، في السنة التي قدّمت ذكرها. قال: وكان بيررطن في زمن الأكاسرة، وأدرك الإسلام وأسلم، وأنّ الناس من ذلك الوقت يستعملونها، وقد نسب إظهارها إلى أهل الهند عليّ بن مكيّ في أبيات أنشدنيها من لفظه وهي:
ألا فاكفف الأحزان عني مع الضرّبعذراء زفّت في ملاحفها الخضر
تجلت لنا لما تحلتّ بسندسفجلّت عن التشبيه في النظم والنثر
بدت تملأ الأبصار نورا بحسنهافأخجل نور الروض والزهر بالزهر
عروس يسرّ النفس مكنون سرّهاوتصبح في كل الحواس إذا تسري
فللذوق منها مطعم الشهد رائقاوللشم منها فائق المسك بالنشر
وفي لونها للطرف أحسن نزهةيميل إلى رؤياه من سائر الزهر
تركّب من قان وأبيض فانثنتتتيه على الأزهار عالية القدر
فيكسف نور الشمس حمرة لونهاوتخجل من مبيضّه طلعة البدر
علت رتبة في حسنها وكأنهازبرجد روض جاده وابل القطر
تبدّت فأبدت ما أجنّ من الهوىوجاءت فولت جند همي والفكر
جميلة أوصاف جليلة رتبةتغالت فغالى في مدائحها شعري
فقم فانف جيش الهمّ واكفف يد العنابهندية أمضى من البيض والسمر
بهندية في أصل إظهار أكلهاإلى الناس لا هندية اللون كالسّمر
تزيل لهيب الهمّ عنّا بأكلهاوتهدي لنا الأفراح في السرّ والجهر
قال: وأنا أقول إنه قديم معروف منذ أوجد اللّه تعالى الدنيا، وقد كان على عهد اليونانيين، والدليل على ذلك ما نقله الأطباء في كتبهم عن بقراط وجالينوس من مزاج هذا العقار وخواصه، ومنافعه ومضارّه، قال ابن جزلة في كتاب منهاج البيان: القنب الذي هو ورق الشهدانج، منه بستانيّ ومنه برّيّ، والبستانيّ أجوده، وهو حار يابس في الدرجة الثالثة، وقيل حرارته في الدرجة الأولى، ويقال أنه بارد يابس في الدرجة الأولى، والبريّ منه حار يابس في الدرجة الرابعة. قال: ويسمى بالكفّ. أنشدني تقيّ الدين الموصلي:
كف كفّ الهموم بالكفّ فالكفّ شفاء للعاشق المهموم
بابنة القنّب الكريمة لا بابنة كرم بعد البنت الكروم
قال: والفقراء إنما يقصدون استعماله مع ما يجدون من اللذة تجفيفا للمنيّ، وفي إبطاله قطع لشهوة الجماع كي لا تميل نفوسهم إلى ما يوقع في الزنا. وقال بعض الأطباء:
ينبغي لمن يأكل الشهدانج أو ورقه، أن يأكله مع اللوز أو الفستق أو السكر أو العسل أو الخشخاش، ويشرب بعده السكنجبين ليدفع ضرره، وإذا قلي كان أقلّ لضرره، ولذلك جرت العادة قبل أكله أن يقلى، وإذا أكل غير مقليّ كان كثير الضرر، وأمزجة الناس تختلف في أكله، فمنهم من لا يقدر أن يأكله مضافا إلى غيره، ومنهم من يضيف إليه السكر أو العسل أو غيره من الحلاوات. وقرأت في بعض الكتب أن جالينوس قال إنها تبرئ من التخمة، وهي جيدة للهضم، وذكر ابن جزلة في كتاب المنهاج أن بزر شجر القنب البستانيّ هو الشهدانج، وثمره يشبه حب السمنة، وهو حب يعصر منه الدهن. وحكي عن حنين بن إسحاق أنّ شجرة البري تخرج في القفار المنقطعة على قدر ذراع، وورقه يغلب عليه
البياض. وقال يحيى بن ماسويه في كتاب تدبير أبدان الأصحاء: أنّ من غلب على بدنه البلغم ينبغي أن تكون أغذيته مسخنة مجففة، كالزبيب والشهدانج.
وقال صاحب كتاب إصلاح الأدوية: أنّ الشهدانج يدرّ البول، وهو عسر الانهضام، رديء الخلط للمعدة. قال: ولم أجد لإزالة الزفر من اليد أبلغ من غسلها بالحشيشة، ورأيت من خواصها أن كثيرا من ذوات السموم كالحية ونحوها إذا شمت ريحها هربت، ورأيت أن الإنسان إذا أكلها ووجد فعلها في نفسه، وأحبّ أن يفارقه فعلها قطر في منخريه شيئا من الزيت، وأكل من اللبن الحامض. ومما يكسر قوّة فعلها ويضعفه السباحة في الماء الجاري، والنوم يبطله.
قال مؤلفه رحمه اللّه تعالى: دع نزاهة القوم، فما بلي الناس بأفسد من هذه الشجرة لأخلاقهم، ولقد حدّثني القاضي الرئيس تاج الدين إسماعيل بن عبد الوهاب بن الخطباء المخزوميّ، قبل اختلاطه، عن الرئيس علاء الدين بن نفيس: أنه سئل عن هذه الحشيشة فقال: اعتبرتها فوجدتها تورث السفالة والرذالة، وكذلك جرّبنا في طول عمرنا من عاناها فإنه ينحط في سائر أخلاقه إلى ما لا يكاد أن يبقى له من الإنسانية شيء البتة.
وقد قال ابن البيطار في كتاب المفردات: ومن القنب نوع ثالث يقال له القنب الهنديّ، ولم أره بغير مصر، ويزرع في البساتين ويقال له الحشيشة عندهم أيضا، وهو يسكر جدّا إذا تناول منه الإنسان قدر درهم أو درهمين، حتى أنّ من أكثر منه يخرجه إلى حدّ الرعونة، وقد استعمله قوم فاختلت عقولهم، وأدّى بهم الحال إلى الجنون، وربما قتلت.
ورأيت الفقراء يستعملونها على أنحاء شتى، فمنهم من يطبخ الورق طبخا بليغا ويدعكه باليد دعكا جيدا، حتى يتعجن، ويعمل منه أقراصا، ومنهم من يجففه قليلا ثم يحمصه ويفركه باليد، ويخلط به قليل سمسم مقشور وسكّر ويستفه ويطيل مضغه، فإنهم يطربون عليه ويفرحون كثيرا، وربما أسكرهم فيخرجون به إلى الجنون أو قريب منه، وهذا ما شاهدته من فعلها، وإذا خيف من الإكثار منه فليبادر إلى القيء بسمن وماء سخن، حتى تنقى منه المعدة، وشراب الحماض لهم في غاية النفع، فانظر كلام العارف فيها واحذر من إفساد بشريّتك وتلاف أخلاقك باستعمالها، ولقد عهدناها وما يرمى بتعاطيها إلاّ أراذل الناس، ومع ذلك فيأنفون من انتسابهم لها لما فيها من الشنعة، وكان قد تتبع الأمير سودون الشيخونيّ ﵀ الموضع الذي يعرف بالجنينة من أرض الطبالة وباب اللوق وحكر واصل ببولاق، وأتلف ما هنالك من هذه الشجرة الملعونة، وقبض على من كان يبتلعها من أطراف الناس ورذلائهم وعاقب على فعلها بقلع الأضراس، فقلع أضراس كثير من العامّة في نحو سنة ثمانين وسبعمائة، وما برحت هذه الخبيثة تعدّ من القاذورات حتى قدم سلطان بغداد أحمد بن أويس فارا من تيمورلنك إلى القاهرة في سنة خمس وتسعين وسبعمائة، فتظاهر أصحابه بأكلها، وشنع الناس عليهم واستقبحوا ذلك من فعلهم وعابوه عليهم، فلما سافر من
القاهرة إلى بغداد وخرج منها ثانيا وأقام بدمشق مدّة، تعلم أهل دمشق من أصحابه التظاهر بها. وقدم إلى القاهرة شخص من ملاحدة العجم صنع الحشيشة بعسل، خلط فيها عدّة أجزاء مجففة، كعرف اللفاح ونحوه، وسمّاها العقدة وباعها بخفية، فشاع أكلها وفشا في كثير من الناس مدّة أعوام، فلما كان في سنة خمس عشرة وثمانمائة شنع التجاهر بالشجرة الملعونة، فظهر أمرها واشتهر أكلها وارتفع الاحتشام من الكلام بها، حتى لقد كادت أن تكون من تحف المترفين، وبهذا السبب غلبت السفالة على الأخلاق، وارتفع ستر الحياء والحشمة من بين الناس، وجهروا بالسوء من القول، وتفاخروا بالمعايب، وانحطوا عن كل شرف وفضيلة، وتحلوا بكل ذميمة من الأخلاق ورذيلة، فلولا الشكل لم تقض لهم بالإنسانية، ولولا الحس لما حكمت عليهم بالحيوانية، وقد بدأ المسخ في الشمائل والأخلاق المنذر بظهوره على الصور والذوات، عافانا اللّه ﵎ من بلائه، وأرض الطبالة الآن بيد ورثة الحاجب.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع