من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
المسجد المعروف بزرع النوى
هذا المسجد خارج باب زويلة بخط سوق الطيور، على يسرة من سلك من رأس المنجبية طالبا جامع قوصون والصليبة، وتزعم العامّة أنه بني على قبر رجل يعرف بزرع النوى، وهو من أصحاب رسول اللّه ﷺ. وهذا أيضا من افتراء العامّة الكذب، فإن الذين أفردوا أسماء الصحابة ﵃ كالإمام أبي عبد اللّه محمد بن إسماعيل البخاريّ في تاريخه الكبير، وابن أبي خيثمة، والحافظ أبي عبد اللّه بن منذر، والحافظ أبي نعيم الأصفهانيّ، والحافظ أبي عمر بن عبد البرّ، والفقيه الحافظ أبي محمد عليّ بن أحمد بن سعيد بن حزم، لم يذكر أحد منهم صحابيا يعرف بزرع النوى. وقد ذكر في أخبار القرافة من هذا الكتاب من قبر بمصر من الصحابة، وذكر في أخبار مدينة فسطاط مصر أيضا من دخل مصر من الصحابة، وليس هذا منهم، وهذا إن كان هناك قبر فهو لأمين الأمناء أبي عبد اللّه الحسين بن طاهر الوزان، وكان من أمره أن الخليفة الحاكم بأمر اللّه أبا عليّ منصور بن العزيز بالله خلع عليه للوساطة بينه وبين الناس، والتوقيع عن الحضرة في شهر ربيع الأوّل سنة ثلاث وأربعمائة، وكان قبل ذلك يتولى بيت المال فاستخدم فيه أخاه أبا الفتح مسعودا، وكان قد ظفر بمال يكون عشرات وصياغات وأمتعة وطرائف وفرش وغير ذلك في عدّة آدر بمصر، وجميعه مما خلفه قائد القوّاد الحسين بن جوهر القائد، فباع المتاع وأضاف ثمنه إلى العين، فحصل منه مال كثير، وطالع الحاكم بأمر اللّه به أجمع لورثة قائد القوّاد، ولم يتعرّض منه لشيء، وكثرت صلات الحاكم وعطاؤه وتوقيعاته، فانطلق في ذلك فاتصل به عن أمين الأمناء بعض التوقف، فخرجت إليه رقعة بخطه في الثامن والعشرين من شهر رجب سنة ثلاث وأربعمائة نسختها، بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه كما هو أهله:
أصبحت لا أرجو ولا أتقيإلاّ إلهي وله الفضل
جدّي نبيّ وإمامي أبيوديني الإخلاص والعدل
ما عندكم ينفد وما عند اللّه باق، المال مال اللّه ﷿، والخلق عيال اللّه، ونحن أمناؤه في الأرض، أطلق أزراق الناس ولا تقطعها والسلام. ولم يزل على ذلك إلى أن بطل أمره في جمادى الآخرة من سنة خمس وأربعمائة، وذلك أنه ركب مع الحاكم على عادته، فلما حصل بحارة كتامة خارج القاهرة ضرب رقبته هناك ودفن في هذا الموضع تخمينا، واستحضر الحاكم جماعة الكتّاب بعد قتله وسأل رؤساء الدواوين عما يتولاه كل واحد منهم، وأمرهم بلزوم دواوينهم وتوفرهم على الخدمة، وكانت مدّة نظر ابن الوزان في الوساطة والتوقيع عن الحضرة، وهي رتبة الوزارة، سنتين وشهرين وعشرين يوما، وكان توقيعه عن الحضرة الإمامية الحمد للّه وعليه توكلي.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع