تجاوز إلى المحتوى

من «غرائب الاغتراب ونزهة الألباب» لشهاب الدين الألوسي (ت ١٢٧٠هـ)

فاتحة الكتاب (٢) (٢)

ومثله قوله:

لقد طفت في تلك المدارس كلهاوسرحت طرفي بين تلك المدارس
فلم أر إلا خرداً حول واعظلهن ينادي شرح جمع الجوى معي

وقوله:

لقد طفت في تلك المدارس كلهاوسرحت طرفي في حمى كل تكية
فلم أر إلا واضعاً حب دينهعلى فخه أو صافعاً صدر رحلة

ولا تخلو هذه الأبيات عن مجازفة واعتساف. وخروج بين عن دائرة الإنصاف. فالحق أن في مدرسيهم علماء محققين. بيد أن أكثرهم اليوم غير منصفين. وكذا في مرشديهم فحول. نعم يوجد في التكايا عور عن الإرشاد أولاً فحول. وعلى هذا القياس. وعاظ الناس. وهكذا الشأن. في معظم البلدان. فأي بلدة كل تكياتها مقاعد صدق وإجلال. ومعاقد ألوية أقطاب وأبدال. وأي مملكة كل مدرسيها أجلة. وهل تبدو الأقمار قبل أن تبدو أهلة. وأي الأمصار. كل من وعاظه ابن الجوزي أو ابن عمار. وقد نسجت هذه الأبيات على منوال بيتين للإمام. هما الحقيقتان بالقول عند ذوي الاستدلال من العلماء الأعلام. وهما:

لقد طفت في تلك المعاهد كلهاوسرحت طرفي بين تلك المعالم
للشاعر الأبيوردي، من قصيدة «لقد طفت في تلك المعاهد كلها»
فلم أر إلا واضعاً كف حائرعلى ذقن أو قارعاً سن نادم
للشاعر ابن سينا، من قصيدة «لقد طفت في تلك المعاهد كلها»

ثم أن هذا الوكيل الأصيل. والجليل النبيل. لما رأى حضرة السلطان فضله. نصبه من بين الأقران معلماً له. فخلع نفسه من هاتيك الوكالة. وزهد فيها زهد الحجاج في تبالة. ودعى إليها رجل فضله مسلم الثبوت. يدعى يحيى أفندي فكاد من غمه يموت. وقد سمعته يقول لشيخ الإسلام. أيليق هذا بذا ويضع يده على شيب كالثغام. فقلت له يا مولاي إن كان هذا مما يرضي رب الأرباب. فهو كما لا يخفك لذا الشيب الطاهر نعم الخضاب. وإن كان من الكبار أو اللمم. فكيف يدعوك إليه شيخ الإسلام ومرشد الأمم. فقال هو طلعة. لو أقيم عرياً عن بشاعة. ولعمرك أن هذه الإقامة. متعذرة إلى أن يقوم مؤذن القيامة. فدعى إليها رجل فضله على ما يزعمون جلي. يدعى بين الناس بمصطفى أفندي الودين لي. فجاء يتعثر بأذيال السرور. ويود لو طار بأجنحة النسور. فقبل يد شيخ الإسلام وقبل منه الوكالة. وحل في الحال بأنامل الشكر من جراب أدعيته الوكالة. وسيأتي إن شاء الله تعالى ترجمة هذين الرجلين. وأسأل الله تعالى أن لا يذيق لسان قلمي صاب افتراء ومين. والله سبحانه الموفق للصواب. ومنه المبدأ وإليه المآب.

) ومنهم الفاضل الأوحدي. ذو الجناحين حضرة يحيى أفندي (. وهذا أحد الرجلين اللذين وعدناك آنفاً بترجمتيهما. وذكر ما وقفنا عليه سماعاً ومشاهدةً من صفتيهما. واشتهر هذا الفاضل بمعلم أولاد نجيب باشا. وكان قد ربط له بسبب التعليم مسكنا وكسوة ومعاشاً. وهو رجل قد ناهز القبضة. وسطا عليه الدهر بكلكلة ورضة. له انتساب إلى الطريقة النقشبندية. وانسلاك في سلك الطائفة الخالدية. واطلاع على مغزى السادة الصوفية. وعروج إلى حظائر مقاصدهم القدسية. وتضلع من علمي المنقول والمعقول. وانهماك في علمي الفروع والأصول. وهو من التواضع على جانب عظيم. ومن الشفقة على أهل العلم ما يظن معها أنه أب حميم. وفيمن أجازهم كثرة. حيث انه أجاز على القانون المقرر هناك غير مرة. والمشهور أنه اليوم أعلم المدرسين. وأنا أقول أنه اجتمع فيه من المحاسن ما لم يجتمع فيهم أجمعين. وقد اجتمعت به مراراً. فرأيت سحائب محاوراته بوابل العلم غزاراً. وكان إذا سألنا في مجلس لا يسبقني بجواب. ويسبل على عوراء جوابي بكرمه أضفى نقاب. وكان ذا ديانة وعفة نفس. ويشهد لذلك طي كشحه عن قبوله وكالة الدرس. وبالجملة كان بالفضل مشهوراً. وعن لذائذ الدنيا الدنية حصوراً. كثر الله تعالى في العلماء أمثاله. وأدام على طلبة العلم أفضاله.

) ومنهم ذو الفضل الجليل الجلي. حضرة إسماعيل أفندي الأقسقه لي (نسبة تركية إلى أقسقه بفتح الهمزة وكسر القاف الأولى وسكون السين المهملة وفتح القاف الثانية وهاء آخره. ممالك كرجستان التي فاقت نساؤها في جهاد الأرس رجال أكثر البلدان. ومن هنا يقال له كرج إسماعيل أفندي على معنى أنه من ذلك الإقليم وليس المراد أنه كرجي بالمعنى المعروف عندنا. وقد استولى الأرس على أقسقه زمن المرحوم السلطان محمود خان. ولم ينفع جهاد أهلها الذي لم يسبق مثله فهي اليوم تحت تصرفهم. وهي قريبة من أرزن الروم مثل كركوك من بغداد. وأظن هذا الرجل هاجر منها بعد استيلاء الكفرة عليها إلى إسلامبول. وهو شيخ فاضل. وعالم عامل. ذو عفة مع فقر حال. وغناء نفس مع كثرة عيال. لا يداهن أهل الدنيا. ولا يخطر بباله بالذل طلب الرتب العليا. يقول لسان حاله. مخالفاً لقال أمثاله:

لا أبتغي الرتبة القعسا وسلمهانقصي ولو خدمتني السبعة أشهب
وأبتغي عز نفسي في مذلتهاوأيمن الله هذا المطمع العجب

وإذا أرشد إلى تكثير المال. بالخضوع للرجال. أنشد لسان حاله أيضاً وقال:

وقالوا توصل بالخضوع إلى الغنىوما علموا أن الخضوع هو الفقر
للشاعر أبو الحسن الجرجاني، اقرأ القصيدة
وبيني وبين المال شيئان حرماعلى الغني نفس الأبية والدهر
وإن قيل هذا المال أبصرت دونهمواقف خير من وقوفي بها العفر

وهو اليوم يصدح بالحق ويصدع. ويأمر بالمعروف نفع أم لم ينفع. مشغول طول نهاره بنشر العلوم. وقائم على ساق العبادة إذا تغورت النجوم. وإذا قام إلى صلوة ارتدى بأردية ضافية من خضوع وخشوع. وائتزر بميازر طويلة الذيل من سجود وركوع. وهي بمجموعها تكاد لطولها تزاحم الكواكب بالمناكب. ولولا الغلو لقلت أن بين أحرامها وركوعها كما بين المشارق والمغارب. وأني لأقسم ب) والليل إذا عسعس. والصبح إذا تنفس (أني ما رأيت أتم من صلاته فيمن طلب العلم في فروق ودرس. فأنهم وإن كانوا نسور علم ينقرون في صلاتهم نقر الديك. فكل من أركانها وحرمة ورق بيت الحرام كبيت العنكبوت واهن ركيك. وبين أحرامها وسلامها. كما بين الكف وسلامها. فإذا صلى أحدهم لا يكاد يعلم. أأحرم بالصلوة أم سلم. وبالجملة لا يكاد يحنث من حلف. أن نظيره أعز من الإكسير فيمن خلف. ويكاد أن تكون النسبة بينه وبين معظم المدرسين المباينة. وتفصيل هذا الإجمال طويل وليس الخبر كالمعاينة. وقد دعاني ليلة إلى عشه. فرأيته كما يحكى عن السلف في عيشه وفرشه. كان الله تعالى لنا وله. وأسبغ سبحانه على كل منا فضله.

) ومنهم تذكرة العلامة الثاني. حضرة حسين أفندي الداغستاني (وهو شيخ قد حدب. وأكل الدهر عليه وشرب. وكاد يقطع عنه طله. ويمح بلعاب أصباحه ظله. جاء زمن السلطان الغازي محمود خان. مهاجراً إلى إسلامبول. فأكرم عليه الرحمة هجرته ووصله بغاية المأمول. حيث رآه قد استحال فضلاً. وعلا بالمحاسن محلاً. وقد رأيته أنا ذا اطلاع تام على دقائق المعقول. ومشاركة كاملة في حقائق المنقول. تكرمه الرجال وتحترمه. وتواصل إعظامه ولا نحترمه. يستحي من ظله. ويغض طرفه حياءً حتى عن أهله. يتقاطر وجهه نوراً. ويزيدك النظر إليه سروراً. واتفق أن جاءني زائراً. ولقلبي الكسير جابراً. فقلت له يا سيدي أنا أولى بأن أجيء أولاً لزيارتك. وأتشرف بتقبيل عتبة مدرستك. فلم يا مولاي سبقتني. وبمزيد لطفك أخجلتني. فقال أشكل علي أمر الاستثناء في قوله تعالى) فأما الذين شقوا ففي النار (الآيتين. فراجعت تفسير البيضاوي عليه الرحمة فلم أر فيه ما تقر به العين. فراجعت تفسيرك روح المعاني. فوجدت فيه ما أراحني مما عناني. فكان حقاً علي أن أزورك ولو سعياً على رأسي. وأزيل بزلال رؤيتك أوام نفسي. فرأيت منه إنصافاً. لا يوجد مثله عند مدرس هناك وإن صافا. وكان الذي ذكرته كلام بعض العلماء الأعاظم. وقد سبقه إليه محيي السنة البغوي في المعالم. ونص ذلك بعد ذكر الآيتين) اختلفت (أقوال العلماء. في توجيه هذا الاستثناء. على وجه يندفع به احتجاج أهل الأهواء. والذي يلوح لذهني الكليل. والله سبحانه أعلم بمعاني التنزيل. أن الاستثناء في الموضعين مبني على الفرض والتقدير. والمعنى إلا ما شاء الله أي إن شاء أي لو فرض أن الله تعالى شاء إخراجهم من النار أو الجنة في زمان لكان مستثنى من مدة خلودهم. وإن كان ذلك لا يقع البتة لدلالة القواطع على نفي وقوعه.) ثم النكتة (في هذا الاستثناء والله تعالى أعلم إرشاد العباد إلى تفويض الأمور إليه تعالى وإعلامهم بأنها منوطة بمشيئته ﷿ يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. لا حق لأحد عليه ولا يجب عليه شيء كما قال سبحانه) فعال لما يريد (. وعلى هذا يكون المراد بالذين شقوا الكفار فقط فإنهم الأحقاء بهذا الاسم على الحقيقة. وبالذين سعدوا المؤمنين كافة مطيعهم وعاصيهم فيكون التقسيم في قوله تعالى فمنهم شقي وسعيد للانفصال الحقيقي ولا ينافيه قوله تعالى ففي الجنة لأنه يصدق بالدخول في الجملة. ولعل هذا التأويل هو الحق الذي لا معدل عنه إن شاء الله تعالى اه) وأنا أقول الآن (. ينبغي أن يحمل على هذا ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في تفسير آية الأنعام) ويوم نحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك عليم حكيم (. ففي تفسير علي بن طلحة عنه أنه قال في تفسيرها لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله تعالى في خلقه ولا ينزلهم جنة ولا ناراً. وقال الطبراني وروي عن ابن عباس. أنه كان يتأول في هذا الاستثناء. أن الله ﷿ جعل أمر هؤلاء في مبلغ عذابه إياهم إلى مشيئته. لا على معنى تحقق مشيئة الخروج فإن ذلك خارج عن مقتضى ما جاء به الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم. وأجمع عليه أهل السنة. ولعل ما أخرجه عبد بن حميد في تفسيره من رواية الحسن عن عمر رضي الله تعالى عنه لو لبث أهل النار في النار عدد رمل عالج لكان لهم يوم يخرجون فيه. فخبر منقطع لا يصلح أن يعول عليه. ولو ثبت يلزم أن يحمل أهل النار فيه على الموحدين. وكذا في حديث ابن مسعود الذي رواه عنه عبيد بن معاذ ليأتين عليها زمان ليس فيها أحد أو يراد بالنار في ذلك جهنم وهي الدرار الأعلى الذي فيه العصاة من المؤمنين فقد ورد أن جهنم لا يبقى فيها أحد وأنها ينبت في قعرها الجرجير. وما شاع عن الشيخ الأكبر قدس سره من القول بعدم خلود الكفار وانقطاع العذاب عنهم بالكلية فقد أنكره بعض الصحابة وقال أنه إنما ذهب إلى انقطاع العذاب على الوجه المخصوص أعني ما أشار له قوله تعالى) ففي النار لهم فيها زفير وشهيق (. وجعل الاستثناء من الخلود على هذا الوجه فالمعنى إلا ما شاء ربك فلا يكونون خالدين فيها على الوجه الذي هو أن يكون لهم فيها زفير وشهيق. بل خالدين فيها أما على وجه آخر من العذاب كتوقع العذاب مع

ارتفاعه حساً أو على وجه يحجبون عن خوف التوقع. قال وكل من الاحتمالين واقع في بعض الأوقات مع عود العذاب بعد ذلك. ونقله عن كتابه قدس سره إبداء النعمة. بتحقيق سبق الرحمة. ونقل عنه أيضاً أن قوله تعالى لا يقضي عليهم فيموتوا. ولا يخفف عنهم من عذابهم. وما في معناه إخبار عن حالهم في مدة الانتقال فلا ينافي التخفيف بعد انقضاء أمده بمقتضى الرحمة السابقة اه) وأقول (قد نقل الكوراني في مشرع الورود. إلى مطلع الجود. عن البيهقي أنه قال يجوز أن يخفف عن الكفار من العذاب الذي يستوجبونه على ما ارتكبوه من الجرائم بما عملوه من الخيرات اه وعليه فمتى جاز التخفيف بالعمل جاز التخفيف بالرحمة السابقة) ثم (أن ظاهر كلام العلامة ابن القيم في كتابه شفاء العليل إبقاء كلام الحبر على ظاهره حيث قال بعد نقله. وهذا التفسير عن ابن عباس يبطل قول من تأول الآية على أن معناها سوى ما شاء الله من نوع العذاب أو قال المعنى إلا مدة مقامه قبل الدخول. من حيث بعثوا إلى أن دخلوا أو أنها في أهل القبلة وهذه كلها تأويلات باردة ركيكة لا تليق بالآية انتهى فتأمل ولا تغفل. ثم اعلم أن الشيخ إسماعيل حقي ذكر في كتابه الفيض عن شيخه الشيخ عثمان أن الله تعالى إنما يعذب الكفار في النار بما يطيقون وأنه استدل على ذلك بقوله تعالى لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ولم أر ذلك لغيره فتأمله وتأمل استدلاله. وإنما ذكرت ما ذكرت لشدة مناسبته لما ذكرته في تفسير الآية مع ما فيه من الغرابة وتوهين أمر الاعتراض على الشيخ الأكبر قدس سره حيث تضمن الإشارة إلى عدم الجزع بما شاع عنه من القول بعدم خلود الكفار لكن رأيت أنا في بعض كتبه أن السور الذي يضرب بين الجنة والنار يهدم حيث شاء الله تعالى فتتحد الداران ويبقى أهل النار في أماكنهم منعمين ولا يقصر نعيمهم عن نعيم أهل الجنة أو ما هذا معناه. وقد أجاب النابلسي عن ذلك بما أجاب. والله تعالى أعلم وهو الموفق للصواب.) ومما اتفق (لهذا الفاضل المترجم. صانه الله تعالى من كل مكروه وسلم. أنه حضر درس الحضور في العشر الأول من رمضان. زمن السلطان الغازي المرحوم محمد خان. فأمر أن يكون هو المقرر. وأمر الشهرلي السيد حافظ أفندي أن يكون المعترض والمنقر. وكانت الآية التي فيها يبحثون. قوله تعالى) وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون (فلما شرع في التفسير. وخاض في ساحل التقرير. قال له يا بحر العلم وعبابه. ما الفرق بين التوبة والإنابة. فاختطفت هيبة المجلس من يده الجواب. وأخذت الدهشة بفيه فلم ينطق بخطأ ولا صواب. فاعتراه من الخجل. ما لا يعلمه إلا الله ﷿. فقام بدمع سائل. وقلب منكسر على ذلك السائل. وكم قد سئل في ذلك المجلس عالم فعجز عن الجواب. وقام وعليه من الاكتئاب أضفى جلباب. والإنصاف أن مثل هذا العجز لا يضر بصدور العلماء. فعلم كل شيء مخصوص برب الأرض والسماء. وقد اختلفوا في جواب هذا السؤال. فمن قائل لا فرق بين التوبة والإنابة بحال من الأحوال. ومثلهما الأوبة. فهي أخت الإنابة والتوبة. ومن قائل أن الإنابة أعلى رتبة من التوبة. لما فيها ما فيها. مع اتخاذ العبد مولاه وكيلاً في جميع أمره. فكأنه أنابه عنه في ذلك فلا يحتاج إلى ما يختاره في جهره وسره. والأوبة أعم منهما وشاملة لهما. ومن قائل أن في التوبة رجوعاً إليه تعالى رغبة في ثواب ورهبة. وفي الإنابة رجوعاً إليه تعالى تشرفاً بعبادته أو قبولاً لتكاليفه أو لغرض من الأغراض غير الرغبة والرهبة. وفي الأوبة رجوعاً إليه سبحانه بمجرد الحب والاستحقاق الذاتي كأوبة المسافر إلى وطنه حباً له وإن لم يكن له فيه أهل أو ولد فالتوبة للعوام. والإنابة للمتوسطين وإن شئت فقل للخواص. والأوبة للخواص. وإن شئت قلت لخواص الخواص. ونظير ذلك ما قيل في العبادة والعبودية والعبودة. ومنهم من عكس في التفرقة بين الإنابة والأوبة ومن قائل غير ذلك. وإثبات الفرق لغة أصعب من خرط القتاد ولا مشاحة في الاصطلاح. والتفنن في التعبير من سنن القرآن العظيم. وأظن أن في إحياء العلوم وعوارف المعارف ما يتعلق بذلك. فارجع إليهما والله تعالى الموفق. ثم أن هذا الفاضل المومى إليه. لا زالت طلبة العلوم عاكفة عليه. معلم اليوم في بعض المكاتب الجديدة. وعيشه بين أمثاله في الجماعة حميدة. وقد أجازني بجميع

مروياته. وكتب لي في ذلك أبياتاً من منشآته. وقد ضاعت مني جزاء الله تعالى خير الجزاء عني.

) ومنهم ذو الحظ الجلي. مصطفى أفندي الودين لي (نسبة تركية إلى ودين بكسر الواو والدال المهملة بعدها ياء مثناة تحتية مكسورة بعدها نون بلدة محكمة رصينة واقعة على ساحل نهر طونة تشتمل اليوم على نحو عشرين ألف نفس. وهذا ثاني الرجلين اللذين وعدنا بترجمتيهما. وبيان صفتيهما. وهو وكيل الدرس اليوم. وله شهرة تامة بين القوم. وقد أجمعوا على أنه في المجالس بأقل. وفي المدارس سحبان وائل. وقد اجتمعت به مراراً فلم أشم منه رائحة العلوم. مع أني بفضل الله تعالى لست بالمزكوم. ولم أجتمع به في مدرسة. ولا سمعت تقريره ودرسه. نعم اجتمعت به عند حضرة شيخ الإسلام. فجرى بحث ما قاله في دلالة القرآن العلماء الأعلام. فقلت أنه قال غير واحد القرآن قطعي الورود ظني الدلالة. فقال لي قد غلطت في نقلك. وصدر منك ما لا ينبغي أن يصدر من مثلك. فقلت ما الذي صدر. ومعاذ الله تعالى أن أجيء بالصقر والبقر. فقال أنهم يقولون القرآن قطعي الثبوت. وأنت قلت قطعي الورود. فكان يلزمك أن تقول كما قالوا ولا تعدل إلى لفظ غير معهود. فتبسمت من قوله. وعجبت من ذلك على ما يزعمون من فضله. فقلت لا حظر علي في تغيير التعبير. ورواية الحديث بالمعنى جائزة للعالم البصير. على أنه إن أردت بضمير الجمع. في أنهم يقولون جميع العلماء فهو في حيز المنع. والاستقراء التام. ما لا يكاد يتحقق في مثل هذا المقام. وإن أردت بعض العلماء. فذاك مما ليس لك فيه غناء. على أن اللائق بمثلك. والأهم لمن فضله كفضلك. أن يتكلم في تحقيق هذا المطلب. وتمييز الأصوب فيه عن غير الأصوب. فإن كون القرآن ظني الدلالة يقتضي تقديم الدليل العقلي على السمعي. والحال قد قال الشيخ الأكبر قدس سره:

على السمع عوننا فكنا أولي النهىولا علم فيما لا يكون عن السمع

وقال أيضاً:

فقل لعقلي اقصر فنقلييهدي إلى العلم والرشاد

وقال أيضاً:

كيف للعقل دليل والذيقد بناه العقل بالكشف انهدم
فنجاة النفس في الشرع فلاتك إنساناً رأى ثم حرم
واعتصم بالشرع في الكشف فقدفاز بالخير عبيد قد عصم
أهمل الفكر ولا تحفل بهواتركنه مثل لحم في وضم
إن للفكر مقاماً فاعتضدبه فيه تك شخصاً قد رحم
كل علم يشهد الشرع لههو علم فيه فلتعتصم
وإذا خالفه العقل فقلطورك الزم ما لكم فيه قدم

فما نطق الرجل بشيء ولا فاه. وكسا بلثام من السكوت فاه. بيد أني استشعرت منه أنه لا يقول بإطلاق الظنية. وهو مشعر بأن به خبرة ما في مثل هذه المطالب العلية. وإن أردت ما قيل في هذا المقام. فاستمع لما نتلوه عليك من كلام العلماء الأعلام. قال) في المواقف وشرحه (الدلائل النقلية هل تفيد اليقين بما يستدل بها عليه من المطالب أولاً قيل لا تفيده وهو مذهب المعتزلة وجمهور الأشاعرة لتوقفه على العلم بالوضع أي وضع الألفاظ المنقولة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بازاء معانٍ مخصوصة وعلى العلم بالإرادة أي بأن تلك المعاني مرادة له وكل منهما يتوقف على أمور كلها ظنية. ثم بعد هذين الأمرين لا بد من العلم بعدم المعارض العقلي الدال على نقيض ما دل عليه الدليل النقلي إذ لو وجد ذلك المعارض لتقدم على الدليل النقلي قطعاً بأن يؤول النقلي عن معناه إلى معنى آخر. مثاله قوله تعالى:) الرحمن على العرش استوى (فإنه يدل على الجلوس وقد عارضه الدليل العقلي الدال على استحالة الجلوس في حقه تعالى فيؤول الاستواء على العرش بالاستيلاء إذ لا يمكن العمل بهما ولا بنقيضيهما وتقديم النقل على العقل إبطال للأصل بالفرع وفيه إبطال الفرع وإذا أدى إثبات الشيء إلى إبطاله كان مناقضاً لنفسه وكان باطلاً لكن عدم المعارض العقلي غير يقيني إذاً لغاية عدم الوجدان وهو لا يفيد القطع بعدم الوجود. فقد تحقق أن دلالتها تتوقف على أمور ظنية فيكون دلالتها أيضاً ظنية. لأن الفرع لا يزيد على الأصل في القوة. قال والحق أنها قد تفيد اليقين في الشرعيات بقرائن مشاهدة أو متواترة تدل على انتفاء الاحتمالات المذكورة فإنا نعلم استعمال لفظ الأرض والسماء ونحوهما من الألفاظ المشهورة المتداولة فيما بين جميع أهل اللغة في زمن الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم في معانيها التي تراد منها الآن والتشكيك فيه سفسطة لا لشبهة في بطلانها. وكذا الحال في صيغة الماضي والمضارع والأمر واسم الفاعل وغيرها فإنها معلومة الاستعمال في ذلك الزمان فيما يراد منها في زماننا. وكذا رفع الفاعل ونصب المفعول وجر المضاف إليه مما علم معانيها قطعاً فإذا انضم إلى مثل هذه الألفاظ قرائن مشاهدة أو منقولة تواتراً تحقق العلم بالوضع والإرادة وانتفت تلك الاحتمالات. وأما عدم العارض العقلي فيعلم من صدق القائل فإنه إذا تعين المعنى وكان مراداً له فلو كان هناك معارض عقلي لزم كذبه) نعم (في إفادتها اليقين في العقليات نظر لأن كونها مفيدة لليقين مبني على أنه هل يحصل بمجردها أي بمجرد الدلائل العقلية والنظر فيها وكون قائلها صادقاً الجزم بعدم المعارض العقلي وأنه أهل للقرينة التي تشاهد أو تنقل تواتراً مدخل في ذلك أي الجزم بعدم المعارض العقلي وهما أي حصول ذلك الجزم بمجردها ومدخلية القرينة فيه مما لا يمكن الجزم بأحد طرفيه أي النفي والإثبات فلا جرم كانت إفادتها اليقين في العقليات محل نظر وتأمل) فإن قلت (إذا كان صدق القائل مجزوماً به لزم منه الجزم بعدم المعارض في العقليات كما لزم منه في الشرعيات وإلا احتمل كلامه الكذب فيهما فلا فرق بينهما) قلت (المراد بالشرعيات أمور يجزم العقل بإمكانها ثبوتاً وانتفاءً ولا طريق له إليها وبالعقليات ما ليس كذلك وحينئذ جاز أن يكون من الممتنعات فلأجل هذا الاحتمال ربما لم يحصل الجزم بعدم المعارض العقلي للدليل النقلي في العقليات وإن حصل الجزم به في الشرعيات وذلك بخلاف الأدلة العقلية في العقليات فإنها بمجردها تفيد الجزم بعدم المعارض لأنها مركبة من مقدمات علم بالبداهة صحتها أو علم بالبداهة لزومها مما علم صحته بالبداهة وحينئذ يستحيل أن يوجد ما يعارضها لأن الأحكام البديهية لا تعارض بحسب نفس أمر أصلاً انتهى.) قال الفاضل حسن جلبي الرومي (في حاشية المواقف عند قوله قدس سره وحينئذ جاز أن يكون من الممتنعات هاهنا بحث مشهور: وهو أن المعنى بعدم المعارض العقلي في الشرعيات صدق القائل وهو قائم في العقليات أيضاً وما يحكم العقل بإمكانه ثبوتاً أو انتفاءً لا يلزم أن يكون من الممتنعات لجواز إمكانه الحافي من العقل فينبغي أن يحمل كل ما علم أن الشرع نطق به على هذا القسم لئلا يلزم كذبه وإبطال ما قطع النقل بصدقه فالحق أن النقلي يفيد القطع في العقليات أيضاً ولا مخلص إلا بأن يقال مراد

الشارح النظر في الأدلة نفسها والقرائن في الشرعيات تفيد الجزم بعدم المعارض لأجل إفادة الإرادة من القائل الصادق جزماً. وفي العقليات إفادته الجزم بعدمه محل نظر. بناءً على أنه ليس على هذا للذكي مزيد.) واجتمعت به مرة أخرى (عند المشار إليه لا زالت أنهار العلم جارية لديه. فألقى بحثاً في البين على ما هو العادة. فترجم هذا المترجم كلامي فيه بالتركية وأعاده. فلسرعة فهمه وانتقاله. علمت أن له فضة تزيد على فضة أمثاله. لا سيما والمسألة من فقه الشافعية. وفهم مقاصده بمراحل عن أذهان علماء القسطنطينية. وسيأتي ذلك آخر الكتاب. إن شاء الله تعالى الملك الوهاب.) وبالجملة (لا يخلو الرجل عن معرفة ببعض العلوم. غير أن له عجباً بنفسه يزاحم مناكب النجوم. وأنه دون العلماء المشهورين هناك في الأخلاق. بل لم أر مثله في كبر النفس بين من رأيت من علماء الآفاق. وخير ما فيه أن له انكباباً على التدريس. فيكاد يضيق وقته لسعة اشتغاله به عن المنادمة مع الجليس. وهو اليوم مع كونه وكيل الدرس مدرس مدرسة السلطان عبد الحميد. وكان ذا معيشة ضنكا فأضحى في عيش حميد. ولا أقول جن له الدهر. فالكثير في حق العلماء كيفما كانوا نزر. أسأل الله تعالى أن يحسن خلقه. ويكثر لكل منا رزقه.) ولقد اجتمعت (بآخرين من العلماء. ولكنهم في العلم دون هؤلاء. ولو ذكرتهم لمل من الطول مقالي. على أن أسماء كثير منهم قد أفلت من سماء خيالي. وقد استأنست ببعضهم جداً. ورأيت فيه من مكارم الأخلاق ما لم أستطع له عداً.) واجتمعت (أيضاً بمشائخ صادقين وكاذبين. وآخرين بين ذلك مذبذبين. ومن أصدق من اجتمعت به. ووددت لو انتظمت في سلك صحبه. روض أنوار سروري.) حضرة مطلع الأنوار الإلهية الشيخ نوري (. وأعني به سيدي وسندي. المرشد بالتكية الشهيرة بتكية يحيى أفندي. وهي كنار على علم عليها من الجلالة غواش. واقعة في الساحل قرب سراي السلطان في سمت بشك طاش. وهو رجل على ما أخبرني من أفراخ حضرة الباز. وقد حلق على ما أحسست في جو كل حقيقة ومجاز. وأخلاقه تشهد بصحة نسبه. ولا تبقى غبار شبهة لمشتبه. تقبل الرجال يديه ورجليه. وهو لا يعد ذلك إلا نحو قذى في عينيه. ورأيته يسلك المريدين في الطريقة النقشبندية. مع أنه من السلالة القادرية. وما ذاك إلا لاتحاد منتهى المسعى. وإن إلى ربك الرجعى.) نعم (اختلف ذوو العرفان. فمن قائل ماء ولا كصداء ومرعى ولا كالسعدان. وأنا عبد على الحقيقة. لصادقي في كل طريقة. وأني لأعد ذلك مجداً. وأكاد أطأ بأخمصي الثريا إذا قلت عبداً.

) وممن اجتمعت به ليث غابة الصلاح المزري بليث الوغا. حضرة الشيخ الشهير بحاج عارف أغا (كان في سالف الزمان. عربه جي باشي عند المرحوم السلطان الغازي محمود خان. فدعاه للعمل بمقتضى ما وضعه من القوانين بعد حادثة بني الأصفر. فقال لا أفعل ذلك أبداً ولو ارتديت أردية الموت الأحمر. فترك خدمة عربته. واشتغل بمحو خطيئته بمياه عبرته. واعتاض عن درهم سلطانه. بدينار ربه وإحسانه. وقام نشطاً لخدمة مولاه. شاكراً على توفيقه سبحانه إياه.

وإذا حلت الهداية قلباًنشطت للعبادة الأعضاء
للشاعر أمين الجندي، اقرأ القصيدة

فهو منقطع للعبادة الآن. في زاوية تجاه باب جامع السلطان أحمد خان. قرب العمود المصور. الذي ذكرناه فيما مر. وقد غدا للمجاذيب مغناطيساً. ولهم بعد الله ﷿ أنيساً. فما من مجذوب في إسلامبول كائناً من كان. إلا وهو آتٍ لزيارته كما يأتي السمك لزيارة صخرة حقلان. بيد أن هاتيك الصخرة. يزورها السمك في السنة مرة. وهو مزور كل مجذوب. في كل يوم عند الطلوع والغروب. فكان رسوله إليهم الشمس في طلوعها وغروبها. أو الريح في سكونها وهبوبها. وكذا فقراء الغرباء إليه يهرعون. وفي رياض إكرامه يرتعون. ومن حياض أنعامه يترعون. وهو في كثرة السيب. كأنما ينفق من جيب الغيب. وقد رأيته فيما سلكه. لم ينصب دينه لدنياه شبكة. ولو كانت الدنيا له عشيقة. ما طلقها ونكح بدلها الطريقة. وقد رأيت معظم مشائخ إسلامبول. يبيعون المنصب للمعزول. يأتون إليه فيقولون هل لك أن تعطينا كذا مقداراً من ذهبك. فنعيدك بالهمة القلبية إلى ما كنت فيه من ذاهب منصبك. وإن لم يتيسر ذلك. أعطيناك منصباً غيره أعلى من السماك. ومجانين المناصب. ملء المشارق والمغارب. فيساندونهم على ما وقع بينهم ودار. فإن صادف القدر ضاعفوا لهم عن طيب نفس ذلك المقدار. وإلا أعطوهم بعض ما وقع عليه الكلام. وعادوا يرجون الهمة منهم في أن يعيدوهم ولو بعد أعوام. وقد يفعلون مثل هذا الفعل الرذل. مع من يروم منصباً لم يكن هو فيه من قبل. واتفق أن كتب بعض الأشهاد. على بيع بعض المشايخ لبعض الناس وزارة بغداد. فاجتهد البائع في أعمال الهمة وجد فما وقع في يد المشتري بعد الجهد الجهيد غير السند. ولم أر عند هذا الشيخ مثل هذه الحيل. نعم عنده مبشرات لمن لاذ به من أهل الدنيا واتصل. ولقد رأيته ذا نفس غنية. قلما يقبل من أحد هدية. وأظنه ضعيف الحال. قد كفي بكف القناعة ذل السؤال. ومع ذا قد شارك الفقراء فيما عنده. ولم يمنع من أتاه مسترفداً رفده. وما أجل القائل. من الأوائل الأفاضل:

وأني لأخفي باطني وهو موجعفينظر مني ظاهري وهو ضاحك
وأسأل عن حالي وبي كل فاقةفأوهم أني للعراقين مالك

وأظن الأجل من هذا القائل من كان في حاله مثله. لكنه كتم أمره فلم يقل في إظهاره قوله. وبالجملة إن هذا الشيخ بالنسبة إلي أكثر من رأيت هناك من الشيوخ. يعد ذا صلاح أخذ بمنطقه الجوزاء مع مزيد استقامة ورسوخ. وقد استجازني ببعض الأحزاب. فأجزته بالشرط المعتبر عند الأصحاب. نسأل الله تعالى أن يجعلنا من العلماء العاملين. ويمن علينا بالكون في معية الصادقين.

) وممن اجتمعت به أيضاً من المشايخ ذو الخلق الوردي. الشيخ المولوي قدرة الله أفندي (وهو شيخ مولوي قد أضعف الكبر في الجملة سمعه. وله تكية في غلتا ترتع فيها ظباء أو أنس كل أسبوع بعد صلوة الجمعة. ولقد حضرنا حلقة ذكره وفيها ولدان بدور. فلولا أن تولى حضرة مولانا تعالى شأنه قلوبنا لكانت الدوائر عليها تدور. ولا غلب الرجال ميل إلى هذا الشيخ كثير. وهو مع المشيخة يكتسب ببيع الأسير. وربما يحضر فيما بين. للاستشفاء بقراءته من نحو وجع رأس أو عين. ويقال أن سبب تسميته بقدرة الله. أنه بعد موت أمه نظر بعين الولادة دنياه. ومن هنا مالت إليه النفوس. ولم يعلموا أن مثله في ذلك أغستوس. وبالجملة قد رأيته ذا أخلاق سنية. كأغلب مشايخ الطريقة المولوية. وليس عنده من المحاسن سوى حسن الأخلاق. ولولا ذلك لكان بينه وبين سائر النخاسين أتم وفاق.

) وممن اجتمعت به أيضاً من المشايخ في ذلك النادي. الشيخ عبد الله أفندي القرغولي البغدادي (. وهو ابن محمد أغا المطاوخي عند) داود باشا (والي بغداد. وعشيرته مشهورة خرج فيها رجال أمجاد. واشتهر بين المطلعين على الأنساب. أنهم جاءوا في معية السلطان مراد إلى تلك الرحاب. فسكنوا في بغداد بأمر السلطان. وأنهم ليسوا من عدنان ولا قحطان. وقد خرج هذا الشيخ شاباً إلى القسطنطينية. فأوصله القدر زمن السلطان الغازي محمود خان إلى الأمنية. فبنى له خانقاه. وأولاه من بره ما أولاه. وهو غلام أنقى من مرآة الغريبة. وله دعوى فيه بين الأتراك أعجب كل عجيبة. نعم هو كريم الأخلاق. كسائر أهل العراق. يجود بالقوت. ولو علم أنه يموت. ولا يمنع عن سائل كسوته. كما لا يمنع عنه كسرته. فيعطيه سترته. ولو رأى الناس عورته. ويذهب مع المستشفعين. ولوالي بلاد الصين. إلا أنه يبيع المناصب لكن بالإشارة. ويمنعه الحياء البغدادي أن يبيع بصريح العبارة. ومجمل ما أقول. أنه خير من كثير مشايخ إسلامبول. إلا أنه بلغني أنه يدعي النسبة إلى حضرة) الباز الأشهب (. وأني لأقسم بحرمة هاتيك الخضرة ما تعبق منه عرق من عبير عنبر ذلك النسب. نعم له انتساب إلى حضرته. من حيث دخوله في طريقته. وذلك أقرب نسب. عند من أحب.

نسب أقرب من شرع الهوىبيننا من نسب من أبوي
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «سائق الأظعان يطوي البيد طي»

وفي إسلامبول ونواحيها. غير واحد من الكذابين يدعيها. ولقد رأيت هناك منهم من لا يشك بغدادي في كذبه. فلم يسعني إلا السكوت عن بيان ما هو الحق في نسبه.

فالناس لا يستطيع مثلي بينهممن نوكهم شرحاً لما قد أبهما

) وقد اجتمعت (بآخرين. معتبرين وغير معتبرين. ولم أر كالمولوية في الأخلاق. فعليهم من دراريها أبهى وشاح ونطاق. وهم في أداء ما يدور على محور الشريعة المحمدية. بكثير دون السادة القادرية والنقشبندية. ولكل متشيخ هناك اعتبار. ولو أنه خمار أو حمار. وقد رأيت شيخ المتشيخين الخمر لا يحط من مقدارهم. ومن الجهلة من يعتقد أن شربهم الحشيشة يظهر درر أسرارهم. وبالجملة لا سلعة أنفق من المشيخة في إسلامبول. وأنها فخ عظيم يصطاد به كل مأمول. لكنها متفاوتة باعتبار الأشخاص. وكم من فرق بين قناص وقناص. وما أظن ذلك الاعتبار إلا من حسن اعتقاد أهل تلك الدار. مع أن معظمهم غريق بحر أمانيه. والغريق يتشبث بالحشيش وما يحاكيه. وحيل المتشيخين على اختلاف طبقاتهم مما تخفى حتى على إبليس. وهي رأس مالهم الذي أثروا به حتى أوثروا على أرباب التدريس. وتلك علة قديمة. ومصيبة والعياذ بالله تعالى عظيمة. وقد ساعد على بقائها في العالم عدم سماع كلام العالم فيهم. حيث توهم جهلة العوام أن ذلك ليس إلا حسداً لهم فيما يأتيهم. ومن أولئك. من يحمله على غرض نفساني غير ذلك. ومنهم من يزعم أن إنكار العلماء الأكابر. لكون أولئك من أهل الباطن وكونهم أنفسهم من أهل الظاهر. وما دروا أن كل باطن يخالف الظاهر. فهو كما قال غير واحد من العارفين باطل ومرتكبه خاسر. وقال الإمام الرباني قدس سره الطريقة لا تخالف الشريعة بمقدار شريعة. ونحو ذلك للعارفين أكثر من أن يحصى. بل قد أنكر العارف الشيخ عبد الوهاب الشعراني. قدس سره النوراني. في كتابه الدرر المنثورة. في بيان زبد العلوم المشهورة. كون علم الصوفية باطناً. قال وما أعلم زبدة التصوف الذي وضع القوم فيه رسائلهم فهو نتيجة العمل بالكتاب والسنة فمن عمل بما علم تكلم بما تكلموا. وصار جميع ما قالوه بعض ما عنده لأنه كلما ترقى العبد في باب الأدب مع الله تعالى دق كلامه على الإفهام. إلى أن قال وهذا هو الذي دعا الفقهاء ونحوهم من أهل الحجاب إلى تسمية علم الصوفية بعلم الباطن وليس ذلك بباطن إذ لباطن إنما هو علم الله تعالى. وأما جميع ما علمه الخلق على اختلاف طبقاتهم فهو من علم الظاهر لأنه ظهر للخلق فاعلم ذلك اه. والحق أن الظهور والبطون أمران نسبيان فيمكن اجتماعهما في شيء واحد بأن يكون ظاهراً عند شخص باطناً عند آخر فقد يعد علم النحو وعلم المنطق وغيرهما من العلوم من العلم الباطن كما لا يخفى. فافهم ذاك. والله تعالى يتولى هداك.) وبالجملة (أن سوء ظن العوام بخواص العلماء. أوجب اتقاد نار فتنة المتشيخين الجهلاء. وأنا أسأل الله تعالى أن يصلح الخواص والعوام. وأن يطفئ بنور شريعته نار فتنة اضطرمت بين الأنام.

) وقد اجتمعت (بكثير من الكتبة وصطفيت لي منهم أحباباً ذوي أخلاق مهذبة. أجلهم بل هو كلهم ذو الخلق العطر الندي.) حضرة عاكف بك أفندي (. وهو ابن أخي حفظي باشا العارنوود وداماداه. ومن هو اليوم سقف بيته الرفيع وعماده. وأصل أهل هذا البيت من العارنوود. جلاهم عن ديارهم وأسكنهم القسطنطينية المرحوم السلطان محمود. وقد نالوا من طويل التغريب. عريض البلا العجيب. ولم يثلب ذلك من سور مجدهم قيد شعرة. ولم يعب من وجوه محاسنهم ومحاسن وجوههم بمقدار ذرة.

سراه يقر الحاسدون بفضلهمكرام السجايا والعلى والمناسب
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «لئن ثلمت حدي صروف النوائب»
إذا جلسوا كانوا صدور مجالسوإن ركبوا كانوا صدور مواكب
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «لئن ثلمت حدي صروف النوائب»
أسود تقنت بالقنا عن عرينهاوبالبيض عن أنيابها والمخالب
يجودون للراجي بكل نفيسةلديهم سوى أعراضهم والمناقب
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «لئن ثلمت حدي صروف النوائب»
إذا نزلوا بطن الوهاد لغامضمن القصد أذكوا نارهم بالمناكب
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «لئن ثلمت حدي صروف النوائب»
وإن ذكروا غب الطعان رماحهمرأيت رؤوس الأسد فوق الثعالب

وأنا لم أر حفظي باشا حيث أنه توفي قبل الدخول. إلا أنه تواترت بأنه واحد الآحاد صحيحات النقول. وأما عاكف بك فرأيته ممن لم تسمح بمثله الأدوار. ولا رأى الزمان نظيره بطرفي النهار في هذه الأقطار. المحاسن عليه عاكفة. وسحب المكارم على حماه) حماه الله تعالى (واكفة. وهو اليوم على ما سمعت كاتب ديوان الإنشاء عند ذي الأقدام الجلي. حضرة عمر باشا مشير عساكر روم أيلي. ولي فيه أقوى إمارة. على أنه سينال مرتبة الوزارة. وقد أنست في داره. ببني أعمامه وضيوفه المقيمين فيها وزواره. فمن بني أعمامه. الحاكين للبدر ليلة تمامه. الكامل الأوحدي. إسماعيل بك أفندي. والغلام اليافع. ومن نور الكمال من خلال أسرة جبينه ساطع. ذو الخلق الوردي محمود بك أفندي. ومن صنوف ضيوفه المقيمين في هاتيك المغاني. الفاضل الكامل عبد الله أفندي الداغستاني. وهو ممن قرأ علي وأجزته. بعد أن وقفت على عجزه وبجره وخبرته. والمسلم الذي تسلم الأنس به مني أكداري. الشيخ المدعو بميرزا بابا البخاري. ولعمري أنه صحيح الوداد. ليس فيه علة عند المنقرين النقاد. ومن زواره. الذين يسمرون كل ليلة في داره. رجل هو في الشفقة علي كوالدي عندي. يدعى في المجلس أثناء المحاورة بحسن أفندي. وقد أنسيت نسبته. وجهلت بعد أن علمت رتبته. نعم سمعت من نحو مائة نفس. أنه كثيراً ما صار وكيلاً عن وكيل الدرس. وما أحرى أن يكون هذا الأصيل هو الوكيل. لأنه مع حسن أخلاقه عالم فضيل. لا يداهن في الجرح والتعديل.

) ومنهم (آخرون معتبرون. عداهم وصاحب البيت ريب المنون. واتفق أن سئلت يوماً عن دفع ما يتوهم من التعارض بإبداء معنى يتكفل بذلك حقيقي أو مجازي. وذلك في صدر وعجز بيت حضرة مولانا لسان الغيب حافظ الشيرازي. وهو قوله:

بيرما كفت خطا بر قلم صنع نرفتآفرين نظر باك خطا بوشش باد

فقلت أين أنا من الفارسية الدرية. وأن مناط الثريا معنى معرفة معاني كلمات القوم الدرية. وأني إذا جسرت. وذكرت ما ذكرت. يقول لي مؤبني:

راح تمشرقة ورحت مغرباًشتان بين مشرق ومغرب

فقالوا لا نعذرك بهذا الكلام. فاذكر لنا ولا أقل مما ذكره في ذلك العلماء الأعلام. فقلت أنهم ذكروا في ذلك عدة وجوه. وأني ذاكرها لمن يريد فلعل فيها ما يرجوه.) الأول (أن المراد بالستر المفهوم من قوله خطأ بوشش باد النفي مجازاً) الثاني (أن المراد بالخطأ في الشطر الثاني غيره في الأول. وذلك كخطأ المريدين وارتكابهم ما لا يليق بهم شريعة أو طريقة) الثالث (أن المراد به الأول لكن باعتبار أنه خطأ في نظر القاصرين المحجوبين. وأظن هذا يحتاج في دفع الدغدغة إلى حمل الستر على النفي مجازاً أيضاً) الرابع (أن المراد به النقص الذاتي في المصنوعات الذي لا دخل لقلم الصنع في انتقاش حروفه فيها كالإمكان الذاتي لها ضرورة أن الإمكان الذاتي غير مجعول. والألزم الانقلاب المحال وهو ظاهر ككون الإمكان نقصاً فالشيخ نفي جريان الخطأ على قلم الصنع. وستر هذا بأن لم يتعرض له. أو أنه أخفاه بأن قال به رمزاً حيث قال أن الخطأ لا يجري على قلم الصنع ولم يقل لا خطأ في المصنوعات ولا نقص فيها فترك التصريح به ستراً له. ويرد على هذا أن تسمية النقص الذاتي خطأ بعيد جداً كما لا يخفى ولعل اعتبار المشاكلة يهون الأمر فتدبر.) الخامس (أن يراد به النقص الذي هو من ضروريات الصنع ومستتبعاته كالحدوث والتأثر وكالتحير فكل ذلك نقص ولذا استحال عليه تعالى مع أنه من ضروريات الصنع على معنى أنه لولا الصنع ما ظهر. فالشيخ أيضاً ستره ولم يتعرض له. أو أنه أخفاه وقال به رمزاً فتدبر ولا تغفل.) السادس (أن المراد به أحد هذين النقصين أو كلاهما وأن معنى كون نظر الشيخ ساتراً لذلك كونه إكسيراً محيلاً لرصاص المريدين ذهباً خالصاً وماحياً عن جليدية أبصار بصائرهم مثل الأغيار. فيكون مشهودهم المؤثر لا الآثار. وما ألطف وصف النظر بالباك علي هذا وهو معنى بعيد المغزى لولا ما فيه من حمل الخطأ على النقص.) السابع (أن يراد به ذلك أيضاً ويراد بالنظر الباك نظر قلم الصنع. وإثبات النظر للقلم تخبيل كإثبات القلم للصنع والأظفار للمنية. والتخيل طريق مهيع. ومعنى كونه باك أنه سالم من العلة الموجبة للإحساس بالشيء على خلاف ما هو عليه في نفس الأمر كعلة الحول الموجبة للإحساس بالواحد اثنين. ويراد بستره ذلك النقص أنه يصنع المصنوعات حسبما يقتضيه استعدادها لنفس الأمري الغير المجعول على ما نص عليه غير واحد من السادة الصوفية قدست أسرارهم. ويرمز إليه قوله تعالى) أعطى كل شيء خلقه (دون أعطى كل شيء خلقنا مشتملة على الحكم والمصالح بحيث يضمحل فيما بينها ذلك النقص ولا يلتفت إليه شغلاً عنه برؤية الحكم والمصالح التي يكل عن حصرها القلم. وعلى هذا جوز أن تكون جملة آفرين الخ من تتمة مقولة الشيخ ولا تجعل مقول التلميذ ولو كان هناك خطاب لكنت أرجح عدم كونه مقولة لما فيه من سوء الأدب كما يدل عليه القصة المشهورة في سؤال محمد أبا حنيفة عن حكم قول الرجل لزوجته إن كلمتك فأنت طالق إن كلمتك فأنت طالق إن كلمتك فأنت طالق. وعدم تكليمه إياها بعد فافهم. والله تعالى أعلم. وذكرت أنا وجهاً خطر لي إذ ذاك. ولم أتذكره الآن فكأني تركته هناك. ومن الناس من لم يقبل لهذا البيت توجيهاً. والتزم أنه كلام لم يكن وجيهاً. وللجلال الدواني في الكلام فيه رسالة فارسية. ذكر فيها بعض الاحتمالات التي ذكرناها. ولعل الاحتمالات الأخر عنده غير مرضية. وكم جرت أبحاث علمية في مجلس المومى إليه. لا زالت العلماء عاكفة عليه. ولقد رأيته ذا راحة من البحر أندري. فما كعب بن مامة بالنسبة إليه وما ابن سعدي. قد استحال نجابه. ولم تعرف سهام أفكاره إلا الإصابة. وقد صانه مولاه. من كل قبيح وحماه. وطهره سبحانه من المآثم فلا تحوم حول حماه. وآتاه جل شأنه من الكمال. ما تنقطع دونه أماني الرجال. وميزه ﵎ على أبناء صنفه في صنعة الإنشاء. فصار بحيث ينظم في سلك إنشائه زهر الكواكب إن شاء.

مولى أراع يراعهقلب الطروس مع السطور
ببديع وشيءٍ مخجلٍوشيء البديع والحريري
عجباً له فاق الأوائل وهو في الزمن الأخير

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الفصل التاسع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.