تجاوز إلى المحتوى

من «الرحلة الشامية» للأمير محمد علي باشا (ت ١٣٧٤هـ)

تاريخ المدينة (٣)

ذكر الشاعر المشهور هوميروس في بعض قصائده تلك المدينة بنوع خاص مسمّاة باسمها القديم سيدوم، وأسهب في الكلام عليها من جهة صناعتها ومهارة صناعها، وعلى ما امتازت به عن بلاد الشام وغيرها من صناعة النحاس وكثرة معادنه، حتّى سمى أهلها (السيدوميون النابغون في الصناعة). ومع أن هذه المدينة افتتحت

عدّة مستعمرات منذ عهد قديم جدّاً حتّى قيل إن ذلك كان قبل قرطاجنة القديمة، فإن مدينة صور تقدّمت عليها في هذا السبيل حتّى قيل إنّها لم تدع نفس تلك المدينة تخرج من تحت سلطتها أيضاً، وإن كانت صيدا مع هذا ما زالت حافظة لاستقلالها. وقد اشتهر الصيدانيون بالعلوم الرياضية والفلكية والملاحة الليلية. وعلى الرغم من أنّ هذه المدينة كانت في بعض الأزمنة تابعة لبعض الممالك الآسيوية، فإنّ ذلك لم يؤثر أقلّ تأثير في تجارتها الّتي كانت ولا تزال إلى اليوم نامية زاهرة. وفي سنة ٣٥١ قبل الميلاد ثارت هذه المدينة ضد ملك العجم (أرتجزرسيس) الثالث فهدمها سنة ٣٥٨. وافتتحها، بعد ذلك اليونانيون بدون مقاومة، ولكنها عادت فحافظت على شيء من استقلالها في عهد الرومانيين، فكان فيها مجلس قضاء يتألّف من تسعة

أعضاء كانوا في أوّل الأمر ينتخبون مدّة حياتهم ثمّ عدلوا الانتخاب فجعلوا مدّته عشر سنين فقط. وكان لها أيضاً مجلس شيوخ ومجلس نواب، ويظهر أنّ المسيحية هاجمتها مبكّرة جدّاً، ولا يبعد أن تكون قد دخلت فيها أوّل عهدها، وقد انتدبت عنها أسقفاً حضر مجمع نيسيه وهي مدينة في آسيا الوسطى وذلك كان سنة ٣٢٥ بعد الميلاد وفي المجمع وضعت أصول الديانة المسيحية واِلتأم شمل عقائدها بعد الشتات. وبعدئذٍ جاء الفتح الإسلامي فافتتحها المسلمون دون أن يجدوا أدنى مقاومة منها. وقد توالت عليها مصائب جمّة منذ عهد الحروب الصليبية، ففي سنة ١١٠٧ حاصرها الصليبيون حصاراً ضايقها، فلم تستخلص منه إلا بعد أن اِشترت نفسها بمبلغ من المال. وكان قد تمّ ذلك الصلح بين أهلها وبين المحاصرين، إلا أنّ عدم وفائها بشروط الصلح اضطرّ الملك بدوين الأوّل أن يفتتحها عنوة سنة ١١١١. وما زالت كذلك حتّى افتتحها السلطان صلاح الدين الأيوبي سنة ١١٨٧ وهدم جميع حصونها، إلا أنّ مدّتها في هذا الدور كانت قصيرة لأنّ الصليبيّين عادوا فأخذوها سنة ١١٩٧. وفي نفس هذه

السنة كرّ عليها الملك العادل فأخذها عنوة، ثمّ هدمها وخرّب ديارها. وفي سنة ١٢٢٨ أعاد الفرنج بناءها وعمروها، وما زالت كذلك إلى أن جاءت سنة ١٢٤٩ فهدمها السلطان أيّوب. ولكن الملك القدّيس لويس عمد إلى إعادة بنائها وتحصينها في سنة ١٢٥٣. ثمّ لم يمض عليها وهي كذلك إلا سبع سنين، وجاء تيّار المغول القوي فجرفها في سنة ١٢٦٠. وبعد ذلك بمدّة ٣١ سنة، أي في سنة ١٢٩١ افتتحها السلطان الأشرف. ومن ذلك الحين إلى الآن وهي تحت سلطة المسلمين. وقد ابتدأ تقدّمها في القرن السابع عشر من وقت ما كان اتّخذها فخر الدين أمير الدروز عاصمة له، لأنّه فتح أبوابها في وجوه الأوروبيين فزهت إذ ذاك تجارتها واتّسعت عمارتها، وبنى فيها ذلك الأمير قصراً جميلاً لنفسه. وفي سنة ١٨٤٠ قصدتها أساطيل الدول المتّحدة فهدمت قلعتها. هذا ولا يزال في تاريخ البلد ووصفها كلام كثير إلا أنّ المهمّ ما ذكرناه، ولذلك نكتفي به ونعود إلى ما كنّا بصدده.

ركبنا مركبة سيّارة (أتوموبيل) من باب الفندق، وذهبنا متّجهين نحو ذلك البلد في طريق كان معظمه على شاطئ البحر. وكانت هذه أوّل مرّة مررنا فيها من تلك السكّة الّتي وجدناها مثل أكثر سكك الضواحي في بلاد الشام، إذ كانت مغروسة على الجانبين بالزروع والأشجار. وكنّا نشاهد أثناء السير شجر التوت يمتاز بالكثرة عن كلّ الشجر، وقد قدّمنا أنّ سبب ذلك هو أنّ ثروة أكثر المدن والقرى في تلك الجهات معظمها من محصول الحرير الّذي يتغذى دوده من ورق التوت، فهم لأجل ذلك يكثرون من زراعته في البساتين وفي الطرق أيضاً. ويقال إنّ صيدا ازدادت ثروتها كثيراً بسبب اتّجارها بالحرير ومنسوجاته. وحينما كنّا على مسافة قريبة من البلد، ألفينا في انتظارنا سعادة نسيم بك جنبلاط، ومعه عدّة

رجال من مستخدمي الحكومة وثلّة من عساكر الجندرمة، فاستقبلونا بغاية الحفاوة. ثمّ ساروا بنا إلى هضبة تبعد عن البلد قليلاً، حيث على تلك الهضبة تقوم دار سعادة البك الّتي وجدنا على مدخلها، حين وصلنا إليها، أنجال سعادته واقفين ينتظروننا، فرحّبوا بمقدمنا واستقبلونا بما دلّ على تهذيب نفوسهم وحسن تربيتهم. ثمّ دخلنا إلى ردهة الاستقبال، وما كدت أستقرّ فيها حتّى ذهبت منّي نظرة إلى الحائط فرأيت على دائره صور جميع أفراد الأسرة العلوية، من الجدّ الأكبر إلى الحضرة الفخيمة الخديوية. وكانت تلك الرسوم البديعة متقنة إلى درجة أنّها تكاد تمثل أشخاص المرسومين، لأنّها على إتقانها العجيب كانت مكبّرة وملوّنة بالزيت، فانشرح صدري من رؤية هذه المجموعة أيّما انشراح. وحينئذٍ أظهرت لأصحاب البيت سروري وجذلي من ذلك العمل الّذي كنت أستشف منه إخلاص أسرة جنبلاط الكريمة نحو البيت العلوي القديم. ثمّ إنّي ما كدت أبدي عجبي واستغرابي من أنّي أرى رسم الأسرة الخديوية كلّها على حائط هذا البيت، وهو قائم على تلّ من تلال الشام، حتّى كان قد أدرك ذلك منّا سعادة الأمير نسيم بك وقال لنا على الفور: لا تعجبوا دولتكم أن تجدوا أمام أعينكم الآن صور أسرتكم الفخيمة، فما هو إلا بعض الواجب تؤدّيه لكم أسرة شامية، كانت ولا

تزال تستمدّ عزّها وقوّتها من بيتكم الكريم وعرشكم الفخيم، منذ عهد المرحوم إبراهيم باشا، جدّكم العظيم. فلا يستكبر مولاي أن ينظر حائط بيتي هذا محلّى ومزيّناً برسوم حكّام مصر وأمرائها الفخام. وإنّي لست إلا أثراً من آثار إحسانهم وغرساً من غراس نعمتهم، وكذلك كان والدي من قبلي. لأن جدّكم المرحوم إبراهيم باشا هو الّذي أسّس مجد بيتنا وشاده ورفع قواعده وعماده، منذ تفضّل فولّى والدنا إمارة الدروز. وإذ ذاك كان في يد البك ورقة، فناولنا إياها وقال: وذلك هو الفرمان العالي الّذي صدر من المغفور له جدّكم إلى والدنا، عندما ولي هذا المنصب الكبير. فمثل هذا الإحسان يا

مولاي يجعل آل جنبلاط كلّهم أسرى لذلك البيت العظيم، شاكرين لأنعمكم ما دامت أنفاس الحياة تتردّد في صدورهم، فشكرت لهذا الأمير شعوره وإخلاصه. وبعد ذلك بقليل دعينا إلى غرفة الطعام فأكلنا من طعامهم الشرقي الشهي ألواناً كثيرة، ثمّ خرجنا من تلك الغرفة إلى ردهة جميلة الموضع كانت تطلّ على البحر من ناحية، وتشرف على صيدا من ناحية أخرى. وكان معنا بعض أعيان المدينة، وقد أظهروا لي شدّة ميلهم في أن أزور بلدهم وأتطوّف على آثارها وعلى بيوت الكبراء فيها، فشكرت لهم حفاوتهم وعنايتهم معتذراً إليهم بضيق الزمن. ثمّ ودّعناهم، وشكرنا لحضرة البك أمير الدروز وأنجاله أدبهم وكرمهم.

النص من طبعة دار السويدي بأبوظبي (٢٠٠٢م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.