من «رحلة الشتاء والصيف» لمحمد كبريت الحسيني (ت ١٠٧٠هـ)
فائدة (٣)
عقبة أيْلَة نسبة إلى مدينة عظيمة في ساحل البحر عفت معالمها وكانت تسمى أيْلَة قال صاحب الروض المعطار في خبر الأقطار: أيْلَة أول حدّ الحجاز، مدينة بها مجمع حاج مصر والمغرب، وأهلها أخلاط الناس، سميت بأيلة بنت مدين بن إبراهيم ﵇، ومنها إلى بيت المقدس مراحل، وإلى طور موسى ﵇ يوم وليلة، وقد جهل الآن موضعها. وثم قلعة بناها الغوري وبئر ماء عذب
ونخيل للحويطات، وهناك ملاقاة غزة والكرك والقدس وأعمالها، بأنواع الفواكه والمأكول والأغنام. فأقمنا بذلك الوادي يومين من الأيام، والشمل بالأحباب ملتام، ونحن في جمع من الأصحاب، نرشف كؤوس الآداب، أنشدني المولى جمال الدين بن زويته:
إنّ علمَ الحساب علمٌ جزيلٌومُعينٌ إذ تشتري وتبيعُ
لم يضع قط درهم بحسابٍوألوفٌ بلا حسابٍ تضيعُ
وعلى ذكر الحساب فما أوقع ما قال:
لقد قعد الزمان بكل حرٍّوأهدى فضله لذوي اليسارِ
كآحاد الحساب على يمينٍوآلاف الحساب على اليسارِ
وهذا مبني على القلم الهندي، وخرج عن ذلك حساب أبي جاد، فإن الآحاد على اليسار والألوف على اليمين، وعليه قول الفاضل عبد المعين، حيث كتب إلى بعض أصحابه يذكره بوعد وعَدَهُ به ومَطَلَه، وذلك في قوله:
يا سيداً بالوعد أتحف عبدهفضلاً، ولكن وعده مثل السحابِ
قد كنت أحسب صدقه فإذا بهوعدٌ به انخرمتْ قوانينُ الحسابِ
يريد أن لفظة وعد بطريق حساب أهل الفلك عود، لأن العين بسبعين والواو بستة، والأكثر يقدّم على الأقل كما علمت، وانظر إلى المواطن وأحكامها فإنك لا تجد غير مقتضاها، ذكرت بالمطل والشيء بالشيء يذكر بالاستطراد وبالمناسبة قول الأمير أبي فراس:
يا ابن الكرامِ أعد في الدهر ذكرَ فتىًله بشطريه تحويلٌ وتقليبُ
لا تعتبنَّ على عرقوب واحدةفكل من فوقها بالوعد عرقوبُ
ونعود إلى ما كنا بصدده، ولما كان السحر حمل الركب ليقطع العقبة مبكراً، وهي عقبة أيْلَة، بفتح الهمزة وسكون المثناة من تحت وفتح اللام بعدها.
قال في الخريدة: وهي قرية صغيرة على جبل عالٍ صعب المرتقى يكون ارتفاعه والانحدار منه في يوم كامل، ولا يسلك طريقها إلا الواحد بعد الواحد، وعلى جانبيها أودية بعيدة المهوى انتهى. وهي مدن التيه، وهو أرض واسعة ليس بها تل ولا قلعة ولا وهدة ولا رابية، وسعتها خمسة أيام في مثلها، وحكى العبدري أنّ مسافة العقبة خمسة أميال، ولا زالت الملوك قديماً وحديثاً، يمهدونها وتوعرها السيول، ويسهلها التسخير الإلهي. فلم نزل نسير في رمال وأحجار إلى أن أشرق النهار، ثم ارتقينا صراطاً كأنّا نطلب
منه السحاب، ولم نزل من العناء والمشقة في وصب واكتئاب، القائم منا قاعد، والقاعد عن قطاره متباعد، والذي جماله ألقت رحلها، ومدّت رجلها، وقع في حيرة بين أن يترك متاعه أو يستغيث رباعه:
وأين الرفيق الشفيق الذيإذا أقعدتْك الرزايا أقاما
والذي تحرر وتقرر، قضت به العقبة، وحكمت به التجربة، إنه ليس لك من الصديق إلا ما فضل عنه. وقد حكي عن جعفر البرمكي أنه لما أصيب قيل له: لو بعثت إلى صديقك فلان ينظر في حال أهلك. فقال: دعوه يكن صديقاً. ومن أراد تحقيق هذا الموقف فليمعن النظر في كتاب الصداقة والصديق لأبي حيان التوحيدي، ولله در القائل:
إذا أعرضتْ فالأهلُ مني أجانبوإن أقبلتْ فالأجنبيُّ نسيبُ
وما زال الركب في كرب، حتى قطع العقبة، في يوم ذي مسغبة، ثم أقمنا على سطحها قصداً للراحة، واستطاب كلٌّ مراحه، وقمنا ندك الفيافي من غور إلى نجد، ومن سهل إلى وهد، مع ما لحقنا من البرد الشديد، والجهد الجهيد، حتى وصلنا إلى قلعة نَخِر بفتح النون وكسر الخاء المعجمة بعدها راء، كأنَّه مأخوذ من قولهم ما بالدار ناخر أي أحد، أو من العظام النخرة إذا دخل فيها الرياح لكثرة تهابها، ووادي النخل ولا نخل فيه، لأنَّه لا يخلو من السافي الناعم الذي كأنَّه
منخول، وبه بئر وفسقية تملأ منها، وحصار بناه الغوري زادت فيه العثامنة.
ثم لم نزل في نزول وارتحال، وقطع حِرار ورمال، في ذلك التيه الذي أعيا الرحال والرجال، وهو فضاء واسع عن يمينه جبل الطور وعن يساره العريش، وقدره أربعون فرسخاً في مثلها، شديد البرد أيام الشتاء، شديد الحر أيام الصيف، معدوم الماء، ينتهي إلى بحر فاران مغرق فرعون. وفاران من مدن العمالقة، وفيه تاهت بنو إسرائيل أربعين سنة ينزلون حيث يرحلون، وأكثر ما يرى فيه بصل العنصل ويُسمّى روض الجمل، ما أحسن ما قال:
رعى الله ظبياً بالأرَيْمِلِ إذ بدتحشاشةُ قلب المستهام رعاها
إذا ما بدا والتيه بيني وبينهتحجّب عني بالدلال وتاها
ثم انصرفنا من المنصرف على هضاب وجور ورمل كثير، يقال إن الاسكندر أراد أن يخلط بحر السويس ببحر الروم من هذا الطريق، وهذه الحفر آثار ذلك. وقيل بل كان فيها خليج من النيل متصل ببحر السويس فاقتضى الحال أن يُطم فهو هذا.
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع