من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
مسجد جهة بيان
هذا المسجد كان في بطحاء مسجد الأقدام بجوار ترب المادرانيين، بنته الجهة الحافظية المعروفة بجهة بيان الحساميّ، على يد أبي الفضل الصعيديّ المعروف بابن الموفق، وحكى الخليفة عن هذه الجهة خبرا عجيبا. قال القاضي المكين أبو الطاهر إسماعيل بن سلامة: قال لي أمير المؤمنين الحافظ يوما: يا قاضي أبا الطاهر. قلت لبيك يا أمير المؤمنين. قال: أحدّثك بحديث عجيب قلت نعم. قال لما جرى من أبي عليّ بن الأفضل ما جرى بينما أنا في الموضع الذي كنت معتقلا فيه، رأيت كأني قد جلست في مجلس من مجالس القصر أعرفه، وكان الخلافة قد أعيدت إليّ، وكأنّ المغنيات قد دخلن يهنينني ويغنين بين يدي، وفي جملتهنّ جارية معها عود، يعني هذه الجارية المذكورة، فأنشأت تغني قول أبي العتاهية:
أتته الخلافة منقادةإليه تجرّر أذيالها
فلم تك تصلح إلاّ لهولم يك يصلح إلاّ لها
ولو نالها أحد غيرهلزلزلت الأرض زلزالها
وكأني قمت إلى خزانة بالمجلس أخذت منها حقة فيها جوهر. فملأت فمها منه، ثم استيقظت. فو اللّه يا قاضي ما كان إلاّ يومان حتى كسر عليّ الحبس لما قتل أبو عليّ بن الأفضل وقيل لي السلام على أمير المؤمنين، فلما خرجت وأقمت أياما جلست في ذلك المجلس الذي رأيته في النوم، ودخل الجواري يهنينني، فغنت إحداهنّ وهي ذات عود ذلك
الصوت بعينه، فقلت لها: على رسلك حتى نقضي نحن أيضا من حقك ما يجب علينا، وقمت إلى الخزانة وأخذت الحق الذي فيه الجوهر، ثم جئت إليها وقلت لها افتحي فاك، ففتحته، وحشوته جوهرا وقلت لها إنّ لك علينا في كلّ سنة في مثل هذا اليوم مثل ذلك.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع