من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
ذكر الخندق
هذا الموضع قرية خارج باب الفتوح كانت تعرف أوّلا بمنية الأصبغ، ثم لما اختط القائد جوهر القاهرة أمر المغاربة أن يحفروا خندقا من جهة الشام، من الجبل إلى الإبليز، عرضه عشرة أذرع في عمق مثلها، فبديء به يوم السبت حادي عشري شعبان سنة ستين وثلاثمائة، وفرغ في أيام يسيرة، وحفر خندقا آخر قدّامه وعمقه، ونصب عليه باب يدخل منه، وهو الباب الذي كان على ميدان البستان الذي للأخشيد، وقصد أن يقاتل القرامطة من وراء هذا الخندق، فقيل له من حينئذ الخندق، وخندق العبيد، والحفرة، ثم صار بستانا جليلا من جملة البساتين السلطانية في أيام الخلفاء الفاطميين، وأدركناها من منتزهات القاهرة البهجة إلى أن خربت.
قال ابن عبد الحكم: وكان عمر بن الخطاب ﵁ قد أقطع ابن سندر منية الأصبغ، فحاز لنفسه منها ألف فدّان، كما حدّثنا يحيى بن خالد عن الليث بن سعد
﵁، ولم يبلغنا أن عمر بن الخطاب ﵁ أقطع أحدا من الناس شيئا من أرض مصر، إلاّ ابن سندر، فإنه أقطعه منية الأصبغ، فلم تزل له حتى مات، فاشتراها الأصبغ بن عبد العزيز من ورثته، فليس بمصر قطيعة أقدم منها ولا أفضل، وكان سبب إقطاع عمر ﵁ ما أقطعه من ذلك كما حدّثنا عبد الملك بن مسلمة عن ابن لهيعة عن عمرو بن شعيبة عن أبيه عن جدّه، أنه كان لزنباع بن روح الجذاميّ غلام يقال له سندر، فوجده يقبل جارية له، فجبه وجدع أنفه وأذنه، فأتى سندر رسول اللّه ﷺ، فأرسل إلى زنباع فقال: «لا تحملوهم من العمل ما لا يطيقون، وأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، فإن رضيتم فامسكوا، وإن كرهتم فبيعوا ولا تعذبوا خلق اللّه، ومن مثّل به أو أحرق بالنار فهو حرّ، وهو مولى اللّه ورسوله، فأعتق سندر فقال: أوص بي يا رسول اللّه. قال رسول اللّه ﷺ: «أوصي بك كل مسلم» فلما توفي رسول اللّه ﷺ أتى سندر أبا بكر ﵁ فقال: احفظ فيّ وصية رسول اللّه ﷺ. فعاله أبو بكر ﵁ حتى توفي. ثم أتى عمر ﵁ فقال: احفظ في وصية رسول اللّه ﷺ، فقال عمر ﵁: نعم إن رضيت أن تقيم عندي أجريت عليك ما كان يجرى عليك أبو بكر ﵁، وإلا فانظر أيّ موضع أكتب لك. فقال سندر: مصر، لأنها أرض ريف، فكتب له إلى عمرو بن العاص: احفظ فيه وصية رسول اللّه ﷺ. فلما قدم إلى عمرو ﵁، أقطع له أرضا واسعة ودارا، فجعل سندر يعيش فيها، فلما مات قبضت في مال اللّه تعالى.
قال عمرو بن شعيب: ثم اقطعها عبد العزيز بن مروان الأصبغ بعد، فهي من خير أموالهم. قال: ويقال سندر وابن سندر، وقال ابن يونس مسروح بن سندر الخصيّ مولى زنباع بن روح بن سلامة الجذاميّ، يكنّى أبا الأسود، له صحبة قدم مصر بعد الفتح بكتاب عمر بن الخطاب ﵁ بالوصاة، فأقطع منية الأصبغ بن عبد العزيز. روى عنه أهل مصر حديثين، روى عنه مزيد بن عبد اللّه البرنيّ، وربيعة بن لقيط التجيبيّ، ويقال سندر الخصيّ، وابن سندر أثبت، توفي بمصر في أيام عبد العزيز بن مروان.
ويقال كان مولاه وجده يقبّل جارية له فجبه وجدع أنفه وأذنيه، فأتى إلى رسول اللّه ﷺ فشكا ذلك إليه، فأرسل رسول اللّه ﷺ إلى زنباع فقال: لا تحملوهم يعني العبيد، ما لا يطيقون، وأطعموهم مما تأكلون. فذكر الحديث بطوله، وذكر عن عثمان بن سويد بن سندر، أنه أدرك مسروح بن سندر الذي جدعه زنباع بن روح، وكان جدّه لأمه، فقال: كان ربما تغدّى معي بموضع من قرية عثمان واسمها سمسم، وكان لابن سندر إلى جانبها قرية يقال لها قلون، قطيعة، وكان له مال كثير من رقيق وغير ذلك، وكان ذا دهاء منكرا جسيما، وعمر حتى أدرك زمان عبد الملك بن مروان، وكان لروح بن سلامة أبي زنباع، فورثه أهل التعدد بروح يوم مات، وقال القضاعيّ: مسروح بن سندر الخصيّ، ويكنى أبا الأسود، له صحبة، ويقال له سندر، ودخل مصر بعد الفتح سنة اثنتين وعشرين.
وقال الكنديّ في كتاب الموالي، قال: أقبل عمرو بن العاص ﵁ يوما يسير وابن سندر معه، فكان ابن سندر ونفر معه يسيرون بين يدي عمرو بن العاص ﵁، وأثاروا الغبار، فجعل عمرو عمامته على طرف أنفه ثم قال: اتقوا الغبار فإنه أوشك شيء دخولا وأبعده خروجا، وإذا وقع على الرثة صار نسمة. فقال بعضهم لأولئك النفر تنحوا، ففعلوا إلاّ ابن سندر، فقيل له ألا تتنحى يا ابن سندر؟ فقال عمرو: دعوه فإن غبار الخصي لا يضرّ، فسمعها ابن سندر فغضب وقال: أما واللّه لو كنت من المؤمنين ما آذيتني. فقال عمرو: يغفر اللّه لك، أنا بحمد اللّه من المؤمنين. فقال ابن سندر: لقد علمت أني سألت رسول اللّه ﷺ أن يوصي بي فقال: أوصي بك كل مؤمن.
وقال ابن يونس: اصبغ بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم يكنى أبا ريان، حكى عنه أبو حبرة عبد اللّه بن عباد المغافريّ، وعون بن عبد اللّه وغيره، توفي ليلة الجمعة لأربع بقين من شهر ربيع الآخر سنة ست وثمانين، قبل أبيه. وقال أبو الفجر عليّ بن الحسين الأصبهانيّ في كتاب الأغاني الكبير عن الرياشيّ أنه قال عن سكينة بنت الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵈، أن أبا عذرتها عبد اللّه بن الحسين بن عليّ، ثم خلفه عليها العثماني، ثم مصعب بن الزبير، ثم الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان. قال: وكان يتولى مصر، فكتبت إليه سكينة أنّ مصر أرض وخمة، فبنى لها مدينة تسمى بمدينة الأصبغ، وبلغ عبد الملك تزوّجه أباها، فنفس بها عليه وكتب إليه: اختصر مصرا وسكينة، فبعث إليه بطلاقها ولم يدخل بها، ومتعها بعشرين ألف دينار. قلت في هذا الخبر أوهام، منها أن الأصبغ لم يل مصر، وإنما كان مع أبيه عبد العزيز بن مروان، ومنها أنّ الذي بناه الأصبغ لسكينة، منية الأصبغ هذه وليست مدينة، ومنها أن الأصبغ لم يطلّق سكينة، وإنما مات عنها قبل أن يدخل عليها. وقال ابن زولاق في كتاب إتمام كتاب الكنديّ في أخبار أمراء مصر:
وفي شوّال، يعني من سنة ستين وثلاثمائة كثر الأرجاف بوصول القرامطة إلى الشام، ورئيسهم الحسن بن محمد الأعسم، وفي هذا الوقت ورد الخبر بقتل جعفر بن فلاح، قتله القرامطة بدمشق، ولما قتل ملكت القرامطة دمشق وصاروا إلى الرملة، فانحاز معاذ بن حيان إلى يافا متحصنا بها، وفي هذا الوقت تأهب جوهر القائد لقتال القرامطة، وحفر خندقا وعمل عليه بابا، ونصب عليه بابي الحديد اللذين كانا على ميدان الإخشيد، وبنى القنطرة على الخليج، وحفر خندق السري بن الحكم وفرّق السلاح على رجال المغاربة والمصريين، ووكل بأبي الفضل جعفر بن الفضل بن الفرات خادما يبيت معه في داره ويركب معه حيث كان، وأنفذ إلى ناحية الحجاز فتعرّف خبر القرامطة، وفي ذي الحجة كبس القرامط القلزم وأخذوا واليها، ثم دخلت سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وفي المحرّم بلغت القرامطة عين شمس، فاستعدّ جوهر للقتال لشعر بقين من صفر، وغلق أبواب الطابية وضبط الداخل والخارج، وأمر الناس بالخروج إليه وأن يخرج الأشراف كلهم، فخرج إليه أبو جعفر مسلم
وغيره بالمضارب، وفي مستهلّ ربيع الأول التحم القتال مع القرامطة على باب القاهرة، وكان يوم جمعة، فقتل من الفريقين جماعة وأسر جماعة وأصبحوا يوم السبت متكافئين، ثم غدوا يوم الأحد للقتال وسار الحسن الأعسم بجميع عساكره ومشى للقتال على الخندق والباب مغلق، فلما زالت الشمس فتح جوهر الباب واقتتلوا قتالا شديدا، وقتل خلق كثير، ثم ولى الأعسم منهزما ولم يتبعه القائد جوهر ونهب سواد الأعسم بالجب، ووجدت صناديقه وكتبه، وانصرف في الليل على طريق القلزم، ونهب بنو عقيل وبنو طيّ كثيرا من سواده. وهو مشغول بالقتال، وكان جميع ما جرى على القرمطي بتدبير جوهر وجوائز انفذها، ولو أراد أخذ الأعسم في انهزامه لأخذه، ولكن الليل حجز فكره جوهر اتباعه خوفا من الحيلة والمكيدة، وحضر القتال خلق من رعية مصر وأمر جوهر بالنداء في المدينة، من جاء بالقرمطيّ أو برأسه فله ثلاثمائة ألف درهم، وخمسون خلعة، وخمسون سرجا محلى على دوابها، وثلاث جوائز، ومدح بعضهم القائد جوهرا بأبيات منها:
كأنّ طراز النصر فوق جبينهيلوح وأرواح الورى بيمينه
ولم يتفق على القرامطة منذ ابتداء أمرهم كسرة أقبح من هذه الكسرة، ومنها فارقهم من كان قد اجتمع إليهم من الكافورية والإخشيدية، فقبض جوهر على نحو الألف منهم وسجنهم مقيدين.
وقال ابن زولاق في كتاب سيرة الإمام المعز لدين اللّه، ومن خطّه نقلت، وفي هذا الشهر يعني المحرّم، سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، تبسطت المغاربة في نواحي القرافة والمغاير وما قابرها، فنزلوا في الدور وأخرجوا الناس من دورهم، ونقلوا السكان وشرعوا في السكنى في المدينة، وكان المعز قد أمرهم أن يسكنوا أطراف المدينة، فخرج الناس واستغاثوا بالمعز، فأمرهم أن يسكنوا نواحي عين شمس، وركب المعز بنفسه حتى شاهد المواضع التي ينزلون فيها، وأمر لهم بمال يبنون به، وهو الموضع الذي يعرف اليوم بالخندق والحفرة وخندق العبيد، وجعل لهم واليا وقاضيا، ثم سكن أكثرهم بالمدينة مخالطين لأهل مصر، ولم يكن القائد جوهر يبيحهم سكنى المدينة ولا المبيت بها، وحظر ذلك عليهم، وكان مناديه ينادي كل عشية لا يبيتن أحد في المدينة من المغاربة.
وقال ياقوت: منية الأصبغ تنسب إلى الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان، ولا يعرف اليوم بمصر موضع يعرف بهذا الاسم، وزعموا أنها القرية المعروفة بالخندق قريبا من شرقيّ القاهرة. وقال ابن عبد الظاهر: الخندق هو منية الأصبغ، وهو الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان. قال مؤلفه ﵀: وقد وهم ابن عبد الظاهر فجعل أن الخندق احتفره العزيز بالله، وإنما احتفره جوهر كما تقدّم، وأدركت الخندق قرية لطيفة يبرز الناس من القاهرة إليها ليتنزهوا بها في أيام النيل والربيع، ويسكنها طائفة كبيرة، وفيها بساتين عامرة بالنخيل
الفخر والثمار، وبها سوق وجامع تقام به الجمعة، وعليه قطعة أرض من أرض الخندق يتولاها خطيبة، فلما كانت الحوادث والمحن من سنة ست وثنمانمائة، خربت قرية الخندق ورحل أهلها منها ونقلت الخطبة من جامعة إلى جامع بالحسينية، وبقى معطلا من ذكر اللّه تعالى وإقامة الصلاة مدّة، ثم في شعبان سنة خمس عشرة وثمانمائة، هدمه الأمير طوغان الدوادار وأخذ عمده وخشبه، فلم يبق إلا بقية أطلاله، وكانت قرية الخندق كأنها م حسنها ضرّة لكوم الريش، وكانت تجاهها من شرقيها فخربتا جميعا.
صحراء الإهليلج: هذه البقعة شرقيّ الخندق في الرمل، وإليها كانت تنتهي عمارة الحسينية من جهة باب الفتوح، وكان بها شجر الإهليلج الهنديّ، فعرفت بذلك، وأظن أن هذا الإهليلج كان من جملة بستان ريدان الذي يعرف اليوم موضعه بالريدانية.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع