تجاوز إلى المحتوى

من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» لعبد القادر بن بدران (ت ١٣٤٦هـ)

دَار الحَدِيث الدوادارية والمدرسة والرباط

وَقفهَا الْأَمِير علم الدّين سنجر التركي الصَّالِحِي الدوادار دَاخل بَاب الْفرج وَكَانَ مَكَانهَا رواقا لَهُ أَولا فَجعله دَار حَدِيث ومدرسة سنة ثَمَان وَتِسْعين وسِتمِائَة قَالَه ابْن كثير وَأول من وَليهَا الشَّيْخ عَلَاء الدّين عَليّ بن إِبْرَاهِيم الشهير بالعطار ثمَّ الشَّيْخ نور الدّين مُحَمَّد بن نجم الدّين أبي بكر مُحَمَّد الشهير بِابْن قوام البالسي الدِّمَشْقِي ولد سنة سبع عشرَة وَسَبْعمائة وَسمع جمَاعَة وتفقه وَكَانَ يحب السّنة ويفهمها جيدا توفّي سنة خمس وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة

أَقُول أَن هَذِه الْمدرسَة درست وَلم يعلم مَكَانهَا على سَبِيل التَّحْقِيق ولكننا نشِير إِلَيْهِ على سَبِيل الْإِشَارَة فَأَما بَاب الْفرج فَهُوَ الْبَاب الْمَوْجُود الْآن بِالْقربِ من القلعة فِي السُّوق الَّتِي يُقَال لَهُ الْآن المناخلية الْمركب بعضه على نهر بردى الَّذِي يتَوَصَّل مِنْهُ إِلَى الدَّرْب العمومي وَهُوَ بَاب متين قَالَ الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر فِي تَارِيخه بَاب الْفرج من شآمي الْبَلَد يَعْنِي من جِهَتهَا الشمالية أحدثه الْملك الْعَادِل نور الدّين وَسَماهُ بذلك تفاؤلا لما وجد من الْفرج لأهل الْبَلَد بفتحه وَكَانَ بِقُرْبِهِ بَاب يُسمى بَاب الْعِمَارَة

فتح عِنْد عمَارَة القلعة ثمَّ سد بعد وأثره بَاقٍ فِي السُّور انْتهى وَبَاب الْحَدِيد بِالْحَاء الْمُهْملَة من شآفه أَيْضا وَهُوَ الْآن خَاص بالقلعة الَّتِي أحدثت غربي الْبَلَد فِي دولة الأتراك سمي بذلك لِأَنَّهُ كُله حَدِيد فَقيل لَهُ الْبَاب الْحَدِيد ثمَّ تركت الْألف وَاللَّام تَخْفِيفًا ثمَّ صحفته الْعَوام فَقَالُوا الْبَاب الْجَدِيد بِالْجِيم وَكَانَ الأتراك ينزلون مِنْهُ ويطلعون مِنْهُ سرا وَيجوز الْخَارِج مِنْهُ على جسر من خشب من تَحْتَهُ الخَنْدَق الدائر بالقلعة ينوف عمقه على مائَة ذِرَاع بِذِرَاع الْعَمَل بِهِ يتخزن المَاء وينبت الشوص وَغير ذَلِك وَهُوَ غير خَنْدَق الْمَدِينَة واصطلح فِي آخر دولة ابْن قلاوون أَن من يَلِي نِيَابَة دمشق يُصَلِّي عِنْد هَذَا الْبَاب رَكْعَتَيْنِ مُسْتَقْبلا للْقبْلَة بِحَيْثُ يبْقى الْبَاب عَن يسَاره وتقف أجناد القلعة وأرباب الْوَظَائِف والإدارات فِي مَنَازِلهمْ على حسب الْعَادة حاملين السِّلَاح إِلَى أَن يفرغ من صلَاته ودعائه فان أُرِيد بِهِ شَرّ قبضوا عَلَيْهِ ودخلوا بِهِ وقلبوا الجسر بَينه وَبَين أعوانه والجسر بلوالب فيحال مَا بَينه وَبَين أعوانه وان أُرِيد بِهِ خيرا ركب فِي عزة وَمَعَهُ وُجُوه الدولة وهم فِي خدمته إِلَى أَن ينزل بدار الْعدْل الَّتِي أَنْشَأَهَا المرحوم نور الدّين وَكَانَت تسمى بدار السَّعَادَة وَهِي تلِي بَاب السِّرّ وعَلى بَابهَا بَاب النَّصْر فَتحه الْملك النَّاصِر ابْن أَيُّوب للمدينة وَبِهَذَا علم مَحل بَاب الْفرج ثمَّ انك إِذا خرجت مِنْهُ مُتَوَجها نَحْو الْجنُوب اعترضك طَرِيقَانِ أَحدهمَا عَن يسارك وَمِنْه تصل إِلَى سوق الْعِمَارَة وَلَيْسَ فِيهِ مدرسة وَلَا اثر لَهَا إِلَّا أَن يكون ثمَّة اثر دَاخل الدّور ثمَّ بعد كتابتي لهَذَا هدمت الحوانيت الَّتِي كَانَت هُنَاكَ فَظهر بَاب الْمدرسَة وَقد صَارَت دورا وَثَانِيهمَا عَن يَمِينك ويمر إِلَى شَرْقي القلعة وَعَن يسَار الَّذِي يجتازه طَرِيق آخر ذُو شعب توصل شُعْبَة مِنْهُ إِلَى الْمدرسَة العادلية ثمَّ الظَّاهِرَة وَغَرْبِيٌّ العادلية فِي شمَالي الزقاق تجاه الزقاق الذَّاهِب إِلَى العصرونية بَاب يُشِير بِنَفسِهِ إِلَى انه بَاب مدرسة وبجانبه من الغرب جِدَار مَبْنِيّ بِالْحِجَارَةِ المتينة وَهُوَ شَاهِق ويدور مَعَ الزقاق إِلَى الْجَانِب الغربي الْموصل إِلَى بَاب الْفرج وَهُوَ يُشِير أَيْضا إِلَى انه كَانَ جدارا لمدرسة عَظِيمَة تشابه العادلية الْكُبْرَى وَهَذَا الْمحل كُله قد اختلس وَصَارَ دورا للسُّكْنَى فَيمكن أَن يكون ذَلِك الْأَثر هُوَ الدَّال على مَكَان الْمدرسَة الدوادارية وَدَار الحَدِيث الَّتِي كَانَت بهَا وعَلى الرِّبَاط الَّذِي بني بهَا لَان ذَلِك الْمَكَان وَاسع يُمكن أَن يحتوي على جَمِيع ذَلِك وَالله اعْلَم

تَرْجَمَة واقفها هُوَ الْأَمِير علم الدّين سنجر الْمُتَقَدّم قَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ فِي العبر كَانَ من نجباء التّرْك وشجعانهم وعلمائهم وَله مُشَاركَة جَيِّدَة فِي الْفِقْه والْحَدِيث وَفِيه ديانَة وكرم وَله فِي دمشق والقدس أوقاف كَثِيرَة تحيز إِلَى حصن الأكراد ولد سنة نَيف وَعشْرين وسِتمِائَة وَتُوفِّي سنة تسع وَتِسْعين وسِتمِائَة وَقَالَ الصّلاح الصَّفَدِي فِي تَارِيخه

قدم من التّرْك فِي حُدُود سنة أَرْبَعِينَ وسِتمِائَة وَكَانَ مليح الشكل مهيبا كَبِير الْوَجْه خَفِيف اللِّحْيَة صَغِير الْعَينَيْنِ ربعَة من الرِّجَال حسن الْخلق والخلق فَارِسًا شجاعا دينا خيرا عَالما فَاضلا مليح الْخط حَافِظًا لكتاب الله حفظ الإشادة فِي الْفِقْه لسليم الرَّازِيّ واعتنى بِالْحَدِيثِ وَحفظه وَكَانَ من الأسراء فِي أَيَّام الظَّاهِر ثمَّ أعطي الإمرة بحلب ثمَّ قدم دمشق وَولي الشدودة ثمَّ كَانَ من أَصْحَاب سنقر الْأَشْقَر ثمَّ امسك ثمَّ أُعِيد إِلَى رتبته ثمَّ أعطي خبْزًا وتقدمة على ألف وتقلبت بِهِ الْأَحْوَال وعلت رتبته فِي دولة الْملك لاشين وَقدمه على الْجَيْش فِي غَزْوَة سيس وَكَانَ لطيفا مَعَ أهل الصّلاح والْحَدِيث يتواضع لَهُم ويحادثهم ويؤانسهم ويصلهم وَله مَعْرُوف كثير وأوقاف بِدِمَشْق والقدس وَكَانَ مَجْلِسه عَامِرًا بالعلماء وَالشعرَاء والأعيان وَسمع الْكثير بِمصْر وَالشَّام والحجاز وروى عَن زكي الدّين عبد الْعَظِيم الْمُنْذِرِيّ والرشيد الْعَطَّار وَجَمَاعَة وَسمع جماعات بِمَكَّة ودمشق والإسكندرية وحلب وإنطاكية وبعلبك والقدس وقوص والكرك وصفد وحماة وحمص والفيوم وَجدّة وطيبة وَقل من انجب من التّرْك مثله وَسمع مِنْهُ خلق وَشهد الْوَقْعَة وَهُوَ ضَعِيف ثمَّ التجأ بِأَصْحَابِهِ إِلَى حصن الأكراد فَتوفي فِيهِ لَيْلَة الْجُمُعَة ثَالِث شهر رَجَب فَانْظُر إِلَى مَا كَانُوا يعتنون بِهِ من الْعلم ويطوفون لأَجله الْبِلَاد الْبَعِيدَة مَعَ قلَّة الوسائط فِي زمانهم وَانْظُر إِلَى أمرائهم كَيفَ كَانُوا وَقَالَ الصَّفَدِي وَكَانَ الشَّيْخ فتح الدّين خصيصا بِهِ ينَام عِنْده فَقَالَ لي يَوْمًا كَانَ الْأَمِير علم الدّين قد لبس الفقيري وتجرد وَجَاء مَكَّة فجاور بهَا وَكتب الطباق بِخَطِّهِ وَكَانَ فِي وَجهه آثَار الضروب من الحروب وَكَانَ إِذا خرج إِلَى غَزْوَة خرج والى جَانِبه شخص يقْرَأ عَلَيْهِ أَحَادِيث الْجِهَاد وَقَالَ أَن السُّلْطَان حسام الدّين لاجين رتبه فِي عمَارَة جَامع

طولون وفوض إِلَيْهِ أمره فعمره وَعمر أوقافه وَقرر فِيهِ دروس الْفِقْه والْحَدِيث وَجعل من ذَلِك وَقفا يخْتَص بالديوك الَّتِي تكون فِي مَكَان مَخْصُوص من سطح الْجَامِع وَزعم أَنَّهَا تعين الموقتين وتوقظ المؤذنين بالأسحار واثبت ذَلِك ضمن كتاب الْوَقْف فَلَمَّا قرئَ على السُّلْطَان أعجبه مَا اعْتَمدهُ فِي أَوله وَلكنه لما انْتهى إِلَى ذكر الديوك أنكر ذَلِك وَقَالَ أبطلوا هَذَا لَا يضْحك النَّاس علينا وَكَانَ سَبَب اخْتِصَاص فتح الدّين بِهِ انه سَأَلَ الشَّيْخ شرف الدّين الدمياطي يَوْمًا عَن سنة وَفَاة الإِمَام البُخَارِيّ فَلم يستحضر التَّارِيخ فَسَأَلَ الْأَمِير سنجر عَن ذَلِك فَأَجَابَهُ فاختص بِهِ وغالب رُؤَسَاء دمشق وكبارها وعلمائها نشأوه فِي ذَلِك الزَّمن وَقد تَرْجمهُ ابْن الزملكاني واثبت القصائد الَّتِي مدح بهَا فِي مجلدتين وَكتب إِلَيْهِ عَلَاء الدّين الوداعي فِي وَفَاة وَلَده عمر

قل للأمير وعزه فِي نجلهعمر الَّذِي أجْرى الدُّمُوع أجاجا
حاشاك تظلم ربع صبرك بَعْدَمَاأَمْسَى لسكان الْجنان سِرَاجًا

وَقَالَ فِيهِ لما اخذ فِي دويرة السميساطي بَيْتا

لدويرة الشَّيْخ السميساطي مندون الْبِقَاع فَضِيلَة لَا تجْهَل
هِيَ موطن للأولياء ونزهةفِي الدّين وَالدُّنْيَا لمن يتَأَمَّل
كلت مَعَاني فَضلهَا مذ حلهَاالْعَلامَة الْفَرد الغياث الموئل
أَنِّي لأنشد كلما شاهدتهامَا مثل منزلَة الدويرة فَنزل

النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.