من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
ذكر خليج مصر
هذا الخليج بظاهر مدينة فسطاط مصر، ويمرّ من غربيّ القاهرة، وهو خليج قديم احتفره بعض قدماء ملوك مصر، بسبب هاجر أم إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن صلوات اللّه وسلامه عليهما، حين أسكنها وابنها إسماعيل خليل اللّه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام بمكة، ثم تمادت الدهور والأعوام فجدّد حفره ثانيا بعض من ملك مصر من ملوك الروم بعد الإسكندر، فلما جاء اللّه سبحانه بالإسلام، وله الحمد والمنة، وفتحت أرض مصر على يد عمرو بن العاص، جدّد حفره بإشارة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، في عام الرمادة، وكان يصب في بحر القلزم فتسير فيه السفن إلى البحر الملح، وتمرّ في البحر إلى الحجاز واليمن والهند، ولم يزل على ذلك إلى أن قام محمد بن عبد اللّه بن
حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب بالمدينة النبوية، والخليفة حينئذ بالعراق أبو جعفر عبد اللّه بن محمد المنصور، فكتب إلى عامله على مصر يأمره بطمّ خليج القلزم حتى لا تحمل الميرة من مصر إلى المدينة، فطمّه وانقطع من حينئذ اتصاله ببحر القلزم وصار على ما هو عليه الآن، وكان هذا الخليج أوّلا يعرف بخليج مصر، فلما أنشأ جوهر القائد القاهرة بجانب هذا الخليج من شرقيه، صار يعرف بخليج القاهرة، وكان يقال له أيضا خليج أمير المؤمنين، يعني عمر بن الخطاب ﵁، لأنه الذي أشار بتجديد حفره، والآن تسميه العامة بالخليج الحاكميّ، وتزعم أن الحاكم بأمر اللّه أبا عليّ منصورا احتفره، وليس هذا بصحيح. فقد كان هذا الخليج قبل الحاكم بمدد متطاولة، ومن العامة من يسميه خليج اللؤلؤة أيضا.
وسأقص عليك من أخبار هذا الخليج ما وقفت عليه من الأنباء.
قال الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه في أخبار طيطوس بن ماليا بن كلكن بن خربتا بن ماليق بن تدراس بن صابن مرقونس بن صابن قبطيم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح، وجلس على سرير الملك بعد أبيه ماليا، وكان جبارا جريئا شديد البأس مهابا، فدخل عليه الأشراف وهنوه ودعوا له، فأمرهم بالإقبال على مصالحهم وما يعنيهم، ووعدهم بالإحسان، والقبط تزعم أنه أوّل الفراعنة بمصر، وهو فرعون إبراهيم ﵇، وأن الفراعنة سبعة هو أوّلهم، وأنه استخف بأمر الهياكل والكهنة، وكان من خبر إبراهيم ﵇ معه، أن إبراهيم لما فارق قومه أشفق من المقام بالشام، لئلا يتبعه قومه ويردّوه إلى النمرود، لأنه كان من أهل كونا من سواد العراق، فخرج إلى مصر ومعه سارّة امرأته وترك لوطا بالشام.
وسار إلى مصر، وكانت سارّة أحسن نساء وقتها، ويقال أنّ يوسف ﵇ ورث جزأ من جمالها، فلما سار إلى مصر، رأى الحرس المقيمون على أبواب المدينة سارة، فعجبوا من حسنها، ورفعوا خبرها إلى طيطوس الملك وقالوا: دخل إلى البلد رجل من أهل الشرق معه امرأة لم ير أحسن منها ولا أجمل.
فوجّه الملك إلى وزيره فأحضر إبراهيم صلوات اللّه عليه وسأله عن بلده، فأخبره.
وقال: ما هذه المرأة منك؟ فقال أختي. فعرّف الملك بذلك فقال: مره أن يجئني بالمرأة حتى أراها. فعرّفه ذلك، فامتغص منه ولم تمكنه مخالفته، وعلم أن اللّه تعالى لا يسوؤه في أهله، فقال لسارة: قومي إلى الملك، فإنه قد طلبك مني. قالت: وما يصنع بي الملك وما رآني قبل قال: أرجو أن يكون لخير. فقامت معه حتى أتوا قصر الملك، فأدخلت عليه، فنظر منها منظرا راعه وفتنته، فأمر بإخراج إبراهيم ﵇ فأخرج، وندم على قوله إنها أخته، وإنما أراد أنها أخته في الدين، ووقع في قلب إبراهيم ﵇ ما يقع في قلب الرجل على أهله، وتمنى أنه لم يدخل مصر فقال: اللهم لا تفضح نبيك في أهله. فراودها
الملك عن نفسها فامتنعت عليه، فذهب ليمدّ يده إليها فقالت: إنك إن وضعت يدك عليّ أهلكت نفسك، لأنّ لي ربا يمنعني منك. فلم يلتفت إلى قولها ومدّ يده إليها، فجفت يده وبقي حائرا. فقال لها: أزيلي عني ما قد أصابني. فقالت: على أن لا تعاود مثل ما أتيت.
قال: نعم. فدعت اللّه ﷾ فزال عنه ورجعت يده إلى حالها. فلما وثق بالصحة راودها ومناها ووعدها بالإحسان، فامتنعت وقالت: قد عرفت ما جرى. ثم مدّ يده إليها فجفت وضربت عليه أعضاؤه وعصبه، فاستغاث بها وأقسم بالآلهة أنها إن أزالت عنه ذلك فإنه لا يعاودها. فسألت اللّه تعالى، فزال عنه ذلك ورجع إلى حاله فقال: إنّ لك لربا عظيما لا يضيعك، فأعظم قدرها وسألها عن إبراهيم فقالت: هو قريبي وزوجي. قال: فإنه قد ذكر أنك أخته. قالت: صدق، أنا أخته في الدين، وكل من كان على ديننا فهو أخ لنا. قال: نعم الدين دينكم.
ووجه إلى ابنته جوريا، وكانت من الكمال والعقل بمكان كبير، فألقى اللّه تعالى محبة سارة في قلبها، فكانت تعظمها وأضافتها أحسن ضيافة، ووهبت لها جوهرا ومالا. فأتت به إبراهيم ﵇ فقال لها: ردّيه فلا حاجة لنا به. فردّته، وذكرت ذلك جوريا لأبيها.
فعجب منهما وقال: هذا كريم من أهل بيت الطهارة، فتحيلي في برّها بكل حيلة، فوهبت لها جارية قبطية من أحسن الجواري يقال لها آجر، وهي هاجر أم إسماعيل ﵇، وجعلت لها سلالا من الجلود، وجعلت فيها زاد وحلوى وقالت: يكون هذا الزاد معك، وجعلت تحت الحلوى جوهرا نفيسا وحليا مكللا. فقالت سارة: أشاور صاحبي. فأتت إبراهيم ﵇ واستأذنته فقال: إذا كان مأكولا فخذيه. فقبلته منها.
وخرج إبراهيم، فلما مضى وأمعنوا في السير، أخرجت سارة بعض تلك السلال فأصابت الجوهر والحلي، فعرّفت إبراهيم ﵇ ذلك، فباع بعضه وحفر من ثمنه البئر التي جعلها للسبيل، وفرّق بعضه في وجوه البرّ، وكان يضيف كل من مرّ به، وعاش طيطوس إلى أو وجهت هاجر من مكة تعرّفه أنها بمكان جدب وتستغيثه، فأمر بحفر نهر في شرقيّ مصر بسفح الجبل حتى ينتهي إلى مرقى السفن في البحر الملح، فكان يحمل إليها الحنطة وأصناف الغلات، فتصل إلى جدّة وتحمل من هناك على المطايا، فأحيا بلد الحجاز مدّة، ويقال إنما حلّيت الكعبة في ذلك العصر مما أهداه ملك مصر، وقيل أنه لكثرة ما كان يحمله طوطيس إلى الحجاز سمته العرب وجرهم الصادوق، ويقال أنه سأل إبراهيم ﵇ أن يبارك له في بلده فدعا بالبركة لمصر، وعرّفه أن ولده سيملكها ويصير أمرها إليهم قرنا بعد قرن.
وطوطيس أوّل فرعون كان بمصر، وذلك أنه أكثر من القتل حتى قتل قراباته وأهل بيته وبني عمه وخدمه ونساءه، وكثيرا من الكهنة والحكماء، وكان حريصا على الولد فلم يرزق
ولدا غير ابنته جوريا، أو جورياق، وكانت حكيمة عاقلة تأخذ على يده كثيرا وتمنعه من سفك الدماء، فأبغضته ابنته وأبغضه جميع الخاصة والعامة، فلما رأت أمره يزيد خافت على ذهاب ملكهم فسمته وهلك، وكان ملكه سبعين سنة، واختلفوا فيمن يملك بعده، وأرادوا أن يقيموا واحدا من ولد اتريب، فقال بعض الوزراء ودعا لجورياق، فتمّ لها الأمر وملكت.
فهذا كان أوّل أمر هذا الخليج.
ثم حفره مرّة ثانية أدريان قيصر، أحد ملوك الروم، ومن الناس من يسميه أندرويانوس، ومنهم من يقول هوريانوس، قال في تاريخ مدينة رومة، وولي الملك أدريان قيصر أحد ملوك الروم، وكانت ولايته إحدى وعشرين سنة، وهو الذي درس اليهود مرّة ثانية إذ كانوا راموا النفاق عليه، وهو الذي جدّد مدينة يروشالم، يعني مدينة القدس، وأمر بتبديل اسمها وأن تسمى إيليا. وقال علماء أهل الكتاب عن أدريان هذا: وغزا القدس وأخربه في الثانية من ملكه، وكان ملكه في سنة تسع وثلاثين وأربعمائة من سني الإسكندر، وقتل عامة أهل القدس، وبنى على باب مدينة القدس منارا وكتب عليه: هذه مدينة إيليا، ويسمى موضع هذا العمود الآن محراب داود. ثم سار من القدس إلى باب فحارب ملكها وهزمه وعاد إلى مصر، فحفر خليجا من النيل إلى بحر القلزم، وسارت فيه السفن وبقي رسمه عند الفتح الإسلاميّ، فحفره عمرو بن العاص، وأصاب أهل مصر منه شدائد وألزمهم بعبادة الأصنام، ثم عاد إلى بلاده بممالك الروم فابتلى بمرض أعيى الأطباء، فخرج يسير في البلاد يبتغي من يداويه، فمرّ على بيت المقدس وكان خرابا ليس فيه غير كنيسة للنصارى، فأمر ببناء المدينة وحصنها وأعاد إليها اليهود، فأقاموا بها وملّكوا عليهم رجلا منهم.
فبلغ ذلك أدريان قيصر فبعث إليهم جيشا لم يزل يحاصرهم حتى مات اكثرهم جوعا وعطشا وأخذها عنوة، فقتل من اليهود ما لا يحصى كثرة، وأخرب المدينة حتى صارت تلالا عامرة فيها البتة، وتتبع اليهود يريد أن لا يدع منهم على وجه الأرض أحدا، ثم أمر طائفة من اليونانيين فتحوّلوا إلى مدينة القدس وسكنوا فيها، فكان بين خراب القدس الخراب الثاني على يد طيطوس وبين هذا الخراب ثلاث وخمسون سنة، فعمرت القدس باليونان، ولم يزل قيصر هذا ملكا حتى مات، فهذا خبر حفر هذا الخليج في المرّة الثانية، فلما جاء الإسلام جدّد عمرو بن العاص حفره.
قال ابن عبد الحكم ذكر حفر خليج أمير المؤمنين ﵁: حدّثنا عبد اللّه بن صالح عن الليث بن سعد قال: إنّ الناس بالمدينة أصابهم جهد شديد في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في سنة الرمادة، فكتب ﵁ إلى عمرو بن العاص وهو بمصر، من عبد اللّه عمر أمير المؤمنين، إلى العاصي ابن العاصي سلام. أما بعد: فلعمري يا عمرو ما تبالي إذا شبعت أنت ومن معك، أن أهلك أنا ومن معي، فيا غوثاه
ثم يا غوثاه يردّد ذلك. فكتب إليه عمرو: من عبد اللّه عمرو بن العاص إلى أمير المؤمنين، أما بعد: فيا لبيك ثم يا لبيك، قد بعثت إليك بعير أوّلها عندك وآخرها عندي، والسلام عليك ورحمة اللّه وبركاته.
فبعث إليه بعير عظيمة، فكان أوّلها بالمدينة وآخرها بمصر يتبع بعضها بعضا. فلما قدمت على عمر ﵁، وسّع بها على الناس، ودفع إلى أهل كل بيت بالمدينة وما حولها بعيرا بما عليه من الطعام، وبعث عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوّام وسعد بن أبي وقاص يقسّمونها على الناس، فدفعوا إلى أهل كل بيت بعيرا بما عليه من الطعام، ليأكلوا الطعام، ويأتدموا بلحمه، ويحتذوا بجلده، وينتفعوا بالوعاء الذي كان فيه الطعام فيما أرادوا من لحاف أو غيره. فوسّع اللّه بذلك على الناس، فلما رأى ذلك عمر ﵁، حمد اللّه وكتب إلى عمرو بن العاص أن يقدم عليه هو وجماعة من أهل مصر معه، فقدموا عليه. فقال عمر: يا عمرو، إنّ اللّه قد فتح على المسلمين مصر، وهي كثيرة الخير والطعام، وقد ألقى في روعي لما أحببت من الرفق بأهل الحرمين والتوسعة عليهم حين فتح اللّه عليهم مصر، وجعلها قوّة لهم ولجميع المسلمين، أن أحفر خليجا من نيلها حتى يسيل في البحر، فهو أسهل لما نريد من حمل الطعام إلى المدينة ومكة، فإن حمله الطهر يبعد، ولا نبلغ به ما نريد، فانطلق أنت وأصحابك فتشاوروا في ذلك حتى يعتدل فيه رأيكم، فانطلق عمرو فأخبر من كان معه من أهل مصر، فثقل ذلك عليهم وقالوا: نتخوف أن يدخل من هذا ضرر على مصر، فنرى أن تعظّم ذلك على أمير المؤمنين وتقول له: إنّ هذا أمر لا يعتدل ولا يكون ولا نجد إليه سبيلا. فرجع عمرو بذلك إلى عمر فضحك عمر ﵁ حين رآه وقال:
والذي نفسي بيده لكأني أنظر إليك يا عمرو وإلى أصحابك حين أخبرتهم بما أمرنا به من حفر الخليج، فثقل ذلك عليهم وقالوا يدخل من هذا ضرر على أهل مصر، فنرى أن تعظّم ذلك على أمير المؤمنين وتقول له، إنّ هذا أمر لا يعتدل ولا يكون، ولا نجد إليه سبيلا.
فعجب عمرو من قول عمرو قال: صدقت واللّه يا أمير المؤمنين، لقد كان الأمر على ما ذكرت. فقال له عمر ﵁: انطلق بعزيمة مني حتى تجدّ في ذلك، ولا يأتي عليك الحول حتى تفرغ منه إن شاء اللّه تعالى.
فانصرف عمرو وجمع لذلك من الفعلة ما بلغ منه ما أراد، ثم احتفر الخليج في حاشية الفسطاط الذي يقال له خليج أمير المؤمنين، فساقه من النيل إلى القلزم، فلم يأت الحول حتى جرت فيه السفن، فحمل فيه ما أراد من الطعام إلى المدينة ومكة، فنفع اللّه بذلك أهل الحرمين، وسمي خليج أمير المؤمنين، ثم لم يزل يحمل فيه الطعام حتى حمل فيه بعد عمر بن عبد العزيز، ثم ضيعه الولاة بعد ذلك فترك وغلب عليه الرمل فانقطع، فصار منتهاه إلى ذنب التمساح من ناحية بطحاء القلزم.
قال: ويقال إنّ عمر ﵁ قال لعمرو حين قدم عليه: يا عمرو إنّ العرب قد تشاءمت بي وكادت أن تغلب علي رحلي، وقد عرفت الذي أصابها، وليس جند من الأجناد أرجى عندي أن يغيث اللّه بهم أهل الحجاز من جندك، فإن استطعت أن تحتال لهم حيلة حتى يغيثهم اللّه تعالى. فقال عمرو: ما شئت يا أمير المؤمنين، قد عرفت أنه كانت تأتينا سفن فيها تجار من أهل مصر قبل الإسلام، فلما فتحنا مصر انقطع ذلك الخليج واستدّ وتركه التجار، فإن شئت أن نحفره فننشيء فيه سفنا يحمل فيها الطعام إلى الحجاز فعلته. فقال عمر ﵁: نعم فافعل.
فلما خرج عمرو من عند عمر بن الخطاب ﵁، ذكر ذلك لرؤساء أهل أرضه من قبط مصر فقالوا له: ما ذا جئت به، أصلح اللّه الأمير، تريد أن تخرج طعام أرضك وخصبها إلى الحجاز وتخرب هذه، فإن استطعت فاستقل من ذلك. فلما ودّع عمر ﵁ قال له: يا عمرو انظر إلى ذلك الخليج ولا تنسين حفره. فقال له: يا أمير المؤمنين إنه قد انسدّ، وتدخل فيه نفقات عظيمة. فقال له: أمّا والذي نفسي بيده إني لأظنك حين خرجت من عندي حدّثت بذلك أهل أرضك فعظموه عليك وكرهوا ذلك، أعزم عليك إلاّ ما حفرته وجعلت فيه سفنا. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين إنه متى ما يجد أهل الحجاز طعام مصر وخصبها مع صحة الحجاز لا يخفوا إلى الجهاد. قال: فإني سأجعل من ذلك أمرا، لا يحمل في هذا البحر إلاّ رزق أهل المدينة وأهل مكة. فحفره عمرو وعالجه وجعل فيه السفن. قال: ويقال أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى عمرو بن العاص: إلى العاصي ابن العاصي، فإنك لعمري لا تبالي إذا سمنت أنت ومن معك أن أعجف أنا ومن معي، فيا غوثاه ويا غوثاه. فكتب إليه عمرو: أما بعد فيا لبيك ثم يا لبيك، أتتك عير أوّلها عندك وآخرها عندي، مع أني أرجو أن أجد السبيل إلى أن أحمل إليك في البحر، ثم إن عمرا ندم على كتابه في الحمل إلى المدينة في البحر. وقال: إن أمكنت عمر من هذا خرّب مصر ونقلها إلى المدينة. فكتب إليه: إني نظرت في أمر البحر فإذا هو عسر ولا يلتأم ولا يستطاع. فكتب إليه عمر ﵁: إلى العاصي ابن العاصي، قد بلغني كتابك، تعتلّ في الذي كنت كتبت إليّ به من أمر البحر، وأيم اللّه لتفعلنّ أو لأقلعن بأذنك ولأبعثن من يفعل ذلك. فعرف عمرو أنه الجدّ من عمر ﵁، ففعل. فبعث إليه عمر ﵁ أن لا ندع بمصر شيئا من طعامها وكسوتها وبصلها وعدسها وخلها إلاّ بعثت إلينا منه.
قال: ويقال إن الذي دل عمرو بن العاص على الخليج رجل من القبط، فقال لعمرو:
أرأيت إن دللتك على مكان تجري فيه السفن حتى تنتهي إلى مكة والمدينة، أتضع عني الجزية وعن أهل بيتي؟ فقال: نعم. فكتب بذلك إلى عمر بن الخطاب ﵁. فكتب إليه أن أفعل، فلما قدمت السفن خرج عمر ﵁ حاجا أو معتمرا فقال للناس:
سيروا بنا ننظر إلى السفن التي سيرها اللّه تعالى إلينا من أرض فرعون حتى أتتنا. فأتى الجار وقال: اغتسلوا من ماء البحر فإنه مبارك، فلما قدمت السفن الجار وفيها الطعام، صك عمر ﵁ للناس بذلك الطعام صكوكا، فتبايع التجار الصكوك بينهم قبل أن يقبضوها، فلقي عمر بن الخطاب ﵁ العلاء بن الأسود ﵁ فقال: كم ربح حكيم بن حزام؟ فقال: ابتاع من صكوك الجار بمائة ألف درهم وربح عليها مائة ألف، فلقيه عمر ﵁ فقال له: يا حكيم كم ربحت؟ فأخبره بمثل خبر العلاء. قال عمر ﵁: فبعته قبل أن تقبضه؟ قال نعم. قال عمر ﵁: فإنّ هذا بيع لا يصح فاردده.
فقال حكيم: ما علمت أن هذا بيع لا يصح، وما أقدر على ردّه. فقال عمر ﵁: لا بدّ. فقال حكيم: واللّه ما أقدر على ذلك، وقد تفرّق وذهب، ولكن رأس مالي وربحي صدقة.
وقال القضاعيّ في ذكر الخليج: أمر عمر بن الخطاب ﵁ عمرو بن العاص عام الرمادة بحفر الخليج الذي بحاشية الفسطاط الذي يقال له خليج أمير المؤمنين، فساقه من النيل إلى القلزم، فلم يأت عليه الحول حتى جرت فيه السفن، وحمل فيه ما أراد من الطعام إلى المدينة ومكة، فنفع اللّه تعالى بذلك أهل الحرمين، فسمي خليج أمير المؤمنين.
وذكر الكنديّ في كتاب الجند العربيّ أن عمرا حفره في سنة ثلاث وعشرين، وفرغ منه في ستة أشهر، وجرت فيه السفن ووصلت إلى الحجاز في الشهر السابع، ثم بنى عليه عبد العزيز بن مروان قنطرة في ولايته على مصر. قال: ولم يزل يحمل فيه الطعام حتى حمل فيه عمر بن عبد العزيز، ثم أضاعته الولاة بعد ذلك فترك وغلب عليه الرمل، فانقطع وصار منتهاه إلى ذنب التمساح من ناحية بطحاء القلزم.
وقال ابن قديد: أمر أبو جعفر المنصور بسدّ الخليج حين خرج عليه محمد بن عبد اللّه بن حسن بالمدينة ليقطع عنه الطعام، فسدّ إلى الآن.
وذكر البلاذري أن أبا جعفر المنصور لما ورد عليه قيام محمد بن عبد اللّه قال: يكتب الساعة إلى مصر أن تقطع الميرة عن أهل الحرمين، فإنهم في مثل الحرجة إذا لم تأتهم الميرة من مصر.
وقال ابن الطوير وقد ذكر ركوب الخليفة لفتح الخليج، وهذا الخليج هو الذي حفره عمرو بن العاص لما ولي على مصر في أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ من بحر فسطاط مصر الحلو، وألحقه بالقلزم بشاطئ البحر الملح، فكانت مسافته خمسة أيام، لتقرب معونة الحجاز من ديار مصر في أيام النيل، فالمراكب النيلية تفرّغ ما تحمله من ديار مصر بالقلزم، فإذا فرغت حملت ما في القلزم مما وصل من الحجاز وغيره إلى مصر، وكان مسلكا للتجار وغيرهم في وقته المعلوم، وكان أوّل هذا الخليج من مصر يشق الطريق
الشارع المسلوك منه اليوم إلى القاهرة، حافا بالقريوص الذي عليه البستان المعروف بابن كيسان مادا، وآثاره اليوم مادة باقية إلى الحوض المعروف بسيف الدين حسين صار ابن رزيك، والبستان المعروف بالمشتهى، وفيه آثار المنظرة التي كانت معدّة لجلوس الخليفة لفتح الخليج من هذا الطريق، ولم تكن الآدر المبنية على الخليج، ولا شيء منها هناك، وما برح هذا الخليج منتزها لأهل القاهرة يعبرون فيه بالمراكب للنزهة، إلى أن حفر الملك الناصر محمد بن قلاوون الخليج المعروف الآن بالخليج الناصريّ.
قال المسبحيّ: وفي هذا الشهر، يعني المحرّم، سنة إحدى وأربعمائة، منع الحاكم بأمر اللّه من الركوب في القوارب إلى القاهرة في الخليج، وشدّد في المنع، وسدّت أبواب القاهرة التي يتطرّق منها إلى الخليج، وأبواب الطاقات من الدور التي تشرف على الخليج، وكذلك أبواب الدور والخوخ التي على الخليج.
قال القاضي الفاضل في متجدّدات حوادث سنة أربع وتسعين وخمسمائة: ونهى عن ركوب المتفرّجين في المراكب في الخليج، وعن إظهار المنكر، وعن ركوب النساء مع الرجال، وعلّق جماعة من رؤساء المراكب بأيديهم. قال: وفي يوم الأربعاء تاسع عشر رمضان، ظهر في هذه المدّة من المنكرات ما لم يعهد في مصر في وقت من الأوقات، ومن الفواحش ما خرج من الدور إلى الطرقات، وجرى الماء في الخليج بنعمة اللّه تعالى بعد القنوط، ووقوف الزيادة في الذراع السادس عشر، فركب أهل الخلاعة وذوو البطالة في مراكب في نهار شهر رمضان ومعهم النساء الفواجر، وبأيديهنّ المزاهر يضربن بها، وتسمع أصواتهنّ ووجوههنّ مكشوفة، وحرفاؤهنّ من الرجال معهنّ في المراكب لا يمنعون عنهنّ الأيدي ولا الأبصار، ولا يخافون من أمير ولا مأمور شيئا من أسباب الإنكار، وتوقع أهل المراقبة، ما يتلو هذا الخطب من المعاقبة.
وقال جامع سيرة الناصر محمد بن قلاوون: وفي سنة ست وسبعمائة، رسم الأميران بيبرس وسلار بمنع الشخاتير والمراكب من دخول الخليج الحاكميّ والتفرّج فيه، بسبب ما يحصل من الفساد والتظاهر بالمنكرات اللاتي تجمع الخمر آلات الملاهي، والنساء المكشوفات الوجوه المتزينات بأفخر زينة، من كوافي الزركش والقنابيز والحلي العظيم، ويصرف على ذلك الأموال الكثيرة، ويقتل فيه جماعة عديدة، ورسم الأميران المذكوران لمتولي الصناعة بمصر، أن يمنع المراكب من دخول الخليج المذكور إلاّ ما كان فيه غلة أو متجرا وما ناسب ذلك، فكان هذا معدودا من حسناتهما، ومسطورا في صحائفهما.
قال مؤلفه رحمه اللّه تعالى: أخبرني شيخ معمر ولد بعد سنة سبعمائة يعرف بمحمد المسعودي، أنه أدرك هذا الخليج والمراكب تمرّ فيه بالناس للنزهة، وأنها كانت تعبر من تحت باب القنطرة غادية ورائحة، والآن لا يمرّ بهذا الخليج من المراكب إلاّ ما يحمل متاعا
من متجر أو نحوه، وصارت مراكب النزهة والتفرج إنما تمرّ في الخليج الناصريّ فقط، وعلى هذا الخليج الكبير في زماننا هذا أربع عشرة قنطرة، يأتي ذكرها إن شاء اللّه تعالى في القناطر، وحافتا هذا الخليج الآن معمورتان بالدور، وسيأتي إن شاء اللّه ذكر ذلك في مواضعه من هذا الكتاب.
وقال ابن سعد: وفيها خليج لا يزال يضعف بين خضرتها حتى يصير كما قال الرصافي:
ما زالت الأنحاء تأخذهحتى غدا كذؤابة النجم
وقلت في نور الكتان الذي على جانبي هذا الخليج:
انظر إلى النهر والكتان يرمقهمن جانبيه بأجفان لها حدق
قد سلّ سيفا عليه للصبا شطبفقابلته بأحداق بها أرق
وأصبحت في يد الأرواح تنسجهاحتى غدت حلقا من فوقها حلق
فقم نزرها ووجه الأرض متضحأو عند صفرته إن كنت تغتبق
قال وقد ذكر مصر ولا ينكر فيها إظهار أواني الخمر ولا آلات الطرب ذوات الأوتار، ولا تبرّج النساء العواهر، ولا غير ذلك مما ينكر في غيرها، وقد دخلت في الخليج الذي بين القاهرة ومصر، ومعظم عمارته فيما يلي القاهرة، فرأيت فيه من ذلك العجائب، وربما وقع فيه قتل بسبب السكر، فيمنع فيه الشرب، وذلك في بعض الأحيان، وهو ضيق وعليه من الجهتين مناظر كثيرة العمارة بعالم الطرب والتحكم والمجانة، حتى أن المحتشمين والرؤساء لا يجيزون العبور به في مركب، وللسرج في جانبيه بالليل منظر فتّان وكثيرا ما يتفرّج فيه أهل الستر، وفي ذلك أقول:
لا تركبنّ في خليج مصرإلاّ إذا يسدل الظلام
فقد علمت الذي عليهمن عالم كلهم طغام
صفان للحرب قد أظلاّسلاح ما بينهم كلام
يا سيدي لا تسر إليهإلاّ إذا هوّم النيام
والليل ستر على التصابيعليه من فضله لثام
والسرج قد بدّدت عليهمنها دنانير لا ترام
وهو قد امتدّ والمبانيعليه في خدمة قيام
للّه كم دوحة جنيناهناك أثمارها الآثام
وقال ابن عبد الظاهر عن مختصر تاريخ ابن المأمون، أنّ أوّل من رتب حفر خليج القاهرة على الناس المأمون بن البطائحيّ، وكذلك على أصحاب البساتين في دولة الأفضل،
وجعل عليه واليا بمفرده، وللّه در الأسعد بن خطير المماتي حيث يقول:
خليج كالحسام له صقالولكن فيه للرائي مسرّه
رأيت به الملاح تجيد عوماكأنهم نجوم في مجرّه
وقال بهاء الدين أبو الحسن عليّ بن الساعاتي في يوم كسر الخليج:
إنّ يوم الخليج يوم من الحسن بديع المرئيّ والمسموع
كم لديه من ليث غاب صؤولومهاة مثل الغزال المروع
وعلى السدّ عزة قبل أن تملكه ذلة المحب الخضوع
كسروا جسره هناك فحاكىكسر قلب يتلوه فيض دموع
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع