تجاوز إلى المحتوى

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)

جامع آق سنقر (٢)

هذا الجامع قريب من قلعة الجبل فيما بين باب الوزير والتبانة، كان موضعه في القديم مقابر أهل القاهرة، وأنشأه الأمير آق سنقر الناصريّ، وبناه بالحجر وجعل سقوفه عقودا من حجارة، ورخمه واهتمّ في ثنائه اهتماما زائدا حتى كان يقعد على عمارته بنفسه، ويشيل التراب مع الفعلة بيده، ويتأخر عن غدائه اشتغالا بذلك، وأنشأ بجانبه مكتبا لإقراء أيتام المسلمين القرآن، وحانوتا لسقي الناس الماء العذب، ووجد عند حفر أساس هذا الجامع كثيرا من الأموات، وجعل عليه ضيعة من قرى حلب، تغلّ في السنة مائة وخمسين ألف درهم فضة، عنها نحو سبعة آلاف دينار، وقرّر فيه درسا فيه عدّة من الفقهاء، وولى الشيخ شمس الدين محمد بن اللبان الشافعيّ خطابته، وأقام له سائر ما يحتاج إليه من أرباب الوظائف، وبنى بجواره مكانا ليدفن فيه، ونقل إليه ابنه فدفنه هناك، وهذا الجامع من أجلّ جوامع مصر، إلاّ أنه لما حدثت الفتن ببلاد الشام وخرجت النوّاب عن طاعة سلطان مصر منذ مات الملك الظاهر برقوق، امتنع حضور مغلّ وقف هذا الجامع لكونه في بلاد حلب، فتعطل الجامع من أرباب وظائفه إلاّ الاذان والصلاة. وإقامة الخطبة في الجمع والأعياد، ولما كانت سنة خمس عشرة وثمانمائة أنشأ في وسطه الأمير طوغان الدوادار بكرة ماء، وسقفها ونصب عليها عمدا من رخام لحمل السقف، أخذها من جامع الخندق، فهدم الجامع بالخندق من أجل ذلك، وصار الماء ينقل إلى هذه البركة من ساقية الجامع التي

كانت للميضأة، فلما قبض الملك المؤيد شيخ الظاهريّ على طوغان في يوم الخميس تاسع عشر جمادى الأولى، سنة ست عشرة وثمانمائة، وأخرجه إلى الاسكندرية واعتقله بها، أخذ شخص الثور الذي كان يدير الساقية، فإن طوغان كان أخذه منه بغير ثمن كما هي عادة أمرائنا، فبطل الماء من البركة.

آق سنقر: السلاريّ، الأمير شمس الدين أحد مماليك السلطان الملك المنصور قلاون، ولما فرّقت المماليك، في نيابة كتبغا على الأمراء، صار الأمير آق سنقر إلى الأمير سلار، فقيل له السلاريّ لذلك، ولما عاد الملك الناصر محمد بن قلاون من الكرك اختص به ورقاه في الخدم حتى صار أحد الأمراء المقدّمين، وزوّجه بابنته وأخرجه لنيابة صفد، فباشرها بعفة إلى الغاية، ثم نقله من نيابة صفد إلى نيابة غزة، فلما مات الناصر وأقيم من بعده ابنه الملك المنصور أبو بكر، وخلع بالأشرف كجك وجاء الفخريّ لحصار الكرك، قام آق سنقر بنصرة أحمد ابن السلطان في الباطن، وتوجه الفخريّ إلى دمشق لما توجه الطنبغا إلى حلب ليطرد طشتمر نائب حلب، فاجتمع به وقوّي عزمه، وقال له توجه أنت إلى دمشق واملكها وأنا أحفظ لك غزة، وقام في هذه الواقعة قياما عظيما وأمسك الدروب، فلم يحضر أحد من الشام أو مصر من البريد وغيره إلاّ وقبض عليه وحمل إلى الكرك، وحلف الناس للناصر أحمد، وقام بأمره ظاهرا وباطنا، ثم جاء إلى الفخريّ وهو على خان لاجين وقوّي عزمه وعضذه، وما زال عنده بدمشق إلى أن جاء الطنبغا من حلب والتقوا، وهرب الطنبغا فاتبعه اق سنقر إلى غزة وأقام بها، ووصلت العساكر الشامية إلى مصر، فلما أمسك الناصر أحمد طشتمر النائب وتوجه به إلى الكرك، أعطى نيابة ديار مصر لآق سنقر، فباشر النيابة وأحمد في الكرك إلى أن ملك الملك الصالح إسماعيل بن محمد، فأقرّه على النيابة وسار فيها سيرة مشكورة، فكان لا يمنع أحدا شيئا طلبه كائنا من كان، ولا يردّ سائلا يسأل ولو كان ذلك غير ممكن، فارتزق الناس في أيامه واتسعت أحوالهم، وتقدّم من كان متأخرا حتى كان الناس يطلبون ما لا حاجة لهم به، ثم إن الصالح أمسكه هو وبيغرا أمير جاندار، وأولاجا الحاجب، وقراجا الحاجب، من أجل أنهم نسبوا إلى الممالاة والمداجاة مع الناصر أحمد، وذلك يوم الخميس رابع المحرّم سنة أربع وأربعين وسبعمائة، وكان ذلك آخر العهد به، واستقرّ بعده في النيابة الحاج آل ملك، ثم أفرج عن بيغرا، وأولاجا، وقراجا في شهر رمضان سنة خمس وأربعين وسبعمائة.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر الجوامع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.