من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
ذكر كوم الريش
هذا اسم لبلد فيما بين أرض البعل ومنية الشيرج. كان النيل يمرّ بغربيها بعد مروره بغربيّ أرض البعل، وأدركت آثار الجروف باقية من غربيّ البعل، وغربيّ كوم الريش إلى أطراف المنية، حتى تغيرت الأحوال من بعد سنة ست وثمانمائة، ففاض ماء النيل في أيام الزيادة ونزل في الدرب الذي كان يسلك فيه من أرض الطبالة إلى المنية، فانقطع هذا الدرب وترك الناس سلوكه، وكان كوم الريش من أجلّ منتزهات القاهرة، ورغب أعيان الناس في سكناها للتنزه بها.
وأخبرني شيخنا قاضي القضاة مجد الدين إسماعيل بن إبراهيم الحنفي، وخال أبي تاج الدين إسماعيل بن أحمد بن الخطباء، أنهما أدركا بكوم الريش عدّة أمراء يسكنون فيها دائما، وأنه كان من جملة من يسكن فيها دائما نحو الثمانمائة من الجند السلطاني، وأنا أدركت بها سوقا عامرا بالمعايش بأنواعها من المآكل، لا أعرف اليوم بالقاهرة مثله في كثرة
المآكل، وأدركت بها حمّاما وجامعين تقام بهما الجمعة، وموقف مكارية، ومنارة لا يقدر الواصف أن يعبر عن حسنها لما اشتملت عليه من كل معنى رائق بهج، وما برحت على ذلك إلى أن حدثت المحن من سنة ست وثمانمائة، فطرقها أنواع الرزايا حتى صارت بلاقع، وجهلت طرقها وتغيرت معاهدها ونزل بها من الوحشة ما أبكاني، وأنشدت في رؤيتها عندما شاهدتها خرابا:
قفرا كأنك لم تكن تلهو بهافي نعمة وأوانس أتراب
وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة، إنّ أخذه أليم شديد.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع