من «غرائب الاغتراب ونزهة الألباب» لشهاب الدين الألوسي (ت ١٢٧٠هـ)
الفصل التاسع (٢)
وبالجملة. أن الشيعة قد اجتمعت كلمتهم على الكفر بدلالة الآية على فضل الصديق رضي الله تعالى عنه. ويأبى الله تعالى إلا أن تكون) كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا (انتهى. ما روجع من روح المعاني وتلي على رؤوس الأشهاد في هاتيك المغاني) وبعد أن تم ذاك (طاف بنا المفتي عبد الرحمن أفندي الكلاك وهو رجل قد لبس كفن التماوت فوق ثيابه وأنعم من حب الحيوة الدنيا عيابه حتى غدت لا تنطبق شفاه عياً به قد جعل مسكنته حبة لفخه لكنه لم يصطد بها حتى طار طائر الشباب بفرخه وكان صيده جرادة الدنيا الدنية وحمامة إفتاء المستفتين من الحنفية وكم جاهل صاد ذلك بحبائل حيل نحو ما هنالك وأعانه عليه خوراً كثر العوام وجور معظم الحكام) نعم (له علم لكنه دون ما يدعيه وصلاح لكنه عملي وفيه ما فيه فهو على علاته أحسن ممن مد ذراع حيلته فنال ما نال وقدح زند مسكنته فأوري وهو من الجهال وقد دلت الآثار أن من إمارات الساعة إفتاء من ليس سوى بز الجهل بضاعة ولا شك أن قيام الساعة قريب فوقوع مثل ذلك غير عجيب وإلا فبين أهل الصدر الأول السادة الأمجاد كانت لا تمهر فتاة الإفتاء إلا بنقد الاجتهاد:
فتراخى الأمر حتى أصبحتهملاً يطمع فيها من يراها
ولست أقول هذا من نفس واجدة لا والذي شقهن خمساً من واحدة كيف وأنا أحمد الله تعالى على أن خلصني من نصب منصب الإفتاء وشغلني برشف رضاب فتاة التدريس في الإصباح والإمساء وأنار ليلي بتوقد وجنات ليلي الدقائق ومن على سرح فكري برياض اللطائف وجنات الحقائق وهذه نعمة لا يبلغ طائر الشكر ذراها فكيف تقبل النفس أن تقبل شوهاء غداً وينم ذباب الجهل لعس شفاها وأعود فأقسم ممن أخرج العذق من الجريمة والنار من الوثيمة أني لفي نعمة من فضل ربي عز شأنه جليلة عظيمة يحق لي أن أقول غير مبال بحسود جهول:
سهري لتنقيح العلوم الذليمن وصل غانية وطيب عناق
وتمايلي طرباً لحل عويصةٍفي الدرس ابلغ من مدامة ساق
وصرير أقلامي على أوراقهاأشهى من الدوكاه والعشاق
وألذ من نقر الفتاة لدفهانقري لألقي الرمل عن أوراقي
يا من يحاول بالأماني رتبتيكم بين مستفل وآخر راق
أأبيت سهران الدجى وتبيتهنوماً وتبغي بعد ذلك لحاقي
فما قلت ما قلت إلا لإفادة حقيقة الحال ولإخبار الأخيار بأن طعم الدهر الحلو قد استحال فيسأل الواقف ربه سبحانه من فضله أن يوسد الأمر إلى أهله ويصون بلطفه تعالى هذا الدين من أن يقضي عليه إفتاء الجاهلين) وقد استعظم (ذلك المفتي بين علماء في المجلس قعود أمر السؤال الشهير بين الأسود والأحمر في قوله تعالى) غرابيب سود (فقلت يكفي في جوانه ما يعرفه الحاضر والبادي وقد ذكر في قاموسه مولانا) مجد الدين الاسترابادي (قال وأسود غربيب حالك وأما غرابيب سود فالسود بدل لأن توكيد الألوان لا يتقدم فجعلت إبهامه تناجي ناجده فانبهم على أمره فلم أدر أفهم أم أنه لم يفهم فسكت حيث شككت وكنت ناوياً أن أسلك غير ذلك المسلك فما سلكت) وفي روح المعاني (ظاهر كلام الزمخشري أن غرابيب هنا توكيد لمحذوف والأصل سود غرابيب أي شديدة السواد. وتعقب بأنه لا يصح إلا على مذهب من يجوز حذف المؤكد ومن النحاة من منع ذلك وهو اختيار ابن مالك لأن التأكيد يقتضي الاعتناء والتقوية وقصد التطويل والحذف يقتضي خلافه. ورده الصفار كما في شرح التسهيل لأن المحذوف لدليل كالمذكور فلا ينافي تأكيده. وفي بعض شروح المفصل أنه صفة لذلك المحذوف أقيم مقامه بعد حذفه وقوله تعالى سود بدل منه أو عطف بنيان له وهو مفسر للمحذوف ونظير ذلك قول النابغة:
والمؤمن العائدات الطير يمسحهاركبان مكة بين الغيل والسند
وفيه التفسير بعد الإبهام ومزيد الاعتناء بوصف السواد حيث دل عليه من طريق الإضمار والإظهار. ويجوز أن يكون العطف على جدد على معنى ومن الجبال ذو جدد مختلف اللون ومنها غرابيب متحدة اللون كما يؤذن به المقابلة وإخراج التركيب على الأسلوب الذي سمعته وكأنه لما اعتنى بأمر السواد بإفادة أنه في غاية الشدة لم يذكر بعده الاختلاف بالشدة والضعف. وقال القرآن الكلام على التقديم والتأخير أي سود غرابيب. وقيل ليس هناك مؤكد ولا موصوف محذوف وإنما غرابيب معطوفة على) جدد أو على بيض من أول الأمر وسود بدل منه. قال في البحر وهذا حسن ويحسنه كون غربيب لم يلزم فيه أن يستعمل تأكيداً ومنه ما جاء في الحديث أن الله تعالى يبغض الشيخ الغريب وهو الذي يخضب بالسواد. وفسره ابن الأثير بالذي لا يشيب أي لسفاهته أو لعدم اهتمامه بأمر آخرته وحكى ما في البحر بصيغة قيل وقول الشاعر:
العين طامحة واليد شامخةوالرجل لايحة والوجه غربيب
انتهى. ويرد على ما يقل عن الفراء ما يرد فتأمل) وأعجبني (فتى ذو فطنة وقادة يدعى) حسن أفندي قاضي زاده (ولقد رأيته أحد الأفاضل الأكياس الذين لهم من نقود الأدب دون الذهب أكياس قد حل من رتب المعارف المحل الأسمى ودل عرفانه على أن الاسم عين المسمى. وهو من سادة لا شك في صحة نسبهم وقادة لا شبهة لأحد في سمو رتبتهم بهم يفخر الفخر وبنورهم يكتحل طرف الفجر قد عرجوا إلى سماء مجد انحط عنها زحل وتبوءوا مقاعد صدق ما نال من تبوأها لا والذي ﷿.
بيض بها ليل يستسقي الغمام بهمفي المحل إن ضل يوماها طل الديم
يفوح عرف المعاني إن ذكرتهمويعبق الأفق مسكاً من حديث فم
ودأب هذا الفتى من بينهم التأليف والتدريس والاستغناء بحمياهما عن حميا منادمة الجليس ولا يزال يمد إلى اكتساب الفضل ذراعاً ويطول كل يوم على من يروم مطاولته باعاً ويلوح لي من أسارير جبين فضله أنه سيكون رأس قومه وأهله وأنه ستنتهي إليه رياسة العلماء ويتقوم به أود الطلبة في الموصل الحدباء:
إن الهلال إذا رأيت نموهأيقنت أن سيصير بدراً كاملا
) والموصل (قال في اللباب بفتح الميم وسكون الواو وكسر الصاد المهملة وفي آخرها لام مدينة من الرابع من الجزيرة وهي على دجلة في جانبها الغربي انتهى. وفي جانبها الشرقي نينوى بكسر النون كطيطوى وهي المدينة التي أرسل إلى أهلها يونس ﵇ وفيها مرقده الشريف. والقول بأنه ﵇ إنما أرسل إلى أهل أربل مما لا يعول عليه أصلاً اللهم إلا أن يقال أن نينوى كانت بلدة واسعة جداً وكانت أرض أربل قطعة منها وكون ما بينهما مسيرة نحو يومين لا يضيق جوابه بعد فرض السعة بل زعم بعضهم فيها أنها سعة تسع أربل وكركوك والله تعالى الخبير. ومدنها نينوى ابن بالوس من ملوك آثور سنة ألف وثلاث وسبعين بعد الطوفان. وطول الموصل على ما في الأطوال) سز (وعرضها) لزل (وفي المقاصد العوالي أن عرضها) لدل (وطولها) عزما (ولعله الأقرب للتحقيق. وفاتحها في زمن الفاروق رضي الله تعالى عنه قيل عياض بن غنم الأشعري وقيل خالد بن الوليد فتحها عنوة رضي الله تعالى عنه.) وأهلها (على ما في التعريبات الشافعية لبعض المعاصرين المصريين خمسة وثلاثون ألفاً وقيل سبعون ألفاً ما بين أتراك وأكراد وعرب. وسميت بالموصل على ما هو المشهور لأن نوحاً ﵇ سبر الماء هنالك وهو في السفينة فوصل المسبار الأرض. وفي المراصد سميت بذلك لأنها وصلت بين الجزيرة والفرات وقيل وصلت بين دجلة والفرات وقيل لأنها وصلت بين بلد والحديثة وقيل أن الملك الذي أحدثها كان يسمى الموصل انتهى. ولا أجزم بشيء مما ذكر والله تعالى أعلم) وقريب (من الموصل المعمورة اليوم محل يسمى أسكي موصل يعنون الموصل القديمة وهذا ظاهر في أن المعمورة حديثة) وفي معجم البلدان (ما يدل على أن تلك القديمة هي حديثة الموصل ونقله عنه علامة عصره وفهامة مصره الفاضل السري الملا أمين العمري في كتابه منهل الأولياء ومورد الأصفياء وصححه من عدة أقوال وعليه فوصفها بالقديمة لعله لخرابها اليوم واشتهر بين خواص المعمورة أنها تسلطت في وقت عليها الجن فلم يستطع أهلها الإقامة فيها فتحولوا إلى مكان قريب منها وعمروا فيها مساكن لهم وسموه بحديثة الموصل ثم انتقلوا في أيام الشيخ أبي الفتح الموصلي قدس سره إلى بلدتهم الأولى حيث انقطع عنها ببركة الشيخ المذكور قدس سره ما عراها من الجن فخرب ما أحدثوه في ذلك المكان من المساكن انتهى. ولم يخطر لي أني رأيت ذلك في كتاب ومن ينكر تسليط الجن وتمكين الله تعالى إياهم من مثل ما يحكى يقول في ذلك هو حديث خرافة ومن ينكر الجن رأساً والعياذ بالله تعالى فحاله في مثل هذه الحكاية غير خفي عليك. والأقرب أن يقال لعلهم تركوا مكانهم في وقت من الأوقات لمزعجات الليالي فحوادثها جمة وأحدثوا ما سمعت ثم نامت عنهم عيون الحوادث فاستيقظت عين محبة الوطن فحنوا إليه حنين الشارف إلى العطن فرجعوا إليه وانتقلوا عما كانوا عولوا عليه فخلا من السكان فخربته أيدي الحدثان) وهي عذبة (الماء طيبة التربة والهواء طعامها هني وشرابها مري واسطة البلاد وسرتها ووجهها الصبيح وغرتها تلد الربيع في السنة مرتين فهي بين البلاد أم الربيعين فأراضيها في فصلين قد علا جنسها وتجرد عن عوارض الكدر أنسها وهي كالعرائس في حليها وزخارفها والقيان في وشيها ومطارفها باسطة زرابيبها وأنماطها ناشرة حبرها ورياطها:
كأن نسيم الريح في جنباتهانسيم حبيب أو لقاء مؤمل
لا عيب فيها سوى أنها أيام الربيع تسرق العمائم الخضر من السادة فتنشرها على سطوح دورها وتبيع وتقول لا بأس على أم الربيعين لو سرقت عمائم أبناء الريحانتين) ولعمري (أن من اختبر وامتحن حكم بأن كل روضة بالنسبة إلى رياضها خضراء الدمن وأنها تنبت العلماء المحققين كما تنبت الأقحوان والنسرين وتخرج الأخيار كما تخرج الأزهار وهذا أظهر من الشمس وأقوى من الأمس فلا حاجة إلى التطويل بإقامة الدليل:
وليس يصح في الأعيان شيءمتى احتاج النهار إلى دليل
ونفحة الشمامة تهدي من ليس له زكام إلى حمى بعض أولئك العلماء الأعلام) وفي الروض النضر (أريج فضلاء منهم ارتدوا رداء أحسن عصر ولا يكاد يحيط نطاق بجميع من فاق منهم علماء الآفاق والأمر من البديهيات الأولية عند منصفي علماء العراق فهيهات أن يكون فيه بين اثنين نزاع وشقاق) وبعد يومين (ودعنا أم الربيعين وسرنا مع رفقائنا الغرر) حتى أتينا جزيرة ابن عمر (وهي بلدة هلالية الشكل لكن لا نور فيها ولا فضل وذلك لو خامة هوائها ودمامة أرجائها ولولا أن تكون دجلة عليها شفيقة لجعلتها بمجازها جزيرة على الحقيقة) وابن عمر (الذي تنسب إليه وتعول في الشهرة عليه قيل هو يوسف بن عمر الثقفي وفي معجم البلدان جزيرة ابن عمر أحسب أن أول من عمرها الحسن بن عمر بن الخطاب التغلبي وكان له إمرة بها سنة مائتين وخمسين انتهى. وفي تاريخ ابن المستوفي ابنا عمرهما أوس وكامل ابنا عمر ابن أوس التغلبي وإليهما تنسب الجزيرة المشهورة انتهى. وفي تاريخ ابن خلكان ما يتعلق بذلك) وأنا (أعول على ما في المعجم والله تعالى أعلم ويبعد ما في تاريخ ابن المستوفي في الجملة أفراد ابن) وسألي (رجل ذو ذقن طويل عريض وذهن عليل مريض عن معنى قول العلامة ابن حجر في شرح المنهاج الذي غدا بين المحققين كالسراج الوهاج ليس له من هاج قيل والإيجاز لكونه حذف طول الكلام وهو الإطناب غير الاختصار لأنه حذف تكريره مع اتحاد المعنى ويشهد له) فذو دعاءٍ عريض (وفيه تحكم واستدلال بما لا يدل إذ ليس في الآية حذف ذلك العرض فضلاً عن تسميته فالحق ترادفهما كما في الصحاح انتهى. فقرأت عليه ما كتبه العلامة) أحمد حيدر (والفهامة) صبغة الله أفندي الحيدري (والمحقق) الشيخ عبد الله السويدي (والمدقق) الشيخ إبراهيم أفندي الراوي (فما رأيته هش ولا بش.) ثم (تلوت عليه ما حررته فأوضحته لديه وقررته فأحسست أن تكاثف شعر ذقنه حال بينه وبين وصوله إلى ذهنه) ولما (عييت عن التفهيم أنشدت قول الشاعر القديم:
على نحت القوافي من معادنهاوما على إذا لم تفهم البقر
وإذا أحببت أن تسمع كلامي وما حررته في ذلك أقلامي فهاك ذاك والله تعالى يتولى هداك) قوله (قيل والإيجاز لكونه على ما يفهم من كلام غير واحد حذف طول الكلام أي ترك ما به يطول وهو أي الطول بمعنى الإطالة لمكان قوله الإطناب ففيه استخدام غير الاختصار فيما أرى لأنه أي الاختصار حذف تكريره أي ترك ما به يحصل تكرير الكلام مع اتحاد المعنى المقصود منه) ولما (كان هذا القائل إنما قال ما قال والله أعلم لمن يسلم أن الإيجاز حذف طول الكلام ويدعي أن الاختصار كذلك ولا يسلم أن للكلام عرضاً يكون بالتكرير ليكون الاختصار حذفه أراد أن يقوي ما قاله فقال ويشهد له أي للفرق أو للمدعى المذكور وهو المغايرة بين الإيجاز والاختصار قوله تعالى) فذو دعاءٍ عريض (وذلك أنه يدل على ثبوت عرض للكلام الذي ينكره الخصم الغير الفارق بينهما إذ الدعاء فيه بمعنى المدعو به دون المعنى الصدري لخفاء وصفه بالعريض إلا أن يتكلف وهو ليس إلا الكلام والمتبادر من عرضه تكرره لا سيما هذه الآية لأن دعاء الإنسان فيها لدفع الشر الذي يمسه فهو يكرر قوله رب ادفع الشر عني فحيث أفادت أن للكلام عرضاً يكون بتكريره كما في دعاء الإنسان المحدث عنه ومن المسلم أن له طولاً وأن حذفه يسمى إيجازاً تعين أن يسمى المتعلق بالعرض أعني حذفه اختصاراً إذ لا جائز أن يسمى إيجازاً لأنه متعلق بالطول دون العرض إذ لا عرض عند الخصم يتعلق به وليس في البين ثالث يرتفع به الشقاق ويقع على حسن التسمية به الاتفاق) واعترض (عليه الشارح العلامة أولاً بقوله وفيه أي في هذا القيل تحكم حيث جعل قائله الإيجاز حذف الطول والاختصار حذف العرض ولم يعكس مع عدم المانع. وهذا غفلة منه عفا الله تعالى عنه عن كون الكلام مع من سلم أن الإيجاز حذف الطول واستقر رأيه عليه لكن أدعى أن الاختصار ليس أمراً وراءه متعلقاً بالعرض لإنكاره إياه) واعترض (ثانياً بقوله وفيه أيضاً استدلال على مدعاة من المغايرة بما لا يدل عليه من قوله ﷿ فذو دعاءٍ عريض (إذ ليس في الآية المذكورة حذف ذلك العرض الذي يشير كلامه إلى أنه تكرير الكلام بل فيها الوصف به فضلاً عن تسميته أي تسمية حذف ذلك اختصاراً. وهذا أيضاً غفلة منه عليه الرحمة عن كون إثبات ذلك العرض والوصف كافياً في العرض. ومما ذكر يعلم ضعف تفريع قوله فالحق تراد فهماً أي الإيجاز والاختصار وكونهما معاً عبارة عن حذف طول الكلام كما يشعر به كلام الجوهري في الصحاح حيث قال اختصار الكلام إيجازه وأوجزت الكلام أقصرته هذا. وللعلامة شيخ مشايخنا) صبغة الله أفندي الحيدري (في حل هذه العبارة وتوجيه الشهادة ما تشهد بداهة العقول بأنه بمعزل عن ساحة القبول ونحوه من وجه كلام المولى) أحمد حيدر (في ذلك ولكثير من الأجلة غيرهما نحو ما لهما) وبالجملة (لم تزل هذه العبارة معتركاً لأولي الأفهام من العلماء الأعلام ولم أر أحداً منهم أصاب المحز ولا عرف مغزى ذلك القائل فيما قال وأوجز وكلهم راعي فيما ذكر تصحيح اعتراض العلامة ابن حجر مع أنه لم يلزم ذلك عليهم أصلاً وإن كان نور الله تعالى صريحه للفضل أهلاً ويكفي في توهين الاستدلال غير ذلك مما لا يخفى على فحول الرجال فتدبر ذاك والله ﷾ يتولى هداك وأنا إن كنت قد أصبت فذلك من محض فضل الله ﷿ وإن كنت قد أخطأت فقد أخطأ قبلي من هو أفضل مني بمراتب وأجل وكل شيء بقضاء وقدر حتى العجر والكيس انتهى. والذي كتبه العلامة السري شيخ مشايخنا) صبغة الله أفندي الحيدري (ما نصه قوله. ويشهد له الخ. وجه الشهادة أنه فسر العريض في الآية بالكثير على أن يكون مستعاراً مما له عرض متسع فكأنه قال فذو دعاءٍ عريض عرضه فحذف العرض ونقل الضمير إلى الصفة واكتفى بوصف الدعاء بالعريض عنه لدلالته عليه فهذا إيجاز لحذف طوله الذي هو الإطناب وليس باختصار لعدم حذف تكرير منه. وفيه تحكم إذ ليس تخصيص كل من الإيجاز والاختصار بما خصصه ذلك القائل به أولى من تخصيص الآخر به لأنه لا مانع في اللغة ولا في الاصطلاح من أن يوصف ما حذف طوله من الكلام بالاختصار ولا ما حذف تكريره بالإيجاز واستدلال بما لا يدل إذ لا حذف لذلك العرض في الآية. ولا حاجة إلى اعتباره في نظمها بل هو ووصفه بالاتساع كلاهما مفهومان من لفظ العريض باعتبار مادته وصيغته فضلاً عن تسمية ذلك الحذف
بالإيجاز دون الاختصار وتسمية النظم موجزاً لا مختصراً ولا دلالة في الآية على ما ذكر باعتبار ما صدق عليه مفهوم الدعاء العريض أيضاً فإن الحق أن المراد بالعريض على ما أشير إليه أولاً هو الكثير مطلقاً بسواء كان كثرته بالتطويل أو التكرير فلا اختصاص له بواحد منهما فتأمل من تقصير انتهى. وقال المولى) أحمد حيدر (قوله. ويشهد له الخ. وجه الشهادة أن المراد بالدعاء العريض ما حذف فيه الطول وحصل تكثيره بتكرير المعنى الواحد وليس بمختصر بناء على هذا التكثير مع أنه يتحقق فيه الإيجاز لحذف طوله الذي هو الإطناب. وفيه تحكم إذ ليس كونه كثيراً بتكرير المقصود الواحد أولى من كونه كذلك بتطويله مطلقاً. واستدلال بما لا يدل إذ الآية لا تدل على حذف طوله فضلاً عن أن تدل على تسميته بالعريض دون الاختصار وتسمية الدعاء عريضاً لا مختصراً فالحق أن المراد بالعريض الكثير الطويل مطلقاً وعلى هذا فالأولى أن يقال بدل ذلك العرض ذلك الطول انتهى.) ونقل (جميع ما قيل يفضي إلى الإطناب والتطويل وقد اتحد الكل في المنهج وكلام هذين الشيخين في ذلك نموذج) وناولني (بعض السائحين السابحين في بحار طلب اليقين ورقة فيها عدة أسئلة مختصرة ومطولة يتعلق معظمها بالسادة الصوفية من الله تعالى علينا بمثل علومهم اللدنية وحث على الأجوبة عنها وحض فأنبأته عن بعض منها وأعرضت عن بعض ووعدته بأن أرسل له ذلك ضمن كتاب وما غرضي من ذلك إذ ذاك إلا مجرد الإعراض عن الجواب فكم من حق لا يقبله الخدق ومتى قيل ترتب عليه شرح طويل ولذا قال بعض الأمجاد ونسب ذلك إلى زين العابدين السجاد:
إني لأكتم من علمي جواهرهكي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا
ورب جوهر علم لو أفوه بهلقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا
وقد تقدم في هذا أبو حسنإلى الحسين وأوصى قبله الحسنا
وكنت عزمت على أن أكلف حبيبي عيسى أفندي بأجوبتها حيث أني أعلم أنه بين آبا الإرشاد في العراق ابن بجدتها) فلما (اجتمعت به رأيته مشغولاً فما أحببت أن أكون على ذلك الخفيف الروح بطلب ذلك ثقيلاً وأنا الآن ذاكر معظم ما كان بيد أني لا أطيل في الجواب ولا أركب فيه متن الإطناب لئلا يمل الأصحاب ويطول جداً هذا الكتاب والحق أن ذلك يطلب سفراً ضخماً ويذيب من قلم التحرير لحماً وعظماً ووقتي والذي أخرج قائبة من قوب أضيق من مبعج الضب لا بل أضيق من النخروب فأقول: السؤال الأول: ما الفرق بين الطرق والبدع والأهواء
الجواب أن الطرق كما يدل عليه كلام السيد الشريف في تعريفاته هي السير المختصة بالسالكين إلى الله تعالى من قطع المنازل والترقي في المقامات والبدع جمع بدعة بكسر فسكون وهي ما استحدث في الدين بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وما ليس له أصل في كتاب ولا سنة وتنقسم إلى أقسام الحسنة وغيرها كما ذكر ذلك العلامة ابن حجر في شرح الأربعين النووية وفتاواه الحديثية والأهواء جمع هوى بالقصر وهو الحب والاشتهاء المتعلقان بمحمود أو مذموم وغلب الهوى على ما تعلق بالمذموم وشاع إطلاقه على المهوى المذموم فالأهواء الأمور المذمومة المهوية وشاع إطلاقها على البدع المذمومة التي ليس لها أصل شرعي) وإنما (استحدثت عن الهوى وشهوة النفس فاتضح الفرق بين الثلاثة لكن ينبغي أن يعلم أن في بعض ما يطلق عليه الناس اليوم الطريق والطريقة بدعاً ذميمة وأهواءً وخيمة نعوذ بالله تعالى منها.
الثاني: بأي شيء تفترق الطرق الجواب أنها تختلف باختلاف السير والأعمال التي هي رواحل لقطع المنازل وسلالم للترقي في المقامات.
الثالث أن الورد لا يكون إلا من أفضل الوارد ويجب على الصوفي متابعة الفقهاء إن اتفقوا وإن اختلفوا فعليه العمل بالأحسن الأحوط ولم يختلف في أفضلية كلمة التوحيد والجمع في الذكر بين القلب واللسان فما بال بعض الصوفية لا يعرجون إلا على الذكر القلبي ويقدمونه على الجمع ويوظفون للمريد ورداً أول وروده عليهم غير كلمة التوحيد التي ورد في أفضليتها ما ورد.
الجواب قال العلامة ابن حجر في الفتاوى الحديثية ذكر) لا إله إلا الله (أفضل من ذكر الجلالة مطلقاً بلسان أئمة الظاهر) وأما (عند أهل الباطن فالحال مختلف باختلاف أحوال السالك فمن هو في ابتداء أمره ومقاساته لشهود الأغيار وعدم انفكاكه عن التعلق بها وعن إراداته وشهواته لبقائه مع نفسه يحتاج إلى إدمان الإثبات بعد النفي حتى يستولي عليه سلطان الذكر وجواذب الحق المرتبة على ذلك فإذا استولت عليه تلك الجوانب حتى أخرجته عن شهواته وإراداته وحظوظه وجميع أغراض نفسه صار بعيداً عن شهود الأغيار واستولى عليه مراقبة الحق وشهوده فحينئذٍ يكون مستغرقاً في حقائق الجمع الإحدى والشهود السرمدي فالأنسب بحاله الإعراض عما يذكر الأغيار والاستغراق فيما يناسب حاله من ذكر الجلالة فقط لأن بذلك تمام لذته ودوام مسرته ونعمته ومنتهى أدبه ومحبته بل إذا وصل السالك لهذا المقام وأراد قهر نفسه إلى الرجوع إلى شهود غيره حتى ينفيه أو يتعلق به خاطره لم تطاوعه نفسه المطمئنة لما شاهدت من الحقائق الوهبية والمعارف الذوقية والعوارف اللدنية وقد فتحنا لك باباً تستدل بما ذكرناه على فتحه بل على ما وراءه فافهم مقاصد القوم. السالكين السالمين من كل محذور ولوم. وسلم لهم تسلم. ولا تنتقد حقيقة من حقائقهم تندم. بل قل فيما لم يظهر لك الله تعالى أعلم انتهى. وهذا جواب عن مسألة الورد) وأما الجواب (عن العدول عن الأفضل من الجمع بين اللسان والقلب إلى انفراد القلب فهو ما ذكر هذا العلامة أيضاً فقد قال بعد ما سمعت أن ذكر اللسان والقلب عند أهل الظاهر أفضل مطلقاً وعند أهل الطريق في ذلك تفصيل تفهمه مما قبله أن وعيته فإن المستغرق قد يعرض له من الأحوال ما يلتجم به لسانه ويصير في غاية مقام الحيرة والدهش فلا يستطيع نطقاً ويستغرق بسبب ما تحلى به من معالي تلك الأحوال. وما هو مستغرق فيه من بحار العرفان والكمال) والحاصل (أن الأولى بالسالك قبل الوصول إلى هذه المعارف أن يكون مديماً لما يأمره به أستاذه الجامع لطريقي الحقيقة والشريعة. فإنه الطبيب الأعظم وأنه بمقتضى معارفه الذوقية. وحكمه الربانية. يعطي كل نفس ما هو اللائق بشفائها. والصالح لغذائها. فإن لم يكن له أستاذ كذلك فلا يعدل عن ذكر) لا إله إلا الله (بلسانه وقلبه بل يديم ذلك إلى أن يفتح له مما يعلم به خير الأمرين. والترقي إلى شهود العين. حقق الله تعالى لنا ذلك بمنه وكرمه انتهى.) ولعلك (تقول ما عليه المشايخ في ذلك مخالف لما عليه الفقهاء فكيف نأخذ به وقائله غير مجتهد. فنقول ظاهر أنه ما من طريقة حقة إلا وفي سلسلتها مجتهد واحد أو أكثر وأن قلنا بتجزي الاجتهاد فالأمر أظهر وأظهر.) ولعلك (تقول حينئذ من أن أخذوا ما ذكر فنقول لا يلزم المقلد معرفة مأخذ المجتهد ومع ذا نقول يجوز أن يكون المأخذ أنه ﷺ كان يعلم بعض أصحابه رضي الله تعالى عنهم شيئاً ويأمره باستعماله ويسلك بآخر غير ذلك. وذلك لاختلاف الاستعدادات. وتنوع القابليات. وتفاوت تأثيرات الأسماء والأذكار والأوراد. كما تتفاوت تأثيرات أمراض الأبدان والأجساد. ولذا تداوى بعض العلل بنحو الثوم والكراث والبصل. ولا تداوى باللبن والعسل. مع أنهما كما لا يخفى عليك بلا شبهة أفضل. بل صرح الفقهاء بحرمة شرب العسل على الصفراوي مع أنه وصف بأنه شفاء للناس. وللشيخ الكامل حظ أوفر. من إشراق نور سيد البشر. ﷺ فلا يبعد أن ينكشف له في شأن داخل طريقته. نحو ما كان ينكشف له عليه الصلوة والسلام في شأن المتشرف بصحبته. وقد جاء في خبر صحيح أو حسن اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ﷿ والفراسة قيل مكاشفة اليقين ومعاينة الغيب وقيل سواطع أنوار تلمع في القلب يدرك بها المعاني وقيل وقيل. مما هو من هذا القبيل. ثم أنه يكفي هذا المقدار مأخذاً ولا يلزم أن يكون فعله عليه الصلوة والسلام في خصوصية الذكر بكلمة التوحيد واسم الجلالة وخصوصية جمع اللسان والقلب وإفراد القلبنهأأااااا فإن كان قد ظفر المشايخ بشيء من ذلك فزيادة خير.) نعم (في قول العلامة في الجواب عن الجمع والإفراد فإن المستغرق الخ شيء فإنه لا يحسم مادة السؤال. ولا يقطع القيل والقال. كيف ونحن نرى مشايخ بعض الطرق الجليلة الشأن. يأمرون المريد من أول ساعة بالذكر القلبي وربما لا
استغراق له إذ ذاك إلا في بحار الجهل والنقصان. دون بحار الكمال والعرفان. ولا يكاد يندفع السؤال عنهم إلا بالتزام أنهم ظفروا بما يدل على أفضلية إفراد القلب ويلتزم القول بأن في ضم اللسان إليه إخلالاً بجمعية الفكر) وأيضاً (في قوله أول الجواب الأول يحتاج إلى إدمان الإثبات بعد النفي نوع مناقشة فإن الأظهر يحتاج إلى إدمان كلمة التوحيد مثلاً والقول بأنه اختار ذلك للإشارة إلى أن المقصود الأهم الإثبات لا يخلو عن دغدغة لكن هذا بحث لا يضر في المقصود كما لا يخفى وما أحسن قوله والحاصل الخ. لكن ذلك الأستاذ أعز من بيض الأنوق. بل أشبه شيء بالأبلق العقوق. ولا تغتر بالهيئات. والجلوس في التكيات. فليس التشابه في منظر. دليل التشابه في مخبر.
وفي البرج يجتمع الكوكبانوما زحل ثم كالمشتري
وعندي بعد كلام. لا تسعه كؤوس الأرقام. ولا تظنه من باب الإنكار. على أحد من المشايخ الأخيار. فذلك لدي من أقبح المعايب. لا يرتكبه إلا كل صخب الشوارب. بل أمر آخر يطول الكلام بذكره. وأكره سماع نهيق حمر جهلة المتصوفة من نشره.
الرابع: بأي شيء يصير الفقيه صوفياً الجواب أن الفقيه يصير صوفياً بسلوكه نحو ما سلك الصوفية. قدس الله تعالى أسرارهم الزكية. وروح قلوبنا بنفحاتهم الذكية. وذلك بأن يتخلى عن الرذائل. ويتحلى بأنواع الفضائل. وقد اختلفوا في معنى التصوف اختلافاً كثيراً مذكوراً في محله. وفي آخر الفتاوى الحديثية طرف منه نفيس فارجع إليه) واختار السيد (قدس سره أنه الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهراً فيسري حكمها من الظاهر في الباطن وباطناً فيسري حكمها من الباطن في الظاهر فيحصل للتأدب بالحكمين كمال أي كمال وقال بعض الأجلة:
تنازع الناس في الصوفي واختلفواوكلهم قال قولاً غير معروف
ولست أمنح هذا الاسم غير فتىًصافى فصوفي حتى سمي الصوفي
وحصول نحو ما عند الصوفي للفقيه قلما يتفق من غير سلوك على يد شيخ كامل يعرف الداء والدواء وأكثر الفقهاء اليوم كالعطارين الذين يعرفون العقاقير ولا يعرفون خواصها أو يعرفون ذلك لكن لا يعرفون الداء الذي تنفع معه تلك الخاصة أو يعرفون ذلك أيضاً لكن لا يعرفون كمية ما ينفع فلا تغتر بفقهك إن كنت فقيهاً. وتوجه إلى ربك جل شأنه بالتخلية والتحلية تكن وجيهاً. واسلك طريقة القوم. لتسلم من العتاب واللوم.
على نفسه فليبك من ضاع عمرهوليس له منها نصيب ولا سهم
ولا تظن أنك من غير طلب. تنال الإرب. وبدون جد. تنال وصال دعد. فتلك أماني كاسدة. وآراء أصلحك الله تعالى فاسدة.
أراك تطلب دنيا ليس تدركهافكيف تدرك أخرى لست تطلبها
نسأل الله التوفيق. والهداية لأقوم طريق.
الخامس: ما التربية والوعظ يتأتى من الأستاذ تقريراً وتحريراً) الجواب (أن التربية كعلاج الطبيب للمريض فتتوقف على معرفة الداء ودرجته والدواء وكميته وربما تكون بتوجيه الشيخ المربي بهمة نفسه القدسية نحو من يربه نظير ما يقال في السلحفاة أو دابة أخرى أنها تربي بيضتها بالنظر ومتى قصرت فيه فسدت فكم فرق بينها وبين الوعظ كما لا يخفى على المصنف.
السادس: بأي شيء تفترق الأمة بضعاً وسبعين فرقة كما في الحديث والمرتد لا يكون فرد من الأمة الفاعلة للافتراق.
) الجواب (إن الافتراق بالعقائد ولا سؤال بالمرتد على تقدير أن يراد بالأمة في الحديث أمة الدعوة كما جوزه بعض شراحه ونقله عن المحقق الدوائي في شرح العقائد العضدية. وأما على تقدير أن يراد بالأمة فيه أمة الإجابة وهم الذين آمنوا به عليه الصلوة والسلام كما هو الظاهر لأن أكثر ما ورد في الحديث على هذا الأسلوب أريد به أهل القبلة وفي الروايات الأخرى في حديث الافتراق ما يؤيده فيقال أن اللازم تقدم وصف الكون من الأمة على الافتراق تقدماً بالذات فلا يضر ذهابه بالافتراق إن كان ما حصل به الافتراق كفراً كما في الغرابية مثلاً وهذا كما تقول كفر المسلم ومات الحي وسقم الصحيح إلى غير ذلك فلا إشكال فتأمل.
السابع: بأي شيء يعرف سبيل الله تعالى من السبل المذكورة في حديث خط لنا رسول الله ﷺ خطاً وقال هذا سبيل الله ثم خط خطوطاً عن يمينه وخطوطاً عن يساره وقال هذه سبل وعلى كل سبيل شيطان يدعو إليه.
) الجواب (يعرف ذلك بموافقة الشرع ومخالفته فما وافق فهو سبيل الله تعالى وما خالف فهو خلافه. ويرشد إلى ذلك قوله تعالى هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني. ولمعرفة الموافق من غيره موازين ذكرها حجة الإسلام الغزالي في بعض كتبه يطول الكلام بذكرها وإلا فما من فرقة ضالة من الفرق الإسلامية إلا تدعي الموافقة.
وكل يدعي وصلاً لليلىوليلى لا تقر لهم بذاكا
الثامن: بأي شيء يعرف هذا الداعي) الجواب (ظاهر مما قدمناه بأدنى التفات.
التاسع: هل يعارض هذا الحديث قول العامة من لا شيخ له فشيخه الشيطان حيث أن هذا القول يصدق على الشيخ كيفما كان.
) الجواب (ما بعد قول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قول لقائل وأي قول ما عدا قول الله عز شأنه لذلك القول معادل. وروي عن مالك أنه ذكر لمسألة حديثاً فقال بعض الحاضرين قال أبو بكر كذا وقال عمر كذا فقال مالك الله الله يوشك أن تقع عليكم حجارة من السماء أنا أقول لكم قال رسول الله ﷺ وأنتم تقولون قال أبو بكر قال عمر. فإذا كان قول الشيخين رضي الله تعالى عنهما وهما هما في جنب قوله عليه الصلوة والسلام مضمحلاً فما ظنك بقول من هو أقل باللفظ من لا. على أن لنا أن نقول المراد بالشيخ في قول العامة الشيخ الكامل المتبع لما جاء به عليه الصلوة والسلام لمكان قولهم فشيخه الشيطان إذ غير المتبع لذلك متبع للشيطان لا محالة غاية ما في الباب أن اتباع الشيطان متفاوت المراتب حتى أن بعض المتبعين له من هو أشد ضرراً منه. بل قد يكون شيخه في بعض الأمور التي تصدر عنه. نعوذ بالله تعالى من شر الشيطان. من الإنس والجان.
العاشر: ما المتبع أقول الهيتمي في فتاواه يشترط في سند التصوف اتصاله بالحسن البصري ومنه بعلي كرم الله تعالى وجهه أو بأويس ومنه بعمر رضي الله تعالى عنه أم اجتماع أهل الزمان على ما اتصل سنده بالصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه.
) الجواب (كلام الهيتمي إن صح عنه في حيز المنع والحق صحة كل طريقة اتصلت بصحابي من الصحابة رضي الله تعالى عنهم بسند مقبول عند المحدثين كسند الطريقة القادرية أو عند المشايخ المعتبرين كالسند المشهور للطريقة النقشبندية فإنه على خلاف أسانيد أهل الحديث لما فيه من الأخذ عن الروحانية لكنه معتبر عند أهل الله تعالى.) ثم (ما ذكر في السؤال من الاجتماع على ما اتصل سنده بالصديق الأكبر ﵁ ممنوع فإن بلاد الإسلام مملوءة والحمد لله تعالى من الطرائق المتصلة بعلي كرم الله تعالى وجهه بل هي أكثر جماعة.) وأنا (لم أجد إلا شخصاً أو شخصين يتصل سند طريقتهما بعمر رضي الله تعالى عنه على أنه سند في القلب من صحته شيء) والحاصل (أنه كل ما جاءنا عن رسول الله ﷺ بسند مقبول فعلى العين والرأس. وما كان على خلاف ذلك نبذناه وراء ظهورنا وإن تلقته بأيدي القبول جهلة الناس. والله تعالى ولي التوفيق. وهو سبحانه نعم المولى ونعم الرفيق.
الحادي عشر: ما الفرق بين الجذبة الرحمانية والجذبة الشيطانية
) الجواب (أن الجذبة الرحمانية ما يحصل من وارد رحماني بواسطة أمر شرعي من استعمال ذكر أو استماع وعظ أو قرآن أو نحوها يضيق عنه وسع السالك فيفزع منه وربما يصعق مع بقاء شعوره كما في نحو العطاس والسعال ولذا لا يعاب من تعتريه ولا يعادلها وضوء. وهذا كثيراً ما يعرض في أول السلوك لضيق الوسع إذ ذاك.) وقلما (يعرض للكاملين المتسعة صدورهم للواردات والكثير عروض البكاء لهم والطمأنينة والاستغراق كما كان يعرض ذلك لأصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) وإنما (لم يعرض لهم الصعق ونحوه لاتساع قلوبهم وانشراح صدورهم بما أشرق عليها من مشكاة النبوة فمبتديهم كمنتهى غيرهم حيث فازوا بالإكسير الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم. وما يحكى من وقوع التواجد في محضره عليه الصلوة والسلام بل منه ﷺ حتى أنه سقطت جبته عن كتفه الشريف إلى آخر القصة كذب لا أصل له لعن الله تعالى من افتراه ليروج به بدعته ومدعاه. وقد تقال الجذبة الرحمانية على تحويل الله تعالى عبده إلى حال أعلى وأغلى من حاله الذي كان فيه قبل التحويل بسبب الوارد المذكور. وقد تقال أيضاً على جذبه ﷿ قلب عبده إليه وتخليصه إياه من مخالب بازي نفسه. وجعله سارحاً في رياض أنسه وقدسه. وعلامة ذلك النشاط والعبادة وضعف تعلق القلب بالدنيا أو انقطاعه عنها بالكلية حسب قوة الجذب وضعفه. وقد يقوى الجذب إلى حد لا يبقى معه صحو أصلاً فيبقى العبد سكران القلب مستغرقاً في الرب وحينئذ يعذره الشرع إذا صدر منه ما ينكره من غيره لارتفاع التكليف إذ ذاك كذا قيل) ومن الناس (من لا يطلق الجذبة الرحمانية على ما يفوت معها الصلوة ونحوها ويقول لا بد أن يكون المجذوب محفوظاً عليه وقت العبادة وجعل ذلك أحد الفروق بين المجذوب والمجنون فليتأمل) وأما الجذبة الشيطانية (فهي نزغة من الشيطان كثيراً ما تحصل بواسطة أمر غير شرعي ظاهر يثير من النفس كوامنها. ويحرك منها سواكنها. كاستماع النغمات المحرمة فتنعق وتزعق. وتشهق وتزهق. وربما تحصل من تصور معشوق. يحلو للمتصور ويروق. وعلامتها عدم ندم صاحبها على التقصير وعدم اهتمامه بما يقربه إلى ربه سبحانه قدر قطمير وكثير ممن شاهدناه يصرخ من استماع النغمات المحرمة وينعق ويشدخ الحجر برأسه من شدة ضربه به ويسحق هو تارك للصلوة متبع للشهوات مستحل للمحرمات مستحلٍ لمر الخطيئات. أجازنا الله تعالى والمسلمين من ذلك ولا سلك بنا سبحانه هاتيك المسالك ولها إطلاقات أخر لعلها تعلم مما ذكرناه في الجذبة الرحمانية بأدنى فكر فتفكر.
الثاني عشر: ما الحكم في طرد شيوخ الوقت من يحضر مجلس قراءتهم السور المعبر عنها بخزاتم الخواجكان ولو في المسجد ولو قاصداً للصلوة مع قول صاحب التحفة المسجد وقف للمصلي وللقارئ والواعظ بالتبع وقول صاحب الأنوار يسن الجلوس في حلقة القراءة والإصغاء إليها إلى غير ذلك مما يدل على قبح ذلك الطرد.
) الجواب (أنه لا شبهة في أن الطرد عن مثل ذلك في كل مكان قبيح وهو في المسجد أقبح وقل من يفعله لكن قبح ذلك إنما يسلم أن لو كان رغبة عن أن يشارك المطرود الجماعة في القراءة أو كراهة أن يصغي إليها وليس كذلك بدليل أنه لو قرأ نحو ما يقرءون أو القرآن كله لا معهم أو لو أصغى إليهم غير جالس في حلقتهم ولا مطلع على ما يقع منهم لم يمنعوه بل ذلك الطرد يحتمل أن يكون لكراهة أن يطلع على ما يقع منهم حيث أنهم ترد على بعضهم واردات لا يتحملها فيصعق منها أو يعتريه ما يغير هيئته ويهول رؤيته. ويشوق خلقته. ويخرج عن الانتظام حركته. فربما يفضي ذلك إلى سخرية من حضرهم وليس منهم واستهزائه واستخفافه بهم. حتى أنهم متى أمنوا من حضور الأجنبي نحو ذلك لم يمنعوه ولو دخل عليهم في بيوتهم فضلاً عن كونهم في المسجد وذلك بأن يكون صالحاً عارفاً بأحول السالكين عاذراً لهم فيما يصدر عنهم عند تلاطم أمواج الواردات عليهم ولا أظن أن في الطرد لهذا الغرض بأساً أو في إباحته لهذا المقصد التباساً ويحتمل أن يكون لأن الأجنبي قد يكون منكراً منتقداً لا مسلماً معتقداً فيكون حضوره حسبما جربوه مانعاً من الرقة والفيض وحصول الجمعية لمكان انعكاس حال الجليس على جليسه وأن البياض قليل الحمل للدنس ولا تكاد تطيب أنفسهم ببعد ما عن محبوبهم وإن ترتب عليه قرب ما للأجنبي منه ودرء المفاسد أولى كما قالوا من جلب المنافع فلا يرد أنه كما يخشى انعكاس حاله عليهم يرجى انعكاس حالهم عليه فتأمل وقد حكي أن الجنيد قدس سره وهو من تعلم جمع أصحابه في خلوة عن الأغيار فاشتغلوا بالذكر والفكر فلم يحصل لهم ما عودوه فقال انظروا هل فيكم أجنبي حرمتم الفيض بسببه فنظروا فقالوا لا فقال انظروا هل تجدون شيئاً من آثاره فنظروا فوجدوا نعلاً لمنكر فقال قدس سره من هنا أوتيتم فانظر إذا كان هذا حال نعل المنكر فكيف هو لو حضر بلحيته. وزاحم أهل الحلقة بفقحته. وحاصل الأول أن الطرد لمصلحة المطرود وحاصل الثاني أنه لمصلحة الطارد كمنع قارئ يشوش على مصل مثلاً وحاصلهما أنه ليس رغبة في أن لا يحصل له ثواب قراءة أو استماع وربما يستأنس في هذا المقام بما روي في الحديث الصحيح أخرج الحاكم في مستدركه عن يعلى بن شداد قال حدثني أبي شداد بن أوس وعبادة بن الصامت حاضر يصدقه قال أنا لعند رسول الله ﷺ إذ قال هل فيكم غريب يعني أهل الكتاب قلنا لا يا رسول الله فأمر بغلق الباب وقال ارفعوا أيديكم فقولوا) لا إله إلا الله (فرفعنا أيدينا ساعة ثم وضع رسول الله ﷺ يده ثم قال اللهم إنك بعثتني بهذه الكلمة وأمرتني بها ووعدتني عليها الجنة إنك لا تخلف الميعاد ثم قال ابشروا فإن الله قد غفر لكم. وكذا بما صح من رواية مسلم أنه صلى الله تعالى عليه وسلم دخل الكعبة فأغلقها عليه الحديث قال النووي عليه الرحمة إنما أغلقها عليه ﷺ ليكون أسكن لقلبه وأجمع لخشوعه ولئلا يجتمع الناس ويدخلوا أو يزدحموا فينا لهم ضرر فيتشوش عليه الحال بسبب لغطهم انتهى. وقد كان معه عليه الصلوة والسلام أسامة وبلال رضي الله تعالى عنهما فلا تغفل ثم أن تفسير الغريب في الخبر السابق بأهل الكتاب غير متعين كما لا يخفى على المنصف من ذوي الألباب فتأمل. هذا نهاية ما عندي في الجواب. مما لم أجده لعمرك في كتاب فإن حصل به الإقناع فذاك وإلا فاطلب نار فكرة وقادة فلعلك تجد على النار هداك ثم اعلم أنه يقال نحو ذلك في طردهم الأجنبي عن جمعيتهم للتوجه المعروف فيما بينهم ورابطتهم على الطرد هناك أقوى من رابطتهم على الطرد في ختم الخواجكان. وبالجملة إياك ثم إياك من الإنكار عن هوى على ذوي العرفان.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع