من «رسائل البشرى في السياحة بألمانيا وسويسرا» لحسن توفيق العدل (ت ١٣٢٢هـ)
في بازل
أما مدينة بازل فهي قاعدة قسم يسمى بازل شتات أحد قسمين يسمى الآخر بازل
لاند. وسكانها ٧٠٠٠٠ نفس، وهي من المدن القديمة أسسها الرومانيون وجعلوها قلعة، ثم تخربت في الحروب التي جرت بينهم وبين الجرمانيين، وأعاد بناءها الجرمانيون في أوائل القرن العاشر، وبعد قليل انحازت إلى
الاتحاد السويسري، إلى وقتنا هذا، وللصناعة والتجارة بها أهمية كبرى، وكان فيها معامل للورق والجلد وغير ذلك، وانحطت منذ بضع سنين، ولغة أهلها ألمانية لأنها من القسم السويسري الألماني، وذلك أن بلاد سويسرا تنقسم إجمالاً إلى ثلاثة أقسام تبعاً لاختلاف لغات سكانها: وهي سويسرا الفرنساوية، وسويسرا الإيطاليانية، ومجموع هذه الأقسام يشتمل على ٢٥ قسماً يسمى كل منها كونتيه ولكل كونتيه حقوق وقوانين مخصوصة، ولمجموعها مجلس عام ينعقد في مدينة برن ينتخبون أعضاءه بغالبية الأصوات، ويكون من عملهم تأسيس القوانين والنظر في انتخاب مديري تلك الكونتينات. وقطر سويسرا تتشعب فيه سلسلة جبال الألب الوسطى بهيئة عجيبة المنظر كما ستعلمه مما يأتي، ولكثرة بحيراتها وأنهارها وطرقها الحديدية عمّت المواصلات بها فراجت تجارتها رواجاً عظيماً، وأهم اتجارهم في المواشي لا سيما البقر، ثم الجبن المشهور، والأقمشة الحريرية والقطنية والساعات الجميلة وغير ذلك.
والحالة المدنية بها على أحسن ما يرام من جهة التربية والتعليم والأخلاق، ولأهلها حمية وطنية، يضرب بها المثل بحيث يميلون إلى الحرية لا ينتمون إلى دولة أو حكومة، فيقودها ملك. وسأشرح بعض وقائعهم الدالة على ذلك في مواضعها إن شاء الله تعالى.
ثم ودَّعت بازل باكورة الصباح تقلني الباخرة البرية قاصداً برن، فسارت بنا في أودية مزهرة بين جبال مزدهرة بالزروع والأشجار، تحفها الغدران والأنهار وقد ترامى علينا النسيم بأريجها وعبيرها هذا إلى حسن منظر لم ترَ العيون مثيله، ولم
يكن للفكر أن يتصور عديله، وبينما نحن نمتع النواظر بتلك المناظر إذ تعرض لنا في الطريق جبل شاهق يقال له جبل يورا، فقذف بنا القطار وسط نَقْب فيه طويل المسافة يدعى هرن ستين طوله ٢٨٠٨ أمتار فهالني منظره الذي دلني على أعظم ما فعلته يد الإنسان من نقب ذلك الجبل الباذخ، ولم نزل نهش بأعاجيب تلك الطبيعة إلى أن وصلنا على مدينة برن فنزلت بها للإقامة بحيها، ولا يخفى أنها قصبة كونتينه تدعى باسمها وعاصمة بلاد سويسرا بمعنى أنها مقر اجتماع المجلس العام السويسري، وهي واقعة على رأس صخر رملي يحوم حوله نهر آر فهي شبه جزيرة بالنسبة إليه، واغلب شوارعها مستقيمة، وبناء منازلها جيد، والقديم منها قائم على قناطر يمر تحتها الراجلون، واسمها مشتق من كلمة بير ومعناها الدب باللغة الألمانية وذلك لكثرته بأحيائها، وقد جعلوا صورته علامة على ولايتهم فتراها في أعلامهم وعلى المباني الرسمية لديهم.
أسسها دوق ألماني يدعى برتولد الخامس وذلك سنة ١١٩١ ميلادية. وفي سنة ١٢١٨ استقلت تحت حكم مجلس عام، وقويت شوكتها حتى إن قيصر جرمانيا وقتئذ المسمى رودولف الأول قصدها بجيشه سنة ١٢٨٨ وحاصرها مدة ولم يتمكن من أخذها، ورودولف هذا هو أول عائلة ملوك النمسا الحالية. وفي سنة ١٣٥٣ انحازت مدينة برن ضمن الاتحاد السويسري، وجعلت عاصمة لسويسرا سنة ١٨٤٨ ميلادية.
وأحوالها التجارية والصناعية جيدة ففيها معامل لنسج القطن والكتان والحرير وبرانيط القش وغير ذلك، وبها مدارس حميدة السير لاسيما مدرستها الجامعة، ومحلات آثارها غاصّة بالأشياء القديمة، شاهدت منها متحف الحيوانات المصبرة، فرأيت منها ما لم يخطر بالي من كثرة أجناس الحيوانات البرية والبحرية والهوائية، وعاينت متحفاً آخر يشتمل على نموذج الأدوات المنزلية المعاشية لأهل
سويسرا الأقدمين، ومن ذلك علمت أن أهل سويسرا كانوا قديماً يتخذون منازلهم من الخشب، ويقيمونها في البحيرات والأنهار على قوائم خشبية قريباً من الشواطئ، ذلك هرباً من الحيوانات التي كانت منتشرة وقتئذ في بلادهم، وقد دلَّ التاريخ على أن كثيراً من الأمم الخالية الذين كانوا يسكنون جنوب قارة آسيا كانوا يتخذون
منازلهم في البحر المحيط الهندي قريباً من الساحل، وكانوا يصنعونها من خشب الأشجار غير المقلَّمة، ويقيمونها على قاعدة أفقية من الأقصاب، فيربطون تلك المنازل في الساحل كيلا تسبح بهم، وكان إذا اشمأز أحد سكانها من جيرانه يحل رباط منزله، ويسير به إلى جهة أخرى.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع