من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» لعبد القادر بن بدران (ت ١٣٤٦هـ)
دَار الحَدِيث القلانسية
هِيَ بالصالحية قَالَ النعيمي بهَا رِبَاط ومئذنة وتعرف الْآن بالخانقاه غربي مدرسة أبي عمر قَالَ العلموي قلت هِيَ نهر يزِيد جَار فِي وَسطهَا وَينزل إِلَيْهَا من درج انْتهى
أَقُول فتشت عَنْهَا كتابتي هَذِه الأسطر وَذَهَبت إِلَى الصالحية فدللت على
مَكَانهَا فَرَأَيْت جِيرَانهَا قد اختلسوا أَكْثَرهَا وَبَقِي مِنْهَا بَقِيَّة من جِهَة نهر يزِيد وَتلك الْبَقِيَّة كَانَت سَابِقًا خربة ترمى بهَا الزبالة فَهَيَّأَ الله لَهَا الشَّيْخ إِسْمَاعِيل بن عَليّ التكريتي الصَّالِحِي فعمر تِلْكَ الخربة وَجعل لَهَا مَسْجِدا لطيفا وَعمر الدرج الَّذِي ينزل مِنْهُ إِلَيْهَا ثمَّ إِلَى نهر يزِيد بِالْحجرِ فَكَانَ النَّهر تَحت مَسْجِدهَا ينزل إِلَيْهِ المصلون من طرف الْمَسْجِد من الشرق فيتوضؤون مِنْهُ وَجعل لَهَا صحنا لطيفا وبجانبه مطبخ وَعمر بالعلو من الْجَانِب الغربي والشمالي ثَمَانِي غرف واعدها لسكنى الْفُقَرَاء الَّذين لَا مأوى لَهُم وجدد بَابهَا وَكتب فَوق اسكفته
مدرسة ذِي عمرتمن بعد مَا قد دثرت
انْعمْ بِإِسْمَاعِيل منشيدها فظهرت
ابْن عَليّ التكريتي منيوجر مَا قد بقيت
شاد لَان يبْقى لَهُآجر مدى أَن نَفَعت
أعطَاهُ رَبِّي أَرخُواآجرا ببره ثَبت
دعى فارخ الَّذِيحبى بجنة علت
فتاريخ بنائها سنة سِتّ عشرَة وثلاثمائة وَألف فجزى الله مجددها خيرا وَاسْمهَا الْآن الخانقاه وَقَالَ النعيمي بعد أَن حكى مَا نَقَلْنَاهُ عَنهُ سَابِقًا وَلم اقف على أحد مِمَّن ولي مشيختها
تَرْجَمَة واقفها هُوَ الصاحب عز الدّين أَبُو الْمَعَالِي اِسْعَدْ ابْن عز الدّين غَالب بن المظفر ابْن الْوَزير مؤيد الدّين أبي الْمَعَالِي اِسْعَدْ ابْن العضيد أبي يعلى حَمْزَة بن أَسد بن عَليّ بن مُحَمَّد التَّمِيمِي الدِّمَشْقِي الشهير بِابْن القلانسي أحد رُؤَسَاء دمشق الْكِبَار ولد سنة تسع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَسمع الحَدِيث من جمَاعَة واسمعه
قَالَ ابْن كثير سمعنَا عَلَيْهِ وَله رياسة باذخة وأصالة كَبِيرَة وأملاك هائلة كَافِيَة لما يحْتَاج إِلَيْهِ من أُمُور الدُّنْيَا وَلم تزل صناعَة الْوَظَائِف مَعَه إِلَى أَن الزم بوكالة بَيت السُّلْطَان ثمَّ بالوزارة فِي سنة سِتّ عشرَة وسِتمِائَة ثمَّ عزل وَقد صودر فِي بعض الأحيان وَكَانَت لَهُ مَكَارِم على الْخَواص والكبار وَله حَسَنَات على الْفُقَرَاء وعَلى
المحتاجين وَلم يزل وجيها مُعظما عِنْد أَرْبَاب الدولة من الْمُلُوك والنواب والأمراء وَغَيرهم إِلَى أَن توفّي ببستانه سنة تسع وَعشْرين وَسَبْعمائة عَن ثَمَانِينَ سنة وَدفن بتربته بسفح قاسيون وَله فِي الصالحية رِبَاط حسن بمئذنة وَفِيه دَار حَدِيث قَالَه ابْن كثير وَهِي دَار الحَدِيث الَّتِي ترجمناها سَابِقًا وَله بر وَصدقَة
وَقَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ فِي تَرْجَمَة الْوَاقِف كَانَ محتشما مُعظما متنغما على الوزارة وَغَيرهَا وروى عَن الْبُرْهَان وَابْن عبد الدَّائِم
النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع