من «المطالع البدرية في المنازل الرومية» لبدر الدين الغزي (ت ٩٨٤هـ)
ذكر الرجوع الى الوطن والأوبة بعد طول مدة هذه الغيبة
ثم لما انقضت بحمد الله تعالى جميع الأشغال، وانتظمت بعون الله سائر الأحوال، ومَنَّ الله تعالى بالظفر، شرعنا مسرعين في أهبّة السفر، وذلك السيد الكريم والولي الحميم في تعاطي حَاجَاتي بنفسه مهتم على أتم الأحوال وأكمل الأمور، وبمفارقتي له مغتم، وببلوغ أربي مسرور، إلى أن كمل الاستعداد وتهيأت الرفقة والزاد.
وأُسْرِجَ جواد الأوبة، وتقوضت خيام الغيبة، وحُم يوم الفراق، واحتدم ذلك التلاق، وأضرمت تلك الأعلاق، وأعدّت الركاب، وحضر للوداع جميع الأصحاب، وتحقّق السير عن ذلك الحمى، وأشأم حادٍ كان بالأمس أتهما، وأُجريت الدموع، وطلق الهجوع، وأضرمت نيران الزفرات الأكباد والضلوع:
ومدت أكفٌ للوداع فصافحتوكادَت عُيون للفراق تسيل
فيا لساعات التوديع ما أشدّ كربَها وأحدّ عزمَها، وأكثرها إلهاباً للخلد، وذهاباً بالجَلد، وذواباً للجِلد والجسَد، وممّا قلته:
يا قاتل الله قلبي كم أحملهُما لا يطيق لقد رثت علائقهُ
في كل يومٍ له خلٌ يودعهُمعَ الزّمان ومحبوبٌ يفارقهُ
وأنشدت ذلك السيد الحبيب، وأنا وهو منتحب ومفارق لجسماني ولقلبي مصطحب:
لك الإله أودعُيا أيها المودّعُ
مؤملاً من فضلهشملي بكم يجتمع
فالقلب قد أذابهحرّ الفراق الموجع
وماؤه ما قد جرىمن أدمع لا تقلع
فما يُرى من زفرتيدخان المرتفع
فغلب علينا من الشجون ما نزع القلب من الصدر أو كاد، حتى قطع علينا ترادف
البكاء ذلك الإنشاد، ثم غيض كلٌ منّا دمعه المنهمل، وإن لم يستطع إطفاء ما بقلبه المشتعل، وأنشدني ما هو له يرتجل:
أستودع الله منك مجداًأصبَح بين الأنام فردا
أستودع الله منك ذاتاًبكل ما في الوجود تفدى
أستودع الله منك جوداًبجوده المعصرات أعدى
أستودع الله منك ركناًأضحى لمن يرتجيه رفدا
أستودع الله منك طبعاًصفا لمن ينتحيه وردَا
أستودع الله منك بشراًلنجح راجيه قد تصدَّى
أستودع الله منك ذاتاًأدلّ من شارقٍ وأهدى
يا سائراً والقلوب تسريبسيرٍ لايطيق بُعْدا
والصبر لم يبق منه إلاّما لم يطق للهيام ردا
لولا رجاء اللقاء كَادَتتُهد منَّا القلوب هَدّا
فهو لها كالغذاء يُحيينفوسنا بالمُنَى ممدا
فسر قربنا لكل خيرمصاحباً دولة وسعدَا
وصحة لا تزال تكسوذاتك مما تحوك بُردا
لا تشتكي في النهار حراًولا بجنح الظلام بَرْدا
لموطن السعد في أمانٍتزداد عزاً به ومجدا
والوقت في غاية اعتدالوطالع السعد قد تبدى
أعظمْ بها سفرة وسيراًأكرم بها وجهةً وقصدا
صحبت براً وأنت بحروالجود والبر منك مُدَّا
فيا له من قران سعدحاسده بالردى تردا
لا عدمت مجدك المعاليولا رأت من علاك فقدا
وسرت في دولة وأمنما حمد الحَامِدون حمدا
ثم كررنا الوداع خارج المدينة، وعضدي بيده الكريمة، إلى أن أصعدني السفينة، ثم شمر ذيله ومضى، وأودع قلبي جمر الغضا، (ثم توركنا على المطية الدهماء، ونبطنا الولية الماشية على الماء)، ثم رُفع شراع السفينة ومرساها، وقلنا لأصحابنا (اركبوا فيها بِسمِ الله مَجْرَاها ومُرْسَاها)، ثم سارت بنا من تلك المرسى وسرت فيها وأنا أكفكف أمطار الدموع، وأخلب المدينة لأجل من فيها بالطرف الوامق والقلب الولوع، ولم أزل أتبعه ويتبعني بالبصر، الى أن غاب كل منّا عن النظر:
وقد علاني وعراني بعد حبي خَبَل
وكل من خاطبني قلت له قد رَحلوا
يقول من أبصرني وسوس هذا الرجل
(وتلك السفينة تهفوا بقوادم غربان، وتعطف بسوالف غزلان، وتنساب في
الجَنَابِ كالحُبَاب، وتحسبها جامدة وهي تمر مرّ السحاب) ولم تزل بنا تسير وتمور، وتنجدُ بين الأمواج وتغور، ونحن كما قال الشريف أبو القاسم شارحاً مقصورة حازم:
وغريبة الإنشاء سرنا فوقهاوالبحرُ يسكن تارةً ويموجُ
عُجنا نؤمُّ بها معاهدَ طَالمَاكرمَتْ فعاج الأنسُ حيث تعوجُ
وامتدَّ من شمس الشروق أمامنانورٌ له مَرْأى هناكَ بَهيجُ
فكأنّ ماء البحر ذائبُ فضةٍقد سالَ فيه من النضار خليجُ
وسرنا بعزم لا يُفكُ جدّه، ولا يتجاوز حدّه، وحزم لا يثنى رسنه، ولا يلم بعين وسنه، وجزم لا يبلغ مجتهد جدّه، ولا تعتري العجز والتواني جده، وتلك الجارية المنشيةُ تتبختر بنا على سبط البحر تبختر الجارية الناشية على بسط البرّ الى حين انتصاف ذلك النهار، فوصلنا إلى مرساة بلدة أُسْكُودار، ونزلنا في عمارة داخل البلد، وأقمنا بها إلى وقت صلاة الجمعة من الغد، فصلينا الجمعة بتلك البقعة، ثم
أسرعنا إلى التحميل مبادرين، وبادرنا إلى الرحيل مسرعين،
ولم نزل نَفْري أديم الثرى، ونجدب مطي الفيافي بجدب البرى، إلى أن هرم ذلك النهار، وكاد جرف اليوم ينهار، وما بطل السير ولا تعطل، حتى أشرفنا على قرية القَرْطَل، وبتنا بها ليلة السبت رابع عشرين شوال بمكان مشرف عال، مخضر الجنبات، طيب النفحات، مستحسن النبات، حسن للبيات، فحين تبدّى النور، وتكلم العصفور، أزمعنا على الترحال، وشددنا الخيل والأحْمَال، واستمر بنا السير متصل الأعمال، إلى أن وصلنا الى كيكثبزه وقت الزوال، ودائره البيضاء يتمنى مركز الزوال، فأقمنا بها ريثما نقيل، ونريح علل الرفاق ونزيل.
ثم رحلنا منه وسرنا نجدُّ في السير، ونسرع إسراع الطير، إلى أن جدّ المسير وحمى الهجير، فوصلنا إلى سَاحِل البحر إلى محل التعدي، وقد علمنا من تكرر صحبته ما هو منطوٍ عليه من الجور والتعدي، فاخترنا مِنَ الجواري المنشئات جارية حالكة السيات، واستخرنا الله في ركوبها، ودعوناه في تيسير مرامها ومطلوبها، ثم حللنا بها وأنِسْنَاها، وتأملنا من الله الرحمة وما آيسناها، وقلنا لأصحابنا (اركبوا فيها بِِسمِ اللهِ مَجْرَاها ومُرْسَاها)، ثم أسرعت في اندفاعها، وقد استذرينا تحت ظل شراعها:
فحسبته خوف العَواصِف طائراًمدّ الجنان على بنية جناحا
(ولم نزل نسير والبحور هْو (؟) والعيش صفو والزمان لهو)، حتى إذا كنا
بالمواسط أمر الله تعالى باجتماع الرياح المختلفة، وتفريق تلك الواحة المؤتلفة، فضربنا في البحر يمينا ويساراً، وسرنا إقبالاً وإدباراً، وتدفعت الأمواج وعظم الارتجاج، وعصفت الجَنُوب، وعسفت الجُنوب ومسي السفر ما كان، وجاءهم الموج من كل مكان، فرجفت القلوب وخرست الألسن، وجرت الرياح بما لم تشته السفن. وقد اشتدت علينا الرياح الغربيّة، وتحكمت فينا المياه البحريّة، ولم نزل في
تلك السفينة بين قوادمها وخوافيها، نلاحظ المنايا حينا وحينا نوافيها، قد تبدلنا من ظل عُلاً ومفاخر، بقفر بحر طامي اللجج زاخر، ومن صهوات الخيول المسرجة، بلهوات بحر امتطينا ثَبْجَه، ولم نزل نعاني أليم الوجد وعظيم التبريح، إلى أن أذن الله سبحانه بسكون الريح، ثم أرسينا بعد عناء طويل بمرساة القرية المعروفة بالديل، ثم ترحلّنا من تلك المرسى، وتبدلنا من تلك الوحشة أنسا، ونزلنا عند العشية بقرية هناك سكن ينكجرية، فبتنا جميعاً بها، ولم نفرق بين ظهر المطر وقبتها، فلمّا بدا من الفجر سفور، ونثر للصبح كافور، وأحرقت فحمة الليل عنبر الصباح، وخبا من النجوم الزهر كل مصباح، ترحلنا من ذلك المنزل، وتركنا الراحة عنّا بمعزل، وسرنا في دَرْبَنْدَات ووداة كثيرات الأشجار الملتفة والمياه، إلى أن تضاحى النهار، واستبان رونقه واستنار، فنزلنا بقرية تعرف بقرية الدَّرْوَند، بها مياه شديدة البرد، وأشجار طيبة النشر كالعرار والرند.
ثم أخذنا في أهبة الترحَال، ورحلنا منه بعد الزوال، وسرنا في فياف كثيرة التراب والعجاج، واسعة الشعوب والفجاج، شديدة الحرّ والسموم، (ماؤها بعد قوة محموم، ونسيمها بعد تنفسه مزكوم، وسحاب وخير مركوم، وثوب حميمه مَرقوم). ثم انتهينا إلى تلال وأوعار، وأشجار من شجر البادية صغار وكبار، إلى أن أشرفنا على بحرة أَزْنِيْق، ذات المنظر الأنيق، والوجه الشريق، وهبّ نسيم الروح منبعثاً بما به الروح تحيا بعد موتٍ وتبعث، وعاد إلى الأجسام رونق حسنها وكادت به تفنى حقيقاً وتجدث. (ثم مسينا ساحلها على بساطٍ أخضر، وأديمٍ أنضر) ثم لم نزل في طريقنا ذلك نتجول على تلك المنازل، ونتحول في هاتيك الخمائل. ودخلنا البلدة والشمس مرضى أصائلها، والربى معصفرة وصائلها، ونزلنا بها بعمارة منسوبة للوزير الأعظم الهُمَام إبراهيم باشا والد عيسى باشا نائب الشَّام، وبتنا بها ليلة الاثنين سادس عشرين شوال، ونحن في أحسن حَال وأيسر بال.
ثم رحلنا عندما اكتهل من الليل الشباب، وشمّر ذيله للهرب والذهاب، وأقبلت تباشير الصباح تترى، وأخفى الأفق زهراً وأظهر رهزا، وسرنا ساعة بجانب شاطيء بركتها، ثم ارتقينا على كاهل عقبتها، ثم أظلم الجو، وتراكم النو، وارتفع الصحو، وتبدّل بالكدر الصفو، وهما الغمام، وأرسلت شآبيب الأمطار كالسهام، وغلب اليأس على الأمل، وقلت: أنا الغريق فما خوفي من البَلل، ولم نزل في صعود وهبوط، ورجاء وقنوط، وبسط وقبض، ورفع وخفض، لا نرى مفعولاً إلاّ للفاعل المختار، ولا نشهد موصولاً إلاّ وقد انفصل عن صلته وعوائده بلا اختيار، والحال عن المكاره لا تتميَّز، وقد أحوج ابتداء السير فيها إلى خير انقاضئه وأعوز، فلا ترى إلاّ التعجب من هذا النعتْ، والتقلب بين العوج والأمت، والأكف مرتفعة
بأكيد الدُّعاء إلى (القريب المجيب) إله الأرض والسماء، عسى يحفّ بالعطف بالنقل إلى خير بَدل، وهو سامع للاستغاثة ﷿، ثم انقلبت تلك القلبة عند انقلابنا من العقبة، ثم طلعت الشمس، ومدّت حبالها الشديدة المرس، وأفضا بنا السير إلى فضاء واسع، وقطر شاسع، وقرى كثيرة، ونعم غزيرة، وكان وصولنا ضحوة نهار الاثنين سادس عشرين الشهر، إلى مدينة الجديدة المعروفة بينكى شهر، ونزلنا بخارجها على شاطئ النهر، في مرج واسع ذي مرعى وزهر، ثم عزمنا على الترحَال وقت الظهر، وشددنا الأحمَال وامتطينا الظهر، وسرنا سيراً مجداً لم نأل فيه جهداً إلى أن تهدم من النهار بنيانه، وأقبل الليل ولاحت نيراته ونيرانه، وأطبق الظلام جفنه وأعرض، فوصلنا إلى قرية آق بيق ومعناه الشارب الأبيض، وبها حمام وخان، وخارجها أشجار كثيرة من السنديان، وبتنا بها ليلة الثلاثاء سابع عشرين الشهر المذكور، ثم رحلنا منها حين تقوضت خيام الدَّيْجُور، وجرد الفجر سيفه المشهور، ولم نزل نجوب تلك الفيافي والقفار إلى تعالي ذلك النهار، فوصلنا إلى القرية المعروفة بأرمنى بازار، ونزلنا خارجها
بذلك المقعد المار المركب على العين، وأقمنا هناك إلى ما بين الصلاتين، ثم سرنا منه والأبدان أيضاً تعب، والهاجرة ذات لهب، ولم نزل نجوب كل تنوفة، ونقتحم كل مخوفة، إلى أن قضى اليوم نحبه، وواصل قرص الشمس غربه، فانتهينا إلى قرية بُوزيُك ومعناه التل الأشهب، وبها عمارة لقاسم باشا الوزير أتقن وضعها ورتّب، وأبدع في عمارتها وأغْرَب، فنزلنا بظاهرها بمرج وسيع به أعين وربيع، وبتنا به ليلة الأربعاء إلى أن سلب الليل خضابه، وأماط الفجر نقابه، ثم أخذنا في السير والترحال، ولم نرثِ لتلك المطى من الكلال، ولم نزل نسير ذلك اليوم، إلى أن حلّ الفطر من الصوم، ثم شرعنا نشقّ جلابيب الليل شقا، ونحاسبه من عمره على ما تبقّى، إلى أن أفضى بنا السير
إلى قرية تعرف بالسقا، فنزلنا بها لنكسر سُلْطَان النوم، ونجبر برعي الأعين ساعة بعض ما نالها من الشؤم، ثم سرنا منه عندما تبدّى وجه الفجر في قندس الليل، وهزم أدهم الليل بأشهب من جياد الخيل، ثم ابتسم وجه الصباح بعد التعبيس، عن عشر من الشهر وهو نهار الخميس، ولم نزل نجوب كل بيداء، ونقتري كل شجر أو برداء، إلى أن وصلنا الضحى العالي إلى قرية تعرف بالقالاي وربما سميت أيضاً بالكامالي، فلبثنا ساعة بذلك المكان، ثم سرنا فوصلنا إلى قرية آق وران، واليوم قد ولّى شبابه، والمساء قد استحكمت أسبابه، وذلك ليلة الجمعة ذات الإتمام والكمال لثلاثين من شهر شوال، ثم رحلنا منه عندما درّ قرن الغزالة من المشرق، وانجلى وجه مرآتها المُشْرق، فما تضاحى ذلك النهار حتى حصلنا بمدينة قرا حصار، واتفق حصولنا في تلك البقعة ذهاباً وإياباً يوم الجمعة، فنزلنا بها بعمارتها منزلاً مرتضى أعقب بالرضى وأنس أنسى ما مضى، وطابت الروح وانبسطت النفس، وأنست راحة ذلك اليوم ما اعترانا من تعب الأمس، واجتمع بنا في ذلك المنزل رَجُلٌ من الأعيان يقال له الحاج شعبان بن الحاج رمضان، ثم عمنَا بخيره ومِيْره، وخدمنا بغسيل وغيره،
وسأل عمن رَمَى صيداً فأبان منه عضواً أيحل هو والعضو أم لا؟ فأجبت بأنه إن كان الجرح مدفقاً ومات في الحال حلّ العضو والبدن، وإن كان غير مدفق ومات منه بعد مدة حرما أو ذَبْحُهُ
حَلَّ هو دون العضو، فاستملا ذلك الجواب وكتبه، وابتهج به وأطربه، وسُرَّ به وأعجبه.
ثم أقمنا بتلك البلدة ذلك اليوم ليلة السبت مستهلّ شهر ذي القعدة إلى أن حان أول وقت الصوم، فلما نشر الصبح راياته وحيعل الدّاعي إلى صلاته أجبناه مثوبين، ثم ترّحلنا مؤنبين، ولم نزل نتابع السير ونواصِل، إلى أن مال المعتدل واعتدلَ المائل، (ولم نزل نحثّ في الرحيل، ونصل المساء بالصباح والغدو بالأصيل) فكان بلوغ الغاي في قرية عظيمة تعرف بالشاي حين هَرِمَ النهار وشاخ، وسكن حره وباخ، وقد أعيى الركب وباخ، فنزلنا بها بمرج أفيح، فيه للعيون مسرح، وللنواظر مسنح، وظل دوحات نتفيأ منها الظلال، عن اليمين تارة وأخرى عن الشمال، فبتنا به والزهر أنضر من الندى، في ظل أخضر بارد الأنداء:
والليل يخفي نفسه في نفسهوالصبح كشاف كل غطاءِ
وكأنما الإصباح تنثر مهرقاأثر المداد به من الأمساءِ
فما صحت العيون من نشوة رقادها، إلاّ لتغريد الطيور في أعوادها، فبادرنا لأداء الفرض مسارعين فما منّا إلاّ متوضٍ أو مصل.
ثم رحلنا قاصدين قرية نسق لي، فوصلناها حين تضاحى النهار، وتصاحى بعد الإسكار، وتهلل وجهه واستنار، فما استقرّ بنا القرار، ولا ضمتنا أطراف تلك الدار
حتى عَنَّ لنا ما يقتضي المسارعة والبدار، إلى مدينة آق شهر وشهرتها عندهم أقشار، فوصلنا ذلك اليوم وهو الأحد ثاني الشهر آخر النهار. ونزلنا بعمارة حسين باشا بها، وهي عمارة بلغت في المحاسن النهى، قد كملت في صفاتها ونعوتها، وبها مياه تجري في مسجدها وبيوتها، وأقمنا بها بقية ذلك النهار، ثم ليلة
الاثنين ثالث الشهر إلى وقت الإسفار، ثم رحلنا منها حين أذكت ذُكاء قبتها علينا، وسفرت فكشفت عن صحبتها إلينا، وسرنا في ظل ظليل وزهر بليل وهواء صحيح ونسيم عليل إلى أن حان وقت المقيل، فنزلنا بمكان يقال له سكت لي أي موضع الصَّفْصَاف، وأقمنا إلى أن تجاوزَ النهار حَدَّ الانتصَاف، ثم أخذنا في التحميل والترحيل، ولم نزل بين وَخْد وذَمِيْل، وإجازة مِيل بعد مِيل، إلى أن وصلنا إلى قرية تلعى حين حان وقت الأصيل، وبدت الشمس بلون العليل، فنزلنا بشاطىء نهرها في ظل دوح ظليل:
تحسب النهر عنده تثنىوتخال الغصون فيه سيل
فبتنا بذلك المنزل بجانب النهر ليلة الثلاثاء رابع الشهر، فلمّا انفجر فجر ذلك
النهار، وهبينا من النوم هبوب نسيم الأسْحَار، أخذنا في الترحال، وشددنا الخيل والأحمال، وأخذنا نسير ونجدّ في المسير، إلى (أن رفل عطف اليوم في الثوب النضير، فوصلنا في) وقت العصر أو بعده بيسير إلى قرية تُعْرف بصلاح الدِّين، وربما عجمت الحاء في لغة الأعجمين، وأقمنا بها إلى أن عطس أنف الصباح، وحَيْعَل داعي الفلاح، وتبدّا علم الفجر ولاح، فسرنا سيراً مجدّاً، لم نأل فيه اجتهاد ولا جهداً، فما فتئنا كذلك ولم نزل، إلى أن حطّ الركاب بمدينة قُونِيَة ونزل، وذلك وقت الطَفَّل، حين أقبل العشاء وطَفَل، وتبختر النهار في الثوب القصير ورفل، ثم أقمنا بها يوم الأربعاء ويوم الخميس معاً، ثم من يوم الجمعة إلى وقت الصلاة في عمارة الوزير الأعظم بير باشا ﵀، وحضرنا في ذلك الوقت من النهار وقت الشيخ الصَّالح المشهور بمنلا خنكار.
ثم أخذنا في الترحال والمسير، وقد حَمى الحرّ واشتدّ الهجير، فسرنا غير بعيد نحو نصف أو ثلثي بريد، ينقص عن ذلك شيئاً أو يزيد، فأحسست بفتور في الحواس، وثقل شديد في الرأس. فلم أجد بدّاً من النِزُول على حيّ هناك نُزُول،
فأقمنا بذلك المكان في جوار أولئك التركمان إلى أن هتف داعي العُتْرُفَان، وحَيْعَل المثوب بالأذان، (نهار السبت ثامن أيام شهر ذي القعدة الحرام) فلم نجد
بُدّاً من الرحيل، واحتساب الصبر الجميل، فلمّا تعالى النهار وتصاحى، وتلألأ وجهه وتضاحى، نزلنا بشاطىء نهر يقال له سارسينا، قد فاق بعذوبته وخصره على مياه تلك البلدان وأربى:
وعليه الشمس قدألقت شعاعاً كاللهب
شبه مس أخضرعليه حلى من ذهب
فنزلت في فنائه كي أزيح العلة، وأنفع ببرده الغُّلَة، فتضاعف حر الحُمَّى ولم يبرده ذلك الماء، ثم لم نجد بدّاً من الجدّ في المسير، وإن اجتمع هجير الحُمَّى والهجير، ولم نزل (نواصل السير ليلاً ونهاراً، ونتابع السُرَى إظلاماً وأقماراً)، ونجوب تلك الفيافي والقفار، أناء الليل وأطراف النهار، وكلّما تذكرت البلاد انقلب العذاب عذباً أو الأهل والأولاد وجدت سهلاً ما كان صعبا، وقد اشتدّ التعب والعناء، وتحكّم الألم والضنى، وكاد أن يستولي على الهيكل الفناء:
ولذّة جسمي بذاك الضَّنىورَاحة قلبي ذاك الألمْ
ومدة هذا الهُيَام ثلاثة من الأيام إلى أن أدّت بنا الرحلة إلى البلدة المعروفة
بأرْكلي وتسّمى بِهرَقْلَة، وكان حلولنا بتلك البلدة يوم الاثنين عاشر ذي القعدة، وقد تضاعف السقم وترادف الألم، واشتدّ بي المرض، وغيَّر جوهر الجسم ذلك العرض، وعجزت عن الحركة والانتقال والتحوّل والارتحال مدّة ثلاث ليال، وأنا أتلهب من شدّة البعاد، وأتلهف وأتشوق إلى معاهد البلاد، وأتأسف وأتمثل بقول العبّاس بن الأحنف:
يا بَعيدَ الدَّارِ عن وَطَنِهْمُفَرداً يَبكي على شَجَنِهْ
كلَّما جَدَّ الرَّحيلُ بِهِزادَت الأسْقَامُ في بَدَنِهْ
ولقد زادَ الفؤادَ شجاًطائرٌ يبكي على فَنَنِهْ
شَفَّهُ ما شَفّني فبكىكلُّنا يَبكي على سَكَنِهْ
فحين طال المطال، واشتدّ ذلك الحال، لم نجد بدّاً من اكْتَرَاء جمال ومن شراء مَحْمل يحملنا، فحين تمّ الأمر وكمل، وحضر المحمل والجمل، وامتطينا مطاه وشرع في خُطاه، بل في خَطاه، ثم خرجنا من تلك البلدة وذلك يوم الأربعاء ثاني عشر القعدة، فلم يلبث ذلك الجمل المذكور حتى مرَّ على بعض ما على تلك الأنهار من
الجسور، فزلّت إحدى رجليه أو يديه، فسقط في النهر هو ومن عليه، فكان ذلك من أنْكَأ القَرْح، ومن الكي أثر الجرح، ولم يسعنا غير الصبر والاحتساب، والتبدّل بجميع الأثواب، ثم نزلنا تلك الليلة ببعض قُرَاها واستعملنا ما كنّا استصحبنا من قراها، ثم أصلحنا الأحوال، وعزمنا على الترحال، عندما غاص نَهْرُ المجرَّة، وهتمت أسنان الكواكب المفترّة، وضحك وَجْهُ الشرق بعد التعبيس، فأسفر عن ثالث عشرين الشهر يوم الخميس، وسرنا مجتهدين وأسرعنا مجدّين إلى أن نزلنا بقرية تعرف بشجاع الدِّين، ثم رحلنا منه وقت الإظهار، وانتصاف ذلك النهار، ولم نزل نقطع أديم الفلا ونَفْري، حتى أنخنا بالقرب من آق كبري، والعشية تخور بدمانها، وذُكاء تتسخط بدمائها، فبتنا بذلك المكان بالقرب من النهر ليلة الجمعة رابع عشرين الشهر إلى أن أنشد لسان الحال قول من قال:
لم نرَ الليلَ حيث رقَّ دُجاهُوبدا طيلسانه يَنْجَابُ
وكأنَّ الصباحَ في الأفْقِ بَازٌوالدجى بين مخلبيه غرابُ
وكأن السماء لجة بحرٍوكأن النجوم فيها حُبَابُ
وقد تشوقت الأبصار لسفور الأسفار، فحين أسفر النهار واستراحت أعين النظّار من ألم الانتظار، أخذنا في المسير بعد التحميل، وجمعنا بين طرفي البكر والأصيل، وغالب سيرنا ذلك النهار في مروج وأنهار، وعيون جارية، وأشجار
سامية، وجبال عالية، إلى أن وضعنا الرحال ليلة السبت بمرج أفيح حسن النبت، بالقرب من
عقبة الكولك المارةِ النعت، ذات العوج والأمت، ووعُورة المنهج وصعوبة السمت، فأقمنا به إلى أن رأيت الفجر والنسر خاضب جناحه ورشا عليّ بالعنبر الورد:
وحَلّت يد الجوزاء عقد وشاحهاإزاء الثريا وهي مقطوعة العقد
ثم قطعنا تلك العقبة وسلكنا مسالكها المستصعبة، ولم نزل نرقى فيها إلى أن بلغنا مراقيها وإذا هناك قلعة قد عقدت الجبلُ حبْوَتَها، وأزْلَقت الغُرابَ أن يَطأ ذُرْوتَها، وعَصَمَ سِوارُ الوادي الملويِّ مِعْصَمها، وحَمَتْ غُرر دهمائها أَدْهَمَها، فالخيلُ تصعد إليها أنجما بين طالع كطالِعها وغارب كغاربها، والأرجل منها على كرة لا تستقر بأخمص راجلها، ولا بحافر فرس راكبها، تأوي الطيور الكواسر لأدنى حافاتها، وتبلغ النفوس نهايتها عند موافاتها، وتزِلّ أقدام الصاعدين عن أكثر صفاتها، وتعجز أوصاف الواصفين عن بعض صفاتها:
يأوي إليها كُلُّ أعورَ ناعبٍوتَهُبُّ فيها كُلُّ ريحٍ صَرْصَرِ
ويكاد من يرقى إليها مرَّةمن دهره يشكو انقطاع الأبْهَرِ
فما حصل منها الانفصال، ولا انقطع تتابع السير والاتصال، حتى آن وقت الزوال، وامتدّ الظلّ وَمَال، فنزلنا في مكان كالبستان، به أشجار صِنْوان وغير صِنْوان، وعيون باردة سارحة متطاردة، فارتمينا في ذلك المكان وأرحنا تعب الأبدان، ولكن لم يحصل لي راحة لاشتداد الحمى ولم يبرد حموها برد ذلك الماء، ولم نزل نحثّ السير والسرى، ونعاصي الراحة والكرى، والعلا يذوب من كدّنا خجلاً، والنجم يرعد من سرانا وجلا، والحرور تعجب من تجرينا عليه والسموم يتحول من أقدامنا لديه، ونحن نقاسي كرب الزمان ومحنه، وقد أمضى كل منّا راحلته وبدنه، وأضاق ذكرى وطنه وسكنه عَطَنه، إلى أن وصلنا ظهر يوم الأحد
سادس عشرة مدينة أدَنَة، فنزلنا بها في عمارةٍ لابن رمضان مستحسنة، وألقى كلٌّ منّا عصاه وخلع رسنه، وغشيه ممّا قاسى النعاس أمنه، واستمرينا ثلاثة أيام في تلك الأمكنة، ثم برزنا يوم الأربعاء تاسع عشر الشهر إلى ظاهر المدينة بشاطىء النهر، وقد صحبنا من تلك البلدة جماعات من الرفاق عدّة، فلمّا تكامل عدة النفر عزمنا بهم على السفر، ثم رحلنا بالقوم بعد الظهر في ذلك اليوم (وقد حضر سمومه وغاب نسيمه)، ثم سرنا نساير السبيل، ونقطع ميلاً بعد ميل، إلى أن تجاوزنا الأصيل، وأظلّنا ليل كظهر الفيل، فنزلنا حينئذٍ بالمَصِّيْصَة على شاطىء جَيْحَان، حين آن وقت العشاء وحان، فحين نزلنا عن ظهور الدواب وحللنا عنها، وقعنا وقعة لا أحلى عند المسافر منها، فلم نستفق إلاّ والليل قد شابت مفارقه، وأزهرت مغاربه ومشارقه، وقد تخلّق الشرق بدرعه المزعفر، وضرب في علياه رنكه
الأصفر، فأخذنا في أهبّة التّرحال وشددنا على الخيل الأحمال، وقد أُشيع أنّ الدرب مخوف، وأنّ اللُّصوص به تطوف، وسرنا في براري وقفار، ذات أشجار كبار، موحشة المسالك، كثيرة المهالك، قد لمع سرابها، وتوّقدت هضابها، وصرخ بومها، ونعق غرابها، وقد اشتدّ حرّ الشمس، وفاخر اليوم، في شدائده الأمس، فلم نزل سائرين سائر ذلك اليوم إلى أن حلّ من الفطر الصوم، وغشى الأعين النوم، وعمَّ الإعياء واللغوب جميع القوم، وسامهم ذلك الحرّ والسموم أشد سَوم، وعاموا في العرق كل عوم، وراموا الركون إلى الاستراحة أي روم، فنزلنا حينئذٍ بالنّاس بجانب البحر بالقرب من قلعة بَاياس وبتنا بذلك المقام ليلة الجمعة حادي عشرين القعدة الحرام، ثم سرنا منه ووجه المحجّة قد أماط النقاب ووضح بشعب الفجاج والشعاب. وحللنا في مروج وأزهار، ومياهٍ وأنهار، وجُزْنا بعقبة المركز وقطعناها وانتهينا إلى عقبة بَغْرَاص ووصلناها وقيلنا بأسفلها في روض نضير، به ماء عذبٌ نمير، وأشجار من آس، وفواكه مختلفة الأجناس، ثم أخذنا في عقبة
بَغْرَاص، ذات الالتواء والاعتياص، إلى أن سقطت الشمس للغروب، وقد أنضت الرواحل من الإعياء وضعفت الأنفس من اللغوب، فنزلنا بوسطها عند المسجد والخان، والمياه الجارية في مثل الشاذروان، فاستراحت الأجسام وارتاحت الأرواح، وانشرحت الأنفس غاية الانشراح، ونقعنا الغُلَّة من ذلك الماء وخفّف بعض ما كنت أجده من الحمى، ثم
رحلنا من ذلك المكان المذكور، وقد استنارت بالقمر ظلمة الدَّيْجُور، وسرنا في مسالك وعرة، وشعوب متشعبة مضجرة، وإهباط وإصعاد، وإغوار وإنجاد، ثمّ اكفهرَّ وجه السماء وتغيّر، ودمدم الرعد وزمجر، وأومض البرق من الغرب والشرق، وهبّت الرياح نشراً، وأقبلت السحب زمراً، فرجفت القلوب، وأحسَّت بملاقاة الكروب، واستمرّ ذلك التهديد، وتواتر من الرعد الوعيد، واختلفت آراء الريح، وجاد الغمام بماءه جود الشحيح، ثم أقشعَت السماء، وارتفعت تلك الأنواء، وتفرّق جمع السحاب، وتمزّق منه الجلباب، وأسفر وجه القمر من لثام الغمام، وأزهرت الزهر كالزهر تفتح عنه الكمام، فزالت تلك الكروب، واطمأنت بحمد الله القلوب، ولم نزل نسير إلى أن أظلّ التنوير، وَجَسُرَ الصبح المنير:
ولاحت الشمس تحكي عند مطلعِهَامرآة تبر بدت في كف مرتعش
فانحدرنا من تلك العقبة، وسرنا في أرض مستوية مصطحبة بين أشجارٍ كثيرة الظلال، وأنهار تجري بماءٍ زلال، ثم تلقّانا بَرٌ واسع الفجاج والشعاب، كثير العجاج والتراب، طويل المساحة ممتد الساحة، لا يبلغ الطرف منتهاه، ويكلّ الطرف عن بلوغ مداه، فلم نزل نسير به من بكره، إلى أن أبدى النهار حرّه وأضطرم جمره، فقيلنا حينئذٍ بخان يغره، ثم رحلنا منه متوجهين إلى تلقاء بلدة
تيزين، فوصلناها عندما دخلت الشمس خدر الغروب، وتستّرت بسربها المحجوب، وأسبل الليل إزاره، وعمّ ظلامه الوجود وأقطاره. وهي بلدة قديمة، ذات عمائر عظيمة، وآثار معاهد مقيمة، فسيحة الأرجاء، صحيحة الهواء، ممتدة الغاية في الحسن والانتهاء، واسعة الرقعة، طيبة البقعة، سامية الارتفاع، مشرقة البقاع، مباركة الأغوار والتلاع، ممرّغة الجنبات، متنوعة النبات، ممدودة الظلال، مودودة الحِلال، مأمولة السعادة مسعودة الآمال، قد أخذت من كل المحاسن نَصيباً، وفوّقت إلى سهم الفضائل سهماً مُصيباً ومليت ظرفاً ونخباً، وأوتيت من كل شيء سبباً، فبتنا بها وقد عزمنا على الرحلة وأتينا صدقاتها نحلة.
ثم سرنا من ذلك المكان حين أبرز الأفق ذَنَب السِّرْحَان، وآن انبلاج الفجر وحان، (ليلة الأحد ثالث عشرين)، ثم أخذنا في المسير صباحاً إلى أن تعالى النهار وتضاحى، ودخلنا في معاملة الحلقة وقت الغداء، ونزلنا في قرية يقال لها تل عدا، فتلقانا أهلها بالسلام والترحيب والإكرام، وأنزلونا في بيوتهم، وأسهمونا في قوتهم، وتواردت علينا منهم الضيافات، وزالت عنّا بحمد الله تلك المخافات واطمأنت الأنفس وطابت الأرواح، وزال العناء وحصل الارتياح.
فأقمت بها إلى يوم الاثنين رابع عشرين القعدة وقت الصباح، فلمّا بدا بنوره ولاح، وملأ ضياؤه تلك البطاح، وكان ذلك المرض قد غلب، واشتدّ بأسه وخلب، وأذهب بالقوى وسلب، فاستخرت الله تعالى في المضي إلى حَلَب إذ لا تخلو
من حبيب، ومن دواء وطبيب، فعسى يحصل فيه الإبلال، ويزول ذلك النصب والكلال، وينحلّ برم الحُمَّى بتلك الحِلال، فسرنا قاصديها تلك الساعة، ومشى معنا من تلك القرية جماعة، باذلين السمع والطاعة، متقربين إلينا بحسب الاستطاعة، إلى أن حططنا بها رحال الألمام، وخلعنا على عطف الصلاة برد الإتمام، وكان استقرارنا بها بين الصلاتين (من اليوم المذكور وهو الاثنين) في زاوية البيريّ المعروف بالشيخ حسين، فتلقّانا ولده صاحبنا الشِّهابي أحمد، أحسن ملتقى وأحمد، وأخلى لنا ثلاثة أمكنة وأفرد، وكنّا ظنّنا أنّ الدموع نفدت، وأنّ نيران القلوب خمدت،
فتراكمت من العيون سُحبها، وتزايد من القلوب كربها، وأخذنا بعد السلام في شرح ما فعلت الأشواق، وإن كانت الإحاطة بوصفه تكليف بما لا يُطَاق، ثم تسارعت إلينا للسلام سائر الإخوان، من العلماء والرؤساء والأعيان، فألفيتهم لم ينقص الله لهم عددا، ولا أراهم بالفراق شملاً مبددا، فسُرَّ الجميع بالاجتماع، وأقمنا كما كنّا على المذاكرة والانتفاع، وكأني ما مددتُ إليهم يداً للوداع، فنثروا من درّ الثناء منثوراً ومنظوماً، ونشروا من برود الثناء مطوياً ومكتوماً، فأنشدتهم:
إني وإن شطّ المزار وبددتأيدي النوائب شملنا المنظوما
لم أخل من حسن الثناء عليكممذ غبت عنكم ظاعنا ومقيما
ولم أزل بتلك الحضرة أجتلي أنوار المحاضرة، وأجتني نوّار المذاكرة، وأستأنف ما عرفته من ولاتها، وأجدد العهد بعلمائها وفضلائها، غير أنّ ذلك المرض يقصر بي
في الخطى، ويقعدني عن اعتلاء ذُرى المطى، ويرهبني بقوة السطى، ويمنحني ما أراد وما أغناني عن ذلك العطا، ولم يزل يتعالى ويتعاظم، ويتوالى (ويتفاقم، ويذهب في متجره مذهبا ويبلغ في سيله الزُّبى، ويرقى في سبيله على الرُّبى)، وحكماء تلك البلدة يترددون إليَّ كل مدّة، ويصفون من الأدوية عِدّة، فلم يزدد الأمر إلاّ شدّة، وأرادوا إبراد الحُمَّى فكان إبرادها رعدة، فاستخرت الله في ترك التطبب، والإبعاد عنهم والتجنب، والانقياد لحكم الله والاستسلام لديه، وتفويض الأمر إليه، والتوكّل في كل الأمور عليه، ثم قدم من الشَّام في تلك الأيام الحاج محمد المغربيّ البَوّاب وأقرأنا السلام من الأهل والأصحاب، وأخبر بما صنع القاضي قاتله الله في الجهات. وما احتوى عليه من التعصبات والتُرَّهات، فلم ننزعج لذلك لاعتمادنا على الله، ويقيننا الصَّادق أن لا فاعل إلاّ الله، (وحمدنا الله على سلامة الأصحاب والأهل، وعددنا ما عداه من الأمر السهل)، واستمرينا بتلك البلدة إلى أن انصرم شهر ذي القعدة، ثم دخل شهر ذي الحِجّة، وأقام بوفود
العيد الحُجّة، فصلينا بجامع الأطروش صلاة العيد، ثم أضافنا الشيخ عبد الرَّحمن الكُرديّ إلى منزله السعيد (وأخلى لنا خلوته بالجامع المذكور، وسعى في أنواع إكرامنا بالسعي مشكور، فجزاه الله عنّا الجزاء الموفور، فأقمنا
هناك أيام التشريق، وليالي البيض) ذات الوجه الشريق، وكنّا قد بعنا بعض الخيل والبغال، واستخرنا الله تعالى في السفر مع الجمال، وكان قد تهيأ في تلك الأيام قفل كبير إلى بلاد الشَّام، فرددت الاستخارة، وجددت الاستشارة في السفر معه في المَحَارة، فجاء أكابر القفل إلينا وقالوا: أنت المؤمّر علينا وألقوا إلينا مقاليد الأمور، وقالوا: مُر متى شئت بالمرور، فكلٌّ منَّا بطاعتك مأمور، فوقع الاتفاق مع تلك الرفاق، أن يكون يوم الأحد منتصف الشهر التبريز إلى الوطاق، وكنت قد سئمت من النوى والشتات، وأزعجني خبر الجنّة تحت أقدام الأُمهات، وهمْتُ بالوطن هيام ابن طالب بالحوض والعطن، وحننتُ إلى تلك البقاع حنينه إلى أثلاث القاع وأخذت في الإزماع، وفاجأت الأصحاب بالوداع، وعزمتُ عزماً أذن للدموع بالانسكاب وللقلوب بالانصداع:
ويومَ وقفنا للوداع وكلُّنايَعُدُّ مطيعَ الشوق مَنْ كان أجزما
نُصرت بقلبٍ لا يعنفُ في الهَوىوعينٍ متى استطمرتها أمطرَتْ دَمَا
فيا له وداعاً ذابت له الأجساد، والتهبت به الأكباد، وكاد يتصدع منه الفؤاد، ثم أنشدت أولئك المودّعين ما قاله بعض المتأدّبين:
أودّعَكم وأودِعْكم لقلبيوعَون الله حسبكم وحسبي
وأرعى حبّكم ما دمت حياًوأرجو فضلكم في رعي حبي
ثم ركبت على المَحَارة، وخرج إلى وداعي غالب أهل الحارة، وكان النهار قد تحوّل، والليل قد عوَّل، وأسبل ذيله وأسدل، وأردف إعجازاً وناء بكَلْكَل، فوصلنا إلى خارج المدينة، وهم مشاة (بين يديّ) بسكينة، فجددنا هناك معهم الوداع، ثم
انقلبوا ما بين مثنٍ وداع، ونزلنا خارج المدينة في محل التبريز، في منزل عزيز، بديع التفويف والتطريز، ثم أقمنا في ذلك المحل يوم الأحد إلى أن تكامل السفر ولم يبق منهم بالمدينة أحد، فاتفقنا مع أولئك النفر أن يكون السير من ليلة الاثنين طلوع القمر، فحين كشف أدهم الليل، بأشقر من جياد الخيل، حمَّلنا الأحمال على تلك الأجمال، وأخذنا في التنقّل والارتحال.
ولمّا اتضح الصبح وبان، وبدا نوره للعيان، نزلنا بمنزل خان طومان، ونحن في غاية الدّعة والاطمئنان. وهو منزل فسيح الساحة، مستطيل المساحة، حاوٍ لأصناف النضارة والمَلاحة، فلما اكتهل شباب ذلك النهار، واعتراه بعد النضارة اصفرار، اخترنا عن ذلك المكان الرحلة، وصرمنا حبله وقطعنا وصله، وكان منتهى السير إلى سراقب، عند ظهور النجم الثاقب، وهجوم الظلام الواقب، من ليلة الثلاثاء سابع عشر الشهر، واستمرينا بذلك المكان يوم الثلاثاء إلى العصر، فلمّا حَيْعل داعي الصلاة، وأجابه إليها من دعاه، أخذنا في أهبّة الترحيل، وشرعنا في الشدّ والتحميل، وقطعنا بالسير عمر ذلك الأصيل، إلى أن وصلنا إلى مدينة المعرّة ثلث ليلة الأربعاء أو قبله بقليل، فنزلنا بظاهرها بمربع، فيه للخواطر منزع، وللدواب
مرتع، ولبرد العلة ألطف مشرع، فلم نزل به بقية تلك الليلة ثم من يومها إلى أن استوفى ميله، وأسرج للرحلة خيله، وشمّر للذهاب ذيله، فاقتفينا أثره في الرحيل، وشرعنا بين وَخْد وذَمِيْل، وقطع فرسخ بعد ميل، إلى أن أخذ منّا السهر، وشقّ جلباب الظلام سناء القمر، وصلنا إلى خان شيخون مستعيذين بالله من شر كل خؤون، فلمّا ابتسم وجه الشرق بعد التعبيس، وأسفر صبح يوم الخميس، نفس عنا تنفسه غاية التنفيس، فحصل لنا بنوره بعد الوحشة كل تأنيس، ثم استمرينا في ذلك المكان إلى أن حان وقت العصر وآن، ثم أخذنا نجوب تلك البراري، ونجول في هاتيك الصحاري، إلى أن احتجب النور وبرز الدَّيْجُور،
فارتعنا لإطلال الظلام وإقبال جيش حام، ثم اقتحمنا عساكره أي اقتحام، إلى أن أقبلت طليعة القمر من تلك الآكام، فحصل لجيش الظلام الانهزام، ودخلنا مدينة حَمَاة بسلام، وذلك ليلة الجمعة عشرين ذي الحجة الحرام، وكان منزلنا بظاهرها بالموقف، في مقعد عالٍ مشرف، إلى أن برز الفجر من خبائه، وملأ الخافقين بضيائه، فتلقّانا في ذلك المكان جماعة من الأعيان المنتسبين إلى الشيخ العارف علوان، وبلغونا سلام ولده الشيخ محمد واعتذروا عن عدم تلقّيه لنا بأنه أرْمَد، وقد تضاعف عليه الرَّمْد واشتدّ، لكنه قد صمّم وأكّد أن نحصل في مكان عَيَّنَهُ لنا وأفرد، وكانت الحُمَّى في ذلك الوقت قد اشتدّت، واحتدمت جداً واحتدّت، فلم يمكننا وقتئذٍ إجابة مرامهم، بل ولا جواب كلامهم، بل ولا ردّ سلامهم، فذهبوا ثم عادوا وقد كثروا وازدادوا،
وبالغوا في التأكيد وزادوا فلم يمكنني إلاّ المضي معهم إلى حيثما أرادوا، ولم تزل أهل محلّته يوافونا في الطريق زمرا، ويفدون علينا نفراً فنفرا، إلى أن نزلنا في ذلك المكان، وهو بالقرب من ضريح الشيخ علوان، فتلقّانا ولده بالسلام، وبالغ في الترحيب والإكرام، وأقمتُ عنده ثلاثة أيام، آخرها يوم الاثنين ثالث عشرين الحجّة الحرام، أجتلي في تلك الأيام وأجتلب، وأجتني ولا أجتنب، وأقتني لكل ما أحب:
فالكفُّ عن صلةٍ والأذن عن حسنوالعينُ عن قُرّةٍ والقلبُ عن حائر
فوجدته درة بين النّاس مغفلة، وخزانة على كل فائدة مقفلة، وهدية من الدهر الضنين محتفلة، وحسنة من الدهر الكثير العيوب، ونوبة من الزمن الجمّ الذنوب، بما شئت من أدب يتألق، وفضل تتعطر به النسمات وتتخلّق، ونفس كريمة الشمائل والضرائب، وقريحة يقذف بحرها بدرر الغرائب وجواهر الرغائب، إلى خشية لله تحول بين القلوب وقرارها، وتثني النفوس عن اغترارها، ولسان يبوح بأشواقه، وجفن يسخو بدرر آماقه، وحرص على لقاء كل ذي علم وأدب، ومن
يمت إلى أهل الديانة والعبادة بسبب، مع نزاهة عن الدنيا، وهمّة نيطت بالثريّا، ولهجة ترقرق فيها ماء البشر فأحيا، وحيَّا ومحاضرة مستفزة للحلوم، ودُعَابة ما
خالع العُذر معها بملوم، قد نشأ على عفّة وصيانة وأمانة وديانة، فعظّم الله شأنه، ورفع بالعلم والعمل مكانته ومكانه، وأعلى به منار الهداية، ورزق الناس الانتفاع به في البداية والنهاية، فازدحموا على مورده والمورد العذب كثير الزحام، والتأموا بمعهده وحيث الكرم يزدحم الأنام، وأنشدوا لذي مشهده:
لقد حَسُنت بك الأيام حتّىكأنك في فمِ الزمن ابتسامُ
لم يزل يقطع الليل ساهراً، ويهش للجميل مبادراً، ويقطف من العلم أزاهراً، ويجمع إلى شرف الخلال خلال الشرف، ويقيم بشرفه في الخبر الحُجَّة على من قال لا خير في الشرف، ويعمر بالحسنات إناءه، ويتبع في القربات آباءه، بانياً كما بنوا، وبادياً من حيث انتهوا. فهو حبر الأكارم، وبحر المكارم، وتاج المَفاخر، وحجّة المُفاخر، ودليل كم ترك الأول للآخر، ولقد سبرت أحواله، وخبرت أفعاله وأقواله، فرأيت وشاهدت وعندما حمدت مشاهدي أنشدت:
وما زلت في الأخبار أسمع عنكمحديثاً كنشر المسك إذ يتضوع
فلمّا تلاقينا وجدت محاسناًمن الفضل أضعاف الذي كنت أسمع
فلم أزل ملازماً حِلاله، متأملاً جَلاله، ومستحسناً خِلاله، وكأنني ما عملت
الرحلة إلاّ له، إلى أن فجر الفراق، وما رق وما راق، وتهيأ نفرنا، وتأتّى سفرنا، وأزِفَت النوى، وأثارت الجوى، فأخذت في الوداع، وشاع خبر الجواز وذاع، ولما استقلت نحائب الرفاق، وتهادينا تحف الأشواق، وتشاكينا روعة الفراق. وشددنا الأقتاب والأقتاد، وأعددنا الأهبّة والزاد، فبالغ في الإنعام واعتذر، وزود حتّى لم يذر، ثم خرج لوداعي إلى ظاهر البلدة، ومعه من أعيان أهل محلّته عدّة، وكذلك الشيخ الإمام البحر الهُمَام الحسيب النسيب، الآخذ من صدق المحبّة وصفاء المودّة بأوفر
نصيب. ذو الإخلاص والصفاء، والصدق والوفاء، مولانا السيد أبو البركات وفا، هو وبعض أخوته، وغالب أهل محلّته، وذلك كما مضى يوم الاثنين، ثم سرت أذري دمع العين، وآسي لشمل لا ينفك من روعة البين، وآسف لعهد كنت إليه استنمت، ولعيني في ظله أنمت، فيا لله كم سربلتني النوى سقما، وأصارت في عقلي لمما، وألبست جسمي مرضا، وسربلت قلبي من عناء، ثم جددتُ الوداع لذينك المحبين. وتجرّعت من فراقهما ما ليس بالهيّن، وأنشدت موجع الجنان مغروق الأجفان:
ما أنصفتني النائبات رميننيبمودّعين وليس لي قلبان
ثم حلفت عليهما وعلى من معهما بالرجوع، واندفعت أنشد في تلك (الربوع، وقد بلّ الثرى وبل تلك الدموع):
ماذا وقوفك والركاب يساقُأين الجوى والمدمع المهراقُ
ألغير هذا اليوم تخبىء أم ترىبخلت عليك بمائها الآماقُ
حق وقد رحلوا بقلبك والكرىإنّ النواظر لا الدموع تراقُ
النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع