من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
المدرسة الطفجية
هذه المدرسة بخط حدرة البقر أيضا، أنشأها الأمير سيف الدين طفجي الأشرفيّ، ولها وقف جيد.
طفجي: الأمير سيف الدين، كان من جملة مماليك الملك الأشرف خليل بن قلاون، ترقّى في خدمته حتى صار من جملة أمراء ديار مصر، فلما قتل الملك الأشرف قام طفجي في المماليك الأشرفية وحارب الأمير بيدرا المتولي لقتل الأشرف حتى أخذه وقتله، فلما أقيم الملك الناصر محمد بن قلاون في المملكة بعد قتل بيدرا، صار طفجي من أكابر الأمراء، واستمرّ على ذلك بعد خلع الملك الناصر بكتبغا مدّة أيامه إلى أن خلع الملك العادل كتبغا وقام في سلطنة مصر الملك المنصور لاجين، وولى مملوكه الأمير سيف الدين منكوتمر نيابة السلطنة بديار مصر، فأخذ يواحش أمراء الدولة بسوء تصرّفه، واتفق أن طفجي حج في سنة سبع وتسعين وستمائة، فقرّر منكوتمر مع المنصور أنه إذا قدم من الحج يخرجه إلى طرابلس ويقبض على أخيه الأمير سيف الدين كرجي، فعندما قدم طفجي من الحجاز في صفر سنة ثمان وتسعين وستمائة، رسم له بنيابة طرابلس، فثقل عليه ذلك وسعى بإخوته الأشرفية حتى أعفاه السلطان من السفر، فسخط منكوتمر وأبى الإسفر طفجي وبعث إليه يلزمه بالسفر، وكان لاجين منقادا لمنكوتمر لا يخالفه في شيء، فتواعد طفجي وكرجي مع جماعة من المماليك وقتلوا لاجين، وتولى قتله كرجي، وخرج فإذا طفجي في انتظاره على باب القلة من قلعة الجبل، فسرّ بذلك وأمر بإحضار من بالقلعة من الأمراء، وكانوا حينئذ يبيتون بالقلعة دائما، وقتل منكوتمر في تلك الليلة وعزم على أنه يتسلطن ويقيم كرجي في نيابة السلطنة، فخذله الأمراء. وكان الأمير بدر الدين بكتاش الفخريّ أمير سلاح قد خرج في غزاة وقرب حضوره، فاستمهلوه بما يريد إلى أن يحضر، فأخر سلطنته وبقي
الأمراء في كل يوم يحضرون معه في باب القلة، ويجلس في مجلس النيابة والأمراء عن يمينه وشماله، ويمدّ سماط السلطان بين يديه، فلما حضر أمير سلاح بمن معه من الأمراء، نزل طفجي والأمراء إلى لقائهم بعد ما امتنع امتناعا كثيرا، وترك كرجي يحفظ القلعة بمن معه من المماليك الأشرفية، وقد نوى طفجي الشرّ للأمراء الذين قد خرج إلى لقائهم، وعرف ذلك الأمراء المقيمون عنده في القلعة، فاستعدّوا له. وسار هو والأمراء إلى أن لقوا الأمير بكتاش ومعه من الأشرفية أربعمائة فارس تحفظه حتى يعود من اللقاء إلى القلعة، فعندما وافاه بقبة النصر وتعانقا أعلمه بقتل السلطان، فشقّ عليه، وللوقت جرّد الأمراء سيوفهم وارتفعت الضجة، فساق طفجي من الحلقة والأمراء وراءه إلى أن أدركه قراقوش الظاهريّ وضربه بسيف ألقاه عن فرسه إلى الأرض ميتا، ففرّ كرجي، ثم أخذ وقتل وحمل طفجي في مزبلة من مزابل الحمّامات على حمار إلى مدرسته هذه فدفن بها، وقبره هناك إلى اليوم.
وكان قتله في يوم الخميس سادس عشر ربيع الأوّل سنة ثمان وتسعين وستمائة، بعد خمسة أيام من قتل لاجين ومنكوتمر.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع