تجاوز إلى المحتوى

من «حادي الأظعان النجدية إلى الديار المصرية» لمحب الدين الحموي (ت ١٠١٦هـ)

نص الرحلة

أن أحلى ما تنطق به ألسنة الأقلام، وأولى ما تتحلى به أسماع ذووي الأفهام، حمد الله سبحانه على نعمه المتوافرة، وشكر واهب المنن على آلائه المتوالية المتواترة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المخصوص بالكرامة، وعلى آله ومن صحبه في السفر والإقامة، والتابعين لهم بأحسن سبيل وأقوم طريق، ومن تبعهم بإحسان وتصديق، ما حن غريب إلى أوطانه، وجذبته دواعي أشواقه إلى أحبابه وإخوانه آمين.

وبعد: فقد قصدت أن أثبت في هذه الاوراق رحلتي إلى الديار المصرية، صحبة قاضي قضاتها صاحب النفس القدسية، والخصال الملكية، شيخ مشايخ الغسلام، وملك العلماء الأعلام، فخر الموالي المدققين، وصدر الأفاضل المحققين، شمس الملة والدنيا والدين، الشهير بجوي زاده أعطاه الله تعالى في الدارين مراده، ولا زال بابه الشريف محط رحال الأفاضل، وعتبتع ملتثم شفاه الأماثل. وذلك أني لما امتزجت بخدمته الشريفة امتزاج الماء بالراح، وتقويت بعنايته تقوي الأشباح بالأرواح، وما ذلك إلا أن لحمة الأدب لما ألفت شملي ألفه النسب، تعلقت برفيع جنابه لخصائص آدابه وتشرفت بصحبته وخدمة أعتابه، مع علمي بما قيل: ان السفر ينتج الظفر، ومعاقرة الوطن تعقر الفطن، وتحقر من قطن، فما خبر كنه حالي كان يميناً لشمالي، وصحبني معه إلى المحمية القاهرة، وأسدى إلي ما أعجز عن شكره من نعمه المتوافرة:

أذاقني العيش الذي أبتغيوبلغني الحظ الذي أتمناه
وعلمني كيف المدائح فعلهوما كنت أدري ما المدائح لولاه

وشاركني في المرتع والمربع، وأحلني محل الأنملة من الأصبع

وحقق آمالي وقرب مجلسيوأرشفني كأس النوال مروقا
وقيدني بالمكرمات، أما ترىلساني له بالشكر أصبح مطلقا

وكان في ذلك الأثناء قد اتصل بالمسامع الشريفة، وأنهي إلى المواقف العالية المنيفة، أن طائفة النصارى قد جددوا شيئاً في الكنيسة الكائنة بالقدس الشريف، ووردت الأوامر الكريمة لمولانا يتوجها للنظر في ذلك بنفسهما الكريمة، ويفتشا على الكنيسة المذكورة وما زاده الكفار على أبنيتها القديمة. فاقتضى الحال أيضاً توجه مولانا المفتي المشار إليه، أسبغ الله تعالى نعمه عليه، للتفتيش على الكنيسة المذكورة والكشف عليها، امتثالاً للأوامر الشريفة إليها.

وكان ابتداء سفرنا المبارك من دمشق الشام، يوم الأثنين ثامن عشر شهر شعبان سنة ثمان وسبعين وتسعمائة أحسن الله تعالى لها الختام. وفارقنا تلك الأوطان، ولكن بالأبدان، وخلفنا القلب مرتهناً عند من فارقناه فيها من أفاضل الأخوان، ولله در القائل:

لي في الشام بقية خلفتهاأودعتها يوم الفراق مودعي
وأظنها لا بل يقينا أنهاقلبي فأني لا أرى قلبي معي

ثم سرنا في ظل هذا المولى المشار إليه، أسبغ الله تعالى نعمه عليه، منشرحي الصدور مصادفين من بره ولطفه ما يوجب غاية السرور، مع أصحاب كالنجوم الزواهر، بل أحباب كالبدور الأزاهر، منتظمين كنجوم الجوزاء، والجملة المتناسبة الأجزاء:

ما في الصحاب وقد بانت حمولهمإلا محب له في الركب محبوب
كأنما يوسف في كل مرحلةوالحي في كل بيت فيهيعقوب

وما كنا نقطع وادياً، ولا نشهد نادياً، إلا ونتجاذب طرف الأناشيد، ونتوارد أطراف الأناشيد:

أخذنا بأطراف الأحاديث بينناوسالتبأعناق المطي الأباطح

وكان مولانا بلغه الله تعالى غاية الآمال، يجل حضرة المفتي المشار إليه غاية الإجلال، وفي غالب الطريق يجلسه في المحفة مكانه، وكان له عنده من زيادة التعظيم مكانة، على مقتضى ما جبله الله تعالى من لطف الأخلاق، وسلامة الطبع التي والله ما أتصف بها أحدٌ سواه على الإطلاق، وتهذيب نفس شريفة ولكن أي تهذيب، وإفراط تواضع وخلق عجيب:

زادوه تعظيماً فزاد تواضعاًالله أكبر هكذا البشر السوي
للشاعر ابن الوردي، من قصيدة «إن رمت تذكر في زمانك عاليا»

ولعمري هو المعني بقول الشاعر:

إمام رست للعلم في أرض صدرهجبال جبال الأرض في جنبها قف
تفكره علم ومنطقه حكموباطنه دين وظاهره ظرف
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لجنية أم غادة رفع السجف»

وكان قائماً بلوازم المشار إليه ومحمله وكلفه، وخرجه في الذهاب والإياب وسائر مصرفه، حتى أرسل إليه عند إيابه إلى دمشق من العين قدراً جزيلاً، وكان له في هذه السفرة نعم الخليل وأكرم به خليلاً.

ثم لما كان خامس عشري الشهر المذكور وصلنا إلى المنزل المعروف بلوبية فصادفنا فخر الموالي معلول زاده أفندي دامت معاليه، وصل إلى المكان المذكور ونزل فيه، فاستقبل مولانا قاضي القضاة المشار إليه، ولما تلاقيا حيا كل صاحبه بالسلام عرض قصة الشوق عليه. وكانت سوابق الركب تقدمت إلى المنزل المعروف بعيون التجار مع الأحمال والخيام المتعلقة بمولانا ذي القدر الأجل، واقتضى الحال النزول في هذا المكان وقلنا لأمر ما قال الشاعر:

عرف المحل فبات دون المنزل

وكان تأخر صحبة مولانا من قسم الخيام بيت التركمان الذي اصطنعه في دمشق لنفسه، فنزل تلك الليلة فيه وأتى المولى المشار إليه لأغتنام مصاحبته ولذيذ أنسه، وكان ثالثهما حضرة المفتي حفظ الله تعالى جناب الخطير، ورابعهم خادمهم الحقير. ومضت تلك الليلة بلطيف المحادثة والمسامرة، وكان الغالب في المحل ذكر أحوال علماء الشام والقاهرة.

ثم أوصى مولانا المولى المشار إليه، في شأن أربعة انفار من طلبة العلم بمصر وأكد في ذلك عليه، بحيث أمر العبد بكتابة أسمائهم لئلا ينساهم، فعجبنا من تخصيصهم بالذكر دون من عداهم. وصار عندنا تلفت إلى المذكورين لنعلم المزية التي استحقوا بها هذا التخصيص، واستوجبوا بسببها الأفراد بالذكر والتنصيص، حتى طابقنا مسمياتهم على اسمائهم الأعلام، وعرفناهم بالكنة فّذا هم متساوو الأقدام.

ثم لما بدت غرة الفجر ولاح، وأسفر ضوء الصباح، تأهب كل لمقدمات الرحيل وتلافيها فقصد السير إلى الجهة التي هو موليها، فسار مولانا قاضي القضاة أسبغ الله تعالى نعمه عليه، لتوديع ذلك المولى إلى المكان الذي استقبله إليه. فلما أنقضى التوديع وعزما على الترحال، انطلقنا ذات اليمين وانطلق ذات الشمال. وفي آخر نهار السبت سلخ شهر شعبان بدت لنا لد، فلما قاربنا وصولها، ووافينا دخولها، ونحن سائرون في خدمة المشار إليه مشاهدون وجهة الأغر، إذ شاهدنا أيضاً هلال شهر رمضان المعظم فصدق ما قيل:

فكانا هلالين عند النظر

فعند ذلك نوينا للرحمن صوماً، وأقمنا بها يوماً ويوماً، قضاء لحق ما وجب، من مظنة المشقة والتعب.

ثم ان مولانا كان يعتني في هذا الشهر الشريف لمد الموائد، ويجريها على ما هو المعهود منه من أجمل العوائد، مشتملة من النفائس على ما تعجز عن وصفه اللسن، وفيها ما تشتهي النفس وتلذ الأعين:

لجودك يا قاضي القضاة مزيةٌعلى السحب لا تخفى على من له لب
فأول جود الغيث قطر مبددٌوغيث نداك الجم أوله سكب

ومن حينئذ توارد طلبة العلم المصريون لاستقبال مولانا، وأتوا إلى خدمته الشريفة رجالاً وركباناً، وصاروا من بعد ذلك يتعاقبون، وأقبلوا " من كل حدب ينسلون ".

ثم لما كان اليوم المسفر فجره، عن ثالث رمضان المعظم قدره، قصدنا مشهد سيدنا زكريا ويحيى ﵉ بنية الزيارة، ومشهد معاذ وبقية الأماكن المشهورة الأنارة، ودعونا الله تعالى بأدعية مقبولة، وبالإجابة أن شاء الله تعالى موصولة. ثم وجهنا الوجه إلى القدس الشريف لاستباق الخيرات، وللقيام بحق ما يتعين في تلك الأماكن الشريفة من الزيارات. فلما أكدنا بلا استدراك أن المزار قريب، انفرد العبد مع حضرة مولانا المفتي من غير رقيب، وسرنا مصاحبي السرور والاستبشار، متمثلين بقول القائل:

وأبرحُ ما يكون الشوق يوماًإذا دنت الديار من الديار
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «أيا مولاي دعوة مستغيث»

فبينما نحن نتوارد طرف الأخبار، ونتطارحُ ملحَ الاسمار، اذ تطفل شخص من طلبة العلم المصرين راكب حماره يلقبُ بالجمل، وادخل نفسه في البين واعترض اعتراض الجعلَ، قصد ان يدلي دلوه في هذه الحياض، ويفصلَ بين وَصْلِ ما نتطارحه بجملِ الاعتراض، وكنّا نستثقل ظلَّه، ونستبرد طله، لانه اذل اورد كلاماً غير مستقيم، ما نراه الاّ في ليلِ الوهم يهيم فمسنا من شكاسة مصاحبته ما اورث العناء، وكاد لسانُ الحال بل اسانهُ المقال ان يقولَ له ارحلْ لا تقيمن عندنا. فاستطرد الكلام الى مدح دمشق الشام فاوردنا شيئاً من الشواهدِ على لطفها وتفصيلها على سائر الامطار، وادرنا في ذلك ما بيننا مُدامَ رائقِ الاشعار. فاورد الفقير في اثناء المصاحبة، وانشد في ذلك المقام بالمناسبة، الابيات المشهورة في مدحها ومدح جامعها، والمقاطيعَ الواردةَ في معنى ذلك المطربةَ لسامعها، الى ان انتهى الى قول ابن نباته:

ارى الحسنِ مجموعاً بجامع جلقِوفي صدره معنى الملاحةِ مشروحُ
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «أرى الحسن مجموعا بجامع جلق»
فان يتغالى بالجوامعمعشرفقل لهم باب الزيارة مفتوح

فتعرض الرجل المصري للاعتراض ونصب نفسه غرضاً للسهام، وقال يا مولانا ما جلق الا بضمخّ الجيم وفتح اللام. فقلت له: ليس الامر كما وهت، والصوابُ خلاف ما فهمت، لان علماء اللغة قرروا، ونقلوا في كتبهم وحرروا، ان في مادة الجيم واللام مكسورتين بلا خلاف. فكان يتكلمّ بما لا يشفي الغليل، وطلب من الفقير بعد نقلة كلامَ اهلِ اللغةِالدليل، وقال: هذا خلافُ المشهور في ألسنةِ الانام، فقلت له: نعم هومن اغلاط مثلك من العوام. ثم أنه نزل عن حماره وساقة امامه، وحاول ان يصحح بالغلط كلامه، فقصد مولانا المفتي الى الهزء به والتبكيت، واراد الزامه باللطف الى حمارك، فانّ ماذرة مولانا كلامٌ مسلم ليس عليه غبار، وما مثل غلطك الا كمثل الحمار، فان العوام تضم الحاء منه وهي مكسورة، وامثال ذلك كثير من الاغلاط المشهورة، فاستحسن الفقير منه هذا المثال، وقال له: لله درك يا مولاي من مفضال، وفهم والمح اليه من قصد الازدواج، وطفح علينا السرور والابتهاج، فلما لاحظنا تاثر المذكور من ضرب مولانا له بهذا المثل، وانحرف مزاجه من ايراده وانفعل، طفقنا نخاطبه المثلا، وقلنا له تسليةً: ان الله لا يستحي ان يضرب مثلا واكنت اخذت مناّ السرى فلوينا الاعنة لقصد الاستراحية، وتلطفنا مع المذكور وعاملناه معاملة اهل السماحة، واوينا الى اشجار ذات ظل ظليل، وتلونا عسى ان يهدينا ربنا الى سواء السبيل، واستمر بنا الحال مع المذكور برهة من الزمان قعوداً، وشرعنا في التئام ما حصل من جراحات تلك السهام خشبية ان يكون حقوداً، وتبينا الكلام عما كنا فيه من المصاحبة، وقصدنا الى تلوين الخطاب إرادة للملاطفة والمداعبة، إذ بمثل ذلك تطوى شقة الأسفار، وتزول موجبات الأتعاب والأكدار. ثم إلتفتنا إلى صاحبنا الشيخ الفاضل مجموع الفضائل الشيخ علي المالكي بلطف خطاب وتنبيه، وقلنا له أن هذا الشيخ بلديك وصاحب البيت أدرى بالذي فيه. فبين لنا البتة مناسبة وضع هذا القلب، وقص علينا في وقتنا هذا ما نقضي منه بالعجب، فقال: يا موالينا لا تحكموا علي بالتزام ما لا يلزم، ولا تكلفوني إلى أن أخبر بما لا أعلم، على أن بعض الأعلام قد يغفل حال الوضع عن مناسباتها وينبغي أن تلحق هذه القضية بأخواتها، وما هذه بأول قارورة كسرت في الإسلام، فإن لهذا الأسم مسمى أيضاً بدمشق الشام، فقلنا له: يا مولانا أن ما ذكرته كلام محقق، ولكن قد يفرق بينهما بأن ذاك مقيد وهذا مطلق، فلما رأينا في لفظ المقيد من حسن التوجيه، ما لا يخفى على الفاضل النبيه، كتب الفقير في معنى ذلك حسب ما أقتضاه الحال، ثلاثة أبيات فقال:

قسم علي الجمل الذي في جلقجملاً بمصر وفي الحقيقة يفرق
إن الذي في الشام جاء مقيدابالطبل إذ يدعى وهذا مطلق
واللفظ أقوى ما يكون إذا أتىفيه الخصوص لنكتة تتحقق

ولعل هذا الحال، وقع في المحل حيث وجب له عدم الإنتقال، وهذا هو الحال المقيد لصاحبه بلا إشكال، سبحان الله، والشيء بالشيء يذكر.

وقد ذكرتنا هذه الواقعة إن بعض المصريين المترددين إلى القسطنطينية كان يجيء لمصاحبة الفقير في الديار المصرية فانجر الكلام يوماً وأستطرد القول إلى المقيد المذكور، فذكر لنا أن بعض الظرفاء المصريين لقيه هناك فلقبه بأبي الهول. فتعجبت من مناسبة هذه النكتة غاية العجب، وقلت: ما أشبه مناسبتها له بمناسبة ذلك اللقب. ووجدت مطابقة هذا اللفظ للموضوع له أوضح من الفلق، وموافقاً له موافقة الشن للطبق، فكتب الفقير في هذا المعنى مقطوعين في الحال، أحب العبد أن يتصلا بهذا المقال، وهما:

رآه البعض من ظرفاء مصروهال القوم منظره الغريب
وقالوا أنه شكل مهولفكنوه أبو الهول العجيب

ثم أشرفنا على القدس الشريف آخر ذلك النهار، ودخلنا بعد غروب شمسه. وأستقر منزل مولانا قاضي القضاة متع الله تعالى بوجوده الشريف، وآنسه بالمدرسة المعمورة، وبالقايتبائية مشهورة، أسكن الله بانيها في الجنان أعلى القصور، وشكر سعيه وضاعف له اجور. ولعمري لم تشهد العين أحسن من بنائها ولا أعلى، ولم يتمتع النظر بألطف من رونقها ولا أحلى، فكأنها من حسنها وبهائها بنيت قواعدها على الأفلاك، لا سيما إذا وافتها الشمس بحسن المقابلة من المشرق يكاد سنا برقها يذهب بالأبصار وفي الحقيقة من نظر حق النظر علم أن هذا الحسن إنما أكتسبته من عطف الجوار.

ثم بيتنا ليلة الوصول مع حضرة المفتي في أرض الحرم الشريف ورحبته الفسيحة، لنتدارك أماكن للنزول في الصبيحة، فعند ذلك كتب الفقير لمولانا شيخ الإسلام الشيخ عبد النبي بن جماعة، بعض أبيات يلتمس منه منزلا في تلك الساعة، صورتها:

يا شيخ الإسلام من عمت فضائلهكل الأنام وخصتهم فواضله
من فاق في العلم أهل العصر قاطبةفليس يوجد فيهم من يطاوله
أتى المحب إلى عالي مقامكم السامي المكان الذي ما خاب آمله
وليس يدري به يا سيدي سكناًكلا ولا مسكنا يؤويه داخله
وصار كالحوت في البيدا فهل سبب لافي مسكن فخيار البر عاجله
زال بابكم السامي محط رحال العلم بالسعد معموراً منازله

ثم أن الشيخ المشار إليه أعلى الله تعالى رفيع مقداره، هيأ لمولانا المفتي داراً تجاه داره، وأنزل الفقير في مكان داخل منزله الرفيع المقام، وعاملنا بأنواع الكرم وصنوف الإحترام، وأغتنمنا لذيذ مصاحبته مدة الإقامة، فجزاه الله تعالى خيراً وشكر إنعامه. وكان الشيخ المشار إليه كثير التردد إلى خدمة قاضي القضاة مولانا، ويكثر مصاحبته والتحدث معه أحياناً، وكانت تتسع دائرة الكلام في حضرته العلية فينجر الكلام إلى المصاحبة العلمية، فكان مولانا الشيخ المشار إليه إذا سئل أو أجاب، يبدي العجب العجاب، وإذا تكلم بالأوليات من بعض الفنون يوردها على وجه التفهيم، ويلقيها إلقاء معتقد أن المخاطب خالي البال عنها بقلب سليم وكان في وادٍ ةنحن في واد، وشتان بين مريد ومراد.

وكان إذا أنشد بيتاً من الشعر يخلع أوتاده، ويورده كيف ما أتفق حسبما أقتضاه طبعه وأراده، وما كان مولانا الأفندي يحمل ذلك منه إلا على صفاء المزاج، ويحصل لنا من ذلك غاية الحظ والإبتهاج. فأتفق في غضون بعض المصاحبات، وخلال جمل من المخاطبات، أن مولانا الأفندي أسبغ الله تعالى نعمه عليه، تلطف بحسن إلتفات من مقام التكلم إلى خطاب هذا العبد وأسر إليه، أن مولانا الشيخ كان حلف يميناً، لا ينشد شعراً موزوناً، ولا يتكلم كلاماً إلا ملحوناً، ثم أستشعر منه أن لمح أطراف الكلام، فأحجمنا عنه إحجام المرتاب، ونقلنا الخطاب من باب إلى باب. وكنا نقضي غالب الليالي مع مولانا الشيخ ومصاحبته، ونحصل على كمال الإنشراح من صفاء مزاجه وحسن ملاطفته. وكان مولانا المفتي - عامله الله تعالى بلطفه السماوي - عرض عليه في بعض اليالي ما حرره على أماكن من تفسير البيضاوي، في محل درسه العام، الذي كان أقرأه في دمشق الشام، وحضر فيه علماؤها الفخام لينظر تحريره وصنيعه، ويطلع على ما أودعه فيه من النكات البديعة. وكان المشار إليه يترقب أن ينتقل من تصور كلامه، إلى التصديق ورفعة مقامه، فيبدي ما يقتضيه الحال من الثناء اللائق بمثله، ويمدحه بمدح هو من أهله، وينعت فضائله الجسام، بنعوت تليق بالمقام، فلم بمدحه بما يناسبه من جلالة القدر ورفعة الشأن، بل كان ما أعرب عنه من أفعال المدح من باب كان، حيث لم يزد على أن قال له: والله ما كان في ظن الفقير، أنكم تحررونه مثل هذا التحرير، وما هذا إلا كلام صحيح، وما ذلك منك يا مفتي إلا فهم مليح، ثم تحول الكلام من مقام إلى مقام، فجرى في المجلس ذكر شخص ينتسب إلى العلم في دمشق الشام، فبالغ مولانا الشيخ في الثناء عليه، وأسند إليه من الفضل ما يكثر على أمثاله إسناده إليه، فقلنا له: والله يا مولانا لقد أستسمنت ذا ورم ونفخت في غير ضرم، فعند ذلك أنشدنا قصيدة قال أن المذكور بهذه القصيدة أمتدحه، فألفيناها عن بلاغة زائدة مفصحة. فقلنا: والله يا مولانا لقد حملتم المذكور حملا فوق ما يطيق، وأن كنتم بنيتم فضله على هذه القصيدة فهو بناء على خلاف التحقيق، فيميناً بالبراعة وما نصعت، وبالبراعة وما صنعت، أنا قط لم نعهد المذكور يدعي شعراً ولا يذكر، ولا نعرفه إلا يحدث من فيه ولا يشعر. فيا ضيعة الأدب، ومن أين هذا الإخاء والنسب؟ والحاصل يا مولانا أن سرقة هذه القصيدة ظاهرة، كالشمس في الشهرة والإنارة. ومثل هذه القصيدة لا تسرق إلا أن سرقت المنارة. وليت شعري، أين هذا من قول الشاعر:

وإنما الشعر لب المرء يعرضهعلى المجالس أن كيسا وأن حمقا
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «وإنما الشعر لب المرء يعرضه»
وأن أصدق بيت أنت قائلهبيت يقال إذا أنشدته صدقا

على أن القرائن متوفرة على سرقتها: منها بلاغتها، وفصاحة ابياتها، ومنها اأن المذكور لم يعهد له قصيدة غيرها حتى تشفع بأخواتها. وقد قضينا يا مولانا العجب ممن له هذه الفصاحة الزائدة، كيف لم يتفق له في عمره إلا نظم هذه القصيدة الواحدة، وقد ذكرتنا هذه القضية قضية جرت بين ابن أبي حفصة وعلي ابن الجهم وهي قضية مشهورة، وعند أرباب الادب غير منكورة، وقول ابن ابي حفصة:

لعمرك ان الجهم ما كان شاعراًوهذا علي ابنه يدعي الشعرا
ولكن أبي قد كان جاراً لأمهفلما ادعى في الشعر أوهمني أمرا
للشاعر مروان بن ابي الجنوب، اقرأ القصيدة

هذا ثم أن مولانا الشيخ عرض ما عنده من الاسفار، على مولانا المفتي رفع الله تعالى له المقدار، فأختار من بينها كتاب الأتقان، وطلبه ليطالعه برهة من الزمان، فوقع عنده الموقع واعجبه، وأسر في نفسه أن يستوهبه، فعرض بذلك لمولانا الشيخ في بعض المجالس فلم، وعجبا حيث سبيل إلىعوده بسبب من الاسباب، بحكم:

أحب شيء إلى الإنسان ما منعا

وقال لي: غاية القصد أن تسلي خاطره عنه بوجه جميل، وتكون في باب هبته نعم الكفيل. فرتبت لذلك المقدمات حسب الاستطاعة، فسمح خاطره الشريف به ووهبه هبة لا يملك بعدها استرجاعه، فشكره على هذا الإحسان، وعده له من جملة الامتنان، ثم أن الفقير أرسل مولانا المفتي بعد أيام مكاتبة، ولمح في اثنائها إلى هذه القضية بأدنى مناسبة، حيث قال له في معرض عرض المحبة، ووصف المودة والإخاء والصحبة. وبالجملة: فالعبد لم يحتج في اثبات عبوديته ومحبته إلى حجة وبرهان، كيف لا وهي مبنية على اتقان وأي اتقان.

ثم لما كان سابع شهر رمضان المذكور قصد حضرة مولانا قاضي القضاة، بلغه الله تعالى في الدارين ما يتمناه، ما هو بصدده من التفتيش على الكنيسة المذكورة، وما أحدث فيها طائفة الكفار من الأوضاع المنكورة، فتوجه هو ومولانا المفتي المشار إليه، أسبغ الله تعالى نعمه عليه، وحضر العلماء ومشايخ الإسلام، وجمع كثير من الخاص والعام، وكشفوا على الكنيسة المذكورة، فإذا بقربها مسجد قديم هدم الكفار حيطانه، وحولوا وضعه القديم إلى وضع آخر جددوا بنيانه فعند ذلك أمر سيدنا قاضي القضاة بهدم ما جدده طائفة الكفار من ذلك البنيان، وإعادة المسجد إلى وضعه القديم كما كان، فهدمه المسلمون في الوقت والساعة، وعامل طائفة الكفار بأنواع الخزي والنكال جزاء هذه الشناعة، وقابلهم - قاتلهم - الله تعالى أشد المقابلة، وعزرهم بأنواع التعزير، واعلن المسلمون عند ذلك بالتهليل والتكبير، فضربت الذلة على الكفار وتولوا صاغرين، وأقيمت فيه في الحال الصلوات وشعائر الدين، وكان دخل وقت العصر فتسور مولانا المحراب وصلى بالناس إماما، وأقتدى به المسلمون وذكروا الله قياماً، وصار ذلك يوماً مشهوداص شهيرا " وكان يوماًعلى الكافرين عسيرا " ثم لما أتممنا زيارة تلك الأماكن الشريفة، ورفعنا أيدي الضراعة والإبتهال في تلك المواقف المنيفة، توجهنا لزيارة سيدنا موسى ﵊، وختمنا ذلك بزيارة من تشرفت به تلك البقاع من الرسل الكرام. فعندما قضينا الزيارات وتمت، وحصل إنشاء الله تعالى ثوابها وبركاتها بالخيرات وعمت، حمدنا الله تعالى على هذه النعمة الشاملة، وتمت مدة الإقامة عشرة كاملة. وصلينا جمعة بالصخرة الشريفة وجمعة بالاقصى، وشاهدنا من الانس والبركة ما لا يحصى، وأنشدنا:

شكراً لمن بلجود سر قلوبنافي منزل الإسرا وضاعف طوله
مولى قطوف نواله أبدى لنافي المسجد الأقصى المبارك حوله

ثم في اليوم الثالث عشر من شهر رمضان عزم مولانا المفتي - حفظ الله تعالى ذاته العلية - على العود إلى دمشق المحمية. فركبنا في خدمة قاضي القضاة لتوديعه، والقلب من فراقه على شفا نار مشغول بتقطيعه، ومدينا الأكف لوداعه:

ولوعة البين تأبى أن تمد يدا

ذكرنا عند ذلك قول القائل:

من لم يمت يوم بين لم يمت أبدا

ثم أنه أوصى الحقير أن لا يقطع مكاتباته عن جنابه السعيد، وأكد ذلك بأنواع التأكيد، ووعد أن يكتب له جواباً عن كل مراسلة ويكون ذلك على سبيل الجبرو المقابلة. فقلت له: والله يا مولانا أن هذا الصب لمغرم في رسائل إخوان الصفا، فقال: إذن المؤمن إذا وعد وفى، ثم أنشدنا تيمناً هنالك، ما ينسب إلى الإمام الغزالي في معنى ذلك:

يا من يريد الرحيل عناكان لك الله في أرتحالك
كان لك الله خير واقٍأمنك الله في المسالك

ثم عزم مولانا المفتي على المسير، وسألنا الله تعالى حسن الإجتماع، " وهو على جمعهم إذا يشاء قدير " وقضيناها سفرة لم يتفق مثلها في الأسفار، وقطعنا الطريق معه بالمواصلة بمقاطيع الأشعار، وحصلنا من حسن مرافقته، ولطف مفاكهته على الحظ الوافر، وأجتنينا من زهرات مصاحبته ما يغني عن الربيع الزاهر.

وفي اليوم الرابع عشر من شهر رمضان، عزمنا على التوجه بقصد زيارة خليل الرحمن، فوافينا دخوله آخر ذلك النهار، وشاهدنا ما تحير فيه العقول من باهر تلك النوار. وأتينا إلى زيارة ذلك المقام الشريف بقلب سليم، وتلونا دعائه " ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم " وزرنا ما جاور مقامه الشريف من قبور أولاده الأنبياء الكرام، وجميع آله عليهم الصلاة والسلام، وأقمنا في جواره يومين وفي وسط صبيحة الثالث عزمنا نحو غزة قاصدين وتلونا قوله تعالى " فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين " وودعنا من كان جاء في خدمة مولانا رفع الله تعالى مناره، وصحبه من علماء القدس الشريف للزيارة. وخرجنا في يوم مطر، وفتحت فيه أبواب السماء بماءٍ منهمر. ثم وافينا غزة المحمية في ثمان عشر شهر الصوم، وأقمنا بها يوماً بعد يوم، وتشرفنا بملاقاة عالمها فخر العلماء المدققين، شمس الملة والدنيا والدين. وكنا في غاية التشوف إلى مشاهدة ذاته، والتشوق إلى الإجتماع به وملاقاته فدعانا إلى منزله ثاني ليلة الوصول ومد لنا الموائد، وأغتنمنا تلك الليلة مصاحبته العلمية وحصلنا منها على كثيرٍ من الفوائد. وذكر لنا أن معرفة الفضائل صارت منكورة وعفت معالمها من البلدة المذكورة، وشكا لنا كثيراً من عدم فاضل في البلد يباحثه ويناظره، بل طالب يحادثه في العلم ويسامره:

ما في البلاد أخو وجدٍ نطارحهحديث نجد ولا خل نجاريه

وتألم أيضاً من عدم معرفة اهلها بقيمة العلم والعلماء، وما يقاسيه بسبب ذلك من الشدة، وأنشدنا:

كفى حزناً أني مقيم ببلدة

فقلت له يا مولانا حيث كان الأمر كذلك فما الداعي لتحمل موجبات السآمة، وأنشدناه قول الطغرائي: فيم الإقامة.

وتلونا عليه آية المهاجرة وما فيها من وجدان المراغم الكثير والسعة، وموجبات الحبور والدعة، وقلنا: عجباً للقلب المصاحب للهموم، كيف يبدي الفضائل والفهوم، فإن الشمس لا تبدو إذ يحول غيم، ولا يخفاكم: " يقيم على ضيم "، وبالجملة:

إذا كنت في أرضٍ يسوءك حالهاولم تك محبوساً بها فتغرب
فإن رسول الله لم يستقم لهبمكة حال وأستقامبيثربٍ
للشاعر بهاء الدين الصيادي، من قصيدة «أرى سيرة الوراث وراث أحمد»

فذكر لنا حديث حب الوطن، وتنفس الصعداء وأنشد من شدة الكمد والحزن:

بلاد ألفناها على كل حالةوقد يؤلف الشيء الذي ليس بالحسن
وتستعذب الأرض التي لا هواؤهاولا ماؤها عذب ولكنها وطن

ثم أتسعت معه دائرة المخاطبة، وأستطرد القول بطريق المناسبة، إلى ذكر رحلته إلى بلدتنا حماة المحمية المحروسة، وتغزل لنا بوصف ما فيها من تلك الأماكن المأنوسة، فتحرك ما عندنا من السواكن، والأشواق إلى تلك المعاهد والأماكن، فعند ذلك تأوه هذا الصب عند ذكر الحمى، وتذكر قول ابن خطيب داريا:

تذكر بالأوطان عيشاً تصرماففاضت على خديه أدمعه دما
وحن إلى أحبابه فتصاعدتله زفرات لا تسل عن جهنما

كيف لا وهو كما قيل:

بلاد بها نيطت علي تمائميوأول أرضٍ مس جلدي ترابها

ثم سألني عمن يعهده فيها من أفاضل الأصحاب فكان سائل دمع مقلتي الجواب، وأنشدت:

إذا هبت الأرواح من نحو جانبٍبه أهل ميّ هاج قلبي هبوبها
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا حي الدار قفرا جنوبها»
هوىً تذرف العينان منه وإنماهوى كل نفسٍ أين حل حبيبها

وقال: والله يا مولانا أن رونقها في الحقيقة يشرح الصدور ويبهج نفوس، ويعجز عن حصر محاسنها سطور الطروس. ولكن لله درك حيث وفيت حب الوطن حقه، وأديته واجبه ومستحقه، ولعمري لم تشهد العين محبا للأوطان مثلك ولا أشواق، ولم نعهد من قيده الغرام نحوك فيجري الدموع عند ذكر الربوع كالماء المطلق، ولا شاهدنا بأضيع من عينيك للدمع كلما تذكرت ربعاً أو توهمت منزلا فقلت له: يا مولانا كيف لا أكون كذلك وهو:

بلد صحبت له الشبيبة والصباولبست ثوب العز وهو جديد
فإذا تمثل في الضمير وجدتهوعليه أغصان الشباب تميد

ثم حدثنا الشيخ المشار إليه بكثير من حسن المحاضرات، ولطيف المحاورات، التي مانت تصدر بينه وبين فاضلها المرحوم سيدي الشيخ محمد بن ولي الله المرحوم الشيخ علوان، وكان يتعجب من فصاحته وبلاغته التي حارت فيها العقول والأذهان، ويمدح فضائله وفواضله الغزار، ويذكر صفاء العيش الذي قضاه صحبته في تلك الديار، ويشكر ما أسدى إليهمن الفضل والإنعام، وينشد في ذلك المقام:

نزلت على آل المهلب شاتياًغريباً عن الأوطان في زمن المحل
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة
فما زال بي إحسانهم وأفتقادهموبرهم حتى حسبتهم أهلي
للشاعر أبو الهندي، اقرأ القصيدة

فمن أجل ذلك طاب لي فيها المقيل، وآويت لها إلالى ظل ظليل:

رأيت بها ما يملأ العين قرةويسلي عن الأوطان كل غريب

وقص علينا أحاديث ما شاهده من لطفها ومياهها وجناتها، ودهشتها الغناء وميدانها وبساتينها ومتنزهاتها وما يطرب من تغريد طيورها في السحر، على أعاليالشجر، بفصيح لغاتها، فعند ذلك أنشدته:

لك أن تشوقني إلى الأوطانوعليّ أن أبكي بدمعٍ قانِ
للشاعر بلبل الغرام الحاجري، من قصيدة «لمن اللحاظ مريضة الأجفان»

ثم أوردنا شيئاً مما تغزل به في محاسنها أهل الدب، وما أطرب من التشبيب فيها بأعين القصب، إلى أن أنتهينا إلى قول القائل:

ما بين صرح وسرحٍ منظر عجبتنأى همومك عنه وهومقترب
عاصٍ تتم به الطاعات حيث صفايكاد من رقة باللحظ ينتهب
أنسيت اهلي وكم قد أنسأت رجلاقبلي إذا كان للذات يغترب
تشاجر الطير في أشجارها سحراًوالماء حيث أجال الطرف ينسكب
يسلي الغريب عن الأوطان رونقهفي لذة بلداها اللهو والطرب
وافى بنا رجب طيب المقام بهافحبذا حبذا شهر التقى رجب
فيا حماة حماك الله فزت بماعيا دمشق ولا تحطى به حلب
فالحمد لله حمداً لا أنتهاء لهفي كل وقت وهذا بعض ما يجب

ثم سألني عن لطفها ولطف الأماكن التي يعهدها فيها الزمن الأول، كقصر أبن حجة ومعاهده التي يمتدح بها في أشعاره ويتغزل، فأنشدته:

وهل عند رسم دارس من معول

وقلت له: يا مولانا أن تلم المنازل والأوطان قد تعرضت لها أيدي الحدثان، ودخلتها في خبر كان، وغيرت منها ما تعهدونه من ذلك الوضع وكاد لسان الحال ينشد عند أطلالها:

فديناك من ربع

ثم أن المشار إليه أطنب في مدح هذه البلدة الغنا، وترنم بلطائف الأشعار وتغنى.

وأنتقلنا إلى مدح دمشق الشام، وأتسعت دائرة بسيط مدحها حيث أقتضاه المقام، فقلنا له: يا مولانا رفقاً أذبت حشاشة المشتاق، وأسلتها دمعاً من الآماق، وبالله عليك إلا ما خففت على هذا المغرم وسليت هذا المروع عنها بالنوى والمتيم، فإن عند هذا الصب حنينا إلى الأوطان ليس يزول، ويكفي في هذا المقام ناهيا قول من يقول:

ولا تذكريني الواديين ولا تريلعيني أطلال الربوع فتدمعا
للشاعر ابن لؤلؤ، اقرأ القصيدة
فلولاك ما حن المشوق إلى الحمىولا شام برق الشام من سفح لعلعا
للشاعر ابن لؤلؤ، اقرأ القصيدة

فلما شاهد شدة شوق هذا الصب إلى أحبابه، وان جلده قد وهى، قال راثياً له:

واهاً له ذكر الحمى فتأوهاودع به داع الصبا فتولها

وأنشدنا عند ذلك:

سلام على تلك المعاهد أنهاشريعة وردي أو مهب شمالي
ليالي لم نحذر حزون قطيعةولم نمش إلا في سهول وصالي
فقد صرت ارضى من سوالم أرضهابخلب برق أو طروق خيال

وحصل لنا تلك الليلة من مسامرة ذلك الفاضل ما سرينا وابهجنا، وتوجهنا في الصبيحة إلى المنزل لننظر:

أقاطن قوم سلمى أم نووا ظعناإن يظعنوا فعجيب أمر من قطنا

فألفيناهم عزموا على المسير من البلدة المذكورة، فتوجهنا لوداع مولانا الشيخ وألتمسنا دعواته المأثورة، فدعا لنا متضرعاً بأدعية صادرة عن صميم الفؤاد، وتلا متيمناً " أن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ".

ثم لما كان بتاريخ العشرين من شهر رمضان وصلنا إلى المنزل المعروف بقطية من عمل بلبيس الشرقية فاستقبلنا قاضيها وصحبته جماعة من قضاة الديار المصرية وهو مولانا فخر القضاة والمدققين، عمدة الأفاضل والمحققين، تقي الدين ابن المحروم من بالفضائل والكمالات موصوف، عمدة القضاة القاضي معروف، فحصل لنا غاية السرور بملاقاته، وكنا بفرط الأشواق إلى مشاهدة ذاته. وكان مولانا قاضي القضاة عامله الله تعالى بألطافه الخفية، لما جاءه الخبر بتوليه القاهرة المحمية، أرسل لحضرة الباشا بمصر يستخلف المشار إليه مكانه، لتميزه بالفضائل التي فاق بها اقرانه، فسأله عن بعض ما وقع في البين من الأحوال، واستخبر عنها بالتفصيل والإجمال، فأنهى إليه بعض الأمور بطريق العرض، وعرفه ببعضها وأعرض عن بعض. وبتنا بذلك المنزل ليلة واحدة، وعندنا إلى مصر أشواق متزايدة. ثم في ثاني يوم قوضنا الخيام، ورحلنا عن ذلك المقام، فأتينا محمية الخانقاه في خامس عشري رمضان، وخرج لإستقبال مولانا قاضيها فخر القضاة شهاب الملة والدين أحمد بن شعبان، وتواتر المستقبلون في ذلك اليوم أفواجاً، وتواردوا للقاء مولانا فرادى وازواجا. فلما كان نهار الأربعاء سادس عشري شهر رمضان أشرفنا على المحمية القاهرة، ولاحت لنا قصورها العالية العامرة، وخرج لاستقبال مولانا - أدام الله تعالى مدده وطوله - جميع القضاة والعلماء وارباب الدولة، ودخل في أبهة عظيمة، ومهابة جسيمة، وكأن الله تعالى ألقى محبة مولانا في قلوب جميع الخليقة، فأستبشروا بمعدلته التي سار بها في دمشق على أحسن طريقة:

وجه عليه من الحياء سكينةومحبة تجري من الأنفاس
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «الله جرد للندى والباس»
وإذا أحب الله يوماً عبدهألقى عليه محبة للناس
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «الله جرد للندى والباس»

وخرج جميع أهل البلدة لاستقباله فرحاً، ووافينا دخولها ذلك النهار ضحى، فدخلناها فرحين مستبشرين، وتلونا قوله تعالى " ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ".

ثم لما كان السبب الأعظم في هذه الرحلة مشاهدة من ذاته أضحت للمعارف قبلة: علامة الزمان، وواحد الدهر والأوان، أو الأعلم الأفضل الأفخم، والحبر الذي من خصاصه أن تصغي الفصحاء إذا تكلم، والفصيح الذي إذا قال لم يترك مقالا لقائل، والبليغ الذي إذا أنشا أنسى سحبان وائل:

لو أدرك الفصحاء العرب أفحمهاوقصرت عن معانيه معانيها
للشاعر ابن المقرب العيوني، من قصيدة «تخفي الصبابة والألحاظ تبديها»
ولو جرى عند أهل السبق في طلقمن البلاغة جلى عن مجليها
للشاعر ابن المقرب العيوني، من قصيدة «تخفي الصبابة والألحاظ تبديها»
ما سيرت حكمة في الناس مذ نشأتتجلو صدى القلب إلا وهو منشيها
للشاعر ابن المقرب العيوني، من قصيدة «تخفي الصبابة والألحاظ تبديها»

أعني به سيدنا ومولانا شمس الملة والدنيا والدين، الاستاذ الأعظم والعارف الأفخم سيدي محمد البدري لا زال بيت البلاغة بدعائم بدائعه معموراً، ولواء الأدب على ملوك براعته منشوراً. فأن هذا العبد مذ أميطت عنه التمائم، ونيطت به العمائم، وتشرف بالعلم الشريف وخدمة أهله أئمة الأقتداء، كان كما لمع من سنا نجده بارق آنست من جانب طوره هدى، وإذا نقلت الرواة أحاديث علومه المعنعنة المسلسلة، وتلت الأفاضل آيات فضله المرتلة، ينشق من تلك الروايات نفحات أنسية، ويجد نفس الرحمن من جهة يمانية. ولم يزل يأنس بتلك الأخبار آونة وأزمانا. والأذن تعشق قبل العين أحياناً. حتى كلف بها الفؤاد، لكن بنار أوقد فيه جمره، وعلق بالقلب علوق الهوى ببني عذرة:

ألا أن أهوائي بليلى قديمةواقتل أهواء الرجال قديمها
للشاعر المُرّار الفَقعَسي، اقرأ القصيدة

فقصدنا الآن الدخول إلى القاهرة، التوجه للسلام عليه ومشاهدة أنوار طلعته الباهرة، وإذا بجنابه الشريف - أطال الله تعالى بقائه وأدام فضله - جاء للسلام على مولانا قاضي القضاة على حين غفلة. فشاهدنا تلك الذات السامية المقام، ولزم مفاجآته ذلك الوقت بالسلام، وقلت له: يا مولانا أن هذا سلام إتفاقي إضافي، ويتلوه إن شاء الله تعالى السلام الحقيقي الشافي. وتوجهنا ثاني يوم للسلام عليه في منزله السعيد، لا برحت ربوعه عالية الذرى، فشاهدنا منه سماء الفضل بدرا مسفرا. وشهدنا من وافر فضله ومزيد لطفه، ما يعجز اللسان عن بعض وصفه. وكان ابتداء مخاطبته ان قال ملاطفا، ونطق عاطفا: وهذا السلام الحقيقي، تلميحا الى قول ابي العلاء ومن بالعراق، وابدى لنا من معارفه ما يعجز عنه نطاق النطاق، وكنا في السابق نظن الناس يطنبون في المسند اليه من المدح، ويقولون: ان كلامه لا يكاند ان يكون من قوة البشر بل من قبيل الفتح. حتى شاهدنا ذلك راي العين فوجدناه يعجز عن وصفه الكيف والاين. وراينا اطنانهم في مدحه في غاية الايجاز، ومطول وصفهم مختصراً بالنسبة الى ما قامت عليه " دلائل الاعجاز " فعند ذلك تمثلنا بقول القائل:

لقد كنت في الاخبار اسمع عنكمحديثا كنشر المسك اذ يتضوعد
فلما تلاقينا وجدت محاسنامن اللطف اضعاف الذي كنت اسمع

وبالجملة فجميع من في القاهرة - وهي ام الدنيا - من العلماء اذا نسب اليه يكون هباء منثوراً، واذا قيس عليه لم يكن شيئاً مذكوراً. وفي الحقيقة فما علماء هذه الديار، الا كالنجوم وهو كالشمس في رابعة النهار، مشى في كل فن سويا على سراط مستقيم، وتلا لسان الكون على من قصر عن رتبته " وفوق كل ذي علم عليم " حاز قصبات السبق في علم التفسير، وفاق الاوائل والاواخر بحسن التحرير فيه والتحبير، لا يهتدي احدهم لسلوك طرائقه، وغوامض دقائقه، ولا يغوص على شيء مما يبرزه في تقرير من درر حقائقه:

إذا عد أهل الفضل يوماً فكلهمعلى فضله لو ينشرون عيال
للشاعر ابن المقرب العيوني، من قصيدة «سما لك من أم العبيد خيال»
ترى عنده ما عندهم من فضيلةٍوفيه خلال فوقها وخلال
للشاعر ابن المقرب العيوني، من قصيدة «سما لك من أم العبيد خيال»

أُجِلُّ معانيه البديعة أن يحصرها بياني، أو يسطرها بنان قلمي وقلم بناني:

وكيف أطيق البحث عن بعض فضلهوقد كل فيه السن الفضلاء
أقر بعجزي حين أحصي خصالهفما لي سوى ختم بخير دعاء

أبقاه الله تعالى إماماً اصطفت خلفه صفوف البلغاء، فأمهم بنوافل بره، فرأوا شكر ذلك فرضاً مؤبدا، وأطنبوا في حمد أوصافه، ولا غرو أن أصبح بها محمداً. وقد حصل بين العبد وبين حضرته السعيدة، مودة خالصة ومحبة أكيدة، مؤسسة على قواعد الإخلاص، ومؤكدة من توابع الود بمزيد الاختصاص.

هذا ومما كتبته لحضرته العلية، صحبة شيء من قلب الفستق أهدي لنا من الديار الحموية، ما صورته:

لما تملك قلبي حبكم فغدامجرداً منه قلباً رقّ واستعرا
حررته فغدا طوعاً لخدمتكممحرراً خادماً وأفاك معتذرا
فقابلوه بجبر حيث داءكممجردا بمزيد الحب منكسرا

يقبل اليد الشريفة، ويلثم الراحة اللطيفة، وينهي إلى الحضرة العلية، عظم الله شأنها، وصانها عما شأنها، أنه اهدى غليه من تلك الديار ما يناسب اهداؤه لأرباب القلوب، ويلائم غرساله لاصحاب الغيوب، فقدم العبد رجلاً وأخر أخرى، في أن يهدي إلى جنابكم الشريف منه قدراً، علماص بأنه شيء حقير، لا يوازي مقامكم الخطير، وقد توارى بالحجاب حيث وافاكم وهو حسير وما مثل من يهدي مثله إلى ذلك الجناب، إلا كالبحر يمطره السحاب، ثم أنه تهجم باهداء هذا القدر اليسير، فان وقع في حيز القبول انجبر القلب الكسير. ولا يعزب عن علم مولانا بلغه الله أملا، النمل يعذر في مقدار ما حملا، والسلام.

ثم اجتمعت بعد ذلك بجنابه الشريف، فكان من خطابه المنيف، أنه قال: ما يقول اللسان في هدية كلها قلب، وانشدني بديها في معنى ذلك بيتاً جمع فيه المحاسن وهو مفرد، واشتمل من اللطف على مزيد وهو مجرد، وهو:

بحاميم اقسم أني فتىصديق حميم بقلبي محب

ثم صار مجلسه الشريف إذ ذاك غاصاً بأفاضل الأنام، واعترض في أثناء الخطاب مع حضرته جمل من الكلام، فقال معتذرا: إن هذا من نظم الوقت، وأن لم يكن هذا وقت النظم.

هذا وقد شرف العبد من جنابه الشريف ببعض المكاتبات، قصد الفقير أن يكون لها في هذه الرحلة اثبات، فمن ذلك ما كتب لي حفظ الله تعالى جنابه، وكنت قاضيا بتزمنت، مكتوباً يتضمن الشفاعة لشخص في النيابة، صورته: ان أنضر زهر فتحت يد النسيم كمائمه، وازهر ناضراً حب باعطر من لطائف المسك نسائمه، وأورق عود أصدح الشوق على أفنانه حمائمه، وأرقى منبر سجع عليه خطيب بلاغة فاستنزل من الأفق نعائمه، وأفصح منطق ترك سحبان في أرض البلاغة باقلا أو ذاهلاً يتطلب تمائمه، حمداً لله تعالى الذي جعل محبه مترقياً مصاعد المجد، وأيد به الدين فأصبح له كالأب رافلا في حلل الجد. هذا وانبسطة القول في بث الشوق، يضيق عنها الطوق، ولو استعان ذو البث بذوات الطوق، وبعد بُعْدِ المدى وأن كان لابعد، فالجنان بكم في أنضر من جنان الخلد، ثم إن ممن له إلى هذا الجناب انتساب، وعراقة في الاتصال بهذا الداعي لذلك الجناب، الماثل لديكم بهذه الصبابة، والناقل لخبر هاتيك الصبابة، الولد الاعز عبد الفتاح، فالمسئول ان لا يزال مريش الجناح، محفوفاً بيمن نظركم السعيد، محفوظاً بعنايتكم في الطريف والتليد، متشرفاً بخدمة عتبتكم في تنفيذ الأحكام، مامورا من جنابكم العالي برعاية أمر الله تعالى في النقض والإبرام، بعد الدعاء ثانياً والسلام على الدوام.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حادي الأظعان النجدية إلى الديار المصرية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.