تجاوز إلى المحتوى

من «رسائل البشرى في السياحة بألمانيا وسويسرا» لحسن توفيق العدل (ت ١٣٢٢هـ)

إلى لوتسرن

هذا ولما انتعشت منا الخواطر بحسن تلك المناظر، مددنا يد الوداع راجين عودة التلاق بعد ذلك الفراق، فبارحت ذلك الموضع قاصداً مدينة لوتسرن وبينما ينهب القطار الأقطار إذا رأيت من نفسي بعض توعك فعرجت على قرية وسط الطريق تدعى ميرنجن ونزلت بأوتيل بها صغير قد أقيم من الأخشاب، دعوني سادتي أصف لكم قاعاته التي ما وجدت أطرب منها مدة حياتي، تميل حيطانها ولا تمايل الأغصان، إذا تحرك به الإنسان، فهي في الواقع كما قيل في وصف المثيل.

تُسارِرُها هَفَوات النسيمفتصْغي بلا أذن سامعة
وأخشى بها أن أقيم الصلاةفتسجد حيطانها الراكعة
إذا ما قرأتُ إذا زلزلتخشيت بأن تقرأ الواقعة
للشاعر أبو الحسين الجزار، من قصيدة «ودار خراب قد ترلت»

أما سرر النوم فتزدري بالصخور صلابة، وقد امتلأ قلبها قساوة، بألحفة قد صنعتها يد البخل والقل، وعلى قدرها تُمَدُّ الأرجل، وبالجملة فقد قضيت بها الليلة ما كان أهناها وأصفاها وأبهاها وأحلاها، ليلة ولا كليلِ صُولٍ على حُنْدُج حيث قال وهو من شعراء الحماسة:

في ليلِ صُولٍ تناهى العرضُ والطولُكأنما ليله بالليل مَوْصولُ
لا فارقَ الصبح كفِّي إن ظَفِرْتُ بهوإن بدت غُرَّة منه وتَحجيل

ومذ انفلق عن طولها الفجر بعدما نفد الصبر، ولاح الصباح، ولمع من الطير الجناح نزلت تلك القرية لأخبر شأنها فأرتني منها مناظر حسنة، حيث هي في وادٍ عظيم يشقه نهر آر وتتشعب فيه غدران وجداول، ولمحت من بعد جبلاً قد تعَرَّض، فقصدته حتى إذا قربت الخطوة منه شاهدته جبلاً قد انشقَّ قسمين من أعلاه إلى أسفله، وقد جرى بينهما آر المذكور بقوة عظيمة وهيئة عجيبة فسرتني رؤيته لاسيما ما صنعته يد الإنسان فيه، حيث أقاموا بين ذلك الشق طريقاً من الحديد لها حواجز تسهيلاً للمتفرجين، فصعدت عليها ضمن الصاعدين، وسرنا والنهر يجري تحت أرجلنا، ونحن بين جبلين يكادان يتعانقان حتى خرجنا إلى طريق أخرى مكبرين

استعظاماً لعجائب الطبيعة والقدرة الإلهية، وهذا المحل يسمى آر شلوخت، ومعناه شق. نهر آر ارتفاعه ٩٢ متراً.

ثم عمدت إلى مبارحة تلك القرية بعدما غفوت عن ليلتها بما أراني نهارها حتى وصلت إلى مدينة لوتسرن، ومكثت بها يومين، فإذا هي مدينة ما رأيت أحسن من موقعها، فتراها صانعة نصف دائرة على بحيرة عظيمة، ويمر بها نهر يقال له ريس حتى يتصل بتلك البحيرة جبلان وهما جبل ريجي وجبل بلاتوس، وتسمى فير فالدشتيته زيه ومعناه بحيرة بلاد الأحراش الأربعة وهي مواضع محاطة هي

بها وهي شفيتس وأورى وأنترفالدن ولوتسرن. ثم إن هذه المدينة تسمى لوتسرن كما علمت وهي كلمة لاتينية معناها الفنار سميت باسم فنار أقيم قديماً على نهر ريس لاهتداء الملاحين، وعدد سكانها ١٨٠٠٠ نفس، والتجارة فيها رائجة لتمكن موقعها الجغرافي من البلاد، ولأهلها شهرة بصناعة النجارة، فيصنعون من خشب الجوز أشكالاً عجيبة، ولهم فيه تفنن ما رأيته لغيرهم.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من العبور إلى سويسرا

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.