من «النفحة المسكية في الرحلة المكية» لعبد الله السويدي (ت ١١٧٤هـ)
معالم دمشق (٢)
المملوك يتمنّى له تقبيل أرض حوت أولئك الأكابر، وارثي الفضل كابرا عن كابر، ثم يهدي سلاما عبق الكون نشره، وشاع في الآفاق ذكره وفخره. سلام سليم عن الرياء والنفاق، محفوف بالدعاء والأشواق، إلى الفضلاء الأنجاب، والسادة الأتراب، معادن الشرف الأثيل، الجديرين بالتكريم والتبجيل، لا زال العلم بهم مشهورا، والدين بوجودهم محبورا منصورا، آمين وبعد، فقد ورد إلينا من الوالد كتاب كريم، فيه الثناء العميم، مدحكم فيه بما تلتذ به الأسماع، وتميل إليه الطباع، وذكر فيه فضلكم على التفصيل، من غير إطناب ولا تطويل، وما جرى بينكم له من المحاورات، والمباحثات والمناظرات، وذكر أنكم مكرموه غاية الإكرام، ومحترموه نهاية الاحترام، فسرّ المملوك لذلك غاية السرور، ولم يزل منذ سمع ذلك بانشراح وحبور، فجزاكم [الله] عنا جزاء الأخيار، وآمنكم من الأنكاد والأكدار:
إلى آخر كتابه.
وجاءني في كتاب من الأكرم الأمجد، حمزة آغا محصل حلب، إنشاء الشيخ محمد الطرابلسي فيه عتاب، حيث إني لم أخصه بكتاب، وصورته: أيد الله كعبة الأفاضل، ومسعى كل مباحث ومناضل، الرامي جماره بدرّ المسائل، الساعي مساعي التحقيق، الواقف مواقف التدقيق، الأخ الأعز الأكرم، الشيخ عبد الله حفظه الله وسلم، وبعد إهدائه أنواع التحية البهية، وأصناف الأدعية المرضية الزكية، فالذي نعرضه أن المحبة بيننا رفيعة الذرى، وثيقة العرى، ومنذ رحلتم ونحن في طيب ذكراكم، وبث محاسنكم. وفي خلال ذلك تنمو دواعي المحبة، وتتحرك لواعج الصحبة، فتظن النفس بأنه يرد علينا منكم كتاب كريم، يشتمل على در نظيم، يكون به تسلية عن مشاهدة الوجوه النضير، وإيقان بسلامة ذلك الجناب الخطير، وبينما نحن في الوارد، إذ وردت كتبكم على الأخ الأعز،
فأخذ كل كتابه بيمينه، وأثبت ظن وده بيقينه، غير أننا لم نر لنا سطرا، وكان الأخ الأعز خلع الذمة العراقية، وتردى بالصفات الشامية، ورقة طبعه تشهد لذلك، وإلا فود العراق، مما وقع عليه الاتفاق، وحفظ الصداقة شاد عليهم نطاقه، أو أنه قد اقترف منا ذنبا يقتضي الهجران، وأنسج علينا عناكب النسيان، فالرجا عدم الإخراج من الخاطر، خصوصا عند مشاهدتكم الروضة النبوية، على ساكنها أزكى سلام وأعطر تحية، بدعاء مقبول، وتوسل بأكرم رسول، كذا في كل موطن إجابة، نرجو بذل الدعاء لنا ولولدنا محمد آغا، وكذا كاتب الأحرف. السيد محمد يبلغكم السلام، ويرجو ما نرجو والدعاء.
وكتب الشيخ علي الدباغ مشايخه وأرسل ما كتبه إليّ وأنا في دمشق الشام، وسبب ذلك أني لما استجزته لأولادي، طلب مني أن أجيزه فأجزته، ثم سألته الإجازة لي، فأجازني. والتمست أن يكتب لي مشايخه الذين أخذ عنهم، فلم يتهيأ له الكتابة وأنا في حلب، وصورة ما كتب: الحمد لله المجيب لمن دعاه، المقبل على من ناداه، الذي خص أهل الحديث بالرحمة والنضرة، وجعلهم من بين زمر العلماء خير زمرة، واستجاب فيهم دعوة نبيهم المختار، وحباهم برقة القلب وطول الأعمار، وحفظ بهم على الأمة أمر الدنيا والدين، وما يقرب في الدارين، من المنزلة العليا، وجعلهم أقرب الخلق في القيامة إليه، لكثرة صلواتهم وسلامهم عليه، على تلك الذات العلية، التي هي لظهور الموجودات العلّة الفانية»
أبو الأرواح، وممدها بالفلاح والهداية، القائل: (بلغوا عني ولو آية)، والمأثور في المسانيد عنه: (رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)، وعلى آله شموس الاقتداء، وأصحابه بدور الاهتداء، الذين سنوا الرّحلة في الحديث، وسعوا في طلب العلو السعي
الحثيث، آمين أما بعد، فإن طلب الإسناد من الدين، وفي قربه قرب ربّ العالمين، ولولاه لقال ما شاء وأراد، واختلق ما اختار وسلم من النقاد، طالما افتضح به الكذابون، ورقى به أوج السعادة الصادقون، ولنعم العلم هو إذا اقترن به مع الرواية الدراية، ولعمري لقد أحرز معها من هذا المضمار الغاية، لا كمن يقتصر على الفرق بين الخباط والخناط، وقصاراه أن يعرف من يكنّى بأبي محمد الهلالي أو يلقب بسناط، وإذا نشرت له مسألة علمية تراه قد طوى من تحتها البساط، وقد قيّض الله في كل عصر أقواما لهذا المطلب العالي، فبذلوا الوسع في سماع النازل والعالي، وصرفوا نقد أعمارهم على تحصيل هذا العلق النفيس الغالي، فلله در هاتيك العصابة، التي فوقت لهذا الغرض سهام الإصابة، وارتحلت للبلاد الشاسعة والأقطار، وركبت البحار وجابت القفار، ولقيت الأخطار، حتى توضحت لهم المهمات، وتميزت لديهم الضعفاء من الثقات، وقد اطلع الله ﷾ منهم بأفق شهبائنا واسطة عقدهم، ودرة تاج مجدهم، واحدهم الذي لا يقاوم ولا يقاول، وأوحدهم الذي لا يشابه ولا يماثل، علامة قطر العراق، ومن ثبت له الفضل بالاستحقاق، وصار تفرده وتفوقه كلمة اتفاق، وسارت بمعارفه الركبان، وتناقلتها الرواة في البلدان، واعترف بها الخاص والعام، وقصرت عن استيفائها أفواه الدوى وألسنة الأقلام، وألفاظ المنشئين وأفكار النظام، جناب سيدنا ومولانا الشيخ عبد الله أفندي السويدي، الذي ساد أهل السواد، وألزم العجم ولمذهب أهل السنة أشاد، وأفحم بمباحثاته أهل الغواية، وأني رفعوا راية علم نقلي أو عقلي كان على آية تلك الراية، أدامه الله لفضل ينشره بين أهله، ويسوقه كالهدي إلى محله، فنشر من فضائله ما نشر، إلى أن صغر الخبر الخبر، ورأيناه كزيد
الخير أو جعفر بن فلاح، أو ابن الشجري حين اجتمع بالزمخشري، وبصحبته اغتبط وارتاح، ومن فرط كماله والكمال يقبل الكمال، إن رآه على بقايا المسندين من الرجال، ولم يقنع باللقى والسماع، بل سأل عموم الإجازة له ولأولاده المعممين وذوات القناع، بناء على قولهم لا يكمل الرجل حتى يأخذ عمن فوقه، وعن مساويه وعمن دونه، وإلا فهو ممن تشد إليه الرحال في هذا الغرض ولا يعدونه، ثم حمله شره الاستكثار على طلب ذلك حتى من الصغار، فطلب ذلك مرارا من العبد الفقير، الذي لا يعد بين أهل هذا الشأن في العير ولا في النفير، رغبة منه في رواية الأكابر عن الأصاغر، وقصدا إلى الاتصال بأسانيد شيوخي الجامعين للكمالات والمفاخر، فامتنعت لقصوري عن هذا المقام، فراسلني بذلك من الشام، ونظر إليّ بعين الرضا، ولم ينظر إلى أن عليّا لم تتصل بيائه ميم، ومع الرياض النضرة لا يرعى الهشيم، فأجبت سؤاله حينئذ متمثلا، وأقول مجيبا ومجيزا خجلا:
ولم أشرط سوى دعوات خيرلأن الشّرط منهم ذو رسوخ
وأبحت لهم رواية مسموعاتي ومقروءاتي، وإجازاتي ومناولاتي، من تفسير، وحديث لقديم وحديث، وفقه وعقائد وضوابط وقواعد ومنقول ومعقول، وفروع وأصول، ومنثور ومنظوم، في أنواع العلوم، وأخبرهم، أدام الله سموهم، ويسر لهم تفردهم في هذا
الشأن وعلوهم، أني سمعت بعدة بلاد، منها حلب الشهباء وإدلب ومعرة النعمان وحماه وحمص ودمشق والمدينة المنورة ومكة ومنى والجديدة وظهر عقبة أيلة ومصر والقاهرة والآثار الشريفة وبولاق ودمياط وصيدا وطرابلس واللاذقية والشغر ونابلس وبيت المقدس والخليل، وغيرها من أئمة تشرفت بذكرهم المسانيد والجوامع، وإذا كانت شيوخ الرجل آباءه في الدين، فأولئك آبائي الذين بهم أفتخر إذا جمعتنا المجامع، فممن سمعت منه، وأخذت عنه، من أهل حلب، الشيخ إبراهيم النخشبي، والشيخ زين الدين الجلوي، والشيخ عبد الرحمن العمادي، والمحدث الكبير الشيخ أحمد الشراباتي، والمحقق الشيخ الشعيفي، والمسند الشيخ حسن السكري، والشيخ المعمر أبو هريرة الهريري، تلميذ الشيخ وفا العرضي، والشيخ عبد القادر الإمام بأموي حلب، والسيد أبو السعود الكواكبي مفتي السادة الحنفية، والشيخ سليمان النحوي، والشيخ حسن السرميني، والسيد يوسف الشامي، والشيخ طه اليوسفي، والشيخ يس الفرضي، والشيخ أحمد المداري.
ومن أهل دمشق العارف بالله تعالى الشيخ عبد الغني النابلسي، ومفتي الحنابلة الشيخ أبو المواهب، أجاز لي ولم ألقه، والمحدث الكبير الشيخ محمد الكاملي، وولده الشيخ عبد السلام، والولي المجمع على فضله وجلالته الشيخ عبد القادر التغلبي الحنبلي، والشيخ المعمر البركة الشيخ عبد الرحمن المجلد، والسيد عبد الباقي بن مغيزل، والمحقق الشيخ عبد الرحيم الكابلي، والشيخ محمد العجلوني، وزاهد عصره الشيخ الملا إلياس الكوراني، ومفتي السادة الشافعية الشيخ أحمد الغزي، وابن عمه الشيخ محمد الغزي، والشيخ محمد الدكدكجي، والشيخ حسن المصري المقرئ، والسيد أسعد بن
المنير المقرئ، والشيخ محمد الحبال. ومن أهل المدينة والمتوطنين بها: الشيخ عبد الكريم الخليفتي، والشيخ طاهر ابن الشيخ إبراهيم الكوراني، والشيخ أبو الحسن السندي صاحب الحواشي على الكتب الستة، والشيخ طيب السندي، والسيد عبد الرحمن السقاف، والشيخ محمد المغربي المعروف بالمشرفي، تلميذ الفاسي شارح دلائل الخيرات، والشيخ موسى البصري. وأجاز لي منهم الشيخ محمد حياة السندي، وهو بعد في الأحياء. ومن أهل مكة والمتوطنين بها: محدث العصر الشيخ عبد الله بن سالم البصري، والشيخ تاج الدين الدهان، والعارف بالله الشيخ محمد الوليدي، وسيدي الشيخ محمد عقيلة صاحب المصنفات الجليلة، والشيخ يونس المصري، والشيخ عيد المصري، ومحمد بن عبد الله المغربي، ومصطفى فتح الله النحاس المصري، معارض المقامات
الحريرية، ودخلت في عموم إجازة الحسن العجيمي لمن أدرك حياته، كما شاهدت ذلك بخطه في فهرسته.
ومن أهل مصر والمتوطنين بها: الشيخ منصور المنوفي، والشيخ عبد الرؤوف البشبيشي، والشيخ إبراهيم الفيومي، والشيخ مصطفى العزيزي، والشيخ أحمد الدقدوسي، والشيخ محمد المنفلوطي، والسيد علي البصير السيواسي، والشيخ أحمد الملوي، والشيخ عبد الوهاب أبو النصر، والشيخ أحمد الأحمدي، والشيخ محمد عبد العزيز، والشيخ يوسف الملوي، والشيخ شلبي المالكي، والشيخ علي الطبلوني، والشيخ أحمد البرماوي، والشيخ أحمد الريزلي، والشيخ محمد المغربي المالكي، وكان ورده في كل يوم دلائل الخيرات أربعين مرة، والشيخ أحمد البقري، والشيخ خليل الزورقي، وغيرهم. ومن أهل دمياط: مسندها الشيخ محمد ابن الميتة، والشيخ مستحفظان، والشيخ فرحات، والشيخ إبراهيم الشبيتي، والشيخ محمد بن لقيمة صاحب الحاشية على تفسير البيضاوي، والشيخ أحمد الأسقاطي محشى الأشموني.
ومن أهل نابلس: الشيخ عبد الغني مفتيها. ومن أهل بيت المقدس: الشيخ محمد الخليلي.
ومن أهل طرابلس: الشيخ عبد الجليل بن سنين، والشيخ عبد الله الخليلي.
ومن أهل إدلب: السيد أحمد الكاملي.
ومن الأكراد: الشيخ حسن المهاجري، والشيخ حسن الأعرج، والشيخ علي الحريري، والملا علي السوري، وعبد الله بن رسول الذكي، والملا محمود نزيل دمشق.
ومن أهل بغداد: الشيخ تاج العارفين البغدادي.
ومن داغستان: المحقق الشيخ رمضان، والملا علي.
ومن أهل مرعش: الشيخ محمد السجقلي.
ومن أهل قسطمون: الشيخ محمد القسطموني.
ومن أهل الغرب: الشيخ محمد التفلالي. هذا ما حضرني من أسماء هؤلاء الأعيان، وأما من سمعت منهم أشعارهم، وقيدت نظامهم ونثارهم، وطارحتهم وراسلوني، وساجلتهم وساجلوني، فجمع غفير، وعدد كثير، نجمعهم إن شاء الله، ونفصّل المسموع والمقروء.
فهرست مروياتي: وأما مصنفاتي التي حقها أن لا تذكر، ومن شأنها أن تستر وتقبر، فمنها (الدر المصنوع في الخبر الموضوع)، لخصت فيه مؤلفات السيوطي وغيره في هذا المعني، ورسائله في الكلام على حديث (كيفما تكونوا يولّى عليكم)، وشرح على (دلائل الخيرات) فيه مناقشات مع الشارح، و (خبار الأنام في أخبار جرجيس ﵇ و (نظم العضدية في الآداب) و (رسالة في العقيقة) و (نظم علل الأعاريض) ولي في تلخيص كثير من كتب التواريخ والأدب بمجاميع لطاف هي من بعدي، كما قال العماد الكاتب، أما مزاود للعقاقير وأما بطائن للخفاف، وأما نظمي ونثري فكنت أقدر أن لا أسأل عنه بكونه من الترهات، ولو جمعت متفرقاته لجاءت في مجلدات، فمنه عقد حديث الرحمة.
أول ما أسمعنا أهل الأثرمسلسل الرّحمة من خير البشر
للراحمين يرحم الرحمن ارحموا لمن في الأرض تحظوا بالظفر
إن الجزا يرحمكم من في السّماوحسبنا رحمتكم من افتقر
ولولا ضيق الوقت لأتيت بما تمله الأسماع، وتأنف منه الطباع، والمسؤول من فضل سيدي ومولاي أن لا ينساني من صالح دعواته في خلواته وجلواته، قال ذلك وكتب أبو الفتوح
علي بن مصطفى البغدادي الموقت بأموي حلب، بعد صلاة الجمعة، ثامن شوال من شهور سنة مصليا ومسلما.
وقد التمس مني الشيخ الصالح الحافظ لكتاب الله الشيخ إبراهيم الدمشقي الإمام بمدرسة سليمان باشا أن أسمعه حديث الرحمة مسلسلا، فاسمعته إياه على حسب ما طلب، وأجزته به وبسائر مروياتي، وفقنا الله وإياه صالح العمل. وممن جاء لوداعنا إلى المرجة السيد أحمد بن نقطة، وولدنا الشاب الصالح، ذو الوجه الصبيح والسعد الراجح، الشيخ علي الكرجي الأصل.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبوظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع