من «غرائب الاغتراب ونزهة الألباب» لشهاب الدين الألوسي (ت ١٢٧٠هـ)
فاتحة الكتاب (٢) (٤)
) ويوقظ وسنان التراب خيولها (
لها السبق في ميدان كل مخاطربكل نزاري على الموت صابر
عوادي إلى أقصى علي ومفاخر ...) عليها رجال من نزار وعامر (
) مطاعين في الهيجا كريم قتيلها (
إذا نحن لم نحمد بحالٍ ذهابناإلى شرحبيل شرهم قد أنابنا
فلم لا نعاني حزننا واكتئابنا ...) كفى حزناً إنا نعاني ركابنا (
) إلى معشر من جيل يافث جيلها (
لقد خاب مسعاهم إليها وبئس ماتقحمت الأمر الخطير تقحما
تروح رواء ترتمي أي مرتمى ...) فترجع ضلعاً شفها الظمى (
) فيا ليتها ضلت وساء سبيلها (
لئن كان أصحبي كا أروع يجتريعلى كل ليث في الحروب غضنفر
رجعت عن رذل الصفات مصغر ...) فلا أنوي للأنذال جيدي ومعشري (
) بها ليل مستن المنايا نزولها (
يؤرقني في ذكرهم حين يعرضنسيم الصبا يسري أو البرق يومض
أحبة قلبي حيث صدوا أو أعرضوا ...) ويوحش من بالرصافة قوضوا (
) ولي عبرات في الديار أجيلها (
أرى جاهلاً قد نال في جهله المنىكذا عالماً عانى على علمه العنا
وذلك من جور الزمان وما جنى ...) ومن نكد الأيام أن يحرم الغنا (
) كريم ويحظى بالثراء بخيلها (
أراني وأسياقي لألف وصاحبإلى جانبٍ أصبو وتصبو لجانب
فما بالنا لم نتفق في المذاهب ...) تحن إلى أرض العراق ركائبي (
) وصحبي بأرض الشام طال مقيلها (
فهل تسمح الأيام لي برجوعهافأحظى بأحباب كرام جميعها
لقد عاقني عنها نوىً بنزوعها ...) وأخرني عن جلقٍ وربوعها (
) علائق قد أعيى البخاتي حمولها (
لقد عادت الأيام تزهو بوصلهاوإشراق محياها وأبيض فعلها
تذكرتها والعين غرقى بوبلها ...) وعاودني ذكرى دمشق وأهلها (
) بكاء حماماتٍ شجاني هديلها (
شجتني وما قلب الشجي كقلبهاولم تحك من عيني منهل صوبها
فما برحت من شجوها أو لحبها ...) تردد ألحاناً كأن الذي بها (
) من الوجد ما بي والدموع إذ يلها (
منازل أشواقي ومنشأ علاقتيوسكر صباباتي بها وإفاقتي
حلفت يميناً صادقاً جهد طاقتي ...) لئن باعتني رمل يبرن ناقتي (
) عليّ حرام ظهرها ومشيلها (
ولم أنس لا أنسيت في كل ضامروقوفي على ربع لظمياء دائر
بحسرة ملهوف وصفقة خاسر ...) وكم لي على جيرون وقفة حائر (
) له عبرات أغرقته سيولها (
ألم تنظر الأرزاء كيف تعددتوساعدت النحس الشقي وأسعدت
قعدنا وقامت أرذلونا فسودت ...) وكم باسقات في الرصافة أقعدت (
) على عجزها حيث استطال فسيلها (
بلاد سعت جهالها في خرابهافليس شراب يرتجى من سرابها
ولا لكريم منزل في قرابها ...) فيمر عبر بلاد صوحت لا ترى بها (
) مقيل كريم للعثار مقيلها (
وليس عليها لو نظرت معولولا عندها للآملين مؤمل
فيا لك دار قد نبت بي ومنزل ...) بها الجود مذموم بها الحر مهمل (
) بها الشح محمود فهل لي بديلها (
ورب أخ للمجد وهو موالفله في ربوع اللائمين مواقف
أقول له والقول كالسم ذاعف ...) ألا يا شقيق النفس عندي صحائف (
) لقوم لئام هل لديك قبولها (
صحائف ذي غيظ على الدهر واجدعليها طوى قسراً جوانح حاقد
وأني بما يبدي لساني وساعدي ...) سأنشرها والهند وأني شاهدي (
) وأذكرها والسمهري وكيلها (
فمن مبلغ عني كلاماً ملخصاًأهان به عرض اللئام وأرخصا
لئاماً يعيش الحر فيهم منغصاً ...) وكم كلمات فيهم تصدع الحصى (
) إذا حكم العضب اليماني أقولها (
يرى المجد مجداً من أغار وأنجداولم يبق في جوب الفدافد فدفدا
إلي شكته البيد راح أو اغتدا ...) ومن رام مجداً دونه جرع الردا (
) شكته الفيافي وعرها وسهولها (
رجال المعالي بالعوالي منالهامناها إذا ما حان يوماً نزالها
هي المجد أو ما يعجب المجد حالها ...) وما المجد إلا دولة ورجالها (
) أسود الوغى والسمهرية غيلها (
لقد نالها دنياً دنى تجبرافتاه على أشرافها وتكبرا
وكان أذل العالمين وأحقرا ...) لما الله دنياً بالها أحقر الورى (
) وتاه على القوم الكرام سفيلها (
إذا لم يكن ظل خلي من الأذىتلذذت في لفح الهجير تلذذا
وبدلت هذا بعد أن عفته بذا ...) رعى الله نفسي لم ترد مورد القذى (
) وتصدى وفي ظل الهجير ظليلها (
لعل خطوباً قد أساءت تسرنيعواقبها حتى أراها بأعيني
وأني على وهني لما قد أمضني ...) سأحمل أعباء الخطوب وأنني (
) لأنتظر العقبى وربي كفيلها (
وفي جانب من الكتاب. أبيات من مبتكرات فخر بني الآداب. الفاضل السري. عبد الباقي أفندي العمري. من ذلك قوله. وقد عز مثله:
قلم القضا بمداد محبرة الدجاكم خط من أمر بصحف نهار
وجرى فأجرى ما تعذر حكمهفي أمر باريه من الأقدار
فكتبت لحضرته الجواب. مع أني إذ ذاك في غاية الاكتئاب) ونصه (: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي جعل شهاب العلم ساطعاً في كل مدار. وصير بالثناء عليه سبحانه محمود الحال في كل برجٍ جله ودار. والصلوة والسلام على حبيبه الذي عمت أنوار هجرته ما بين الخافقين. وتوفرت سهام عطيته ذا سفر من كنانة إقامته إلى سفر قاب قوسين. وعلى آله وأصحابه الذين هجروا الأوطان لوصال الأوطار. وطار صيت فضلهم حتى خفقت لطيب نسائم أجنحته الخفاقة رؤوس سكنة الأقطار.) وبعد (فقد أخرجتني من مشيمة الغم. قوابل سطور كتاب حضرة مولى لطفه فوق ما يتصوره الحال والعم.
لا يدرك الواصف المطري خصائصهوإن يك سابقاً في كل ما وصفا
الصارم الهندي. عبد الغني أفندي. أدامه الله تعالى للعراق عيناً. وأزال سبحانه بنسائم همته عن قلوب أحبته غيناً. وقد ذكر لي في خلاله المصون عن الخلل. والمبرأ عن وصمة الخطأ والخطل. طلب فتوى من حضرة مولاي شيخ الإسلام. في مسألة وقعت في مدينة السلام. فيا مولاي وحق من أفتانا في الكلالة. ووقانا عن مهاوي الضلالة. أني يوم تشرفت بكتابكم ذهبت إلى دار الفتوى من غير كلال. وعرضت المادة بطولها لدى محل العرض من غير إخلال. فاستقر الكلام بعد أن صار على أن أرعوي الوقف بالخصوص في مثل ذلك تسمع. وأن سكوت الجدة بل قولها لا حق لي في ذلك العقار لا يضر في دعوى ابن بنتها المشركة في الوقف ولا ينفع. وذلك مثل قول أحد الأبناء الموقوف عليهم لا حق لي في الوقف. فإنه لا يمنع صحة دعوى الآخرين فيه وكذا لو بلغ عدد القائل إلى الألف. ولا فرق في ذلك بين آخر الطبقات وأولها. لاشتراك العلة الصحيحة بين الطبقات كلها. فلم يسعني إلا السكوت والتسليم. لا سيما ودفع هذا المدعي ممكن بغير ما ذكر مما لا يخفى على فكركم السليم. فالمرجو من حضرتكم العذر في عدم إرسال الفتوى. فإني ما قصرت في سلوك طرق تحصيلها وعالم السر والنجوى. وكيف يتصور مني مع فضلك الطويل العريض تقصير. وما كلفتني سوى أمر هو على كل ذي لسان وأياديك الثقال يسير.
وأهون ما يعطي الصديق صديقهمن الهين الموجود أن يتكلما
ثم أنكم ذكرتم تهوشكم مما يزوره على الأكراد. ويزودون من يذيعه بين أهل بغداد. وطلبتم شرح الحال. ليسكن ما عرض لكم من مزيد الزلزال. يا مولاي قسماً. برافع السماء. وباسط الأرض على الماء. أني منذ أصبحت طالعاً من بروج الزوراء. ومميطاً علائقي منها وممتطياً غارب الوجناء. لم أر ممن رآني سوى أنواع الاحترام. ولم يسؤني من وجوه البلاد ورؤوس العباد. إلا كثرة تقبيل الأكف والأقدام. وما جئت بلداً إلا اشتد عدو علمائها إلي. فأحاطوا بي ولا عدو يعد الحسنة سيئة علي. فكم مرتوٍ مني. وكم وكم راوٍ عني. ولا أكاد أسمع في المدارس والمغاني. سوى قال الآلوسي صاحب روح المعاني. حتى كان يخيل أن لست الذي كان ببغداد. إذ الفرق بين الحالين كالفرق بين ريش الطواويس وشوك القتاد. بل صرت أقول كما يقول الشيخ الأكبر قدس سره بتجدد الجواهر. مع أني في الزمان الماضي لم أكن قائلاً بتجدد الأعراض وإن قال به كثير من الأكابر. ومال ذهني السيال من غير اضطراب. إلى صحة الاستدلال على ذلك بقوله تعالى) وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب (. وزال عنه الالتباس إذ نظر ببصر جديد. فرأى قوة الاستناد هنالك إلى قوله ﷾ بل هم في لبسٍ من خلق جديد (. وكاد يدعني اختلاف الحال ذا الودعات. لولا أن من الله تعالى علي ببركة القرآن المجيد بالثبات. وتمنيت أن لو كنت خرجت في شرخ الشباب. لأنال إذ ذاك شرح الصدر الذي يعجز المتن عن رسم بعضه في حواشي كتاب. إلا أن الأمور مرهونة بأوقاتها. وحبلى الليالي لا تلد إلا بعد استكمال ساعاتها. ولما حللت أزرار ثياب السفر في إسلامبول. وزررت أردية الإقامة فيها إلى أن يتفضل الله تعالى بحصول المأمول. رأيت من بديع التفات حضرات الوكلاء الفخام. ما لم يكن لأحدٍ قبلي من أهل مدينة السلام. لا سيما حضرة الصدر الأعظم. الذي أذعنت بأنه رئيس العقلاء قلوب الأمم. وحضرة مولاي شيخ الإسلام العارف دقائق الحكم. بما نفث في روعه ملك الإلهام. فوالذي على العرش استوى. وعلم السر والنجوى. أني رأيت منهما ما شرح صدري. بل فرق الفرق مما يقتضيه قدري.
) نعم (كان ما كان من شيخ الإسلام أول الأمر. مما هو كغمام صيف لاح في أطراف الأفق ومر. وبيان سبب ذلك يطول. والقلم لا مللت من حبيب ملول. وأما بقية الكبار من رجال الدولة. وصدور قضاة الدين والملة. والعلماء المدرسون. والكرام الكاتبون. فكنت بينهم المذيق المرجب. والغرنيق المحبب. فلا تكاد تمر ليلة إلا وهي حالية بدعوة. زاهرة بجمعية مع أفرادٍ هم وعيشك صفوة الصفوة. مع منادمات أرق من النسيم. ومداعبات ألذ من التسنيم. ولولا حبكم ما ذكرت العراق. ولا التفت بقلبي إليه أو تلتف الساق بالساق. إذ طالما تجرعت فيه كؤوس الغصص. ورجعت النوح ولكن كحمامة في قفص. وهيهات أن يستطيع ذهني السيال أن يجري من أنابيب الأقلام ما جرى. على أنك يا مولاي عارف بتفصيل ما كساني الدهر هناك حتى نبذني من كان يونس قلبي بالعراء. فليبتلع أدهم القلم ريقه الأسود. وليسترح من العدو في تعداد تلك الحوادث السود وليبق أبيض القرطاس على نقائه الذي تعهد. وليسلم خدم من مسيس لهب التأوه مما فعل بي أصحاب الأخدود. ولأرجع إلى إتمام الجواب. عما سلف من الخطاب.
) فأقول (يا مولاي أنت تعلم أني لم أتعب الرواحل إلا لاقتياد الراحة. ولم أطو المنازل إلا لازدياد بسطة راحة. وقد أخرج الله تعالى من جب نفسي الإمارة أو حال حب المناصب. وأترع جل شأنه قليب قلبي بزلال اعتقاد أن الاشتغال بالعلم أعلى المراتب وأغلى المواهب. فليس لي اليوم ميل إلا لتحصيل ما يقومني في الاشتغال بالتأليف والتدريس. والاستغناء بمجالسة المستفيدين على موائد قرى القراءة عن كل جليس. لكني كلما هممت بالتماس لك الأمر. نهاني عنه ذوو النهي وأمروني بمر العبر. قائلين أن العجلة تزري بمثلك. وكلامك في ذلك مع قرب عهدك بالقدوم محض الفضول بالنسبة إلى فضلك. وحاشا أن تغفل الدولة عما يليق بك من الإكرام. وليس التأخير إلا لكثرة المصالح والمهام. وطور إسلامبول. ما وراء طور العقول. فلذلك يا سيدي لم أظهر إلى الآن ما في الضمير. ولم أكلف أحداً في خير أو حقير. وقد أعانني على ترك الإظهار. أنسي بحسن معاملة الكبار والصغار. وقريباً إن شاء الله تعالى الجواد المطلق. يسود بما أنال من العيش الأخضر والذهب الأصفر وجه العدو الأزرق. فليقل الأكراد ما شاءوا. وسيظهر إن شاء الله تعالى قريباً كذب ما أشاعوا. وليكن ذلك عند حضرتكم كطنين ذباب. أو كأطيط سرير أو كصرير باب. ثم أني أعجب منهم. وأستغرب ما يروى عنهم. فطالما أكرمت فقيرهم. وجبرت بمومياء سعيي كسيرهم. وعلمت جاهلهم. وعظمت فاضلهم. ومسحت بأردان الشفقة دموع باكيهم. وأزلت بأكمام الهمة غبار الأذى عن وجه شاكيهم. وأنسيت غريبهم داره. وسترت لذي شنار منهم شناره. وأشركت من قرأ علي من طلبتهم في الأقوات. وبالغت في إكرام نزيلهم عندي في سائر الأوقات. إلى محاسن أعوزها الحد. ومكارم لا تكاد تعد. وأظن ومعاذ الله تعالى أن أفتري عليهم. إن الذي أوجب إساءتهم إلي إحساني إليهم.
فمن يفعل الإحسان مع غير أهلهيلاقي الذي لاقى مجير أم عامر
والكلام كثير. ويغني عنه أنك بحال القوم خبير. وكم لي فيهم عنك رواية. وفي ذلك يا منتهى الإرب كفاية. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.) وخمست (ما بقي من بيتي الفاروقي. ولكن بعد أن عظم فرقي. وأرسلت ذلك لخدمته وقلبي يخفق كقرطي مارية لمزيد فرقي. فقلت:
قلم القضا بمداد محبرة الدجافي أصبعي يد قدرة القهار
بمكاتب ملئت لعمري حكمةكم خط من أمر بصحف نهار
وجرى فأجرى ما تقدر حكمهمن حادث ما مر بالأفكار
فاصخ لما يبدي إليك صريرهفي أمر باريه من الأقدار
) وكتبت (للسيد عبد الغفار. ما فيه شكر أياديه الغزار. وذلك ما تقدم من تخميس نظمي وتسميطه. وأين وشل نثري من مديد نظمه وبسيطه.) وهذا ما كتبته (مولاي فؤاد الفضل ولسان الأدب. والمفترع بثاقب فكره أبكاراً عرباً من غواني أشعار العرب. السيد الذي جعل أحرار المعاني البيض عبيداً لسمر أقلامه. وكسى نصال الأسنة الزرق حمرة الخجل تارة وصفرة الوجل أخرى بسود أرقامه. ذو الخلق الذي هو أعطر من شرابه الندي. كدرار راوق الفصاحة ومغفر الرجاحة عبد الغفار أفندي. أقر الله تعالى برؤية عينه العين. وفرق سبحانه بوصاله البين من البين. وصل إلى تخميسك الذي غنت به السبع الطباق. وتوحدت بالترفع فيه على قنة الإبداع في جميع الآفاق. ولعمري لقد أريتني بمرايا مزاياه نقطة العلم بحقيقة القول بوحدة الوجود. حيث لم أفرق حقيقة بين فرعه وأصله مع أن ذهني في الفرق لدى الجمع محمود. بهاتيك الدار. بيد أنك تركتني في بيداء الأفكار. بل في بحار دموع أذيلها على ما صنع الملك الدوار. فأنشدت قول القائل في سالف العصر.) رق الزجاج ورقت الخمر (.
وقد كانت عندي ولطيف محاضرتك حظيرة قدس. أو روضة غناء خطرت بها خود في ثوبي غنج وأنس. فلما سمعت ما قال فيها الوالد الشهم الغيور. ومن كان يخشى أن يذكرها لديه بسوء الليث الهصور. صارت في عيني أقل من تبنة. في لبنة. وأذل من قلامة. في قمامة. فلو استطعت لبعدت عنها إلى جابلقا أو جابرصا. وإلى ما هو أبعد من ذلك وأقصى ثم أقصى. وقد عزمت على الإقامة في دار الخلافة. وقطع علائق القلب عن أرجاء الكرخ والرصافة. إلا أنه حال بيني وبين ذلك حلول مولانا الشهم وأمثالكم فيها. والأمل بلطف الله تعالى أنها عن قريبٍ تراها النفس طبق أمانيها. فكم لله تعالى شأنه من نفحات. وكم جعل سبحانه للدهر القاطع للأنفاس تنفسات. ومع ذا هي اليوم على علاتها أحسن من كثير من الديار وألطف. ومن طاف البلاد وقف على صحة ما أقول وقال به ولم يتوقف. ولذا أذب عن شجرها الطير وإن بلوت المر من ثمره. ولا أودان يمس ساكنها ضير وإن تجرعت منه ما عندك حقيقة خبره.
وما أنا بالداعي لعزة بالردىولا شامت إن قيل عزة ذلت
ويا مولانا وصلت أيضاً تشاطير كم بيتي في الصدر الأعظم. ومن أقعد الصدور على الإعجاز بقوة رأيه السديد الأقوم. فرأيتها قد ارتضعت شطر البلاغة. وهكذا كل شعر لكم لا يستطيع مفلق وأن إنفاق أن يبلغ بلاغة. لا زالت آثاركم طراز الزمان. ولا برحت أشعاركم سلوة الغريب عن سلوى فكاهة الإخوان في الأوطان. أفندم.
) وكتبت أيضاً كتاباً (لذي الأدب العبقري. حضرة عبد الباقي أفندي العمري. إلا أنه اغتالته مني بأيدي غفلتي الغوائل. واختطفته من يد حافظتي عقبان البلابل.
) نعم (ظفرت بما كتبت له في ذيل كتاب السيد عبد الغفار. وهو بالنسبة إلى ما ذهب دندنة نخلة بالنسبة إلى نغمة هزار.) ونصه (: وأشكو ألم فراقي. لحضرة الأفندي الفاروقي عبد الباقي. وأعرض لديه أنه قد واصل دره النظيم. الحديث منه والقديم. والكل قد قدم يوم قدم. لدى شيخ الإسلام وولي النعم. فاستحسن جميع ذلك. وشاع الكل في هاتيك الممالك. لا سيما قوله قلم القضاء بمداد محبرة الدجا البيتين. فإنه ما من قلم إلا وسما بالفخر بكتابتهما على الفرقدين. لكن يا سيدي معرفة مزايا كلام العرب على الوجه التام. لم نجدها وحرمة العارفين إلا عند عارف الحكم شيخ الإسلام. فهو اليوم عارف الديار الرومية. وعالمها في جميع العلوم العقلية والنقلية. وله حظ وافر من علم الأدب. فكأنه سلمه الله تعالى أجل علماء العرب. فلله تعالى دره من عالم همام. وحبر قمقام. وهكذا فليكن شيخ الإسلام. وبلغوا دعاءنا لحبيبي الواعظ الواعي. ومن هو لحقوق الإخاء الحافظ المراعي. ولكافة الأحباب. لا سيما بني الآداب.) وكتب لي (حضرة الفاروق جواب كتاب. أظنه الذي ضاع مني في هاتيك الرحاب.) ونصه (:
قال العراق وقد رحلت مودعاًفاسمع بحقك ما العراق يقول
بغداد لي خد ودجلة دمعةٌأسفاً عليك إلى المعاد تسيل
قد كنت حلياً فاسترد معارهوكذاك أحوال الزمان تحول
للشمس من أوج السماء إذا هوتبدل ومالكٍ لأعدمت بديل
أعرض لحضرة عارض همع فاستوشلت البحور. ووامضٍ لمع فكسفت الشموس وخسفت البدور. من الثناء والدعاء. ما لا يسعهما وعاء. وأنهى لجناب ذلك الشهاب الثاقب. والبدر الحاضر الغائب. أنه وصل منه شريف كتابه. ومنيف خطابه. والداعي إذ ذاك في عقائل شكوى سدكتني منذ أيام سدك الغريم. وعركتني بأكف آلامها وأيدي أسقامها عرك الأديم. حتى لقد فغرت على فاها المنون. واستوت في اليأس من الحياة مني الظنون. إلا أنه تعالى بلطفه من علي بالشفاء. ونقلني على جهة اليأس إلى جانب الرخاء. فله الحمد متواتراً. والشكر أولاً وآخراً. وهو المسؤول أن يبلغك أطول الأعمار. ويروي عنك مكروه الأقدار. وكان كتابكم قد وافى في عنفوانها. وأبان نزواتها. فخفف من أوصابها. وخلع بعض أثوابها. وكأنما ورد عائداً ملطفاً. أو وفد زائراً متحفاً. ولما نضوت برد الاعتلال. وشمت برق الإبلال. وجب إنهاء العرض المعترض. وتعين قضاء الحق المفترض. فنبهت عين النون. وأطلقت لسان القلم لتحرير هذه الأحرف المشحونة بالزخرف ولولا ترتيب الحق كما ذكرتم ما كنت أنطق ببنت شفة. وما زاد على هذا فمعدود من السفه. وأما الشرك الذي نصبته لصيد غرانق العقول. فهو منقول غير معقول. فتدبر) وقد بلغنا سلامكم (لكل من خصصته بسلام. من الخاص والعام. والجميع سالمون ويسلمون. وكما أمرتم نحن لسنا بغافلين عن تحريض مخدومكم المحروس بعين عناية الله تعالى المعيد المبدي. النجيب عبد الله أفندي. على مثابرته على القراءة وغيرها. وما شاء الله كان وحركاته وسكناته جميعها طبق ما تؤملون ليكن معلومكم أفندم.
) وأتاني (من هزار قفص المعاني، ذي الفضل الجليل الجلي، أحمد عزت أفندي العمري الموصلي، عدة قصائد، هي في عنق الدهر قلائد. منها قوله. دام فضله. في جواب كتاب أرسلته إليه. لا زالت مرسلات اللطف تهب عليه:
ما بين قلبي وبرق المنحنى نسبهذا وذياك خفاق ومضطرب
شتان ما بين خفاق بلا سببليلاً وما بين خفاق له سبب
ما لاح ومضك يا برق الحمى سحراًإلا وجن إلى مغناه مغترب
ما كان يشجي فؤادي ومض بارقهلولا الهوى وظباء بالهوى عرب
كلا ولا كدت أرضى أن أموت جوىفي أهل وجرة لولا ماؤها العذب
يا صاحبي عجا نحو الغوير فليما بين مربعه والمنحنى إرب
فإن سكانه يوماً إذا عدلواجاروا زماناً وإن أرضيتهم غضبوا
قولاً لأهليه هذا قلب صاحبكمكالبرق بين أثافي ربعكم يجب
لله قلبي له في كل آونةتقلب في ربي حزوي ومنقلب
يصبو إليها وقد جر النسيم بهاذيلاً وشقت عليها جيبها السحب
كأن هطالها في كل مرتبعمد من البحر يعلو ثم ينسكب
من لي بعين تزال الدهر هاميةبمدمعيها وقلب حشوه لهب
دارت لآلئ دمعي فوق مقلتهافالعين كأس ودمعي فوقها حبب
سقياً ورعياً لأيام الشباب وإنلم يبق لي بعد ذا فيهن مطلب
يا ليت عصر شبابي مذ قضى وطراًقضيت من حقه بعض الذي يجب
فالعيش في ظل أيام الصبا فإذامضى الشباب فلا لهو ولا لعب
إلى متى أنا والدهر المشتد ليلا زال يبعدني عنهم واقترب
ومن تفكر في الدنيا وحققهارأى أموراً غطا ما كلها عجب
ما خلت ألقي عصا التسيار في بلدٍودأب راحلتي في سيرها خبب
ما نالت البيد مني يوم مطلبيما نال مني ومن أكتارها القتب
أكنت مثل) شهاب الدين (حين سرىجرت يدي مجده نحو العلى الرتب
سعى فأجمل بالتطلاب عن سعةيوماً فما خانه رزق ولا طلب
وما درى من أراد العز في جدةأن التقدم مقرون به التعب
أبقى بقلبي ناراً من تباعدهوالنار آونة تخبو وتلتهب
كاتبت عبدك يا مولي الورى فغدافي جيده من لآلئ مدحكم سخب
ما مر ذكرك في أفكاره أبداًوإن تباعدت إلا هزه الطرب
يهوى التشرف في لثم الأنامل منراحات كف امرئ آباؤه نجب
إن أوعدوا أرهبوا أو واعدوا أوهبواأو أهزموا طلبوا أو سوجلوا غلبوا
لله أقلامك اللاتي سحرن فتىأقلامه أخجلت ما ضمت من الكتب
كادت تمزق ذهني من بلاغة ماأبدت وقد مزقت مع أنها قصب
وهبت من لفظك الدري لي مدحاًوأحس الناس من يعطي ومن يهب
أخجلت بدر الدجى فانصاع من خجلفي فضل ذيل غمام الأفق ينتقب
وافت إلي بشهر رحت أحسبهعيداً وإن مضت الأزمان والحقب
فبت تنشدني نفسي وأنشدها ...) يا ليت عدة حولي كله رجب (
قرطت في لؤلؤ ما ضمه صدفمنا المسامع إلا أنه رطب
فقل لمن رام أن يحكي محاسنها ...) لقد حكيت ولكن فاتك الشنب (
يا من يراه كبار الناس فوقهمكما تراءت على أبراجه الشهب
إن قلت لا زلت مرفوعاً ومنتصباًفإنما أنت مرفوع ومنتصب
قد كنت قطب الرحى فينا يدور بهمنا على محور يك العلم والأدب
واليوم منا الرحى دارت بلا قطبوهل تدور رحات ما لها قطب
أم العلى إن نسبناها إلى أحدفأنت يا سيدي جد لها وأب
وكل من يدعي في الفضل رتبتكمفمدعي نفسه حاشا كم كذب
إني بنيت على علياك من فكريبيتاً من الشعر لم يمدد له طلب
فاعذر فتىً قد توالت بعد فرقتكمعلى قريحته الأشجان والنوب
قد أذهبتني ببلواها ومن قدمفي النار أصلي لا من هونه الذهب
ولا غبار على مدحي فعندك ليتعليق نظم على الأحداق مكتتب
فالما دحوك على ما حزت من شيمأثنوا عليك بشيء منك مكتسب
) وكتب في ذيلها شاكراً (سعيي له في أمرٍ أتعبت فيه لساني وأقدامي. لكن لم ينتج لأمرٍ ما طبق مرامي:
بأبي يا أبا الثنا وبعميأنت تفدى وبالغطاريف قومي
قد بذلت المجهود في سعيك المحمود فيما به يفرّج همي
) وقوله (:
كم ولوع لي بهاتيك المغانيونزوع لأحاديث الغواني
ودموع من عقيق قد كستجبلي نعمان ثوب الأرجواني
لم تقل عيني حسبي ما جرىمن شؤون وكفاني وكفاني
يا رعى الله ليالينا التيفي دجاها أشرقت زهر الأماني
بي أويقات مضت من طيبهارب ساعات بها عدت ثواني
واعنا قلبي هل من راحةلمعنى لاعج الشوق يعاني
كم أبان الوجد ما أضمرتهبفؤادي من هوى أم أبان
كلما مالت ببانات النقيشمائل زادت إليهم ميلاني
بان عني من إمالته الصباوالصبا كم أمالت غصن بان
ودعاني كخيال طارقيا خليلي بعينيه دعاني
وسقاني من طلي راحتهأحمراً عربدة السكر وقاني
في اللوى يا سعد كم لي من لوىساعد البين لواه ولواني
لا أضل الله عن طرق الهدىمن إلى النضال وأهليه هداني
كم رماني أسهماً من لحظهلا رمت سهم لحاظ من رماني
سقم فيه ابتلى الله الصباوابتلى لحظ الغواني وابتلاني
أعين أعدي بجسمي سقمهالا تعداني الذي منها عداني
وخيال مع خيال لم ينمعمرك الله متى يلتقياني
أنا كالظل إذا ما أشرقتشمس حسن نورها حالاً محاني
يا خليلي وهل من مسعدٍلشجٍ أولع بالبيض الحسان
ثمل ما صافحت راحتهراحة كلا ولا طاف بحان
ذي انتهاض لهوى سلمى وماعن نزوع لحماها متوان
إن بالجزع سقي الجزع الحيامنزلاً نقب كالجزع حباني
لعبت فيه الليالي مثل مالعبت في لمتي أيدي الزمان
لمة قد فتك الشيب بهافتكة اللحظ بنجلاء الطمان
أشعلت ذكرى شبابي هامتيبمشيب واد كار العنفوان
ذا هوى كنت فلما أن بداوضح الشيب بفردي ثناني
في فروق بات قلبي وأنالست أدري من ضني أين مكاني
عائدي إن زارني ليس يرىفي مكاني غير آثار جراني
شام برقاً فيه رعد وحياًكل من شام يراعي ببناني
هان قدري وأنا ذو عزةٍعند من شبه مثلي بابن هاني
وأرى جنية وسوس ليأن شعري فاق شعر الأرجاني
راجت الأرواح ما قد روقتراحتي يا صاح من خمر الدنان
كم أوانٍ من بيان أترعتبثنا من جاد في روح المعاني
خير الآحاد عنه في العلىراح يروينا عن السبع المثاني
مفرد بالفضل كم مثنٍ لهما له مثلي بعرض المدح ثاني
من أناس لم يشن قدرهمومعالي شأنهم ذو شنآن
طبخوا نياتهم حتى استوتبقدورٍ راسياتٍ وجفان
ذو يراع إن تبدي خافقاًعلم البرق ضروب الخفقان
هل رأيتم من شجاع قبلهينبري أخفق من قلب جبان
عيلم بل علم في لجةيقذف الدر وفي رفعة شان
لا ترى الأشراف إلا دونهفهي كالأنبوب منه والسنان
فليقل لله دري مغتذٍمن أفاويق المعالي بلبان
يا ترى هل من مدان مجدهوهو النخبة من عبد المدان
شرفتني من علاه قطعةنظمت أسطرها نظم الجمان
ما وعته أذني من لفظهاأزبوراً كان أم آي قرآن
حملتني فوق وسعي يدهآه لو قبلتها حمل امتنان
شرفي المحض لدى تعريضهأن يسميني في لفظ فلان
حملت أبكار فكري مدحهكقيان فوق راحات قيان
أنا في حملي إليه مدحيمثل من يحمل دراً لعمان
يا نجيباً حاز فضلاً وعلافي نجيب قلما يجتمعان
كنت قد أقرضتني مدحك ليفهو قرض داخل تحت ضماني
قيدتني منك قدماً مدحةأطلقت في شكرك اليوم لساني
سوف أزجي من نجيبات الثنالعلاكم كل بكر وعوان
كم عجاف لعجاف سقتهامن معان وسمان لسمان
لا يصون الدر من يعرضهلمهانٍ عرضه غير مصان
أتراني ساعة من زمنيمنه أحظى بلقاء أتراني
فعلي أني نجيب شاهدما إليه من صباباتي عداني
بأني من لم يزل منذ نشأخضل الراحة منهل البنان
حزت أجر الصوم والعيد إذايتلقاك ببشر وتهاني
لا خلاك الله من دنياً بهاكل شيء ما خلا مجدك فاني
هذه راحة فكر روق العقل معاناها براحات البيان
سطعت كالشمس من دون النهىفمحت ظل العنا باللمعان
خمرة بين الندامى بكرةدار أرخ) كأسها في رمضان
) وكتب (في ذيلها مخبراً عن عمه. الذي هو أشفق عليه من أبيه وأمه. المولى المكتسبي أدباً هو من كل نقص عري. حضرة واحد الآحاد عبد الباقي أفندي العمري. ما نصه: وبعد أن تشرف نظر العم. بإمعانه فيما تفضل به المولى على عبده وأنعم. واطلع بنائرة نار حدسه الموصدة. كما تطلع نار الله الموقدة على الأفئدة. على ما نظمته بهذه الدفعة. بمدح تلك الحضرة الرفيعة المنعة المنيعة الرفعة. فأنشدني مرتجلاً على ذلك الروي والقافية. في نعت هذه الطلول العافية.) قوله (:
كم نزا عير على الزورا وماحيل فيما بينه والنزوان
) فكتبت (له في جواب إحدى القصيدتين. ما هو أقل في حقه إذا أنصفت من نصف الاثنين. ونصه:
أما وحرمة الأدب. أن الدهر لأبو العجب. وأني سأتلو عليكم من ذلك ذكراً. ليحيط من لم يحط به خبراً. بينا هذا الغريب يعاني من كرب الغربة. ما بلغ عقد الكرب واسأل عرق القربة. وقد قاء سمعه ما تجرعه في سفره من صديد متعفن النظم. وجاء ذهنه بصقره ونقره. لما بلي من سوء الفهم. وجعل يظن العربي رومياً. ويحسب الوحشي أنسياً. وجرب من غواني حواسه الأديم من مصاحبة الجرباء. وعاد يتلون حدسه المستقيم تلون الحرباء. وعمش عقله وكان وعينيك ينظر بعين عقاب. وتعرى من الملابس فضله وكان وجديك يجر على المجرة فاضل الإعجاب. إلى أمور ينشق رأس القلم صداعاً. إذا انشق أنفه مفتن ذكرها. ويتشقق القرطاس غيظاً إذا أحس خده الصقيل بخشن سطرها. إذ برزت عليه من سجاف الغيب. حوراء قصيدة لا عيب فيها سوى أنها لم تدنس بعيب. فجعلت تغذوه بلبانها مع أنها بكر لم تطمث. وتتثنى سكراً في حانها مع أنها العدوية التي لم تشرب المثلث. وأخذت تداوي خموش عجائز قصائد تركية. شانت أسيل سمعه. وتكسو فضله ملابس سندسية. طالما جر ذيولها في رفيع ربعه. وغدت تدلك ما جرب من أديم حواسه بما جرب من معسول رضابها. وتكحل عيني عقله بما أثارته من غبار الفصاحة ذيول إعجابها. وأدخلت على قلبه الخفاق من السرور الوفير. ما لو تجسد لملأ ما بين الخافقين فاستخفه الفرح حتى أوشك ولا جناح أن يطير. مع أنه وكتاب الله تعالى الواحد الأحد من ثاني الثقلين. إلى أمور ضم القلم عليها لحلاوتها شفتيه. وبخل بالشفاه بها على القرطاس لنفاستها ولم يحكم خوف انكساره عليه. فلما رآها أجدى من تفاريق العصا. ونال ما نال م ننفعها الذي امتنع من أن يحصى أو يحصي الحصى. جعل يدعو لمنشيها. ومحكم قوى قوافيها. حضرة المولى الذي هاجر من مكة الفصاحة إلى مدينة البلاغة. ثم عرج به إلى قاب قوسي الإعجاز فأنى يبلغ سهم أديب بلاغة. العدوي الذي عدا فاستنزل بهمته عصم الحقائق. من صاصيها. وبدا فاستذل بعزته أعز الدقائق. فسفع بنواصيها. العمري الذي فطره مولاه على أحسن فطرة وجبله. فأخاف ولله تعالى در بدرة فطنته وذكاه سهل الأدب وجبله.) فلعمري (لقد سامت جبل فضله النجوم السواري. فغدا يقول يا سارية الجبل وجرت في نيل منشآته المنشآت الجواري. ولكنها أنعمت بدراري نيل الأمل. الشاب الذي أقعد على الإعجاز صدور الشيوخ. واستفز برزانة كلامه وصرير أقلامه أرباب التمكين والرسوخ. من هو في خلدي. وحق عمه وأبيه بمنزلة عبد الله ولدي. حضرة الأجل الأشيم أحمد عزت أفندي. كان الله تعالى له فيما يسر ويبدي. ومع استغراق أوقاتي بالدعاء لك أيها المولى وجعلي بدل أقواتي الثناء عليك أيها البدر السامي الأعلى. كيف أستطيع شكرك. وأني أكافي مزيد فضلك بمجرد الدعاء لك. وأنت الذي آنستني في وحدتي. وأنسيتني جميع أسرتي في غربتي. وأضأت علي يومي. وكان ظلمات بعضها فوق بعض. وأعدت في جسدي دمي. وكان قد ذهب به قمل الخشب بتوالي المص والعض. فأسأل الله تعالى أن يوفقني لمكافأتك. ويتم سبحانه نعمته علي بعوائد العود إلى ملاقاتك. فأنا لا أكتفي ممن أحبه. بمجرد أن يأتيني في البعد كتبه.
وإن اكتفى غيري بطيف خياليفأنا الذي بوصاله لا أكتفي
ثم أني أرجو من جميل ظرفك. أن تسبل على عوراء نثري ذيل حوراء إغضاء طرفك. فإنه قد تناثر عني لباس النثر منذ أخرجتني من دار السلام يد المحنة. ولم يمهلني سائق سابق القضاء كي أخصف علي من ورق هاتيك الجنة. فبقيت أعرى من أبرة. وكنت أكسى من بصلة بألف مرة. وكذا أرجو نحو ذلك من حضرة عمك. وباقي ذوي قرابتك وقومك. ولولا خوفي أنه يبقى خاطرك ما فهت وأبيك ببنت شفة. ولكنت أعد مقابلة نظمك بهذا النثر محض سفه. فأين خبث الحديد من حجر المغناطيس. وشتان ما بين القتاد وريش الطواويس. وفرق بين منثور الدر. ومنظوم فرائد الدرر. وكم ما بين دندنة الزنبور. ونغمة داود بالزبور. وأين السهى. عن شمس الضحى. وهل تقاس قبة السماء. بفقاقع الماء. ومع علمي بهذا كله قدمت رعاية لخاطرك الخطير. على هذا الأمر الخطير. وخشية فتح حلقك بالاعتراض أختار قلمي على شعور منه هذا التقصير. وعند الضرورات. تباح المحضورات. ونهاية ما في ذهن الجاني مع الكرام. الفوز منهم بالعفو الكامل والسلام.
) وكتبت (في ذيله معتذراً عن تقريظ قصيدة نظمها عمه في أهل الكسا. خالية وحرمتهم من نقص ليت ولعل وعسى. ما نصه: مولاي قبل التاريخ وصلت إلى قصيدة عمك. لا زال باقياً ترمي عن قسيه بسهمك. فعزمت على تقريظها. بعد أن صحا ذهني من خندريس تصريحها وتعريضها. فناداني العي أربع على ضلعك. هل فضل بعدما يصلح لفضلها من فضل. ولا يكاد يقدم على تقريظها إلا من يقري السلام على الإيمان. فيقول هل القرآن تجلى في صورة النظم. فعز علي إيماني. وحرمة السبع المثاني. ولم يخطر لها بخاطري مما لا يحظر فيه من القنوت. سوى أنها بين القصائد كبيت النبوة من البيوت. وأن لكل بيت منها شبهاً بالعبا لأهل العبا. ويبري صبا أنفاسها القدسية وصباً ممن صبا. وهذا مما تشهد بصحته العقول. وقل لي يا أفندي غير هذا أيش أقول. بقي يا مولانا اعذرني. وإلا فعلمني. والسلام ختام اه.) وهذه القصيدة (جعلها مقدمة مجموع مفرد في شأنه. فجمع فيه ما له من مديح أهل البيت النبوي وأركانه. قد سماه بالباقيات الصالحات. ولا يبعد أن يكون عنوانها المبشر بطي العنا يوم نشر السجلات. وقد قرطته ولكن بما خف بالنسبة إلى قدره الرزين. وكذا قرظه ولدي أبو السعود السيد عبد الله أفندي بهاء الدين. أنار الله تعالى له كواكب السعود. ولا زال تابعاً سيرتي في كل أمر محمود.
) أما تقريظي فقولي (لما ارتدى سمعي بردة سماع ما حوته هذه المجموعة المفردة الشأن. ونهض فكري الجاثي على ركبتيه يجر ذيل التعجب على هام ممسك العنان. حاك في صدر القلم أن يصف فضلها على عجزه. وأن يبتز من نسائج الفكر بردة مدح لها على ضعف بزه. فقلت له ويحك الزم حفرة دواتك فما يتسنى لك وجلالة باريك وإن بلغت السماك في سمو الهمة. أداء حق شعر لو شعرت لعلمت. أنه قد علا كعبه فغدا للعبا المحمدية سدىً ولحمة. ولعمري أن در بحوره.) علي (الشأن العظيم. ودر شطوره.) فاطم (للأذهان على ارتضاع شطور التسنيم.) وحسن (معناه أحق بالقبول مما تحكي للحس المشترك العين. ورائق مبناه أرق من دمعة شيعية تبكى وحق لها) الحسين (. وأنه لجرى أن يزين بتلاوته) السجاد (في أسود الليل صحيفته البيضاء. ويستغني بدلالته المرتاد عن النهار) الباقر (بطن غول الظلام بقرن بقرته الصفراء.) فيا لجعفر (فضله كيف أعجز) موسى (اللب أن يشقه بعصا فكره فجعل يسحل ذيل التسليم بساحليه. وقذف عن) رضى (باللآلئ حتى غدا نهر المجرة لمزيد حسده) كاظماً (غيظه عليه. فما مولى جاد به إلا) جواد (. أطلق جواد منه البهي في ميادين المنن. ونجم) هاد (بنور ذهنه) النقي (إلى) معسكر (كل أمر) حسن (. ويوشك أن يكون) مهدي (أفكاره) القائم (على كل نفس من القرايح بما كسبت من المعاني المبتكرة.) والمنتظر (للأخذ بيد أفهام ذوي الإفهام عن إلجاء دجال الوهم إياها إلى المهاوي الخطرة. ولكم أملي أبقاه الله تعالى للكرام الكاتبين من صنوف الطاعات تفاصيل وجملاً.) والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً (. أسأل الله تعالى أن يسبغ عليه في الدارين فضلاً. ويرفقه بأهل الكسا يوم يخرج الناس حفاةً عراةً غرلاً. انتهى.
) وأما تقريظه فقوله. عظم شرفه وفضله (. لازمت بيتي أياماً أتأمل في محاسن هذه القصائد. ملازمتي ولاء أهل البيت. فوقفت منها على بحر مفعم بأغلى الفرائد. لا تجري فيه سفن نقص لو أن وعسى وليت. ثم أمعنت فيها النظر. وأسمعت في نواحيها سرح الفكر. فتحققت أنها قد نصبت شباك البلاغة والفصاحة. فاصطادت عنقاء الإعجاز. وجرت ذيول الفخر في مسارح البراعة والرجاحة. فلم ترض إلا أن يكون لها على الحقيقة مجاز إلى حمى الامتياز. وبدت في ترفع لا تهوى لغير سماء الشرف آل بيت النبوة عروجاً. ولم تقبل وحق لها سوى الأئمة الاثني عشر منهم بروجاً. فيا لله تعالى حضرة مستخرج هذه الفرائد من عمان فكره المسكي المتوج بالذهب. المطرز بها بردة تعجز عن نقش حواشيها صناع الفصاحة ويعيي عنه ما في الأدب. فقد أتى بما لا يؤتى بمثله. وحاك عباً للآل لا يمكن لأحد بعده أن يحوك على نوله. وتفرد بجميع هذه الدرر. وجمع في هذه الفريدة ما لا يخطر على قلب بشر. حتى أحجم كل ذي لب عن مدحها بما تستحقه. وأذعن له بذلك كما هو حقه. فلا زال فاروقاً بين ذوي الأدب. وآتياً بما لا تستطيع تشبهاً به جميع فصحاء العرب. انتهى.
وأرسلت إليه رسالة أخرى جواباً عن قصيدته الثانية. لكنها لعطفها عما تضمنته السابقة من الفصاحة والبلاغة ثانية.) ونصها (: أحمد الله حمداً على وصول ما تفضلت به من رقيق خز النثر والنظم. وصفيق نسج وحده من مبتكرات الخال والعم. فلله تعالى أبوك كيف اصطدت عنقاء جو الغرائب بحبائل فضلك. واقتدت جوزاء سماء العجائب بحبال قمر عقلك. وكيف نقشت من الزوراء في عقد حواسي المستقيمة. فسحرتني يا بن الفاروق. وأنا في فروق. وروقت لي في كاسات الحروف ريثما خرجت من الحدباء خندريس المعاني القويمة. فأسكرتني يا رب الراووق. قبل أن أذوق.) ولقد هممت (بمجاراتك فكبا أدهم يراعي. فضاق ذرعاً عن طويل باعك ذراعي. فقلت لنفسي لا بد أن أفعل. وأنازل هذا الشاكي السلاح وإن كنت أعزل. فناداني عقلي ويحك ما الذي اعتراك. أتراك ترضى أن تقول أطفال المكاتب خرف الشيخ العربي لما عاشر الأتراك. بل كأني بالناس حتى النساء يقولون إن أقدمت على ما تروم. سبحان الله تعالى عاد فيل ذهنه وهو ابن سيد قريش عنكبوتاً في حجر الروم. فأربع فديتك على نفسك. ودعني من تسويد قراطيس شهرتك بنفسك. فعند ذلك جعلت يدي لثام فمي وحبست في غار دواتي جان قلمي. إلا أني بعد برهة استأذنت في إفادة الحال. فحررت هذه الأحرف ومعاذ الله أن يمر بفكري قصد النزال. فأحمد الله سبحانه إليك ثم أحمد. وأرجوك أن تدعو لي بالسلامة والعود أحمد. فقد عظمت مني الأشواق. إلى ربوع العراق. وضعفت طاقتي عن تحمل الفراق. وقويت صبوتي لسماع شيطان شعرك يا ملك الطاق. ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لما قلقت ركائبي. ولا ارتحلت عن أرضٍ حلت بها عني التمائم أيدي شبابي. ولا أرقت لذكر أحبابٍ ذوي أدب. ينسل ياجوج الذكاء وماجوج الدهاء إلى حدائبهم من كل حدب. ولكن حدود الإرادة الربانية. لا يتسنى لرسوم العبودية أن تتعداها وأنى لهاتيك الأمنية.) ومن كتبت عليه خطا خطاها (. فأسأل الله ﷿ أن يحلي بلطفه اللطيف صحيفة رحلتي عن دياري. ويجعل مسك فضله المنيف ختام العود بالخير إلى أحبابي وسماري. هذا وسلام الله ورحمته وبركاته عليكم. وعلى من ينتمي من ذوي النهي في الغدو والرواح إليكم. انتهى.
) وأرسل لي (ذو الفضل الجليل الجلي. مدامي وراووقي. حضرة عبد الباقي أفندي الفاروقي. عدة أبيات. على شعراء العصر أبيات. تتضمن مدح هذا الفقير. الذي هو بالقدح جدير.
) منها قوله (:
مهما هممت بأن أحرر ما جرىمن بعد بعدكم بصدر كتاب
من مقلتي على المهارق دحرجتأكر الدموع صوالج الأهداب
فلذا تراني والصبابة مشربيذا صبوة لملاعب الأحباب
أهفو لمن سكنوا فروق وحركوابالكسر قلب أخي هوى وتصابي
يرعى النجوم بأعين أهدابهابانت معلقة بذيل شهاب
) ومنها قوله (:
سبقت شهاب الدين والشهب تسبقفأرسلت ما يندي علي ويعبق
كتاب كما يتلى الكتاب خلاً لهحديث كما يروى الحديث المصدق
أضاء الفضا في صفح ما قد خططتهكما ضاء في وجه الحقيقة نورق
أعدت إلى الدنيا فتاة وربماغلاماً كلا الوجهين في الحسن ريق
وآنستني من وحشة فكأنمامددت على الظل والشمس تحرق
أخذت بأطراف الكمال فحزتهفخط الورى منه الذي تتصدق
جمعت معاني الحسن في طي مهرقولم أحتسب أن يجمع الحسن مهرق
وهبنا شدونا كالبلابل أنهجميع المعاني في مديحك تنطق
ولا فضل لي إلا القصائد إنهاآماؤك يجلوها بياني فتشرق
وماذا عسى نهدي إليك وأنناجداول في تيار بحرك نغرق
وما زلت تهدي كل حين جواهراًفتخزن منها ما نشاء وتنفق
أيرى فضلاء العصر دونك قصرتإلى عفوك الأدنى تحب وتعنق
وجدتك شمس العلم أشرق نورهافلست أراعي كوكباً يتألق
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع