من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
ذكر خليج فم الخور وخليج الذكر
قال ابن سيده في كتاب المحكم. في اللغة الخور مصب الماء في البحر، وقيل هو خليج من البحر، والخور المطمئن من الأرض، وخليج فم الخور يخرج الآن من بحر النيل ويصب في الخليج الناصريّ ليقوّي جري الماء فيه ويغزره، وكان قبل أن يحفر الخليج الناصريّ يمدّ خليج الذكر، وكان أصله ترعة يدخل منها ماء النيل للبستان الذي عرف بالمقسي ثم وسّع.
قال ابن عبد الظاهر: وكان يخرج من البحر للمقسيّ الماء في البرابخ، فوسّعه الملك الكامل، وهو خليج الذكر. ويقال أنّ خليج الذكر حفره كافور الإخشيدي، فلما زال البستان المقسيّ في أيام الخليفة الظاهر بن الحاكم وجعله بركة قدّام المنظرة المعروفة باللؤلؤة، صار يدخل الماء إليها من هذا الخليج، وكان يفتح هذا الخليج قبل الخليج الكبير، ولم يزل حتى أمر الملك الناصر محمد بن قلاون في سنة أربع وعشرين وسبعمائة بحفره فحفر وأوصل بالخليج الكبير، وشرع الأمراء والجند في حفره من أخريات جمادى الآخرة، فلما فتح كادت القاهرة أن تغرق، فسدّت القنطرة التي عليه فهدمها الماء، ومن حينئذ عزم السلطان على حفر الخليج الناصري، وأنا أدركت آثاره، وفيه ينبت القصب المسمى بالفارسيّ.
وأخبرني الشيخ المعمر حسام الدين حسين بن عمر الشهرزوريّ أنه يعرف خليج الذكر هذا وفيه الماء، وسبح فيه غير مرّة، وأراني آثاره، وكان الماء يدخل إليه من تحت قنطرة الدكة الآتي ذكرها في القناطر إن شاء اللّه تعالى، وعلى خليج فم الخور الآن قطنرة، وعلى خليج الذكر قنطرة يأتي ذكرهما إن شاء اللّه تعالى عند ذكر القناطر، وإنما قيل له خليج الذكر لأن بعض أمراء الملك الظاهر ركن الدين بيبرس كان يعرف بشمس الدين الذكر الكركيّ، كان له فيه أثر من حفره، فعرف به، وكان للناس عند هذا الخليج مجتمع يكثر فيه لهوهم ولعبهم.
قال المسبحيّ وفي يوم الثلاثاء لخمس بقين منه، يعني المحرّم، سنة خمس عشرة
وأربعمائة، كان ثالث الفتح، فاجتمع بقنطرة المقس عند كنيسة المقس من النصارى والمسلمين في الخيام المنصوبة وغيرها خلق كثير للأكل والشرب واللهو، ولم يزالوا هناك إلى أن انقضى ذلك اليوم، وركب أمير المؤمنين، يعني الظاهر لاعزاز دين اللّه أبا الحسن عليّ بن الحاكم بأمر اللّه، في مركبه إلى المقس، وعليه عمامة شرب مفوّطة بسواد، وثوب ديبقي من شكل العمامة، ودار هناك طويلا وعاد إلى قصره سالما، وشوهد من سكر النساء وتهتكهن وحملهن في قفاف الحمالين سكارى، واجتماعهن مع الرجال أمر يقبح ذكره.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع