تجاوز إلى المحتوى

من «غرائب الاغتراب ونزهة الألباب» لشهاب الدين الألوسي (ت ١٢٧٠هـ)

خاتمة (٥)

) ومنها (ما جرى في قول الناس) رب يسر ولا تعسر (حيث قال حضرة المولى أن التيسير. يوجب ترك التعسير. كعكسه فكان على القائل أن يكتفي بطلب أحدهما فقلت يا مولاي ومولى العلماء. لا بأس بالجمع بين المتلازمات في مقام الدعاء. وفي الأدعية المأثورة من ذاك ما لا يحصى. ولا يكاد يستقصى. على أن صيغة أفعل لا تقتضي التكرار بخلاف صيغة لا تفعل على ما حقق في كتب الأصول. ويمكن أن يقال على بعدٍ لعل القائل يعتبر مفعول الأول المحذوف غير مفعول الثاني بحيث لا يتوهم تلازم مع ذلك أصلاً فليتأمل.

) ومنها (ما جرى في أمر الابتداء بالساكن هل هو التعذر أم التعسر وذكر ما في المواقف وشرحه في ذلك.) فقلت (يا مولاي الذي يتحرك إليه ذهني الساكن اختيار التفصيل في هذا المقام. وهو أنه إن أريد بالساكن العاري عن الحركات الثلاث المعروفة في اللغة العربية. فالابتداء به متعسر لا متعذر. وإن أريد به العاري عن تلك الحركات وعن الحركات التي في غير العربية المشابهة لما عند الفرس من حرف بين حرفين فالابتداء متعذر. ولعل الوجدان شاهد بذلك. فقال لم يزل طائر فكري على وكر هذا التفصيل يحوم. والله تعالى أعلم.

) ومنها (ما جرى في مسألة الجبر والتفويض. وما في ذلك من الكلام الطويل العريض. وذلك أني حضرت يوماً من الأيام. حلقة بعض المدرسين في علم الكلام. فرأيته يقرر هاتيك المسئلة المشكلة. ويحاول أن يحل ببنان بيانه تلك العويصة المعضلة. فتوجهت إليه بشراشري. وأقبلت نحوه بباطني وظاهري. رجاء أن ينفلق لي صدف تقريره عن دره. وينهل سحاب بيانه بوابل سره. فانفلق الصدف. عن سرف. وانهل السحاب. بكذاب. واستقر كلامه في الآخر. على أن من قال أن إرادة العبد مخلوقة لله تعالى فهو كافر. فإنها مخلوقة للعباد. وللعبد أن يصرفها حيث أراد. وبذلك ختم الكلام. فقمت أجر ذيل التعجب مع من قام. فأسررت في أثناء عدوي لبعض طلبته. أن الشيخ قد أعظم الفرية في آخر كلمته. فإن الإرادة إذا كانت مما الخارج ظرف لوجوده فلا ينتطح كبشان. في أنها مخلوقة لله تعالى كسائر الأعيان. وإن كانت مما الخارج ظرف له فأي ضرر إذا قيل أنها مخلوقة لله ﷿ بمعنى أنه سبحانه أخرجها من العدم إلى أن كان الخارج ظرفاً لها. وقد نص العلامة الكوراني على مخلوقية ما الخارج ظرف له ولم يفرق بينه وبين ما الخارج ظرف لوجوده في رسالته الرادة على المقدمات الأربع في توضيح الأصول وأطال الكلام في ذلك المقام. وأيضاً كيف يتسنى للعبد إخراجها من العدم المحض ولا يتسنى للمعبود ذلك وقد قال سبحانه) وما تشاؤون إلا أن يشاء الله (قال غير واحد من المفسرين أي إلا أن يشاء الله مشيئتكم فمشيئة العبد وهي الإرادة خلافاً لبعض غلاة الشيعة الموسومين في زماننا بالكشفية مشاءةً لله ﷿. وقد ذهب إلى ما أنكره شيخكم أجلة أخيار. فكيف يسوغ له ما سمعت من الأكفار. فقال يا مولانا أنا من ضعفاء الطلاب. وأين أنا من أن أقابلك بالجواب. وكأنه بعد أن ذهبت إلى رحلي. عرض على شيخه قولي. فلم أشعر في اليوم الثاني. إلا وحجرتي قد امتلأت إلى حنجرتها بعلماء وطلبة تلك المغاني. فتقدم إلي كبيرهم فقال أأنت القائل بالأمس كيت وكيت. فأبت نفسي الإنكار مع أنه ليس من يدفع عني لو أرادوا بي سوءاً في البيت. فقلت نعم قلت ذاك نقلاً عن الشيخ إبراهيم الكوراني. فقالوا نحن لا نقبل إلا كلام إسماعيل أفندي الكلبنوي في هذه المطالب والمعاني. وهو الذي قال ما سمعته بالأمس. فقلت هو أجل من أن يقول ما بطلانه أظهر من الشمس. فلما رأيت كثرة القال والقيل. قلت دعوا بحث إبراهيم وإسماعيل. وتعالوا نترافع إلى كتاب الله تعالى الجليل. فقالوا من يجاريك في التفسير في هذه الديار. وأنت الذي فسر القرآن العظيم بعدة أسفار. فقلت نترافع إذاً إلى السنة. فقالوا بحث التركي مع العربي في ذاك محنة. ثم كثر اللغط. وتصالحنا على أن الشيخ في الإكفار غلط. ثم خرجوا من الدار. واستولت علي من خوف مكرهم جنود الأفكار. فهرولت إلى حضرة شيخ الإسلام. وعرضت له ما كان من البدء إلى الختام. فقال لا تتعرض القوم بعد باعتراض. وعليك بالإغماض في كلامهم والإعراض. فهم قوم يتعصبون على الغريب. وينسبون إليه الخطأ ولو كان هو المصيب. وربما يفترون عليه ما يحل دمه. ويعظم ندمه. فقلت يا مولاي تبت على يديك. ولا عدت أذهب إلى أحدٍ من العلماء إلا إليك. ثم أخذنا بأهداب هاتيك المسألة. وقرر هو خلاصة ما ذكره لتحقيقها الكوراني في رسائله المختصرة والمطولة. فقلت يا مولاي أظن أن الرجل قد عرف. ورمى عن قسي التوفيق فأصاب الهدف. فأنشد سلمه الله تعالى:

وكل يدعي وصلاً بليلىوليلى لا تقر لهم بذاكا
للشاعر الشمالي جمهور سفر العصيمي، من قصيدة «المدينه المنوره»

ثم قال ما تسلك أنت في أفعال العباد. فقلت أسلك والحمد لله تعالى فيها مسلك السداد. وأختار واضعاً له على الرأس والعين. ما قاله في رسالته النظامية العلامة إمام الحرمين. فقد لصق من الصغر بقلبي. وغاص إذ كبرت في أعماق لبي. ومع ذا فأنا أسأل الله تعالى التوفيق لما يعلم سبحانه أنه أحرى. وأقوي سبباً للنجاة في الأخرى. هذا ولعلك تحب الاطلاع على مذهب ذلك الإمام. فاستمع لما نتلوه عليك من جليل الكلام.) فأقول (الناس في إثبات القدرة في العبد وتأثيرها ونفي ذلك مختلفون. فالجبرية. على نفي القدرة بالكلية. فلا فرق عندهم بين حركة الساقط من علو وحركة الماشي لقضاء أمر مهم مثلاً. وفي ذلك إنكار للوجدان. والأشاعرة على إثباتها مقارنةً للفعل ونفي تأثيرها ومدخليتها في إيجاد الفعل. وسمى معظمهم تلك المقارنة كسباً وهو في معنى نفيها إذ هي عندهم كاليد الشلاء فلا فرق بين مذهبهم ومذهب الجبرية معنى. ولذا سماهم بعض الخصوم مجبرة. والمعتزلة على إثبات القدرة في العبد مؤثرة بالاستقلال. فالعبد يفعل بها ما يشاء. وإن لم يشأ رب الأرض والسماء. والمحققون من أهل السنة كما قال الكوراني على إثبات قدرةٍ فيه خلافاً للجبرية مؤثرة خلافاً للأشاعرة بإذن الله تعالى لا استقلالاً ولا حول ولا قوة إلا بالله. وإمام الحرمين في مبدأ أمره كان يرى رأي الأشاعرة الذي سمعت آنفاً. قال في الإرشاد واتفق أئمة السلف قبل ظهور البدع والأهواء على أن الخالق هو الله تعالى ولا خالق سواه. وأن الحوادث كلها حدثت بقدرة الله تعالى من غير فرقٍ بين ما يتعلق قدرة العباد وبين ما لا يتعلق. فإن تعلق الصفة بشيءٍ لا يستلزم تأثيرها فيه كالعلم بالمعلوم والإرادة بفعل الغير. فالقدرة الحادثة لا تؤثر في مقدورها أصلاً انتهى. ثم أنه رجع في النظامية إلى ما عليه المحققون وقد نقل ابن القيم كلامه في شفاء العليل. وقال إنه أقرب إلى الحق مما قاله الأشعري وابن الباقلاني ومن تابعهما إلى أن قال. ونحن نذكر كلامه بلفظه.) قال (قد تقرر عند كل حاظٍ بمقله مترقٍ عن مراتب التقليد. في قواعد التوحيد. إن الرب ﷾ مطالب عباده بأعمالهم في حياتهم. وداعيهم إليها ومثيبهم ومعاقبهم عليها في مآلهم. وتبين بالنصوص التي لا تتعرض للتأويلات أنه أقدرهم على الوفاء بما طلبهم به ومكنهم من التوصل إلى امتثال الأمر. والانكفاف عن مواقع الزجر. ولو ذهبت أتلو الآي المتضمنة لهذه المعاني لطال المرام. ولا حاجة إلى ذلك مع قطع اللبيب المنصف به. ومن نظر في كليات الشرائع وما فيها من الاستمحاث والزواجر عن الفواحش الموبقات. وما نيط ببعضها من الحدود والعقوبات. ثم تلفت على الوعد والوعيد وما يجب عقده من تصديق المرسلين في الأنباء عما يتوجه على المردة العتاة. من الحساب والعقاب. وسوء المنقلب والمآب. وقول الله تعالى لهم لم تعديتم. وعصيتم وأبيتم. وقد أرخيت لكم الطول. وفسحت لكم المهل. وأرسلت الرسل. وأوضحت الحجة. لئلا يكون للناس على الله حجة. وأحاط بذلك كله. ثم استراب في أن أفعال العباد واقعة على حسب إيثارهم. واختيارهم واقتدارهم. فهو مصاب في عقله. أو مستقر على تقليده مصمم على جهله. ففي المصير إلى أنه لا أثر لقدرة العبد في فعله قطع طلبات الشرائع والتكذيب بما جاء به المرسلون. فإن زعم من لم يوفق لمنهج الرشاد أنه لا أثر لقدرة العبد في مقدره أصلاً. وإذا طولب بمتعلق طلب الله تعالى بفعل العبد تحريماً وفرضاً. ذهب في الجواب طولاً وعرضاً. وقال الله تعالى أن يفعل ما يشاء ولا يتعرض للاعتراض عليه المعترضون.) لا يسأل عما يفعل وهم يسألون (. قيل له ليس لما جئت به حاصل. كلمة حق أريد بها باطل. نعم يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد ولكن يتقدس عن الخلف ونقيض الصدق. وقد فهمنا بضرورات المعقول. من الشرع المنقول. أنه عزت قدرته طالب عباده بما أخبر أنهم متمكنون من الوفاء به فلم يكلفهم إلا على مبلغ الطاقة والوسع. في موارد الشرع. ومن زعم أنه لا أثر للقدرة الحادثة في مقدورها كما لا أثر للعلم في معلومه فوجه مطالبة العبد بأفعاله عنده كوجه مطالبته بأن يثبت في نفسه ألواناً وإدراكات وهذا خروج عن حد الاعتدال. إلى التزام الباطل والمحال. وفيه إبطال الشرائع ورد ما جاء به النبيون عليهم الصلوة والسلام. فإذا لزم الصبر إلى القول بأن

القدرة الحادثة تؤثر في مقدورها واستحال إطلاق القول بأن العبد خالق أعماله فإن فيه الخروج عما درج عليه سلف الأمة واقتحام ورطات الضلال. ولا سبيل إلى وقوع فعل العبد بقدرته الحادثة والقدرة القديمة. فإن الفعل الواحد يستحيل حدوثه بقادرين إذ الواحد لا ينقسم. فإن وقع بقدرة الله تعالى استقل بها وسقط أثر القدرة الحادثة ويستحيل أن يقع بعضه بقدرة الله تعالى فإن الفعل الواحد لا بعض له. وهذه مهواة لا يسلم من غوائلها إلا مرشد موفق. إذ المرء بين أن يدعي الاستبداد وبين أن يخرج نفسه عن كونه مطالباً بالشرائع. وفيه إبطال دعوة المرسلين. وبين أن يثبت نقسه شريكاً لله تعالى في إيجاد الفعل الواحد. وهذه الأقسام بجملتها باطلة ولا ينجى من هذا الملتطم ذكر اسمٍ محضٍ ولقبٍ مجردٍ من غير تحصيل معنى. وذلك أن قائلاً لو قال العبد مكتسب وأثر قدرته الاكتساب والرب تعالى مخترع خالق لما العبد مكتسب له. قيل ما الكسب وما معناه. وأديرت الأقسام المتقدمة على هذا القائل فلا يجد عنه مهرباً. ثم قال فتقول قدرة العبد مخلوقة لله تعالى باتفاق القائلين بالصانع والفعل المقدور بالقدرة الحادثة واقع بها قطعاً ولكنه يضاف إلى الله تعالى تقديراً وخلقاً فإنه وقع بفعل الله تعالى وهو القدرة وليست القدرة فعلاً للعبد وإنما هي صفته وهي ملك لله تعالى وخلق له. فإذا كان يوقع الفعل خلقاً لله تعالى فالواقع به مضاف خلقاً إلى الله تعالى وتقديراً. وقد ملك الله تعالى العبد اختياراً يصرف به القدرة. فإذا أوقع بالقدرة شيئاً آل الواقع إلى حكم الله تعالى من حيث أنه وقع بفعل الله تعالى ولو اهتدت إلى هذا الفرقة الضالة لم يكن بيننا وبينهم خلاف ولكنهم ادعوا استبداداً بالاختراع. وانفراداً بالخلق والابتداع. فضلوا وأضلوا. وتبين تميزنا عنهم بتفريغ المذهبين. فإنا لما أضفنا فعل العبد إلى تقدير الله تعالى قلنا أحدث الله تعالى القدرة في العبد على أقدار أحاط بها علمه وهيأ أسباب الفعل وسلب العبد العلم بالتفاصيل وأراد من العبد أن يفعل فأحدث فيه دواع مستحثةً وخيرةً وإرادةً. وعلم أن الأفعال ستقع على قدرٍ معلوم فوقعت القدرة التي اخترعها للعبد على ما علم وأراد فاختيارهم واتصافهم بالاقتدار والقدرة خلق الله تعالى ابتداءً ومقدورها مضاف إليه مشيئةً وعلماً وقضاءاً وخلفاً وفعلاً من حيث أنه نتيجة ما انفرد بخلقه وهو القدرة ولو لم يرد وقوع مقدورها لما أقدره عليه ولما هيأ أسباب وقوعه ومن هدي لهذا استمد له الحق المبين فالعبد فاعل مختار مطالب مأمور منهي وفعله تقدير لله تعالى مراد له خلق مقضي) ونحن (نضرب في ذلك مثلاً شرعياً يستروح إليه الناظر في ذلك) فنقول (العبد لا يملك أن يتصرف في مال سيده ولو استبد بالتصرف فيه لم ينفذ تصرفه فإذا أذن له في بيع ما له فباعه نفذ والبيع في التحقيق معزو إلى السيد من حيث أن سببه أذنه ولولا أذنه لم ينفذ التصرف ولكن العبد يؤمر بالتصرف وينهى ويوبخ على المخالفة ويعاقب. فهذا والله الحق الذي لا غطاء دونه ولا مراء فيه لمن وعاه حق وعيه. وأما الفرقة الضالة فإنهم اعتقدوا انفراد العبد بالخلق ثم صاروا إلى أنه إذا عصى فقد انفرد بخلق فعله ولرب كاره له فكان العبد على هذا الرأي الفاسد مزاحماً لربه ﷿ في التدبير موقعاً ما أراد إيقاعه شاء الرب أو كره. ثم قال بعد ورقةٍ أو أكثر قد أطلت أنفاسي ولكن لو وجدت في اقتباس هذا العلم من يسرد لي هذا الفصل لكان وحق القائم على كل نفسٍ بما كسبت أحب إلى من ملك الدنيا بحذافيرها طول أمدها قال ابن القيم انتهى كلامه بلفظه. وهذا توسط حسن بين الفريقين وقد أنكره عليه عامة أصحابه. منهم الأنصاري شارح الإرشاد وغيره وقالوا هو قريب من مذهب المعتزلة ولا يرجع الخلاف بينه وبينهم إلا إلى الاسم انتهى.) وقال (الشيخ السنوسي وما نقل عن إمام الحرمين من أن القدرة الحادثة تؤثر في الأفعال. لكن لا على سبيل الاستقلال. بل على أقدارٍ قدرها الله تعالى. فهو قول مرغوب عنه لا يصلح القول به ولا تقليده في ذلك لفساده قطعاً. وعدم جريه على السنة عقلاً ونقلاً. لأن القدرة الحادثة على مقتضى هذا القول أما أن يكون من صفة نفسها إيجاد الفعل الذي تتعلق به أولاً. فإن كان الأول لزم عند تعلقها بالفعل. أما سلب صفتها النفسية إن لم تؤثر في الفعل

وكان الموجد هو الله تعالى أو غلبتها لقدرته تعالى إن كانت هي التي أثرت في الفعل وفرضت أن الله تعالى أراد أن يوجد ذلك الفعل بقدرته وكلا الأمرين محال. ولا يدفع محذور ما لزم من العجز والغلبة في الثاني. قوله إن تأثيرها إنما هو على وفق إرادته تعالى لأن التأثير إذا قدرنا أنه صفة نفسية للقدرة الحادثة لم يمكن أن يتوقف ثبوته لها على شيء أصلاً. وإن كان الثاني وهو أن التأثير ليس صفة نفسية للقدرة الحادثة لزم أن تفتقر إلى معنىً يقوم بها ويوجب لها التأثير. وحينئذ ننقل الكلام إلى ذلك المعنى الذي أوجب لها التأثير هل ذلك أيضاً من صفة نفسية أو لمعنىً قام به ويلزم التسلسل أو قيام المعنى بالمعنى انتهى.) وأقول (كلام شارح الإرشاد. خارج عن مسلك السداد. فكلام الإمام في التصريح بأن القدرة الحادثة تؤثر في مقدورها وأن فعل العبد تقدير لله تعالى مراد له) وحاصله (إن قدرة العبد تؤثر فيما تعلقت به مشيئته إذا شاء الله تعالى لا على الاستقلال. وفيه أيضاً التصريح بأن المعتزلة قائلون بانفراد العبد بخلق فعله وأن فعله ليس بتقدير الله تعالى. وإن العبد إذا عصا بترك مأمور أو فعل منهي فقد انفرد بخلق فعله والله تعالى لا يريد ذلك. فعندهم يشاء الله تعالى ما لا يكون من المأمور ويكون ما لا يشاء من المنهي. وهذا فرق واضح مظهر لكون قول الإمام جارياً على السنة بخلاف قول المعتزلة فإنه مصادم لنص) لا قوة إلا بالله (ونص) وما تشاءون إلا أن يشاء الله وأما ما أورده السنوسي (فجوابه أن تقول إن أردتم بأن القدرة الحادثة من صفة إيجاد الفعل أنها تؤثر على غير وفق إرادة العبد التابعة لإرادة الله تعالى فنختار أنها ليست من صفة نفسها إيجاد الفعل كذلك.) قولكم (فيلزم أن تفتقر إلى معنى يقوم بها ويوجب لها التأثير الخ قلنا لا يلزم ذلك لأنها عندنا صفة تؤثر وفق الإرادة فلا تحتاج لا إلى تعلق إرادة العبد التابعة لإرادة الله تعالى بالفعل وتعلق الإرادة بالفعل نسبة بين الإرادة والفعل المقدور لا معنى قائم بالقدرة فلا تسلسل ولا قيام المعنى بالمعنى. وإن أردتم أنها من صفة نفسها أن تؤثر في إيجاد الفعل الذي تعلقت به مشيئته التابعة لمشيئة الله تعالى فنختار أنها كذلك.) قولكم (يلزم سلب صفتها النفسية إن لم تؤثر وكان الموجد هو الله تعالى أو غلبتها لقدرته تعالى إن أثرت وأراد الله تعالى أن يوجده بقدرته وكلا الأمرين محال. قلنا لا يلزم شيء من المحالين لأن الفعل الذي تعلقت به مشيئة العبد إن تعلقت به مشيئة الحق تعالى أيضاً فلا يمكن أن لا تؤثر لأن القدرة صفة تؤثر على وفق مشيئة العبد التابعة لمشيئة الله تعالى فلا يتخلف تأثيرها عن تعلق المشيئة الإلهية فلا يلزم سلب الصفة النفسية ولا غلبتها لقدرة الله تعالى لأن الله تعالى قد شاء ذلك أي أن يقع ذلك الفعل بواسطة قدرة العبد فلا بد من وقوعه بقدرته بمشيئة الله تعالى فلم يقع إلا ما شاء الله تعالى أن يقع لكن بواسطة قدرة العبد التي هي من آثار قدرته ﷿ لحكمة مع الغنى عن ذلك. فما شاء تعالى كان بواسطة أو بلا واسطة. وما لم يشأ لم يكن. فلا غلبة ولا سلب للصفة النفسية. وإن كان الفعل الذي تعلقت به مشيئة العبد لم تتعلق به مشيئة الله تعالى فلا يمكن أن تؤثر قدرة العبد فيه أصلاً إذ لا تؤثر على وفق مشيئته إلا إذا كانت تابعة لمشيئة الله تعالى فإذا انفردت فلا تأثير إذ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فلا يتصور الغلبة إلا على فرض أن تتعلق مشيئة الحق تعالى بغير ما تعلقت به مشيئة العبد. والإمام لا يقول بتأثير قدرة العبد فيما لم تتعلق به مشيئة الحق تعالى لتصريحه بأن فعل العبد مقدور مراد الله تعالى فعند اختلاف الإرادتين لا إيجاد لقدرة العبد فلا غلبة لها) والحاصل (أن ما أورده السنوسي من المحذورين لا يلزم شيء منه إلا على تقدير الاستقلال واختلاف تعلق الإرادتين كما هو مذهب المعتزلة القائلين بأن الله تعالى يشاء ما لا يكون ويكون ما لا يشاء. وأما على تقدير عدم الاستقلال واتفاق المشيئتين. فلا لزوم أصلاً لشيء من المحذرين. وهو ظاهر لمن يرى. والحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى. ولله تعالى در من قال:

تنكب من طريق الجبر واحذروقوعك في مهاوي الاعتزال
وسر وسطاً طريقاً مستقيماًكما سار الإمام أبو المعالي

واعترض بأنه يفهم مما ذكر صريحاً إن قدرة العبد واسطة في وقوع ما أراده الله تعالى من فعل العبد. والمشهور عن الأشعري نسبة جميع الكائنات إليه تعالى ابتداءاً حتى قال بعض الأشاعرة من قال أن الأسباب تؤثر بقوة أودعها الله تعالى فيها فهو فاسق مبتدع. وفي كفره قولان. وأجيب بأنه كيف يتأتى إنكار الواسطة بعد نحو قوله تعالى) قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم (وقوله تعالى) ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض (وقوله عليه الصلوة والسلام) أنا الماحي يمحو الله بي الكفر (وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم) ألم أجدكم ضلالاً فهداكم الله بي (إلى غير ذلك) وفي شفاء العليل لابن القيم (إن الله تعالى ربط الأسباب بمسبباتها شرعاً وقدراً وجعل الأسباب محل حكمته في أمره الديني الشرعي وأمره الكوني القدري ومحل ملكه وتصرفه فإنكار الأسباب والقوى جحد للضروريات وقدح في المعقول والفطر ومكابرة للحس وجحد للشرع والجزاء فقد جعل الله تعالى مصالح العباد في معاشهم ومعادهم والثواب والعقاب والحدود والكفارات والأوامر والنواهي والحل والحرمة كل ذلك مرتبطاً بالأسباب قائماً بها بل العبد نفسه وصفاته وأفعاله سبب لما يصدر عنه والقرآن مملوء من إثبات الأسباب. وساق الكلام في ذلك. إلى أن قال ولو تتبعنا ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسنة لزاد على عشرة آلاف موضع ولم نقل ذلك مبالغةً بل حقيقةً. ثم قال ويا لله تعالى العجب إذا كان الله تعالى خالق السبب والمسبب. وهو الذي جعل هذا سبباً لهذا والأسباب والمسببات طوع مشيئته وقدرته منقادة لحكمه فأي قدح يوجب ذلك في التوحيد وأي شرك يترتب على ذلك بوجهٍ من الوجوه إلى آخر ما قال. وذكر العلامة البيضاوي عند الكلام على قوله تعالى) وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات (إنه تعالى قادر أن يوجد الأشياء كلها بلا أسباب ومواد كما أبدع نفوس الأسباب والمواد ولكن له تعالى في إنشاءها مدرجاً من حال إلى حال صنائع وحكماً يجدد فيها لأولي الأبصار عبراً وسكوناً إلى عظيم قدرته ليس في إيجادها دفعة انتهى. وفيه إشارة إلى دفع شبهة الاستكمال بالغير ولزوم التسلسل فتأمل. ومن أقوى ما يستدل به على أن الله تعالى أودع في بعض الأشياء ما أودع كالنار أودع فيها قوة الإحراق لكنها لا تحرق إلا بإذنه قوله تعالى) يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم (فإن النار إذا لم يكن بينها وبين الماء فرق كما زعمت الأشاعرة سوى أنه جرت عادة الله تعالى بالإحراق عندها لأنها ولم تجر عادته سبحانه بالإحراق عند الماء بل جرت بالري أو الإغراق عنده لا به فهما سيان في الخلو عن قوة مودعة فيهما. لكان لها أن تقول يا رب أي شيء أودعت في حتى تقول لي كوني برداً وسلاماً ويدل على التأثير بالأذن قوله تعالى) وما هم بضارين به من أحدٍ إلا بإذن الله (بناءاً على أحد المذهبين في الاستثناء. وكذا يدل عليه غير ذلك مما يطول ذكره. وتأويل جميع ما ظاهره إثبات الواسطة خروج عن دائرة الإنصاف) ثم اعلم (أنه كثيراً ما يسأل في هذا المقام ويقال إن تأثير قدرة العبد إذا كان تابعاً لإذن الله تعالى ومشيئته الفعل تابعة لمشيئة الله تعالى فلم يشاء الله تعالى من العبد الكفر مثلاً ليشاءه العبد فتتعلق بها قدرته وتؤثر على وفق إرادته التابعة ثم يعذبه عليه يوم القيامة وهو سبحانه الذي سبقت رحمته غضبه أن لا تكون بذلك للعبد حجة على ربه ﷿ بأن يقول له سبحانه يا رب أنت الذي شئت كفري مثلاً وما لي بعد مشيئتك متأخر ومتقدم) فيقال (لا بد في الجواب من مقدمة وهو أن للأشياء المعدومة الممكنة ثبوتاً في نفس الأمر ومعنى كونها ثابتة في نفس الأمر أنها ثابتة في نفسها أي أن ثبوتها لا يتوقف على فرض فارض بل ثبوتها في نفسها متحقق من غير فرض وثبوتها في نفسها بهذا المعنى هو ثبوتها في علم الله تعالى باعتبار عدم مغايرته للذات وهذا أحد اعتباري العلم.) وثانيهما (أنه اعتبار ليس عين الذات وبهذا الاعتبار يقال العلم نابع للمعلوم دون الاعتبار الأول لأن التبعية نسبة تقتضي طرفين متمايزين ولو بالاعتبار ولا تمايز عند فرض عدم المغايرة اعتباراً بخلافه على الاعتبار الآخر لتحقق التمايز النسبي عليه المصحح للتبعية والمعلوم الذي يتبعه العلم هو ذات الحق تعالى بجميع شؤونه ونسبه واعتباراته. ومن هنا يقول المحققون علمه

تعالى بالأشياء أزلاً عين علمه بنفسه. ثم أن ماهيتها غير مجعولة أي أنها بذواتها ليست أثر الفاعل لأن ذواتها هي المعدومات الثابتة في نفس الأمر والثبوت في نفس الأمر لها أزلي لتوقف تعلق العلم الأزلي بها على تمايزها المتوقف على ثبوتها وما توقف عليه التعلق الأزلي فهو أزلي بالضرورة ولا شيء من الأزلي بمجعول. لأن الجعل تابع للإرادة التابعة للعلم التابع للمعلوم الثابت. فالثبوت متقدم على الجعل بمراتب فلا تكون الماهيات من حيث الثبوت أثراً للجعل والإكثار وإنما تكون مجعولة في وجودها لأن وجود العالم حادث وكل حادث مجعول. والحاصل لا مجعول إلا الصور الوجودية للأشياء وأما حقائقها فلا صور لها في الأزل وجودية ولا خارجية ولا مثالية مرتسمة في ذات الحق تعالى حادثة بالحدوث الذاتي كما ثيل بل هي نسب واعتبارات أزلية أعني أنها أعيان النسب والاعتبارات الأزلية التي هي أمور عدمية ثبوتية لا صور وجودية مثالية. ثم أن ثبوتها النفس الأمري كافٍ لتعلق العلم الأزلي بها وانكشافها للحق تعالى فهي بذواتها منكشفة له تعالى من غير حاجة إلى صور مثالية مرتسمة فيه أو في العقل الأول على ما يزعمه بعض جهلة الفلاسفة. ثم أن الصور الوجودية الخارجية للأشياء إنما تجعل لها على وفق ما هي عليه في نفس الأمر فهي في الأزل طالبة لها بلسان استعدادها فيما لا يزال وحيث أنه سبحانه كريم. وجواد حكيم. يفيض عليها ما طلبته ويعطيها ما هي عليه في نفس الأمر كما يشعر بذلك قوله تعالى) أعطى كل شيء خلقه (حيث أضاف سبحانه الخلق إلى ضمير الشيء ولم يقل سبحانه خلقاً والحكمة تأبى أن يعطى الشيء ويفيض عليه خلاف ما هو عليه في نفس الأمر) إذا علمت ذلك (فمشيئة الله تعالى كفر الكافر مثلاً لأن استعداده الأزلي طلبه والحكمة اقتضته فما كان الله تعالى ليمنعه إياه وإن أضر به ولذا قال سبحانه) وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (وقال عليه الصلوة والسلام) فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه (ويظهر حقيقة ذلك للعصاة يوم القيامة. ومن هنا يقول الكفار) غلبت علينا شقوتنا (ويقول إبليس لأهل النار) لا تلوموني ولوموا أنفسكم (فالكافر مثلاً لا بد أن يعصي ويكفر وإلا لزم انقلاب العلم جهلاً وهو محال ولذا قال سبحانه في حق الكفرة المعذبين) ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه (لكنهم لا يعصون إلا باختيارهم وهم مجبورون في عين الاختيار) لا يقال (إذاً يلزم التكليف بالمحال ضرورة إن كل فعل للعبد اقتضى استعداده الأزلي أنه لا يقع ممتنع الوقوع تحقيقاً لكون العلم تابعاً للمعلوم كاشفاً له كشفاً إحاطياً دفعاً للانقلاب) لأنا نقول (مدار التكليف على الإمكان العقلي والإيمان من الممكنات العقلية وإنما كلف الله سبحانه الكفار وأرسل إليهم الرسل وهو ﷿ يعلم سوء اختيارهم الذي اقتضاه سوء استعدادهم الأزلي الغير المجعول وكذا سائر المكلفين لاستخراج سر ما سبق به العلم التابع للمعلوم من الطوع والآباء في المكلفين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل فإن الله تعالى لو أدخل كلاً داره التي سبق العلم بأنها داره لربما كتموا ما ينكشف من حقيقة الحال أو غفلوا عنه أو تشبثوا بالاعتراض قبل الانكشاف فكان شأنهم ما وصفه الله تعالى بقوله) ولو إنا أهلكناهم بعذابٍ من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى (فأرسل ﷿ رسله مبشرين ومنذرين ليستخرج ما في استعدادهم من الطوع والإباء.) ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة. وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين (وتقوم به الحجة على الآخرين إذ بعد الذكرى وتبليغ الرسل تتحرك الدواعي للطوع والأباء بحسب الاستعداد الأزلي فيترتب عليه الفعل أو الترك بالمشيئة التابعة للعلم التابع للمعلوم الثابت الأزلي. فيترتب عليه الضر والنفع من الثواب والعقاب. فمتى قال الكافر مثلاً يا رب لم شئت كفري حتى شئته أنا وفعلته فعذبتني قال الله تعالى له لم أشأ ذلك إلا لسبق علمي بك كافراً في حد ذاتك فما أنت والكفر إلا كالأربعة مثلاً والزوجية من وجهٍ فأبرزتك حسبما علمتك وعلمنك حسبما أنت عليه ومع ذا لم أمنعك فضلي فأرسلن إليك رسلي مبشرين ومنذرين. مرغبين ومرهبين. فأبيت إلا الكفر فأي قصور مني في رعايتك. وأي بخل يروى عني بأسباب هدايتك. ومتى قال

يا رب كان عليك أن لا تخلقني وتدعني جليساً في زوايا العدم وتتركني. يقول الرب يا عبدي شأني الجود. وإفاضة الوجود. لا سيما وقد طلبته مني بجميع شراشرك. واقترحته علي بباطنك وظاهرك. وأنا الملك الحكيم. والرب الكريم. والإيجاد في نفسه رحمة. ولا يضر في ذلك أنه قد يترتب عليه نقمة. لا سيما إن كان ذلك مما تقتضيه الحكمة) قال الشيخ محيي الدين قدس سره (هذا يعني طلب الاستعداد الأزلي الغير المجعول لما يكون عليه العبد في الخارج هو حجة الله تعالى البالغة المذكورة في قوله تعالى) ولله الحجة البالغة (وإلى ذلك الطلب يشير ما حكي من أن علياً كرم الله تعالى وجهه دخل يوماً على عمر رضي الله تعالى عنه فرآه مغموماً فقال له ما عراك يا أمير المؤمنين فقال خوف سوء الخاتمة. فقال أما أنا فخوفي من سوء الفاتحة. فافهم ذاك. والله تعالى يتولى هداك.) لا يقال (يترائى من خلال الكلام أن للعلم التابع للمعلوم مدخلاً في وجود الفعل وامتناعه وسلب القدرة والاختيار ويلزم ذلك أن لا يكون الله ﷿ فاعلاً مختاراً لكونه سبحانه عالماً بأفعاله وجوداً وعدماً وهو خلاف مذهب المسلمين) لأنا نقول (ذاك غير لازم لأن الله تعالى غني بالذات عن العالمين ومقتضى غناه عنهم أن لا يكون صدور شيء من أجزاء العالم لازماً لذاته وكلما كان كذلك جاز أن يرجح ما شاء منها لداع أو غير داع لأن الله تعالى غني حميد وكلما. كان له سبحانه الترجيح لما شاء من طرفي الممكن بالنظر إلى ذاته الغني عن العالمين كان فاعلاً مختاراً في الترجيح لا يتعين عليه ترجيح أحد الطرفين بخصوصه. وهذا هو الاستقلال في الاختيار لكن الله ﵎ مع استقلاله في الاختيار لا يرجح إلا ما اقتضته الحكمة. لما يقتضيه الجود والرحمة. من مراعاة مقتضى الحكمة. فهو تعالى بالنظر إلى غناه الذاتي مستقل في الاختيار يرجح أي طرف شاء وبالنظر إلى ما سبق به العلم من ترجيح ما اقتضته الحكمة بمقتضى الجود والرحمة لا للوجوب عليه سبحانه لا يرجح إلا أحد الطرفين على التعيين. ولا مناقاة بين الاعتبارين لأن الاستقلال في الاختيار بالنظر إلى الغنى الذاتي والتعيين بالنظر إلى مراعاة الحكمة فلا يلزم من تعيين أحد الطرفين بالترجيح نظراً إلى سبق العلم لمراعاة الحكمة أن لا يكون مستقلاً بالاختيار في الترجيح من غير تعيين نظراً إلى غناه الذاتي وأما العبد فليس له جهة الغنى الذاتي حتى يصح له الاستقلال بالاختيار بوجهٍ ما فإنه فقير بالذات إلى الله تعالى الغني بالذات في أصل وجوده وكمالاته النابعة لوجوده التي منها قدرته وإرادته إذ لا فعل إلا بقوة بالضرورة ولا قوة إلا بالله بالنص المتواتر. ثم أنه لا يفعل إلا ما يشاء بالضرورة ولا يشاء إلا ما يشاء الله فلا يفعل إلا ما يشاء الله تعالى ولا يشاء الله سبحانه إلا ما سبق به العلم لأن الإرادة نابعة للعلم ولا سبق العلم إلا بما هو المعلوم عليه في نفسه لمكان التبعية فلا يفعل العبد إلا ما يقتضيه استعداده الأزلي وليس في استطاعته ترجيح غير ذلك فإنه لا ترجيح له بالنظر إلى ذاته إذ لا ترجيح له إلا بالله وإلا جاز الانقلاب وكلما كان كذلك بطل استقلال العبد بوجهٍ ما في الاختيار في الطوع والإباء. واتضح الفرق بين الحق ﷿ والخلق وانكشف الغطاء. والحمد لله تعالى الذي نور الأرض والسماء. قاله العلامة الكوراني) وبالجملة (ما أبرز سبحانه ولا يبرز شيئاً من خزائن علمه إلا موافقاً لما هو عليه في نفسه وذلك عين الحكمة فهو ﷿ لا يسأل عما يفعل لأنه لا يفعل ما يسأل عنه لحكمته جل شأنه. وعز سلطانه. وليس نفي سؤاله تعالى عما يفعله لمجرد عظمته وجبروته أي أنه لا يجبر أحد أن يسأله الرهبة منه إذ ذاك شأن كثير من الملوك الظلمة فأي تمدح فيه ولو شاء سبحانه لهدى الناس جميعاً لكنه جل وعلا لم يشأ ذلك لأنه خلاف ما سبق به العلم التابع للمعلوم فقول الذين أشركوا) لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء (كلمة حق أرادوا بها باطلاً ولا يصح أن يكون حجة لهم على الله تعالى لما أشرنا إليه من أن مشيئته تعالى تابعة لعلمه التابع للمعلوم على ما هو عليه فانتقاء مشيئة عدم إشراكهم وتحريمهم ليس إلا من قبلهم وذلك سوء استعدادهم الأزلي الغير المجعول. وقد أشار سبحانه إلى ذلك لمن كان له قلب أو ألقى السمع

وهو شهيد بقوله عز من قائل) كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين (أي دون الهداية والإيصال إلى الحق فإن ذلك مربوط بالاستعداد الأزلي الغير المجعول. وبعلم من إمعان النظر في جميع ما ذكرنا السر في قوله تعالى) ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس (وقوله تعالى) وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون (وقوله سبحانه) وجعلنا على قلوبهم أكنةً أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً (إلى غير ذلك. بل تنحل بذلك وتندفع اعتراضات إبليس عليه اللعنة المذكورة في كتاب الملل والنحل للشهرستاني وغيره على الله تعالى حين أبى واستكبر وطرده من حضرته. ويتضح كون قوله تعالى عقبها) يا إبليس ما عرفتني ولو عرفتني ما اعترضت علي (جواباً شافياً. ورداً وافياً. ثم أن هذه المسألة أعني مسألة خلق الأفعال من أعظم المسائل. وكم للعلماء فيها من كتب ورسائل. وأكثر من ألف فيها تذكرة العلامة الثاني. شيخ مشايخنا الشيخ إبراهيم الكوراني. وقد رأيت له فيها سبع رسائل. وقد رد في معظمها سهام المناضل. وأظن أن النزاع فيها الوالخصام قائم بين العلماء إلى يوم القيام. وما ذكرته قل من جل. وغيض من فيض. وفيه مناقشات كثيرة للخصوم. ومما يناقش فيه منه شيئية المعدوم. وقد كفانا أمرها الكوراني في كتابه جلاء الفهوم. هذا وأسأل الله تعالى التوفيق. إلى أقوم طريق.

) ومنها (ما جرى في قوله تعالى) عاليهم ثياب سندسٍ خضر (حيث سأل عن نصب عاليهم بقوله:

أيا علامة بين النحات حوى معاليهم
ابن لا زلت مرفوعاًعلى ما نصب عاليهم

فأجبت في الحال. إنه كثير على الحال. وفي ذلك اختلاف كثير. ذكرته في التفسير.) ثم أني (سألت سيبويه أقرانه. وكسائي زمانه. المعول عليه في المسائل الفقهية والنحوية. السيد محمد أفندي واعظ الحضرة القادرية. فأجاب بقوله:

سألت إمام أهل الفضل دانيهم وقاصيهم
وشيخ الكل في كل العلوم على ما نصب عاليهم
على حالية نصبوه منهم في عليهم نلت نائلهم
ومن رفعوا لذاك أرىعني الأخبار تاليهم

وفي تفسيرنا روح المعاني) قيل (عاليهم ظرف بمعنى فوقهم. وهو خبر مقدم لثياب. والجملة حال من الضمير المجرور في عليهم. فهي شرح لحال الأبرار المطوف عليهم. وقال أبو حيان أن عالي نفسه حال من ذلك الضمير وهو اسم فاعل وثياب مرفوع على الفاعلية به ومثله في ذلك عالية ويحتاج في إثبات كونه ظرفاً إلى أن يكون منقولاً من كلام العرب عاليك ثوب مثلاً وقيل حال من ضمير لقاهم أو من ضمير جزاهم وقيل حال من الضمير المستكن في متكئين والكل بعيد. وجوز كون الحال من مضاف مقدر قبل نعيماً وقبل ملكاً أي رأيت أهل نعيم وأهل ملك عاليهم الخ. وهو تكلف غير محتاج إليه. وقيل صاحب الحال الضمير المنصوب في حسبتهم فهي شرح لحال الطائفين. ولا يخفى بعده لما فيه من لزوم التفكيك ضرورة أم ضمير سقاهم فيما بعد كالمتعين عوده على الأبرار. وكونه من التفكيك مع القرينة المعينة وهو مما لا بأس به ممنوع) واعترض (أيضاً بأن مضمون الجملة يصير داخلاً تحت الحسبان وكيف يكون ذلك وهم لابسون الثياب حقيقة بخلاف كونهم لؤلؤاً فإنه على طريق التشبيه المقتضي لقرب شبههم باللؤلؤ أن يحسبوا لؤلؤاً) وأجيب (بأن الحسبان في حال من الأحوال لا يقتضي دخول الحال تحت الحسبان.) إلى أن قلت (وعلى كل حال هذه الثياب لباس لهم وربما تشعر الآية بأن تحتها ثياباً أخرى. وقيل على وجه الحالية من متكئين. إن المراد فوق حجالهم المضروبة عليهم ثياب سندس. وحاصله أن حجالهم مكللة بالسندس والاستبرق. وقرأ ابن عباس بخلافٍ عنه. والأعرج وأبو جعفر وشبيبة وابن محيصن ونافع وحمزة عاليهم بسكون الياء وكسر الهاء وهي رواية إبان عن عاصم فهو مرفوع بضمة مقدرة على الياء على أنه مبتدأ وثياب خبره وعند الأخفش فاعل سد مسد الخبر. وقيل على أنه خبر مقدم وثياب مبتدأ مؤخر وأخبر به عن النكرة لأنه نكرة وإضافته لفظية وهو في معنى الجماعة كما في) سامراً تهجرون (على ما صرح به مكي ولا حاجة إلى التزامه على رأي الأخفش. وقيل هو باقٍ على النصب والفتحة مقدرة على الياء. وأنت تعلم أن مثله شاذ أو ضرورة. فلا ينبغي أن يخر عليه القراءة المتواترة. وقرأ ابن مسعود والأعمش وطلحة وزيد بن علي. عاليتهم بالياء وبالتاء المضمومة وعن الأعمش أيضاً وأبان عن عاصم فتح التاء الفوقية وتخريجهما كتخريج عاليهم بالسكون والنصب. وقرأ ابن سيرين ومجاهد في رواية وقتادة وأبو حيوة وابن أبي عبلة والزعفراني وأبان. عليهم جاراً ومجروراً فهو خبر مقدم وثياب مبتدأ مؤخر. وقرأت عائشة علتهم بتاء التأنيث فعلاً ماضياً فثياب فاعل. انتهى مكا تعلق الغرض بنقله في هذا المقام.) وأنا الآن (أميل إلى أن عالي بالنصب ظرف بمعنى فوق. وهو خبر مقدم لثياب. وأن الجملة صفة ثالثة لولدان أو حال من ضمير هم في حسبتهم. ومتى ظهر المعنى. لا بأس بالتفكيك. ومع ذلك مكابرةً فهو أكثر من أن يحصى ولزوم دخول الحال في حيز الحسبان قد سمعت جوابه. وإذا جعل على هذا ضمير وخلوا أساور من فضة وفسر مخلدون بمقر طون بخلدة. تكون الآية متضمنة لوصف الخدم على أتم وجه. ويعلم منه بالأولى حسن حال المخدومين وأنه مما لا تفي عبارة بتفصيله. وما أورد على القول بالظرفية من أنه يحتاج في إثبات ذلك إلى أن يكون منقولاً من كلام العرب عليك ثوب ممنوع بل يكفي في ذلك ورود عالٍ بمعنى فوق. وقد ورد ذلك. قال في القاموس) أتيته من عل بكسر اللام وضمها ومن علا ومن أعالٍ أي من فوق انتهى (. على أنه لا يبعد أن يكون القائل بذلك القول قد وقف على ورود عاليك ثوب عن العرب فتجاسر على حمل ما في الآية على حمل ما عليه. فليتأمل.

) ومنها (ما جرى في سؤاله سأله بقوله:

أيا من سار برق الفكر منهمسير الشمس في شرق وغرب
لنا رجل له رجل تقوىبها في مشيه بطريق غصب
أيفرض غسلها عند التوضيأفيدونا جزيتم خير ربي

فقلت ارتجالاً وإن لم يكن على وزن كلامه:

أمولاي تلك الرجل يفرض غسلهاعداك الردي عند الوضوء أو الغسل

) فقال (ما صورة الغصب) فقلت (صورته فيما إذا استحقت القطع شرعاً ولم يمكن صاحبها منه. وسألت بعد الواعظ السابق ذكره فأجاب بقوله:

أيا شمس المعارف ما اعتراهاكسوف قط في شرقٍ وغرب
سألت أسيدي عن رجل شخصغدا ماشٍ بها بطريق غصب
أيفرض غسلها عند التوضينعم فرض بلا شك وريب
بإجماع وإن الخلف فيمنله خف تخففها بنهب
فعند أبي حنيفة جاز مسحعليها كالتي ملكت بكسب
وأحمد لا يجيز المسح فيهاكذا عن كتبه نقلوه صحبي
وصورة غصب رجل إن شخصاًتعمد ضرب إنسانٍ بغضب
فقد الرجل منه فاستحقتلقطع رجله في حكم ربي
ففر ولم يمكنه قصاصاًوباء بخيبة وعظيم ذنب
وفي إطلاق مغصوبٍ عليهامساهلة يراها كل ندب
ودم مولاي أعلى من ذويك الكرام الغر كعباً أي كعب
فتسعى نحو كعبتك المعاليكما يسعى إلى الحرم الملبي
تنادي لا على قدمي أسعىإليها بل على رأسي ولبي

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «غرائب الاغتراب ونزهة الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.