من «الروض المعطار في خبر الأقطار» لابن عبد المنعم الحميري (ت ٩٠٠هـ)
أبيض المدائن
ويقال له القصر الأبيض، وهو الذي لا يدرى من بناه وهو من المدينة العتيقة من المدائن دار ملك الأكاسرة بالعراق، وهو المشار إليه في حديث النسائي عن البراء بن عازب ﵄، قال: لما أمرنا رسول الله ﷺ أن نحفر الخندق عرض لنا فيه حجر لا يأخذ فيه المعول فاشتكينا ذلك إلى رسول الله ﷺ فألقى ثوبه وأخذ المعول بيده وقال: " بسم الله " فضرب ضربة فكسر ثلث الصخرة، قال ﷺ: " الله أكبر. أعطيت مفاتيح الشام والله إني لأنظر قصورها الحمر الآن من مكاني هذا "، قال: ثم ضرب أخرى وقال: " بسم الله " وكسر ثلثاً آخر وقال: " الله أكبر. أعطيت مفاتيح فارس والله إني لأنظر قصر المدائن الأبيض "، ثم ضرب ثالثة وقال: " بسم الله " فقطع بقية الحجر وقال: " الله أكبر. أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأنظر باب صنعاء "، وهذا الحديث أوضح في المعنى من حديث سلمان ﵁ الذي في السير، وذلك أن المدائن على مسافة يوم من بغداد ويشتمل مجموعها على مدائن متصلة مبنية على جانبي دجلة شرقاً وغرباً، ودجلة تشق بينها ولذلك سميت المدائن: الغربية منها تسمى بهرسير، والمدينة الشرقية تسمى العتيقة، وفيها القصر الأبيض الذي لا يدرى من بناه، ويتصل بهذه المدينة العتيقة المدينة الأخرى التي كانت الملوك تنزلها، وفيها إيوان كسرى العجيب الشأن الشاهد بضخامة ملك بني ساسان، ويقال إن سابور ذا الأكتاف منهم هو الذي بناه وهو من أكابر ملوكهم وقد ذكر أبو عبادة البحتري هذا القصر الأبيض وما كان مصوراً فيه من الصخور العجيبة والتماثيل البديعة في قصيدته السينية البارعة الفريدة:
حضرت رحلي الهموم فوجه؟ت إلى أبيض المدائن عنسي
أتسلى عن الحظوظ وآسىلمحل من آل ساسان درس
ذكرتنيهم الخطوب التواليولقد تذكر الخطوب وتنسي
وهم خافضون في ظل عالمشرف يحسر العيون ويخسي
حلل لم تكن كأطلال سعدىفي قفار من المهامه ملس
ومساع لولا المحاباة منيلم تطقها مسعاة عنس وعبس
لو تراه علمت أن اللياليجعلت فيه مأتماً بعد عرس
وهو ينبيك عن عجائب قوملا يشاب البيان فيهم بلبس
فإذا ما رأيت صورة انطاكية ارتعت بين رومٍ وفرس
والمنايا مواثل وأنوشروان يزجيالصفوف تحت الدرفس
في اخضرار من اللباس على أخ؟ضر يختال في صبيغة ورس
وعراك الرجال بين يديهفي خفوت منهم واغماض جرس
من مشيح يهوي بعامل رمحومليح من السنان بترس
تصف العين أنهم جد أحياء لهم بينهم إشارة خرس
يغتلي فيهم ارتيابي حتىتتقراهم يداي بلمس
النص من طبعة مؤسسة ناصر للثقافة ببيروت (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع