تجاوز إلى المحتوى

من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» لعبد القادر بن بدران (ت ١٣٤٦هـ)

الْمدرسَة الجقمقية

هِيَ مدرسة مَعْرُوفَة الْآن ومشهورة وَهِي شَرْقي الحديقة الَّتِي بهَا قبَّة صَلَاح الدّين الأيوبي وَعَن يَمِين الدَّاخِل إِلَى الْجَامِع الْأمَوِي من بَابه الشمالي فِي أول الطَّرِيق وَهِي مَبْنِيَّة بِالْحجرِ الأبلق والأبيض والداخل إِلَيْهَا من الْبَاب الأول يجد عَن يسَاره بَابا ثَانِيًا فَيدْخل مِنْهُ إِلَى ساحتها فَيرى هُنَاكَ أَربع أيونات تعلوهما قبَّة شاهقة ومسقوفة فَلَا تدْخلهَا الشَّمْس وَمن نَحْو خمسين سنة والى الْآن وَهِي مكتب لتعليم الشبَّان والأطفال وَحكى فِي تَنْبِيه الطَّالِب أَنه كَانَ بهَا تربة قلت وَقد اندرست وعفت آثارها وَحكى أَيْضا أَنه كَانَ تجاهها من الشمَال يَعْنِي اتجاه بَابهَا خانقاه يفصل بَينهمَا الطَّرِيق الْآخِذ إِلَى المدرستين العادلية والظاهرية من جِهَة الغرب والآخذ إِلَى الْجَامِع الْأمَوِي من شرقها اهـ قلت وَقد درست تِلْكَ الخانقاه وعفت آثارها واتخذها المختلسون لَهَا دورا للسُّكْنَى فأنشأت تخاطب غاصبها وتلومه بقول ابْن الوردي

إِن أهنى عيشة قضيتهاذهبت لذاتها وَالْإِثْم حل

فيجيبها بقوله

دَعْنِي بلذاتي أكن طوع الْهوىلَا أُبَالِي بعد موتِي أَيْن كنت

وَكَانَ من قصَّة هَذِه الْمدرسَة أَن الْمعلم سنجر الْهِلَالِي وأبنه شمس الدّين الصَّائِغ قد أسسا التربة أَولا ثمَّ تقلبت بهما الْأَحْوَال إِلَى أَن غضب عَلَيْهِمَا الْملك النَّاصِر حسن سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة فعاقب سنجر وَأخذ مِنْهُ مَا يزِيد عَن ألف ألف دِرْهَم وَهُوَ فِي اصْطِلَاح زمننا مليون من الدَّرَاهِم بِدَعْوَى أنهنمي إِلَيْهِ من أَنه لَا يُؤَدِّي زَكَاة مَاله وَأَنه يُطلق لِسَانه فِي ثلب الامراء وذمهم ثمَّ أَنه أحَاط بِمَا لَهُ من الْحجَج والأملاك والحواصل فَكَانَت تزيد عَن ثَلَاثَة آلَاف ألف دِرْهَم أَي ثَلَاثَة ملايين وَلكنه سلم إِلَيْهِ ذَلِك بعد مُدَّة فَانْظُر إِلَى هَذَا الظُّلم وَالْبَغي الَّذِي كَانَ فِي تِلْكَ الْأَيَّام وعاقب ابْنه مُحَمَّدًا أَيْضا فَأخذ تربته الَّتِي أَنْشَأَهَا بِبَاب الْجَامِع ثمَّ أَمر السُّلْطَان بعمارتها فَلم يُغيرُوا أساساتها بل بنوا فَوْقهَا وَجعلُوا لَهَا شبابيك من شرقيها وبنوا حائطها بِالْحِجَارَةِ الْبيض والسود فَجَاءَت فِي غَايَة الْحسن فالباني لَهما إِنَّمَا هُوَ السُّلْطَان النَّاصِر حسن وَكَانَ قد رسم بِأَن يَجْعَل بهَا مكتبا للأيتام فشرع فِي بنائِهِ لكنه قتل سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة قبل أَن يتم ثمَّ صَارَت بعد مَوته خانقاه للصوفية وَلها وقف

يسير جدا واستمرت على حالتها إِلَى أَن احترقت فِي فتْنَة تيمورلنك فَكَانَت خاوية على عروشها إِلَى أَن تولي سيف الدّين جقمق نِيَابَة دمشق سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَثَمَانمِائَة وَكَانَت دمشق فِي غَايَة من الخراب الَّذِي لحقها من حروب تيمورلنك فتوجهت همته لأعمارها بِنَفسِهِ وبإلزام النَّاس بذلك وبنقله من سكن خَارِجهَا إِلَى داخلها وَشرع فِي عمَارَة الطيورين والفسقار وَعمر التربة الَّتِي بِبَاب الناطفانيين وَهُوَ بَاب الْجَامِع الشمالي وَهِي تربة الجقمقية ورتبها حَتَّى صَارَت فِي غَايَة الْحسن والزخرفة وَقيل انه لم يكن فِي دمشق وَلَا فِي مصر نَظِير لَهَا ووسعها من جِهَة الْقبْلَة وَجعل لَهَا شبابيك إِلَى الكلاسة وشبابيك إِلَى الْجِهَة الشمالية وَبنى فِي مقابلها خانقاه إِلَى الصُّوفِيَّة ورتب بهَا شَيخا وصوفية ورتب بالتربة الْمَذْكُورَة ميعادا بعد صَلَاة الْجُمُعَة وَجعل فِي قبلتها مكتبا للأيتام وَقد كَانَ مَوْجُودا قبل الْفِتْنَة التيمورية وَلكنه أَحْيَاهُ ووقف السُّوق الَّذِي عمره دَاخل بَاب الْجَابِيَة والطاحون الَّتِي أَنْشَأَهَا بالوادي والخان شمَالي الْمصلى وَجعل بَعْضًا من ريع ذَلِك على نَفسه وَأَوْلَاده وبعضا على التربة وبعضا على أَنْوَاع الْبر

قَالَ ألاسدي هَذِه التربة كَانَ المؤسس لَهَا سنجر ثمَّ بناها جقمق وَفرغ من بنائها سنة أَربع وَعشْرين وَثَمَانمِائَة فَجَاءَت فِي غَايَة الْحسن وَحضر ميعادها الشَّيْخ شرف الدّين بن مُفْلِح وَلَكِن ظلمَة الظُّلم لائحة عَلَيْهَا

وَقَالَ أَيْضا بَلغنِي أَن الْأَمِير ماماش استقطع وقف جقمق وَأخذ من التربة الْبسط والقناديل وَمنع الصُّوفِيَّة والقراء من الْحُضُور فِيهَا وَقيل انه احضر كتاب وَقفهَا فأتلفه انْتهى

وَذكر غَيره أَن جقمق أبدى الْعِصْيَان سنة أَربع وَعشْرين وحاصر بقلعة صرخد وَلما سئم من الْحصار طلب الامان من السُّلْطَان وَنزل من القلعة فَقبل الأَرْض بَين يَدي الْملك المظفر فرسم عَلَيْهِ بقاعة القلعة وَطلب مِنْهُ المَال الَّذِي أَخذه وَفِي الْيَوْم الثَّانِي قيل انه عُوقِبَ وَقرر على المَال وَفِي الْيَوْم الثَّالِث أرسل مَعَ الخيالة مُقَيّدا ثمَّ حبس ثمَّ قتل بعد أَن عُوقِبَ وَقرر على مَا لَهُ من الودائع والذخائر وَبَقِي ملقى فِي قلعة دمشق ثمَّ دفن فِي تربته وَلَقي مَا قَدمته يَدَاهُ وَكَانَ ذكيا عَارِفًا بِالنَّاسِ وتراجمهم وَمهر فِي الظُّلم قَالَ ابْن حجر وَكَانَ ظلوما غشوما متطلعا على عورات النَّاس انْتهى

وَقد علم مِمَّا تقدم أَن الَّذِي بناها سنجر ثمَّ نسبت إِلَى جقمق لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي بناها بعد أَن احترقت وَقد درس بهَا كثير من الأفاضل كالعز ابْن شيخ السلامية والعماد ابْن السَّيِّد عدنان وَغَيرهمَا ثمَّ تقلبت بهَا الْأَيَّام كَغَيْرِهَا من الْمدَارِس إِلَى أَن صَارَت كلهَا مكتبا فِي أَوَاخِر الْقرن الثَّالِث عشر وَأَنا لنحمد أَيدي الْحدثَان الَّتِي أبقت بناءها وَلم تخف آثارها كَمَا فعلت بغَيْرهَا

تَرْجَمَة واقفها تقدم أَن الَّذِي أَنْشَأَهَا أَولا إِنَّمَا هُوَ سنجر وَولده شمس الدّين وَالْملك النَّاصِر حسن ثمَّ جددها ورممها النَّائِب جقمق فنسبت إِلَيْهِ وَقد علمت تَرْجَمَة كل مِنْهُم أَن لم يكن تَفْصِيلًا وبسطها فِي الْقسم السياسي

وَقد رَأَيْت صَاحب الضَّوْء اللامع ترْجم جقمق بترجمة مختصرة فَقَالَ جقمق سيف الدّين من أَبنَاء التركمان أَخذه بعض التُّجَّار صَغِيرا وَاتفقَ مَعَ رَفِيق لَهُ على أَن يبيعاه ويقتسما ثمنه بَينهمَا فباعاه وَكَانَ إِذا تكلم بِالْعَرَبِيَّةِ لَا يشك سامعه فِي انه من أَبنَاء الْعَرَب ثمَّ تنقل فِي خدم الْمُؤَيد حَتَّى صَار دوادارا وَذَلِكَ قبل تملك الْمُؤَيد وَلما تملك اقره على منصبه ثمَّ جعله نَائِبا لدمشق سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَثَمَانمِائَة وَلما مَاتَ الْمُؤَيد اظهر الْعِصْيَان وَآل أمره إِلَى أَن امسكه ططر وعصره وَأخذ مِنْهُ مَالا ثمَّ أَمر بقتْله فَقتل صبرا سنة أَربع وَعشْرين وَدفن بمدرسته الَّتِي هِيَ بِالْقربِ من شمَالي الْجَامِع الْأَعْظَم بِحَضْرَة الخانقاه السميساطية وَكَانَ شَدِيدا فِي دواداريته على النَّاس ذكره ابْن خطيب الناصرية والحافظ ابْن حجر انْتهى

وَمن تَأمل أَفعَال الْأُمَرَاء فِي قُرُون الْخَمْسمِائَةِ وَمَا بعْدهَا رأى الاستبداد ضَارِبًا أطنابه وَالظُّلم وَالْبَغي ناشرا أجنحته مرفرفا على النَّوْع الإنساني بالجور وَقلة الْإِنْصَاف فان الْملك إِذْ ذَاك يُرْخِي الْعَنَان لنوابه ومأموريه فيتفننون بفنون الظُّلم وسلب أَمْوَال الرّعية وَلَا يسْأَله عَن أَعماله وَلَا يفاتحه بهَا حَتَّى إِذا رأى خزائنه امْتَلَأت وثروته امْتَدَّ رواقها تنَاوله بمخالبه وأنشب فِيهِ أَظْفَاره فيميته ميتَة وحشية ويستولي على مَا بِيَدِهِ من الْأَمْوَال وَالْعَقار كَأَن لِسَان حَاله يَقُول أَنا أرسل النَّائِب ليجمع الْأَمْوَال شَيْئا فَشَيْئًا على مهل ثمَّ أبتزها مِنْهُ على عجل وَلَا أُبَالِي بِإِتْلَاف

الْخلق وأهلاك النُّفُوس وَكَانُوا يتفننون بأنواع الْعَذَاب فبعضه يكون بِالْقَتْلِ صبرا وَهُوَ أَن يحبس الشَّخْص وَيمْنَع الطَّعَام وَالشرَاب حَتَّى يَمُوت وَتارَة يكون بعصر الْأَعْضَاء بالمعصار وَمرَّة يَجْعَل المعذب حجرا فِي الْبناء وآونة بالحرق والخنق وَالضَّرْب بِالسَّيْفِ إِلَى غير ذَلِك من الْأَفْعَال الدَّالَّة على وحشية الطَّبْع وعَلى الْكبر والجبروت وَقلة المبالاة بِأَمْر الْخَالِق جلّ شَأْنه نعم كَانَ يَتَخَلَّل هَذِه الظُّلُمَات نور من عدل بعض الْمُلُوك الْمُؤمنِينَ كنور الدّين وَصَلَاح الدّين وَغَيرهمَا ثمَّ يسدل الظلام ويمد رواقه وَيَأْتِي النَّاس مَا ينسيهم أَخْبَار أُولَئِكَ الصَّالِحين وَللَّه فِي خلقه شؤون الْمدرسَة الجهاركسية

يُقَال لَهَا الجهاركسية والجركسية وَهِي بالصالحية ومحلتها مَشْهُورَة باسمها لَكِن الْعَوام صحفوها فَقَالُوا عَنْهَا السركسية بسينين مهملتين وَذَلِكَ انك إِذا سرت فِي الطَّرِيق الَّذِي هُوَ أَمَام الدلامية عِنْد الجسر الْأَبْيَض وانتهيت إِلَى آخِره عِنْد الطَّرِيق الْعَام قابلتك الْمدرسَة الْمَذْكُورَة

وَقَالَ العلموي هِيَ بِطرف السُّوق فَوق نهر يزِيد عِنْد الْجَامِع الْجَدِيد ومكانها مَعْرُوف مَشْهُور انْتهى

أَقُول وَقد وقفت عَلَيْهَا فرأيتها مندرسة الأطلال قد جَعلتهَا أَيدي المختلسين دورا للسُّكْنَى وَلم يبْق مِنْهَا سوى قبتين عظيمتين قد تهدم أعلاهما وتحتهما قُبُور وعَلى جدارها القبلي كِتَابَة منطمسة الْحُرُوف تعسر قرَاءَتهَا تُشِير إِلَى التَّعْرِيف بهَا وتاريخ بنائها

وَقَالَ فِي تَنْبِيه الطَّالِب إِنَّهَا مَوْقُوفَة على الْحَنَفِيَّة وَالشَّافِعِيَّة وَقَالَ بَعضهم انه وقف على كتاب وَقفهَا وَإِنَّهَا على الْحَنَفِيَّة فَقَط

وأيا مَا كَانَت فقد حرمهَا مختلسها من الْعلم وَأَهله ومنعها عَن الطَّائِفَتَيْنِ فَمَاذَا يُفِيد كَونهَا على الشَّافِعِيَّة أَو عَلَيْهِم وعَلى الْحَنَفِيَّة

وَمن وَقفهَا النّصْف وَالثلث من قَرْيَة بَيت سوا من قرى دمشق وَكفر العواميد بالزبداني وأحكار بيُوت بالصالحية فِي جوارها وَالثلث من المزرعة الْمَعْرُوفَة بهَا وَاثنا عشر سَهْما من قَرْيَة بَيت سوا أَيْضا وَغير ذَلِك مِمَّا لَا يعلم أَي يَد تناولته واستباحته

تَرْجَمَة واقفها قَالَ ابْن خلكان أَبُو مَنْصُور جهاركس بن عبد الله الناصري الصلاحي الملقب فَخر الدّين كَانَ من كبراء أُمَرَاء الدولة الصلاحية وَكَانَ كَرِيمًا نبيل الْقدر عالي الهمة بنى بِالْقَاهِرَةِ القيسارية الْكُبْرَى المنسوبة إِلَيْهِ رَأَيْت جمَاعَة من التُّجَّار الَّذين طافوا الْبِلَاد يَقُولُونَ لم نر فِي شَيْء من الْبِلَاد مثلهَا فِي حسنها وعظمها وَأَحْكَام بنائها وَبنى بِأَعْلَاهَا مَسْجِدا كَبِيرا وربعا مُعَلّقا وَتُوفِّي فِي بعض شهور سنة ثَمَان وسِتمِائَة بِدِمَشْق وَدفن فِي جبل الصالحية وتربته مَشْهُورَة هُنَاكَ رَحمَه الله تَعَالَى

وجهاركس بِكَسْر الْجِيم وَفتح الْهَاء وَبعد الْألف رَاء ثمَّ كَاف مَفْتُوحَة ثمَّ سين مُهْملَة وَمَعْنَاهُ بالعربي أَرْبَعَة انفس وَهُوَ لفظ أعجمي معربة أَسْتَار والأستار أَرْبَعَة أواقي وَهُوَ مَعْرُوف بِهِ وَفِي مرْآة الزَّمَان مَعْنَاهُ اشْترى بأربعمائة دِينَار انْتهى

قَالَ الذَّهَبِيّ وَكَانَ الْعَادِل قد أعطَاهُ بانياس والشقيف فَأَقَامَ هُنَاكَ مُدَّة

وَقَالَ ابْن كثير واليه تنْسب قباب شركس بالسفح تجاه تربة خاتون وَبهَا قَبره

وَقد علم من مدرسي هَذِه الْمدرسَة القَاضِي أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد بن عبد اللَّطِيف الشكلي الشَّافِعِي

النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.