تجاوز إلى المحتوى

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)

ذكر منية الأمراء

قال ياقوت في كتاب المشترك: المنية ثلاثة وأربعون موضعا، وجميعها بمصر غير واحدة، وبمصر من القرى المسماة بهذا الاسم ما يقارب المائتين. قال: ومنية الشيرج، ويقال لها منية الأمير ومنية الأمراء، بليدة فيها أسواق على فرسخ من القاهرة في طريق الإسكندرية. وذكر الشريف محمد بن أسعد الجوانيّ النسابة: أن قتلى أهل الشام الذين قتلوا في وقعة الخندق، بين مروان بن الحكم وعبد الرحمن بن جحدم أمير مصر، في سنة خمس وستين من الهجرة، دفنوا حيث موضع منية الشيرج هذه، وكانوا نحوا من الثمانمائة.

وقال ابن عبد الظاهر: منية الأمراء من الحبس الجيوشيّ الشرقيّ الذي كان حبسه أمير الجيوش، ثم ارتجع. وفي كل سنة يأكل البحر منها جانبا، ويجدّد جامعها ودورها حتى

صار جامعها القديم ودورها في برّ الجيزة، وغلب البحر عليها، وهذه المنية من محاسن منتزهات القاهرة، وكانت قد كثرت العمائر بها واتخذها الناس منزل قصف ودار لعب ولهو ومغنى صبابات، وبها كان يعمل عيد الشهيد الذي تقدّم ذكره عند ذكر النيل من هذا الكتاب، لقربها من ناحية شبرا، وبها سوق في كل يوم أحد يباع فيه البقر والغنم والغلال، وهو من أسواق مصر المشهورة، وأكثر من كان يسكن بها النصارى، وكانت تعرف بعصر الخمر وبيعه، حتى أنه لما عظمت زيادة ماء النيل في سنة ثمان عشرة وسبعمائة، وكانت الغرقة المشهورة وغرقت شبرا والمنية، تلف فيها من جرار الخمر ما ينيف على ثمانين ألف جرّة مملوءة بالخمر، وباع نصرانيّ واحد مرّة في يوم عيد الشهيد بها خمرا باثني عشر ألف درهم فضة، عنها يومئذ نحو الستمائة دينار، وكسر منها الأمير بلبغا السالميّ في صفر سنة ثلاث وثمانمائة ما ينيف على أربعين ألف جرّة مملوءة بالخمر.

وما برحت تغرق في الأنيال العالية إلى أن عمل الملك الناصر محمد بن قلاوون في سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة الجسر من بولاق إلى المنية، كما ذكر عند ذكر الجسور من هذا الكتاب. فأمن أهلها من الغرق، وأدركناها عامرة بكثرة المساكن والناس والأسواق والمناظر، وتقصد للنزهة بها أيام النيل والربيع، لا سيما في يومي الجمعة والأحد، فإنه كان للناس بها في هذين اليومين مجتمع ينفق فيه مال كثير، ثم لما حدثت المحن من سنة ست وثمانمائة، الحّ المناسر بالهجوم عليها في الليل وقتلوا من أهلها عدّة، فارتحل الناس منها وخلت أكثر دورها، وتعطلت حتى لم يبق بها سوى طاحون واحدة لطحن القمح، بعد ما كان بها ما ينيف على ثمانين طاحونة، وبها الآن بقية وهي جارية في الديوان السلطاني المعروف بالمفرد.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.