من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
مسجد ابن البناء
هذا المسجد داخل باب زويلة، وتسميه العوامّ سام بن نوح النبيّ ﵇، وهو من مختلفاتهم التي لا أصل لها، وإنما يعرف بمسجد ابن البناء، وسام بن نوح لعله لم يدخل أرض مصر البتة، فإن اللّه ﷾ لما نجّى نبيه نوحا من الطوفان خرج معه من السفينة أولاده الثلاثة، وهم سام وحام ويافث، ومن هذه الثلاثة ذرأ اللّه سائر بني آدم كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ اَلْباقِينَ﴾ [الصافات/] فقسم نوح الأرض بين أولاده الثلاثة، فصار لسام بن نوح العراق وفارس إلى الهند ثم إلى حضر موت وعمان والبحرين وعالج ويبرين والدوووبار والدهناء وسائر أرض اليمن والحجاز، ومن نسله الفرس والسريانيون والعبرانيون والعرب والنبط والعماليق. وصار لحام بن نوح الجنوب مما يلي أرض مصر مغرّبا إلى المغرب الأقصى، ومن نسله الحبشة والزنج والقبط سكان مصر وأهل النوبة والأفارقة أهل إفريقية وأجناس البربر، وصار ليافث بن نوح بحر الخرز مشرّقا إلى الصين، ومن نسله الصقالبة والفرنج والروم والغوط وأهل الصين واليونانيون والترك.
وقد بلغني أن هذا المسجد كان كنيسة لليهود القرّايين تعرف بسام بن نوح، وأن الحاكم بأمر اللّه أخذ هذه الكنيسة لما هدم الكنائس وجعلها مسجدا، وتزعم اليهود القرّايون الآن بمصر أن سام بن نوح مدفون هنا، وهم إلى الآن يحلفون من أسلم منهم بهذا المسجد.
أخبرني به قاضي اليهود إبراهيم بن فرج اللّه بن عبد الكافي الداوديّ العانانيّ، وليس هذا بأوّل شيء اختلقته العامّة.
وابن البناء: هذا هو محمد بن عمر بن أحمد بن جامع بن البناء أبو عبد اللّه الشافعيّ المقرئ، سمع من القاضي مجلي، وأبي عبد اللّه الكيزانيّ وغيره، وحدّث وأقرأ القرآن، وانتفع به جماعة. وهو منقطع بهذا المسجد، وكان يعرف خطه بخط بين البابين، ثم عرف بخط الأقفاليين، ثم هو الآن يعرف بخط الضبيين وباب القوس. ومات ابن البناء هذا في العشر الأوسط من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، واتفق لي عند هذا المسجد أمر عجيب، وهو أني مررت من هناك يوما أعوام بضع وثمانين وسبعمائة، والقاهرة يومئذ لا يمرّ الإنسان بشارعها حتى يلقى عناء من شدّة ازدحام الناس لكثرة مرورهم ركبانا ومشاة، فعند ما حاذيت أوّل هذا المسجد إذا برجل يمشي أمامي وهو يقول لرفيقه: واللّه يا أخي ما مررت بهذا المكان قط إلاّ وانقطع نعلي، فو اللّه ما فرغ من كلامه حتى وطئ شخص من كثرة الزحام على مؤخر نعله وقد مدّ رجله ليخطو فانقطع تجاه باب المسجد، فكان هذا من عجائب الأمور وغرائب الاتفاق.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع