من «النفحة المسكية في الرحلة المكية» لعبد الله السويدي (ت ١١٧٤هـ)
خان ذي النون
وكان خروجنا من دمشق الشام متوجهين إلى بيت الله الحرام ضحى يوم الأربعاء العشرين من شوال، فنزلنا خان ذي النون، وبعضهم يقول: خان يونس. وهو خان عنده نهر جار عذب، والمسافة أربعة فراسخ، وكان عديلنا في شق المحمل رجل من أكراد بدليس اسمه حسن بن بابير، وجميع الذين كانوا في الخيمة التي كنت فيها أكراد، ومن طبعي أني أبغض الأكراد لأنهم غلاظ شداد جفاة لا عقل ولا كمال، فسلمت أمري إلى الله، وتيقنت أن
هذا لأمر خير لي في معادي لما اتحمل من جفوتهم وغلظتهم فيضاعف أجري ويمحى وزري، لما بلغني عنه- ﷺ أنه قال: (أفضل الأعمال أحمزها)، اي أشقها وأصعبها على النفس، فصبرت تحصيلا لكثرة الأجر، وتحملت قدر استطاعتي، وكان جمّالنا الرجل الصالح الدين اللين الحاج علي بدور الحلبي، وهذه الصفة لا توجد في أحد من الجمالة التي يكرون الحجاج سواه، لأنهم كلهم لا دين ولا مروءة ولا رحم ولا ديانة ولا أمانة، بل إنهم يؤذون الحجاج، ويسعون في أخذ أموالهم إما سرقة وإما استقراضا ولا يؤدونه، لكن الجمالة الحلبية أهون وأسهل من الجمالة الشامية.
وممن كان في ركب الحاج من عوارفنا سيدنا السيد الحسيب النسيب السيد طالب الرفاعي البصري من أولاد سيدي الشيخ أحمد الرفاعي- قدس سره- والشيخ رفيقنا السيد عبد الوهاب الموصلي الإمام بجامع نبي الله جرجيس- على نبينا وعليه الصلاة والسلام- والسيد الحسيب السيد يونس ابن الشيخ إبراهيم الأدهمي، وصاحبنا الحاج محمد بن هاشم الحديثي ثم البغدادي نزيل حلب، والسيد أبو المواهب مفتي الشافعية بحلب، والشيخ طه الجبريني الحلبي، والشيخ إسماعيل العجلوني الدمشقي شارح البخاري، والسيد يحيى مفتي الموصل، والحاج محمد بن قاسم البصري، والحاج يوسف مولى الحاج نعسان الحلبي، والسيد علي ابن السيد مراد الدمشقي، والشيخ سليمان الدمشقي شيخ الأحباء في المحيا، والسيد أحمد جابي الوقف السناني، وولده النجيب المجد المحصل
السيد عيسى.
وكان أمير الحاج الوزير أسعد باشا ابن إسماعيل باشا عظم زاده وهذا الوزير شافعي المذهب كأبيه وعمه سليمان باشا لين العريكة، مبارك، لانفس ولا أنانية، ولا يثبت لنفسه شيئا وإنما يفوض الأمور إلى الله تعالى، إلا أن بطانته وأرباب دولته بطانة سوء وأرباب ظلم وغشم.
ولله الحمد، ذهب الحاج ورجع سالما آمنا، لا تعب ولا نصب ولا عطش ولا سغب، كأن ركب الحج في أيام أعراس وليالي أعياد، حتى إني سمعت من غير واحد ممن سافر في طريق الحج نحو خمسين عاما يقول ما اتفق لركب الحج رفاهية وراحة مثل هذه السنة، والحمد لله على ذلك.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبوظبي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع