تجاوز إلى المحتوى

من «غرائب الاغتراب ونزهة الألباب» لشهاب الدين الألوسي (ت ١٢٧٠هـ)

الفصل التاسع (٤)

خشب فاحترقت ثم أعيدت من حجر وهي اليوم جامع. للمحاسن جامع. لا يحيط بوصفه نطاق الألفاظ. ولا يشرح حاله إلا ما يسرح فيه من عبارات أشعة الألحاظ. ما إيوان كسرى إلا زاوية من زوايا فيه. ولا منارة جامع الخلفاء إلا سارية من سواريه. وبالجملة هو آية. وفي الغرابة نهاية. لا زال معبداً للإسلام. إلى يوم القيام. ثم أن القسطنطينية على شكل مثلث فالزاوية الأولى منه فيما بين الشرق والجنوب قريبة من الشرق والزاوية الثانية فيما بين الغرب والشمال قريبة من الغرب والزاوية الثالثة فيما بين الشرق والشمال قريبة من الشمال والضلعان اللذان أحدهما من الزاوية الأولى إلى الزاوية الثانية وثانيهما من الزاوية الأولى إلى الزاوية الثالثة في البحر وأما الضلع الذي هو من الزاوية الثانية إلى الزاوية الثالثة ففي البر. ومقابل القسطنطينية في الجانب الشرقي الشمالي من البر الآخر قرية متوسطة في الصغر والكبر تسمى) غلطة (وقد تسمى) غلتا (وهي عامرة آهلة وبينها وبين القسطنطينية خليج دقيق عرضه قدر ميل وعليه ثلاثة جسور) الجسر الأول (أنشأه في سبيل الله تعالى المرحوم السلطان الغازي محمود خان. أوصله الله تعالى على جسر رحمته إلى رياض الجنان) والجسر الثاني (أنشأه ولده الموفق السلطان عبد المجيد خان. دام ملكه ثابت الأركان ما دام الدوران. وأوقفه على دار الشفا. فهو يستغل ممن مر عليه منتعلاً أو ذا حفا. وتصرف غلته على مرضى المسلمين. من الفقراء والمساكين) والجسر الثالث (اشترك في إنشائه وأنا هناك ذوو الأموال. من تجار الدولة العلية والرجال. فجعلوا يستغلونه. إلا أنهم يشتكون من قلة نفعه ويستقلونه. وبين الأول والثاني. قريب من ألفي ذراع عثماني. وبين الثاني والثالث ما يزيد على ذلك. ويختلف الأمر حسب اختلاف المسالك. ويمتد ذلك الخليج حتى يتجاوز الزاوية الثالثة للقسطنطينية وإذا جاوزها بمقدار يسير فهناك قبر خالد الشهير) بأبو أيوب الأنصاري (الذي أضاف رسول الله ﷺ يوم شرف المدينة المنورة جاء غازياً مع يزيد اللعين وتوفي ودفن هناك وأظهر قبره السلطان محمد الفاتح عليه الرحمة ودله عليه كشفاً آق شمس الدين قدس سره وكشف القبور مما يقع لأصاغر السالكين. فضلاً عن أكابر الأولياء الكاملين. ونفحة ليلى تدل عليها. وتهدي قلوب الأحبة إليها.

تأرج مسكاً بطن نعمان إذا مشتبه زينب في نسوة خفرات

ثم يمتد إلى الشمال والشرق حتى ينتهي إلى قرية يقال لها) كاغد خانة (وهي من المتنزهات المشهورة والخليج بعد أن يتجاوز قبر أبي أيوب رضي الله تعالى عنه يدق جداً وفي جهة غلطة الطوبخانة والترسخانة وربما يقال لها الترسانة وعندها مرسى السفن واللفظان أخذهما سكان هاتيك الأرجاء. من لفظ المرسى لكن غرقوا في لجة الغلط كما لا يخفى ومقابل القسطنطينية من البر الآخر الشرقي) أسكدار (وهي فرضتها من البر الشرقي وهي أيضاً عامرة آهلة أهلها نحو ثلاثين ألفاً أو يزيدون. وسور القسطنطينية مرتفع في الجملة وقد أحدثت بيوت بينه وبين البحر وله اليوم وله اليوم على ما في التقريبات ثمانية وعشرون باباً أربعة عشر منها من جهة خليج غلتا وسبعة من جهة البر ومثلها من جهة بحر مرمرا وأنا لم أحقق ذلك لكن أعلم يقيناً أن أبوابه بضع عشر باباً والمدينة عبارة عن ستة أو سبعة تلول وفي طرقها كثير ارتفاع وانخفاض ويقولون للطريق المرتفع) يوقش (واليوقشات المشهورة نحو أربعين والطرق المشهورة تزيد على مائة وثلاثين. والجوامع والمساجد التي فيها وفي ساحلها نحو أربعمائة وخمسة وعشرين وقال الشيخ رفاعة في التقريبات هي نحو ستمائة وقال فيها أيضاً فيها خمسمائة وثماني عشرة مدرسة وخمس وثلاثون مكتبة ومائة وثلاثون حماماً واثنتان وعشرون كنيسة. وأهلها قيل أربعمائة ألف وقيل مائتا ألف وثلاثون ألفاً وبعضهم أدخل أهل غلتا وغيرها وجعلهم ستمائة ألف وقيل هم خمسمائة ألف وسبعة وتسعون ألفاً وقيل سبعمائة ألف وقيل خمسمائة ألف وتسعون ألفاً وصحح بعضهم أن أهلها ستمائة ألف وسمعت هناك أن مجموع أهلها وأهل غلتا وأهل أسكدار ومن في الساحل ألف ألف وفيهم كل صنف من الناس. وقد عد أهل إيران الذين يتجرون فيها فبلغوا ثلاثين ألفاً فما ظنك بالنصارى والإفرنج على اختلاف أصنافهم. ومعظم بيوت البلد من أخشاب وما كان منها من حجر قليل جداً وقلما تجد فيها بيتاً ليس له كوى على البحر أو على الطريق وأنا لم أر ذلك وفي طرقاتها مواضع كثيرة معدة لمياه عذبة يشرب منها أبناء السبيل والماء يأتيها من خارجها ويقل بقلة المطر ويكثر بكثرته. وفي كثير من بيوتها أماكن معدة يدخرون فيها ما يسيل من سطوحها أيام المطر من المياه وقد يجتمع في ذلك المعد ما يكفي أهل سنة من مياه الأمطار. وفي الساحل مما يقرب منها عيون قليلة جداً ماؤها في غاية اللطافة والعذوبة يشبه ماء دجلة المصفى أو أحسن منه لكن لا يبل غليله منه بعض الفقراء. وإذا جمع جميع مياه القسطنطينية الداخل والخارج لا يبلغ قدر ماء نهر الخالص من أنهر بغداد وفيها مكاتب للفنون نفيسة. ومشاهد للسلاطين أنيسة. وإذا رأيت مدفن المرحوم السلطان الغازي محمود خان الثاني حسبته بيضة نعامة كبيرة حيث أنه بني من المرمر الأبيض ويصرف فيها لا سيما في رمضان من الزيت للقناديل ونحوها ما لو جمع لكان كنهر الدجيل وقد حققت أن الزيت الذي يشعل في جوامع السلاطين في رمضان ثمانون ألف حقة كل حقة أربعمائة درهم. وأكثر جوامعها مما لا نظير له في بلدة من بلاد الإسلام على التحقيق وكذا أسواقها. وفي حماماتها وخاناتها قولان الثاني أن حمامات دمشق الشام مثل حماماتها أو ألطف. وخانات حلب مثل خاناتها أو أظرف. وأنا لا أظن ذلك وإن اشتهر ويكثر فيها الحريق وذلك لأمر ما يريده الله تعالى ولا يبعد أن يكون ذلك من إصابة عين. ولولا ذلك لكان لبيوتها سقف من فضة أو لجين. وليس ذلك لكون بيوتها من خشب. إذ كثير من البلاد بيوتها كذلك ولا يكثر ككثرته فيها الحريق واللهب. وفيها عمد قديمة أعجبها عمود قريب من باب جامع السلطان أحمد منحوت من حجارة واحدة صنوبري الشكل مخروطية قائم على أربعة أثافي من نحاس مكعبة ارتفاع الأثفية نحو شبر وقد وضعت على بنية مكعبة ارتفاعها أقل من قامة وفيها صور شتى وفي العمود نقوش يظن أنها كتابة بقلم قديم غريب وكان قبل الفتح فيها عمود أعجب من ذلك على ما يقال وهو مذكور في كتب التواريخ) وطولها (على ما في الرسم والقانون والأطوال وكتاب ابن سعيد) نط (وعرضها) مه (وفي المقاصد العوالي طولها) نطن (وعرضها) ن ها (وصحح بعضهم أن طولها) نوم (وعرضها) ماية (والصحيح عندي أن طولها) مول (وعرضها) ماها (وانحراف قبلتها إلى شرقي الجنوب كثير جداً وتكاد تكون قبلتها نصف القوس التي بين القطب الجنوبي

ونقطة مطلع الاعتدال ولم أحقق ذلك وذكر في القاموس أن فتحها من إمارات الساعة. وقد روى الإمام أحمد في مسنده والحاكم في الفتن عن أبي عبد الله بشر الغنوي وقيل الخثعمي لتفتحن القسطنطينية ولنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش لك الجيش. ولهذا الحديث جهد قوم في فتحها وأول من غزاها يزيد اللعين في زمن أبيه رضي الله تعالى عنه فأبى الله تعالى أن يفتحها على يديه. لعنة الله تعالى عليه) لا يقال (روى أن أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له فيكفي اللعين أنه أول من غزاها) لأنا نقول (قال المناوي أن يزيد بن معاوية غير مغفور له وإن كان من ذلك الجيش لأن الغفران مشروط بكون الإنسان من أهل المغفرة ولا كذلك يزيد انتهى. وغزاها مسلمة بن عبد الملك فجهد كل الجهد في فتحها فلم يفتحها الله تعالى أيضاً على يديه والقصة في أمره مشهورة وفي أكثر كتب التواريخ مسطورة) والحاصل (أن الله تعالى ﷿ أبى فتحها إلا على يد المرحوم السلطان محمد خان وجاء تاريخ فتحها) بلدة طيبة (وكذا) عون خالق (وهذا الفتح يحتمل أن يكون هو الذي من إمارات الساعة ويحتمل أن لا يكون كذلك ويكون الفتح الذي هو من إماراتها ما يقع ومن المهدي رضي الله تعالى عنه وإنكار مجيء المهدي أشبه شيء بإنكار المتواتر) نعم (لا بأس بإنكار ظهوره على الوجه الذي يزعمه الشيعة والله تعالى أعلم. وقصة فتح ذلك السلطان الموفق إياها شائعة ذائعة فلا نطيل بذكرها) ثم أعلم (أن المتقدمين من المؤرخين بالغوا في عظم هذه البلدة. وجاوزوا في الوصف حده. كما بالغوا في شأن الزوراء. في عصر الخلفاء.) وأنا أقول (غير مبالغ بمقول. أنها بلدة مونقة الأرجاء. رائقة الأنحاء.) ذات قصور تضيق عن قصورها سعة الأذهان. وتتجاذب الحسن هي وقصور الجنان. وربة رياض أريضة. وأهوية صحيحة مريضة. قد تغنت أطيارها. فتمايلت طرباً أشجارها. وبكت أمطارها. فتضاحكت أزهارها. وطاب روح نسيمها. فصح مزاج إقليمها. وليتك رأيت ما فيها من الرياض الأنيقة. والأشجار المتهدلة الوريقة. وقد ساقت إليها أرواح الجنائب. زقاق خمر السجائب. فسقت مروجها مدام الطل. فنشأ على أزهارها حباب كاللؤلؤ المنحل. فلما رويت من الصهباء أشجارها. ونحها مع النسمات المسكية خمارها. فتدانت ولا تدانى المحبين. وتعانقت ولا تعانق العاشقين. يلوح من خلالها شقيق. كأنه جمرات من آثار حريق. ويتخللها بهار يبهر ناظره. فيرتاح إليه ناظره.

وكأن النرجس الغض بهاأعين العين وما فيهن غمض

وجملة أمرها أنها أنموذج الجنة بلامين. فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ العين. وكم فيها من حبر راقت حبره. ومن إمام توجت جباه الإسلام سبره. آثار علومهم على صفحات الدهر مكتوبة. وفضائلهم في محاسن الدين والدنيا محسوبة. وإلى كل قطر مجلوبة. ولكل قلب محبوبة. فما من متين علم وقديم رأي إلا ومنهم مشرقه. ومن بروجهم مطلعة. ولا من معين فضل وقوي فهم إلا وعندهم مغربه. وإليهم منزعه. وما تشاءووه من كرم أخلاق بلا اختلاق إلا وجدته فيهم. ولا جلالة أعراق في طيب أعراق إلا اجتليته من معانيهم. أطفالهم رجال. وشبانهم أبطال. ومشايخهم أبدال. شواهد مناقبهم باهرة ودلائل مجدهم ظاهرة.

فمن حاتم في جوده وابن مامةومن أحنف إن عد حلم ومن سعد

وأما الثغر وما أدراك ما الثغر. فذاك الذي تنشق من حلاوة لمى محاسن ثناياه مرارة الخمر. وقد دلع لسانه بالافتخار. فجرى مطلق عنان الفخر في كل مضمار. وتلاسن البحران بلا مرا. فألقم البحر الأسود حجرا بحر مرمرا. وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً. وملكاً مقيماً. وملكاً عظيماً. فالقصور هناك لها الترفع عن القصور سمه. فوحسنها لقد غدت فلفلة الغيرة منها في أست قصور أرض السمسمة. فإن الفرق بين هذه وتلك جبال. فهذه مما تلتذ به الحواس العشر وليس في تلك حظ لسوى الخيال. وقد غدت تسحل ذيول الفخر بأفصح لسان على ساحلي خليج يزري بالمجرة. وتنقل لرائيها أحاديث غرف الجنان فتملي إذ تملي الجنان بأنواع المسرة. وأنها على ما أضمرت من دقائق الحسن في سرائرها. ليرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها. وقد غلت مقداراً. وعلت مناراً. وشمخت بأنفها حتى ظن أن لها عند الشعري العبور ثاراً. وقد اتصلت بها من ورائها جنان. هي فوق ما تتخيله أذهان الإمكان. وأن مبتدأ أمرها لينادي ليس الخبر كالعيان. وفي كل منها بركة مفعمة من الحسن ببركات. ولها خد كاللجين تحلى بعذار من انعكاس النبات. وحول كل بركة وحياتك روض نضر. وما من روضٍ إلا ويلتقي فيه ماء الحيوة والخضر. وامتداد هاتيك القصور ست ساعات. على ما حدثني به بعض الرواة الثقات. وأسود غابات) إسلامبول (وبدور بروجها التي ليس لها أفول. ينتقلون إليها إذا بلغت الشمس نصف برج الثور. ولهم إذا بلغت نصف برج العقرب رجوع بعد الإقامة وجور بعد الكور. وفي كلا الأمرين قد يتقدمون وقد يتأخرون. وربما تجد فيها قوماً مقيمين في الفصول الأربعة لا يرتحلون. قد اتخذوها منزلاً. واستوطنوها ولم يبلغوا عنها حولاً. وعرض الخليج هناك نحو جسر الزوراء أربع مرات. وأنه يزيد على ذلك وينقص في بعض الجهات. والزوارق فيه تزيد على اثني عشر ألفاً. وهي مشحونة لطفاً ومملوءة ظرفاً. وأنها تحكى فيها الدعاميس. كما أن زوارقه السلطانية تشبه الطواويس. وفيه من السفن النارية عدة. قد اتخذت للعبور عدة. وهي من حيث البوائق. أأمن بكثير من الزوارق. وفيه من الحيتان اليونسية كثير. ويتحرج من هناك من أكلها كما يتحرج المسلم من أكل الخنزير. وربما يظنها الظان. أنها خنازير الحيتان. وهي تتطارد جهاراً. ليلاً ونهاراً. فماذا عسى تقول في بلدة لا يزال يضحك ثغرها على جميع البلاد. ولا يبرح في العمارة أمرها كل يوم في ازدياد. ويوشك أن تكون جنة يقضى منها العجب. لولا ما ابتليت به من الحريق وقمل الخشب. ولكم نمت فيها من القمل على مثل الأسنة. واعترتني من محن الدهشة من حريقها أعظم محنة. وكلا الأمرين في الساحل قليل. وفي الأرض قطع متجاورات كما نطق به التنزيل. ثم أنها لكثرة الخلق فيها. واختلاف صنوف أهاليها. لا تخلو عمن أو ألقى في البحر المحيط لنجسه. أو كان جزءاً من العديد الغير المتناهي لبخسه. وفيها من النسوان. ما يخيل أنهن حور الجنان. وكلامهن لو تجسد لأزري بالدر. ولولا الأدب لقلت هو حر بأن ينكح باير الفكر. وفيهن من عادات نساء الأعراب. أنهن يبرزن إلى الأزقة بمجرد نقاب. إلا أنه ألطف من شمائلهن. وأدعى للصبوة بهن من تمايلهن. فكأنه نسيم هم أن يتجسد. فعارضه توقد وجنة الخد. وربما يقول ظمآن النظر إذ أتى منهل مياه خدودهن وورد. الله أكبر كيف نسج الريح على الماء زرد. وربما ينشد. إذا ذاق نظره خمر خدها المتورد:

رق الزجاج ورقت الخمرفتشاكلا وتشابه الأمر
فكأنما خمر ولا قدحوكأنما قدح ولا خمر
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «رق الزجاج ورقت الخمر»

ومعظمهن حرائر. وإن لم يتحجبن عن النواظر. فعدم الاحتجاب عادة قديمة في عرب الأعراب. وهن اللواتي لا شك في عفتهن. ولله تعالى در من قال في صفتهن:

هن الحرائر لا ربات أخمرةسود المحاجر لا يقرأن بالسور

وقد حققت أن منهن من لا تخرج من بيتها حتى إلى الحمام. ولا يحوم عليها طائر نظر أهل الأزقة إلا أن تصير وكراً لحمام الحمام.) نعم (لا يخلو غيل من واوي. وأي بلد عريض طويل ليس فيه كلب عاوي. فالمعول عليه في رداءة البلدة وفضلها. إنما هو عند المنصف حال غاب أهلها. وحال غالب أهل هذه البلدة في الحسن لا يطال. وسيان في ذلك على ما علمت النساء والرجال.

قوم زكوا نفساً وطابوا مخبراًوتدفقوا جوداً وراقوا منظراً

فانعم بذلك المغنى. فقد جمع الفضل حساً ومعنى:

تلك المنازل لا أعقة عالجورمال كاظمة ولا وادي القرى
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ماذا على طيف الأحبة لو سرى»
أرض إذا مرت بها ريح الصباحمات من الأغصان مسكاً إذا فرا
فيها لقد حلّ المليك المجتبىعبد المجيد أجل أملاك الورى
العادل الشهم الذي ألقا بهفي كل ناحية تشرف منبرا
وبكل أرض جنة من عدله الضافي أسأل نداه فيه كوثرا
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ماذا على طيف الأحبة لو سرى»
عدل يبيت الذئب فيه على الطوىغرثان وهو يرى الغزال الأعفرا
بين الملوك الغابرين وبينهفي العدل ما بين الثريا والثرى
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ماذا على طيف الأحبة لو سرى»
ما مدحه المستعار له ولاآيات سؤدده حديثاً يفترى
لا تسمعن حديث ملك غيرهيروى فكل الصيد في جوف الفرا
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ماذا على طيف الأحبة لو سرى»
نسخت خلائقه الكريمة ما أتىفي الكتب عن كسرى الملوك وقيصرا
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ماذا على طيف الأحبة لو سرى»
وله العساكر في الثغور نظامهميهدي إلى الأعداء موتاً أحمرا
من كل وضاح الجبين تخالهبدراً فإن شهد الوغى فغضنفرا
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ماذا على طيف الأحبة لو سرى»
يعشو إلى نار الوغى شغفاً بهاويجل أن يعشو إلى نار القرى
للشاعر ابن عنين، من قصيدة «ماذا على طيف الأحبة لو سرى»
لا زال مسعود الفريق مؤيداًأبداً ومنصور اللواء مظفرا

ثم أن) إسلامبول (على ما حوت من الحسن مجملاً ومفصلاً. تضيق على الغريب في مبدأ الأمر ثم تتسع عليه أولاً فأولا. وأول من أشرفت على حضرته. وتشرفت برؤيته شيخ الإسلام. وولي النعم. والمغرد هزار الحق على أفنان قلمه لنغم لا ونعم. سيدي وسندي) السيد أحمد عارف حكمت بك أفندي (. وقد أفردت ترجمته بالتدوين. وقدمتها إلى حضرته المشبهة حظائر عليين. وقد كان سمع عني. ما جبذ ذيل إقباله عني. فرميت عند مواجهته بثالثة الأثافي. وقصت من أجنحة آمالي القدامى والخوافي. وعلى كل حال قدمت إليه تفسيري. وجعلته لديه شفيعي وسفيري. فأمر عليه برق نظره الحالي. فأمر أن أذهب به وأقدمه إلى الباب العالي. وقال العادة تقتضي أن تعرضه على الصدر الأعظم هناك. فحينئذٍ يصدره إلي فأورده النظر الدقيق إذ ذلك. وسأعطيه إن شاء الله تعالى حقه. وأرصع بجواهر المدح طوقه. فقمت من عنده بلا تواني. وذهبت إلى الباب العالي في اليوم الثاني. وآه ثم آه من أبناء الدنيا. ذوي المراتب العليا. حيث غدا من طباعهم. انصباب كلام كل خرق في خروق أسماعهم. ثم لا يكاد يمتص بمحجمة اعتذار. أو يصعد بأنبيق استغفار. والحمد لله تعالى على أن أستثني من هذا العموم حضرة ولي النعم. فإن أذنه الكريمة عن الفحشاء في صمم. وله إنصاف مع ذوي الفضل. خارج عن طور العقل. لا زال للإنعام ربعاً. ولجسد الأعلام عيناً وسمعاً. ولما دخلت الباب العالي. حظيت بمشاهدة طلعة البدر المتلألئ. قرة عيون بصائر ذوي الأبصار. حضرة رائس أقرانه) فؤاد أفندي (المستشار. فتلقاني بالترحيب. ولقيته أحب حبيب. كأني اصطحبت معه دهراً. واصطبحت بمدام أنسه عمراً. ووجدته لجسد النبل فؤاداً. ولإنسان عين العقل بياضاً وسواداً. ولشخص الأفضال رأساً. ولبدن الكمال نفساً. ولنوع الإنسانية فصلاً وجنساً. وأبوه اللطف المجسد عزت ملا. الذي لا تمل منادمته ولا تقلى. وهو مشهور في البسيطة بكيجة جي زاده. وقد فرشت له زمن المرحوم السلطان محمود بسط الشهادة. وثنيت له في دار الخلود على منصة السعادة الوسادة. وذلك أنه عثر به جواد اللسان. فلم يقل له أحد لعا سوى حور الجنان. وكم فصل الحق عن قائله رأساً. وسقاه من كؤوس المنون كأساً. تغمده الله برحمته. وبارك في أعمار ذريته) ثم أني (عرضت حاجتي على المستشار المشار إليه. جعل الله تعالى حاجة يوم العرض حاصلة لديه. فأمر النجيب ابن النجيب. ومن له من قداح الإنسانية المعلى والرقيب. ذا الأخلاق المستجادة) جميل بك أفندي (نجيب باشا زاده. وهو إذ ذاك مدير الأوراق وقد نال هذه الخدمة بعيد عوده من العراق. بأن يكون في صحبتي. إلى محل نيتي. فقام من غير تواني. وراح حاملاً على يديه تفسيري روح المعاني. فدخل بي على حضرة الصدر الأعظم. ووضع التفسير بين يديه فرفع شأنه وأعظم. ولما رآني قام وتلقاني. وحياني وبياني. وأجلسني حيث لا يجلس أقراني. وهذا الصدر هو واحد الزمان. والثاني في الوصف لآصف حضرة) سليمان (الذي لا تنال الرؤوس أقدامه. ولا تقدم الشوس أقدامه. ولا تدرك بديهياته إلا بالنظر الدقيق. ولا تطاق جزئياته إلا بكلى التوفيق. حضرة) رشيد باشا (لا زال سهم رأيه بريش الرشد مراشاً. وقد رأيته صدراً كاملاً من كل الوجوه. لا يرجع أحد توجه إليه إلا بما يرجوه. له صدق في خدمة الدولة والملة عظيم. وحنو عليهما ولا حنو المرضعات على الفطيم. يداري الناس وهو غني عنهم. ويعطيهم ولا يأخذ شيئاً منهم. وقد علاه الدين لمزيد كرمه. وأعوزه العين مع وفور نعمه. حتى سمع العتب على ذلك من أمثاله. فأنشدهم لسان حاله:

يعاتبني في الدين قومي وإنماديوني في أشياء تكسبهم حمدا
للشاعر المقنع الكندي، من قصيدة «يعاتبني في الدين قومي وإنما»
أسد به ما قد أخلوا وضيعواثغور حقوق ما أطاقوا لها سدا
للشاعر المقنع الكندي، من قصيدة «يعاتبني في الدين قومي وإنما»

وهو الذي سعى في وضع التنظيمات. وجهد في رفع القتل بأهون الجنايات. وغل أيدي ظلمة الحكام. عن أن تختضب لمجرد النفسانية بنفوس الإسلام. ومن خلص ذهنه عن كدر التعصب ودق. يعلم أن فوات قتل مائة نفس بحق أهون من قتل مسلم محترم بغير حق. وأي شيء أعظم من هدم بنية الله تعالى بانيها. ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها. فجزاه الله تعالى بما رفع خيراً. ورفع عنه في الدارين ضيراً. وقد ضمته الصدارة العظمى إلى صدرها ثلاث مرات. وما كان انفصاله عنها إلا لإحدى الحادثات. ومن العجب أنها قبل أن تخرج من العدة ترجع إليه. وتقبل على الكرة منه يديه. لأنها مغرمة به. من بين صحبه:

فلم تك تصلح إلا لهولم يك يصلح إلا لها

وقد ولد حفظه الله تعالى في العقد الثاني من المائة الثالثة من الألف الثانية من الهجرة النبوية. على صاحبها أفضل الصوة وأكمل التحية في البكرة والعشية. ولم يزل ينتقل في المناصب حتى صار صدراً. وعلا في الخافقين صيتاً وقدراً. وغدا محبوباً عند البرية. حتى عند الدول الأجنبية أسأل الله تعالى أن يديم وجوده. ويسبغ عليه كرمه وجوده. ولما وصل التفسير إليه. استفسر عن شأنه مما بين دفتيه. فنادته مباني عبارته. وناجته معاني إشارته. بما أجله لأجله. وأحله بسببه في لائق محله. حتى قال هذا أثر تفتخر به الدولة. حيث فك من مقفل المعاني قفله. وكان المجلس غاصاً بالرجال. فكل منهم صدق بما قال. ثم نظر في ديباجته. فرأى مدح حضرته. فقال يلوح لي فيه عيب واحد. ففطنت بالبداهة لما هو قاصد. فقلت نعم. ومن يقدر أن يحيط بمحاسن مولى النعم.

كأنها ويراع الواصفين لهابحر مقيس إلى منقار عصفور

فاستغفر مولاه. وأظهر من هضم النفس ما يقتضيه علاه. ثم قال اكتب مذكرة لبيان مرامك. ومعاذ الله تعالى أن يكون منا قصور في إكرامك. فدعوت له. وشكرت فضله. ثم قمت بأنواع المسرات. فقام وشيعني بخطوات. فلما رأيته بهذه الحال. ورأيت مستشاره على ما مر وحلا من الكمال. قلت بين قوم أمجاد. يليق بهذا الصدر هذا الفؤاد. فشاع هذا المضمون. واستظرفه السامعون. وضمنه كثيرون. منهم جواد المعارف الذي لا يرجى به لحاق. وبدر العواطف الذي لا يخشى عليه محاق. ذو الخلق المعطر الندي. معلم أبناء جودت أفندي. فقال. وأحسن المقال:

جاء فؤاد مستشاراً لمنأضحى رشيد الرأي صدر الرشاد
جاء بحق المدعي قائللاق لهذا الصدر هذا الفؤاد

ومنهم صابى زمانه بطرس كرامه. وقد قال لكنه لم ينل بذاك حباً ولإكرامه:

يا حبذا الصدر الرشيد الذيحازت به الأيام أبهى رشاد
كذا فؤاد مستشاراً لهلاق لهذا الصدر هذا الفؤاد

ولما سمعت أنا ذلك. قلت وإن لم أعد فيمن هنالك:

ولما نظرت إلى المستشاروشمت عليه مدار الأمور
هتفت أنادي بقول صحيحعليه يلوح من الصدق نور
يليق بذا الصدر هذا الفؤادوهل غيره لائق للصدور

وقال آية الله تعالى الكبرى. وسورة كتابه الذي بأفواه العقول يثري ذو الفضل الجليل الجلي. حضرة عبد الباقي العمري الموصلي:

فؤاد لصدر الملك لا زال لائقاًوهل لائق للصدر غير فؤاده
فذاك وذا جسم وروح تلازمالخدمة ظل الله بين عباده

ثم أنه ذهب بي إلى ناد ندى. هو نادي التشريفاتي. واسمه محرر) علي بك (أو) بهجت أفندي (فقام قدامي. وبالغ في احترامي. وبعد أداء رسوم التحية. والارتواء من شرب القهوة البنية. قال يا مولانا عند من تختار أن تكون ضيفاً. ويكون لك ما دمت مقيماً عنده خادماً وألفاً ففكرت في نفسي أن الضيافة ثقيلة. ومدة الإقامة فيما أظن طويلة. وأنها سهلة. في دار ضيافة الدولة. فاخترت دار الضيافة. المعدة في كرسي الخلافة. فقال الأمر إليك. وما نريد أن نشق عليك. فنادى شاباً أمرد. يزري بالغصن إذا تأود. لكنه إذا تكلم تلجلج لسانه. فأشكل على السامع بيانه. فذكرني في ذلك المقام الكريم. قول الأديب ابن تميم:

عابوا التلجلج في لسان معذبيفأجبتهم للصب فيه بيان
إن الذي ينشي الحديث لسانهولسانه من ريقه سكران

فقال اذهب بفلان إلى دار الضيافة. وأوص مأموريها أن لا يتخلفوا عن أمره أو يرتكبوا خلافه. فوحرمة إبراهيم الخليل. ما دخلها ضيف مثله جليل. فقال كلنا نتشرف بخدمته. ومعاذ الله تعالى أن نرتكب خلاف طبيعته. فقمت معه. وقد حزت السرور أجمعه. فسألته في أثناء الطريق عن اسمه. وعن خدمته في دار الضيافة ورسمه. فتلجلج لسانه ولم يكد يبدي. فقال بعض الرفاق هو فائز بك أفندي. وأنه أحد الكتبة ذوي الظرافة. وأن أباه طاهر أفندي قيم دار الضيافة. فحمدت ربي. وزاد بالتفاءل باسمه سرور قلبي. فلما دخلت المسافر خانه. رأيتها لمدام المسار خانه. وريثما استقر بي المقام. جائني القيم وابنه الأكبر شوكت بك أفندي للسلام. ورأيتهما قد هيأ جميع ما يراد. حتى السائس والجواد. وعندما دخل الليل. طلى قمل الخشب جسمي عندما بأيدي الويل. ولم يزل يخلط دمي ولحمي خلطاً. إلى أن تبدى الصبح كاللمة الشمطا. فسألت صحبي هل حل بكم من قمل الخشب ما حل بي. فقالوا إنه رعانا. وفي آخر الليل أتانا.

ألم بنا والليل أشمط والكرىأصم وأحداق الكواكب حول

فلم أدر أكان تسلط ذلك على من بينهم لسالف جريمة. أم لخاصة أودعها الله تعالى في مزاج طبيعتي السقيمة. وفي اليوم الثاني عين لمصارفي في كل شهر ثلاثة آلاف قرش صاغ إسلامبول. فكان القيم يصرف علي أقل من ثلثها ويأكل باقيها وهكذا يفعل بما عين لسائر النزول. فقاتله الله تعالى ما أضيق عينه. وأوسع كذبه ومينه. وما أقل حياءه. وأكثر اجتراءه. وفي اليوم الثالث كتبت المذكرة. وقدمتها لهاتيك الحضرة المنورة.) وهي (بتوفيق الله ﷿. وبركة حبيبه الرسول الأجل. لم أزل منذ درجت متدرجاً في خدمة الملة والدولة. فدرست من غير حد العلوم الرسمية غرباء بلدي وأهله. ورددت ببناني وبياني محالفي السنة. وأوردت بتقريري وتحريري مخالفي البدعة مضائق المحنة. وألفت لتأليف سرح القلوب بعون الملك الديان. شرح خلاصة البرهان في إطاعة السلطان. ونشرت مطوى النصيحة في أكناف العراق. وشمرت عن ذراعي في كف الأكف عن غمسها في غسلين الشقاء والشقاق. ولم تمض على الإعصار. حتى خدمت القرآن الكريم بتفسير تسعة أسفار. وقد كان إذ ذاك بالي صافياً. ورداء عيشي صافياً. بما قلدته قبل تقليد الإفتاء. من مرجان صدقات الدولة العلية لا زالت محاسنها محفوظة من سوء القضاء. ثم جرى ما جرى. بتقدير رب الآخرة والأولى. فتركت علي أنقى من الراحة. أتمنى لو أخذ الموت بيدي لعلي أجدبه راحه. فودعت أطفالاً لي كأفراخ القطا. وقد غدا بنا ألم الفراق لكل منهم ومني وطاءاً وغطاءاً وهرولت للثم مواطئ حضرة أمير المؤمنين. لا زال مؤبداً ومؤيداً إلى يوم الدين. فرأيت ما لم كد يخطر ببال. أو يخطو إلى حجرة حجرٍ أو خيال. من انتظام أمر الدولة. والاهتمام بتمييز حال خدمة الملة. فها أنا اليوم أرجو أن أعامل بما يقتضيه شأن الدولة العلية. مما يصدح ويصدع بتعظيم شأن القرآن العظيم بين الأمة المحمدية. فإني رجل من آل الرسول. وفدت من أقصى البلاد إلى ساحة ظل الله تعالى وبابه لكل مأمول. وقد خدمت حسب الطاقة ملتي ودولتي. راجياً بعد ثواب الله تعالى ترفيه عيشي وترفيع رتبتي. لأصرف ما بقى من نقد عمري في الخدمة. وجلب الدعوات الخيرية للدولة المجيدة المجيدية بأكمل همة. والأمر لمن له الأمر. في السر والجهر انتهى.

وكتبت على حدة في قرطاس. بيتين مضمناً لهما شطراً من شعر أبي فراس. وهما:

قصدت من الزوراء صدراً معظماًوقد سامني ضر وقد سألني دهر
فقلت لنفسي والرجاء موفرلنا الصدر دون العالمين أو القبر

وقد سارتا في كل واد. وطارتا إلى بغداد. فشطرهما ذو الأدب العبقري. عبد الباقي أفندي العمري فقال:

قصدت من الزوراء صدراً معظماًوما البحر إلا ما حوى ذلك الصدر
وذلك لما ضامني زمني عنيوقد سامني ضر وقد سألني دهر
فقلت لنفسي والرجاء موفرلك الخير يا نفسي لقد حصل الوفر
وصارت بنا أولى مقالة غيرنالنا الصدر دون العالمين أو القبر

وشطره أيضاً من أخرس مصاقع الشعراء. وأنطق بالثناء عليه كواكب الجوزاء. ذو النسب الذي هو من كل عيب خلي. السيد عبد الغفار الموصل فقال:

قصدت من الزوراء صدراً معظماًتقر به عيني وينشرح الصدر
للشاعر عبد الغفار الأخرس، من قصيدة «قصدت من الزوراء صدرا معظما»
وأملت فيه النفع فيما يسرنيوقد سامني ضر وقد ساءني دهر
للشاعر عبد الغفار الأخرس، من قصيدة «قصدت من الزوراء صدرا معظما»
فقلت لنفسي والرجاء موفرليهتك هذا القصد والنائل الوفر
للشاعر عبد الغفار الأخرس، من قصيدة «قصدت من الزوراء صدرا معظما»
فكنا به كالقلب طول حياتنالنا الصدر دون العالمين أو القبر
للشاعر عبد الغفار الأخرس، من قصيدة «قصدت من الزوراء صدرا معظما»

وشطرهما أيضاً ذو الفطنة الوقادة. والفكرة النقادة. والأخلاق المستجادة. والشرف والسيادة. فخر الملة المحمدية. السيد محمد أمين أفندي واعظ الحضرة القادرية. فقال:

قصدت من الزوراء صدراً معظماًلي السعد في قصدي له ولي الفخر
وجئت إليه قائلاً تحت ظلهوقد سامني ضر وقد ساءني دهر
فقلت لنفسي والرجاء موفرومن يأسها لم يبق في خاطري ذكر
بخس لك يا نفسي بذا القصد إنهلن الصدر دون العالمين أو القبر

وشطره أيضاً بعض ذوي الأدب. ممن كان غريباً هناك من أبناء العرب فقال:

قصدت من الزوراء صدراً معظماًأبى الله أن يحكيه زيد ولا عمرو
فجئت ونيران الأسى في جوانحيوقد سامني ضر وقد ساءني دهر
فقلت لنفسي والرجاء موفروروض أماني القلب جلله القطر
لك الله كفي عن مطامع خسةلنا الصدر دون العالمين أو القبر

) ولما وصلت (المذكرة والبيتان. إلى حضرة الصدر الأعظم السامي علي كيوان. وجه المذكرة إلى مجلس الشورى المعروف بمجلس الأحكام. وأمر بتحرير تذكرة في أمري لحضرة شيخ الإسلام. فحررت تذكرة من قبله لذلك المولى الخطير. وأرسلت لحضرته المنورة ومعها أسفار التفسير. فغم على هلال الجواب شهراً. فبقيت مغموماً لا أسمع شيء من أموري ذكراً. وأنا في تلك الأيام. لم أزل أتردد بلا تردد إلى حضرة شيخ الإسلام. فكان إنصافه يستعطفه علي. ويأخذ بعنان عنايته إلي. فلكم أطار بازي ذهني في جو سماء أبحاث. فعاد إليه بعنقاء غرائب ونسور عجائب مترفعاً عن اصطياد بغاث. ولكم أثار جواد فكري في ميادين مباحث. فأتاه بقصب سبق لم يصل إليه سوانا ثالث. وأكد ذلك الاستعطاف. ما انضم إليه من استعطاف بعض الأجلة الأشراف. وقد كثر مستعطفوه على من ألافه. ولم أر مستعطفاً إياه مثل إنصافه. وأول من عام في لجج الاستعطاف. وقام بترتيب حجج استحقاقي الألطاف. فخر الكتبة والطلبة. ومن عدت صحف أخلاقه مهذبة. عين أحبابي.) راشد أفندي (العينتابي. وهو ممن جاء في معية المرحوم) علي رضا باشا (إلى بغداد. وقد صار مكتوبياً وبقي فيها نحو سنة ثم عاد. وهو اليوم مميز بين كتبة الباب العالي. ومميز عليهم بقلائد أدبه الحالي. وقد جسره على ذلك فأقدم. علمه بفتوة حضرة ولي النعم. وكان ما كان من نصرته. قبل أن يتضح لسواد العين بياض الطريق إلى لثم عتبة محاسن طلعته. فلله تعالى دره من أخ. وحبيب انتصر قبل أن يستصرخ. وممن احتسب إزالة ما يزيد على النصف مما جلب علي من الافتراء. وعرض بنية البيع لدى حضرة شيخ الإسلام وولي النعماء. حضرة من لا يجارى في جده. ولا يبارى في قوة سعده. المنضد أمتعة حسن المعاملة في حجرة وجوده. والمشتري بضائع الأثنية الفاضلة بجواهر لسانه ونقوده. من لم يزل في ازدياد سعده.) عبد القادر باشا (الشهير بزياده زاده. وعظيم شهرته. ويغني عن ترجمته. وقد شمر سلمه الله تعالى عن ساق الاجتهاد. وسعى في الذب عني غاية السعي رعايةً لحقوق صداقة مرت في بغداد. وكان هو أعز من الولد المطيع. عند حضرة شيخ الإسلام. وكان كلامه أحب إليه من أزهار الربيع. إذا توجتها لآلئ حب الغمام. فلو فاجأه بوقوع المستحيل العقلي يصدقه. وإذا ناجاه بتوقيع الأمر الكلي يحققه. كل ذلك لقوة فراسته. ورصانة ديانته.) وبالجملة (لما كثر الاستعطاف في تلك الأيام. ثنى على عنان الشفقة والعناية شيخ الإسلام. وصار جنبه ألين من الخز. وعاد قلبه أصفى من عين الوز. وضمن جواب التذكرة على ما سمعت من مطلع خبير. كلاماً يشرح به فضلي ويرشح منه مدح أسفاراً لتفسيره. حتى أنه قال فيه كلما بالغتم في إكرام هذا الرجل. فهو بالنسبة إلى ما ينبغي له قل من جل. لكنه تحاشى. عن أن يعين معاشا. كأنه خشي عدم نفاد قوله عند ناظر المالية) نافذ باشا (. حيث أنه كان هنالك. خازناً أشد من مالك. لا يبتسم بوجه من الوجوه. ولا يرجع إلا بخيبة من يرجوه. يقول لفقراء العلماء. لا رزق لكم في بيت المال ورزقكم في السماء. ويقابل ذوي الفقر الأسود من المقعدين ببيض الأذى وزرقه. ويتلو عليهم قول رب العالمين) هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه (. ومن سعى إليه من غرباء الغبراء. عدا عليه بقول بعض الشعراء:

جرى قلم القضاء بما يكونفسيان التحرك والسكون
للشاعر ابن هندو، اقرأ القصيدة
جنون منك أن تسعى لرزقويرزق في غشاوته الجنين
للشاعر ابن هندو، اقرأ القصيدة

وكم وقع على عرضحال قديم. إنما الرزق على الله الكريم. وكم قال لكتابه. وهم أن يكتبه على بابه. قولاً لا يدفع البلا. وقول نعم يزيل النعم. وقد أخذ على ما سمعت عهداً من حضرة السلطان. أن لا يغضب عليه إن لم ينفذ أمره بما عز وهان. فكان يعصي أمر سلطانه. ويضيع في كل أمر هوى شيطانه. ومع هذا هو من بيت المال أسرق من برجان. وبين أجلة الرجال أحمق من أبي غبشان. ولذا لم ينص شيخ الإسلام على مقدار معاشي ولم يلتفت إليه. ولقد كان سلمه الله تعالى يخاف على اعتباره من هواء يهب عليه. وعندما حققت الحال. ووقفت على ما لم يمر لي ببال. رفعت أكف الابتهال. وشكوت إلى ربي سبحانه ما لا يقال:

إني لأشكو أموراً لا أعينهاليبرأ الناس من عذري ومن عذلي
كالشمع يبكي ولا يدري أعبرتهمن صحبة النار أم من فرقة العسل
للشاعر إبراهيم الغزي، اقرأ القصيدة

ولما وصل الجواب من حضرة شيخ الإسلام. قدم حسب العادة في مثله إلى مجلس الأحكام. فجعل أمر معاشي بينهم شورى. ومن أهل المدينة من لا يحب أن يصنعوا لسروري سوراً. فحسن لهم حضرة) أحمد بك (نجيب باشا زاده. وكان أحد مشاهير أعضاء المجلس بالفكرة الوقادة. أن يرجعوا لي نصف غلة وقف مرجان. أجرى الله تعالى عليه وظائف البر والإحسان. وأنه ليعلم أنها بأسرها لم تكن تفي. بإذهاب ثلث غلة مصرفي. وإن من يتصحب هوله. لا حق له حسب شرط الواقف في تلك الغلة. ومن علم حاله أصاخ إلى ما تقول جدران المدرسة. لم يبق له في صحة ما قلت وحرمه العلم الشريف وسوسة. وإنما لم يذكر حضرة المشار إليه حقيقة الحال. مع وقوفه عليها من بين أولئك الرجال. لأن نفاق أهل العراق على غبر جنانه. وباطلهم الذي نسبوه إلى غير عن قول الحق لسانه. وقد كنت في العراق أحظى أهله. بجزيل فضله. وأقرب أهل ناديه. إلى جميل أياديه. فلعن الله قوماً حالوا بنفاقهم بيني وبين هذا النجيب. والشهم الذي حاز من سهام المجد المعلى والرقيب. وماذا أقول. وحل عصام الكلام يستدعي عقد فصول. وعلى العلات. خطيئتي في رقاب أبناء المومسات. ولما حسن ما حسن حضرة المشار إليه. استقر رأي أهل المجلس جميعاً عليه. فلخصوا ذلك للمآبين وحصلوا فيه إرادة. وحرروا بعد مضي نحو شهرين فرماناً حسب العادة. وقد حكى لي جميع ما كان. متفضلاً بإعطاء الفرمان. حضرة مفتي الأنام. وشيخ مشايخ الإسلام. فقلت يا سيدي وجلالة قدرك الخطير. إن باعي الطويل عن ذراع ابن زند في أمر الكسب قصير. وأنه ليبتلع الفرات ودجلة. وما يرى على شفتيه بلة. فأخشى أن يبتلعني ونصفي. ويشرب شربة ماء على ملكي ووقفي. فاعفني عن شراكته الخاسرة. ووجهوا بدل معاشي ما شئتم نحو الخزينة العامرة. فقال تكلم. مع حضرة الصدر الأعظم. فذهبت إلى حضرة من افترع بلقيس الشيم. وارتفع قدراً على بساط الكرم. سر عسكر الإسلام سابقاً. وأجل أعضائه مجلس الأحكام لا حقاً. حضرة الوزير الخطير. والمشير الكبير. سليمان باشا. يسر الله تعالى له من جفان جفون الأنظار المجيدية ماشا. وقلما يوجد مثل هذا الوزير في مكارم الأخلاق. وجبر كسر قلوب العباد على اختلاف أصنافهم حسبما يطاق. وهو اليوم والي حلب. وقد حلب لأهلها من در فضله ما حلب. وجلب عليهم من در عدله ما جلب. وله بي بهي احتفال. كما لي به قوي اختصاص من بين أكثر الرجال. فعرضت عليه الأمر بلاً بلا. وشرحت له الحال فصلاً فصلا. وطلبت منه أن حول معاشي نحو الخزنة. وذكرت له أن لي في ذلك منحة عرية عن كل محنة. فقال سأسعى في ذلك جهدي. وأجد في مصلحتك غاية جهدي. فرأيته في اليوم الثاني جنب الصدر يشاوره فغلب على ظني أنه في أمري يحاوره. فالتفت حضرة الصدر بوجهه إلي. وقال جميع ما تريده على الله تعالى ثم علي. وقد جعلت حضرة الباشا من قبلك وكيلاً. فقال المشار إليه أن لي بهذه الوكالة فخراً طويلاً. فدعوت لهما. وشكرت فضلهما. وبعد نحو ثلاثة أشهر تم أمر التحويل على الخزنة. وأزال الله تعالى بنسائم خزائن لطفه على القلب حزنه. ولما وقفت على الفرمان. رأيت فيه إفراز المسقفات من أوقاف مرجان. كأنهم قطنوا بزيادة الإيراد. فضنوا به على مفتي بغداد. حيث أوقفوا على حاله. وقيل لهم أنه يرضى بمجرد المنصب ولو ضم إليه من ماله. وكيف لا يرضى به وهو على كل حال خير من البزازة. وأين قلم الفتوى من ذراع الأندازة. فشق علي والله ذلك. وكنت أحب أن يكون مفتي بغداد خيراً من جميع المفتين في سائر الممالك. وجعلت أثني عليه حسب الغيرة. وأفضله في فنه ولا أفضل عليه غيره. وطفقت أورد لهم أمثالاً جلية. وأباهتهم بالفتاوى البزازية. وأقول قد يكون مفتي دكان. أعلم من قاضي خان. فقالوا حظه ينطقك بهذا الكلام. ويلجئك أن تحر ببيانك الأفهام. ولا بدع في مثل ذلك فقد قالوا:

إذا صدق الجد افترى العم للفتىمكارم لا تحصى وإن كذب الخال
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة

وفي هاتيك الأثناء. فزت بعطية من حضرة ظل الله تعالى على أهل الغبراء. أيده الله تعالى وأبده. وخلد ملكه ونور خلده. ومقدارها خمسة وعشرون ألف قرش استنبولي. وكذا كان مقدار ما عين من بيت المال كل سنة لي. وبلغني أن العطية حين وجهت كانت أقل من هذا المقدار. فأبى ذلك حضرة شيخ الإسلام قائلاً أيعطى أقل مما صرفه حتى أتى هذه الدار. ولو أنه نفذ في أمري أمر نافد باشا. ما كنت رأيت عطية أصلاً ولا معاشاً. ولقد سعى لأسعى في المنع. فمج كلامه في وجهه كل سمع. وما ذلك إلا ببركة خدمتي للقرآن. ونسبتي إلى بضعة سيد الأكوان. صلى الله تعالى عليه وسلم. وأدام علينا بحرمته ديم النعم.) وبينما (أنا في حظيرة حضرة شيخ الإسلام المسامتة للنجوم. ناولني منشور القضاء في جميع أيالة أرزن الروم. فقلت يا ملاذي. إني لأعد المناصب من ملاي. وأن فتوتي لترى من مر القضاء. أن أنكح بعد اليوم فتاة إفتاء أو قضاء.

وشر ما قنصته راحتي قنصشهب البزاة سواء فيه والرحم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «واحر قلباه ممن قلبه شبم»

وقد نزل المشيب بعذاري. وضاقت منه أقطار أوطاري. وانقض بازي الشيب على غراب شبابي فقنصه. وألقى جواد العقل على ظهره فارس أملي فدق عنقه ووقصه. بل لا يليق بمثلي. ومن حكى شكله شكلي. أن يستعمل طرفاً طماحاً. أو يركب طرفاً جماحاً. أو يلحف بيض طمع جناحاً. أو يشق لطلب دنيا من شقق البيد وشاحاً. ولولا أمور أبرمت أضمارها. وأحكمت في سري أسرارها. فلا أكاد أحدث بها نفسي أو تحدث الأرض أخبارها. ما كنت لأخرج من قرارة داري. وأدخل في مضايق غربة وسعت أكداري. وبعد أن يسر الله تعالى لي خبزاً آدمه بالقناعة. واحتساء قهوة سحت بكؤوس شريعة غراء. فقال سلمه الله تعالى قضي الأمر. ولا يرد المنشور بنظم أو نثر. فأنب عنك نائباً في أرزن الروم. ولا تأمره بأخذ شيء في هاتيك الحدود من الرسوم. وخذ أنت ما عين في بيت المال من الشهرية. ومبلغها في السنة ثلاثون ألفاً من القروش الرومية. ثم قال. سلمه الله تعالى المتعال. هذا ما وفقت له في رفدك. وإعانتك في مارف مجيئك وعودك. وكان علي أن أعلي رتبتك. فأغلي بين الأقران قيمتك. ألا أنه حق القول من حضرة السلطان. أن لا تعطى رتبة مخرج لمن خرج من إسلامبول من أهل البلدان. فإن كنت تعزم على الإقامة بالقسطنطينية. أوجه لك في مجلسي هذا ما تقصر عنه أيدي الأمنية. فقلت يا مولاي من العجب بناء حركة رتبتي على السكون. فقال نعم لا تحرك حتى تسكن. فقلت يا مولاي دون الإقامة. أهوال يوم القيامة. وكيف أترك أهلاً وأوطاناً. أم كيف ألتذ برفعة في غير بلدتي ولو أضحيت سلطاناً. فقال لم يبق في بلدتك أنيس. إلا اليعافير وإلا العيس. وإن زئير آساد المحن. زلزل أطراف ناديها. وصرير صعار الفتن جلجل أكناف واديها. فلو وقع عليها طرف لبيب ذي اعتبار. لحكم بلا خوف ولا تكذيب أنها جوف حمار. فقلت يا مولاي أنا مشغوف بترابها. فضلاً عمن حل برحابها. شج بماها. فضلاً عن لمى دماها. مغرم بطيب نسيمها. فضلاً عن نكهة ريمها. مع أني كم تجرعت في رحابها صابا. وقاسيت من أنياب كلابها عذابا. فقال هذا والعياذ بالله تعالى داء. فقلت نعم وأسأل الله ﷿ الشفاء. ثم أني حيث رفعت مرحمته عني الحرج. ناقشته في أمر منع رتبة المخرج عمن خرج. واعترضت عليه بما وقع في تلك الأثناء. للشامي الجابي الذي كان قاضياً في الزوراء. فإنه فتح له باب المخرج. وقيل له دونك ولا تحرج. فاحتسى منه معقة المأمول. من غير أن يشرطوا عليه الإقامة في إسلامبول. فأطال أطال الله عمره في ذلك جوابه. فحبست لسان الاعتراض عليه في فم المهابة. وقلت في نفسي. وأكاد أخفيه عن حسي:

أهابك أن أجيبك لا لعجزولكن لمخافة أسكتتني

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «غرائب الاغتراب ونزهة الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.