من «البصائر والذخائر» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)
الجزء الثالث
اللهم أنت الحي القيوم، والأول الدائم، والإله القديم، والبارئ المصور، والخالق المقدس، والجبار الرفيع، والقهار المنيع، والملك الصفوح، والوهاب المنوح، والرحمن الرؤوف، والحنان العطوف، والمنان اللطيف، مالك الذوائب والنواصي، وحافظ الدواني والقواصي، ومصرف الطوائع والعواصي. إلهي، وأنت الظاهر الذي لا يجحدك جاحد إلا زايلته الطمأنينة، وأسلمه اليأس، وأوحشه القنوط، ورحلت عنه العصمة، فتردد بين رجاء قد نأى عنه التوفيق، وبين أمل قد حفت به الخيبة، وطمع يحوم على أرجاء التكذيب، وسر قد أطاف به الشقاء، وعلانية أناف عليها البلاء، لا يرى إلا موهون المنة،
مفسوخ القوة، مسلوب العدة، تشنؤه العين، وتقلاه النفس، عقله عقل طائر، ولبه لب حائر، وحكمه حكم جائر، لا يروم قراراً إلا أزعج عنه، ولا يستفتح باباً إلا أرتج دونه، ولا يقبس ضرماً إلا أجج عليه، عبرته موصولة العبرة، وحسرته موقوفة على الحسرة، إن سمع زيف، وإن قال حرف، وإن قضى خرف، وإن آحتج زخرف، ولو فاء إلى الحق لوجد ظله ظليلاً، وأصاب تحته مثوى ومقيلا. إلهي، وأنت الباطن الذي لا يرومك رائم، ولا يحوم على حقيقتك حائم، إلا غشيه من نور إلهيتك، وعز سلطانك، وعجيب قدرتك، وباهر برهانك، وغرائب غيوبك، وخفي شانك، ومخوف سطوتك، ومرجو إحسانك، ما يرده خاسئاً حسيراً، ويزحزحه عن الغاية خجلاً مبهوراً، فيرده إلى عجزه ملتحفاً بالندم، مرتدياً بالأستكانة، راجعاً إلى الصغار، موقوفاً مع الذلالة؛ فظاهرك - إلهي - يدعو إليك بلسان الأضطرار، وباطنك يخبر عنك بسعة فضاء الأعتبار، وفعلك يدل عليك الأسماع والأبصار، وحكمتك تعجب منك الألباب والأفكار، لك السلطان والمملكة، وبيدك النجاة والهلكة، وإليك إلهي المفر، ومعك المقر، ومنك صوب الإحسان والبر، أسألك بأصح سر، وأكرم لفظ، وأفصح لغة، وأتم إخلاص، وأشرف نية، وأفضل طوية، وأظهر عقيدة، وأثبت يقين، أن تصد عني كل ما يصد عنك، وتصلني بكل ما يصل بك، وتحبب إلي ما حبب إليك، فإنك الأول والثاني، والمشار إليه في جميع المعاني، لا إله إلا أنت.
هذا - حرسك الله - الجزء الثالث، وقد سار إلى جزانتك الجزءان قبله، ولولا حسن موقعهما منك، وبهاؤهما في عينك، وتقريظك لهما بلسانك، وإعجابك بهما باستحسانك، لكان نشاطي يقل، وحدي يكل، ويدي ترفض ارفضاضاً، ويميني تنفض انفضاضاً، ولكني أحمد الله الذي زيتك بتعرف المعارف، وجعل ظلك فيها الظل الوارف، حتى خف عليك الغرم الثقيل، وبذل المالا الجزيل، وإكرام العلم وأهله، وتعظيم الفضل وأربابه، فلا زال نصيبك من محبة العلم فوق نصيبك من محبة المال، وقسطك من التعلم فوق قسطك من الدعوى، وقد جبلك الله على خلق لو باهيت به قرناءك، وساجلت عليه عشراءك، كان لك السبق المبر، والخالصة والسر؛ نسأل الله بمجموع همتك، وخلي ذرعك، وفارغ بالك، أن يجبر كسرنا، ويفك أسرنا، ويصرف حسن الدنيا عن قلوبنا، ويوصل حلاوة الآخرة إلى صدورنا، ويهدينا إلى الصراط وأوضح السبل، ولا يكلنا إلى اللهو واللعب فنعطب، ولا يوكل بنا التشمير والجد فتتعب، ولكن قواماً بين ذلك، فخير الخير ما أخذ الواسطة واستقر في المنصف.
وآعلم - لقيت المنى، وجنبت الردى - أنا قد أصبحنا في دار رابحها خاسر، ونائلها قاصر، وعزيزها ذليل، وصحيحها عليل، والداخل إليها مخرج، والمطمئن فيها مزعج، والذائق من شرابها سكران، والواثق بسرابها ظمآن، ظاهرها غرور، وباطنها شرور، وطالبها مكدود، وعاشقها مجهود، وتاركها محمود، والعاقل من قلاها وسلا عنها، والظريف من عابها وأنف منها، والسعيد من غض بصره عن زهرتها، وصرف نفسه عن نضرتها، وليس لها فضيلة إلا دلالتها على نفسها، وإشارتها إلى نقصها، ولعمري إنها لفضيلة لو صادفت قلباً عقولاً، ولساناً قؤولاً، وعملاً مقبولاً، لا لفظاً مقولاً؛ إلى الله
الشكوى من هوى مطاع، وعمر مضاع، فبيده الداء والدواء، والمرض والشفاء، وهو بكل شيء خبير.
فكن - حرسك الله - لنفسك نصيحاً، واستقبل توبة نصوحاً، وآزهد في دار سمها ناقع، وطائرها واقع، وآرغب في دار طالبها منجح، وصاحبها مفلح؛ ومتى حققت الحق، وأمرت بالصدق، بان لك أنهما لا يجتمعان، وأنهما كالضرتين لا تصطلحان، فجرد همك في تحصيل الباقية، فإن الأخرى أنت فان عنها، وهي فانية عنك، وقد عرفت آثارها في أصحابها ورفقائها، وصنيعها بطلابها وعشاقها، معرفة عيان، فأي حجة تبقى لك، وأي حجة لا تثبت عليك؟ أما أنا فقد أيقنت أن بساط عمري مطوي، وأني بعين الله مرعي، وعن صغيري وكبيري مجزي، فإن " من يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره " الزلزلة:. جعل الله انتباهنا للوعظ طريقاً إلى نيل المراد والحظ، فالمغبون من صدق لسانه وكذب فعله، وآمن ظاهره ونافق باطنه؛ نفعنا الله بمقول القلب ومسموعه، واستعملنا بصالح العمل ومرفوعه، إنه جواد ماجد.
هذا كله شفقة مني عليك، واهتمام بمصلحتك، فإن أعجبك وراقك، وسرك وآنقك، وسفر نقاب الشبه عنك، ورفع حجاب الهم دونك، وأراك الحق في منظره البهي وحليته المعشوقة، والباطل في سمله الزري ولبسته المشنوءة، فالزم هدي كل هاد، وتقبل مذهب كل ناصح، غير معرج على الدنيا، ولا متتبع لفانيها، ولا متوقع لآتيها، ولا متمتع بحاضرها، فليس من شأنها أن تولي إن آتت، وإن آتت فليس من أخلاقها أن تصفو، وإن
صفت فليس من طبعها أن تدوم. وقد رأيت مصارع المغترين بها، وعواقب الخافضين فيها، كيف ملأت القلوب عبرة، والعيون عبرة.
وليكن همك مطوياً على العلم والعمل والإخلاص والشكر والعفة والطهارة والصدق، فإن هذه صفات ملائكة الله المقربين، وحلي أنبيائه المرسلين. واطلب الكمال جهدك في كل ما خفف الخير عليك، ونظم شمل الإحسان بين يديك، واتق النقص عائفاً له، متبرئاً منه، هاجراً للناقص، إنه كالعليل الذي لا بد له من التذلل للطبيب، يصبر على من يخرجه من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ومن لغب العمى إلى روح البصيرة، ومن خناق العي إلى اتساع البيان، ومن أسر العدو إلى فكاك الولي، ومن شماتة الحاسد إلى مسرة الصديق، ومن حبس العجز إلى ساحة الدرك.
هيهات! أين هذا المعنى بنفسه الذي يرى حياته من مواهب الله النفيسة، وزمانه من نعمه الكريمة، فيدأب في كسب الكمال واستمداد الفضل وطلب العلم، مرة بدرس كتاب، ومرة بمذاكرة نظير، ومرة بخدمة عالم، مستعيناً بالله في تصرفه ومستقره، عالماً أنه لا مانع لما أعطى، ولا معط لما منع. نعم، ولن يتم له ذلك أيضاً حتى يغار على الحكمة غيرته على الحرمة، ويصونها كما يصون العشيقة، وينفر مما قدح فيها أو تحيف منها، كما ينفر من القاذورة الشنعاء والداهية الشعواء، وحتى يخدمه بالتنقيح ساهراً، ويقيه لاحق العيب باطناً وظاهراً، ويبعده من الطعن غائباً وحاضراً، فعند ذلك يشرفه ويفضله، ويزكيه ويعدله، ويقوم في النوادي الحافلة خطيباً بمحاسنه، ويدخله مضمار السابقين، وينزله لسان صدق في الآخرين.
وينبغي أن تعلم أن من أراد خطابة البلغاء على طريقة الأدباء، ومجاراة
الحكماء على عادة الفضلاء، احتاج ضرورة إلى تقديم العناية بأصول هي الأساس، وحفظ فصول هي الأركان، ولن ينفعه تقديمها دون إحكامها، كما لا يجدي عليه حفظها دون عرفانها. فمن أوائل تلك العناية جمع بدد الكلام، ثم الصبر على دراسة محاسنه، ثم الرياضة بتأليف ما شاكل كثيراً منه، أو وقع قريباً إليه، وتنزيل ذلك على شرح الحال ألا يقتصر على معرفة التأليف دون معرفة حسن التأليف، ثم لا يقف مع اللفظ وإن كان بارعاً رشيقاً حتى يفلي المعنى فلياً ويتصفح المغزى تصفحاً، ويقضي من حقه ما يلزم في حكم العقل ليبرأ من عارض سقم، ويسلم من ظاهر استحالة، ويتعمد حقيقته أولاً ثم يؤسسه ثانياً ليترقرق عليه ماء الصدق، ويبدو منه لألاء الحقيقة؛ ولن يتم ذلك حتى يجنبه غريب اللفظ ووحشيه، ومستكرهه وبدويه، ويزل عن ربوة ذي العنجهية وأصحاب اللوثة وأرباب الجعظرة، بعد أن يرتقي عن مساقط العامة في هجر كلامها ومرذول تأليفها؛ وبعض بني أسد يقول:
وإني على ما كان من عجرفيتيولوثة أعرابيتي لأديب
أما ترى هذا الأعرابي كيف يميز بين المطبوع والمتكلف باعترافه أن فيه عجرفية ولوثة، هذا وهو معذور في ذلك لأنه يجري منه على عرق سليم من الأبن، ولسان مفتوق على اللسن، وسليقة مصحوبة بالفطن. فما ظنك بعد هذا بغيره ممن لا يقيم حرفاً إلا على تحريف، ولا يروي كلمة إلا على تصحيف، ويأنف من مسألة من شفاؤه عنده، وكماله بيده، وبرؤه بطبه؟
وهذه لغة قد فشت في زماننا حتى كأنهم فيها أعراب عامر. لقد جرى بعض هذا الفن عند رجل رئيس فقال: الأمر في هذا الشأن أسهل من ذلك وأهون، لأن الأحتفال والتيقظ لا يلزمان إلا في فرائض الدين وآداب الشريعة، والأستظهار والحفظ لا يستعملان إلا في تخليص النفس وحراسة الطبيعة، فأما البلاغة في الكتابة والتوقي فيها من الزلة، وأخذ الأهبة في الإفهام والأستفهام، فمن الكلف الموضوعة والأثقال المحطوطة، واللائمة تلصق بطريقها أكثر، والعيب يلزم من يغلو فيها أشد، وإغفال هذا الباب أشبه بمذاهب أهل الصلاح والنسك من نصحه خوفاً من مكابرته، ودافعاً للدواء مع تمكنه من دائه وتسهيله لشفائه، جاهلاً بثناء الله ﷿ على العلم والعالم في مواضع من كتابه؛ قال الله ﷿: " شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم " آل عمران:.
ومن عرف المتبوع من التابع، حط التابع عن درجة المتبوع، والعلم هو المتبوع، والعمل هو التابع، وبالعلم يصح العمل، ولا يصلح العلم إلا بالعمل، وقليل العمل مع كثير العلم يسد خللاً ظاهراً، ويرقع فتقاً منكراً، والثواب في الصبر على دفع الشبه إذا حلت، وصرفها بالحجج إذا أطلت، أضعاف الثواب على العمل؛ والعمل أيضاً لا يبرأ من رياء يحبطه، وكبر يفسده، وأكثره لا يخلص، وأقل العلم فيه تنبيه وإفاقة وخبرة بأسرار الله تعالى في خلقه، وإشراف على صنع الله لعبيده، وتشبث بأذيال عزه، واقتباس من نور وجهه، وشوق إلى طلب الزلفى من عنده.
ولعمري فالعلم بالعمل أحسن، كما أن العمل بالإخلاص أزين، ولكن
ذاك قليل لعزة الكمال في كل شيء، فإنك لا ترمي بلحظك إلى شيء، ولا ترسل وهمك على شيء، إلا وجدته مبثوثاً ممزوجاً إلا ما برأه الله من ذلك؛ فهل عدا هذا القائل اختيار الحاسدين الذين أصبحوا من النادمين؟ ولقلما يعتري هذا الفساد أحداً إلا من ثقته بنفسه، وجنوحه إليها بحسن ظنه، ولو فطن لجنايتها عليه، عرف إساءاتها إليه، وقد نقصت العلماء نقصاً فلم أجد أثقل عليهم من التعرف والتوقف.
والعلم نور البارىء، وحلية الملائكة، وفطرة الأنبياء، وجوهر الإنسان، ولب الكون، العقل مادته، والتجارب شهادته، والبيان تبعه، واللغة توشيحه، والأمر والنهي عيناه، والإقرار والأفكار جناحاه، والدنيا والآخرة طريقاه؛ وهب الله لك منه الحظ الأجزل، وسلك بك في العمل به الطريق الأسهل، ولا زهدك في العلم فساد العلماء، ولا أقعدك عن العمل مراءاة العاملين.
قال رسول الله ﷺ: استعينوا بقيلولة النهار على قيام الليل، وطعام السحر على صيام النهار.
كان عروة بن أدية إذا قام الناس بالبصرة خرج في سككهها ونادى: يا أهل البصرة، الصلاة الصلاة " أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون " الأعراف:.
قال أنس: كان بعضنا يدعو لبعض بهذا الدعاء: سهل الله عليكم صلاة قوم أبرار، يقومون الليل ويصومون النهار، ليسوا بأثمة ولا فجار.
وقال النبي ﷺ: أطعمني جبريل هريسة أشد بها ظهري لقيام الليل.
قال أبو حرة: أتينا بكر بن عبد الله المزني نعوده، فدخلنا عليه وقد قام لحاجته فجلسنا ننتظره، فأقبل إلينا يتهادى بين رجلين، فلما نظر إلينا سلم علينا ثم قال: رحم الله عبداً أعطي قوة فعمل بها في طاعة الله، أو قصر به ضعف فكف عن محارم الله.
وقال بكر بن عبد الله: كانت امرأة من أهل اليمن عابدة، وكانت إذا أصبحت قالت: يا نفس، اليوم يومك ليس لك يوم غيره، فتعمل في ذلك اليوم ما شاء الله حتى تمسي، فإذا أمست قالت: يا نفس، الليلة ليلتك، ليس لك ليلة غيرها؛ فتعمل في تلك الليلة ما شاء الله حتى تصبح؛ فكان ذلك دأبها حتى ماتت رحمها الله.
قال النعمان بن بشير: مثل الإنسان والموت مثل رجل له ثلاثة خلان، قال أحدهم: أنا مالك خذ مني ما شئت وأعط ما شئت، وقال الآخر: أنا معك أحملك وأضعك فإذا مت تركتك، وقال الآخر: أنا معك أدخل وأخرج معك حييت أو مت؛ أما الأول فماله، وأما الثاني فعشيرته، وأما الثالث فعمله يدخل معه ويخرج معه.
قيل للزهري: من الزاهد في الدنيا؟ فقال: من لم يمنع الحلال شكره، ولم يمنع الحرام صبره.
وقال غيلان بن جرير: عقول الناس على قدر زمانهم.
قال سفيان الثوري، قال وهب: ما عبد الله بمثل العقل، ولا يكون الرجل عاقلاً حتى يكون فيه عشر خصال: يكون الكبر منه مأموناً، والخير منه مأمولاً، يقتدي بمن قبله، وهو إمام لمن بعده، وحتى يكون الذل في طاعة الله أحب إليه من العز في معصية الله، وحتى يكون الفقر في الحلال أحب إليه من الغنى في الحرام، وحتى يكون عيشه القوت، وحتى يستقل الكثير من عمله ويستكثره من غيره، وحتى لا يتبرم بطلب الحوائج قبله، والعاشرة، وما العاشرة، بها شاد مجده، وعلا ذكره: يخرج من بيته فلا يستقبله أحد من الناس إلا رأى أنه دونه.
قال مالك بن دينار: رحم الله عبداً قال لنفسه: يا نفس، ألست صاحبة كذا؟ ثلاث مرات، ثم ذمها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله فكان لها قائداً.
وقال مالك أيضاً: سمعت الحجاج على المنبر يخطب ويقول: آمرءاً أتهم نفسه على نفسه، آمرءاً اتخذ نفسه عدوه، آمرءاً أخذ بعنان عقله فنظر إلى ما يراد به، آمرءاً زود نفسه، آمرءاً حاسب نفسه قبل أن يكون الحساب، آمرءاً نظر إلى ميزانه. فجعل يقول امرءاً حتى أبكاني.
يبكي مالك من كلام الحجاج، ولا يبكي الحجاج من كلام مالك، ولا قتل سعيد.
قال مسمع، قلت لجعفر الصادق ﵇: لم خلد أهل الجنة فيها، وإنما كانت أعمارهم قصيرة وأعمالهم يسيرة، ولم خلد أهل النار وهم كذلك؟ فقال: إن أهل الجنة نووا أن يطيعوه أبداً، وإن أهل النار نووا أن
يعصوه أبداً، فلذلك صاروا مخلدين.
المتكلمون لا يرضون بهذا الجواب، ولا يعجبون به، ولا يميلون إليه، وما أكثر ما يزيفون الرواية، ويقدحون في الأثر، ويستبدون بالرأي، ويفزعون إلى القياس، وليتهم مع هذه الجرأة على الرد، والإقدام على الحكمة، كانوا يجانبون الهوة، ويعافون الأختلاف، ويعلمون أن الله نهى عن التفرق في الدين، ومنع من إيثار الشك على اليقين، ودين الله محمي الحريم، عزيز الجانب، لا يتلقى بالتعسف والتكلف، ولا يتناول بالتقعر والتنطع، وما شمت الحاسد المرصد، والطاعن الملحد، حتى رأى علماء الدين وأنصار الشريعة يموجون في نحلهم، ويكفرون أهل القبلة على اعتقادهم، ويحيرون المسترشد، ويغوون الرشيد، ويصدون بالأختلاف عن الأئتلاف، ويسرعون إلى الإنكار قبل الأعتراف، ويظنون أن عقولهم كافية، وألفاظهم شافية، وأن الله راض عنهم لصنيعهم، غير مؤاخذ لهم على تضييعهم، فلا جرم والله ذهب بهيبتهم، ونزع البهاء عن وجوههم، ووكلهم إلى أنفسهم حتى خبطوا كما تخبط العشواء، وضلوا كما تضل العمياء، وجعل مصيرهم إلى دار البذاءة، وألجأهم إلى الحسرة والندامة، ولو سكتوا عما سكت عنه، وقالوا بما أمروا به، وضرعوا إلى الله سبحانه فيما أشكل عليهم منه، أراح الله قلوبهم من كد الفكرة، وأزاح عللهم بالأنباء والعبرة، وعذرهم فيما عجزوا عنه، وقبلهم على ما تقدم إليهم به؛ ولكنهم أعجبوا ببعض الإصابة فتهوروا مع كثير الخطأ، وكذلك يفعل الله بمن لا يحفظ شرائط العبودية، ولا يقف عند حدود البشرية، ولا ينصاع لأمر الألوهية، ولا يسلم لله أحكام الربوبية، ولكن يطلب العلة الخافية عليه وما طولب بها، ويبحث عن الحكمة المطوية عنه وما سئل عنها، ويفرض الله كأنه شريكه في الملك، ويقول لم وكيف وهو جاهل بما هو فيه، وبما كوشف به،
وبما أطلع عليه، لو سألته عن نفسه ومعناه وعينه، وعن نطقه وصمته، وعرفاته وحديثه، وظنه ويقينه، وشكه وتوثقه، وغضبه ومرضاته، وعما يتعاوره ويتعاقبه، ويتجدد إليه ويتحدد عليه، ويبدو منه ويغور فيه، على دائم الزمان، في كل الزمان، لوجدته بادي العجز، ظاهر الجهل، قريب العر، مستحقاً للرحمة، وأنه مع ذلك يدعي لاوياً شدقه، فاتلاً إصبعه، مدراً وريده، كأنه رب ليس بمربوب، أو مالك ليس بمملوك.
قال قتادة، قال يونس بن حيوة: شيعنا جنيداً فلما انتهينا إلى حصن المكاتب قلنا: أوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله، وأوصيكم بالقرآن فإنه نور الليل المظلم، وهدى النهار، فاعلموا به على ما كان من جهد وفاقة، فإن عرض بلاء فقدم مالك دون نفسك، وأعلم أن المحروب من حرب دينه، والمسلوب من سلب نفسه، إنه لا غنى بعد النار، ولا فقر بعد الجنة، وإن النار لا يفك أسيرها، ولا يستغني فقيرها.
هذا والله الحد وما سواه تعليل، وبالله المعونة على كل حال.
ذكر أبو حازم عند الزهري فقال: أما والله إنه لجاري، وما جالسته قط، قال أبو حازم: ذاك لأني مسكين، أما والله لو كنت غنياً لجالسني، قال الزهري: قد سببتني، قال: أجل.
قال ابن المبارك: كان في بني إسرائيل جبار يقتل الناس على أكل لحم الخنزير، فلم يزل الأمر يترقى حتى بلغ إلى عابد من عبادهم، فشق ذلك على الناس، فقال له صاحب الشرطة: إني ذابح لك جدياً، فإذا دعاك الجبار لتأكل فكل، فلما دعاه ليأكل أبى أن يأكل فقال: أخرجوه وآضربوا عنقه، فقال الشرطي: ما منعك أن تأكل جدياً مشوياً؟ فقال: إني رجل منظور إليه، وإني كرهت أن يتأسى بي في معاصي الله، ثم قتله.
قال ميمون بن مهران: لو أن أقصركم علماً عمل بما يعلم لدخل الجنة؛ ما منكم إلا من يعلم أن الصلاة خير من تركها، والأمانة خير من الخيانة، والصدق خير من الكذب، والوفاء بالعهد خير من نقضه، والصلة خير من القطيعة.
قال عبد الله بن مسعود: تعودوا الخير فإنما الخير عادة.
قال مطرف: لو أتاني آت من ربي فخيرني بين الجنة والنار وبين أن أصير تراباً، لأخترت أن أصير تراباً.
قال أبو هريرة: تكلم النبي ﷺ فأبكى من في البيت، فكان رجل في زاوية البيت تسيل دموعه على خديه لا يسمع له صوت، ولا ترى له عبرة، فجاء جبريل ﵇ فقال: يا محمد، أما إن هذا الباكي قد أطفأ بدموعه بحوراً من جهنم.
قال مالك بن مغول: كان رجل يبكي فيقول له أهله: لو قتلت قتيلاً ثم أتيت أهله فرأوك تبكي هذا البكاء لعفوا عنك، فقال: إني قتلت نفسي.
قال حماد بن زيد: بكى أيوب مرة فأخذ بأنفه ثم قال: هذه الزكمة ربما عرضت؛ قال: وبكى مرة فاستبين بكاؤه، ثم قال: إن الشيخ إذا كبر قبح.
قال عبد الله بن مسعود: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذ الناس نائمون، وبنهاره إذ الناس مفطرون، وبحزنه إذ الناس يفرحون، وببكائه إذ الناس يضحكون، وبورعه إذ الناس يخلطون، وبخشوعه إذ الناس يختالون، وبصمته إذ الناس يخوضون.
قيل لرابعة وقد انصرفت من الجبانة في يوم فطر: كيف رأيت الناس في هذا اليوم؟ قالت: رأيتكم خرجتم إحياء سنة وإماتة بدعة، غير أنكم أظهرتم نعمة أدخلتم بها على الفقراء مذلة.
قال ابن مسعود: وقف رجل بين يدي النبي ﷺ فارتعد، فقال: لا تخف فإني ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد.
قال أبو وائل، قال عبد الله: إن النبي ﷺ كحل عين علي بن أبي طالب بريقه من وجع أصابه.
قال ابن عباس في قوله ﷿ " ونجني من فرعون وعمله " التحريم:: أي جماعه.
وقال ابن عباس في قوله " عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة " الممتحنة: قال: فكانت المودة تزويج النبي ﷺ بأم حبيبة أخت معاوية بن أبي سفيان.
قيل لعمر بن ذر: أيهما أصلح، طول الكمد أو حدور الدمعة؟ قال: حدور الدمعة إذا رق فقد شفى غليلاً، وإذا كتم أغص بالشجا، فطول الكمد أحب إلي.
قال زياد لأبي الأسود الدولي: لولا ضعفك لاستعملتك على بعض أعمالنا، فقال: للصراع تريدني؟ قال زياد: إن للعمل مؤونة ولا أراك إلا تضعف عنه، فأنشأ أبو الأسود يقول:
زعم الأمير أبو المغيرة أننيشيخ كبير قد دنوت من البلى
صدق الأمير لقد كبرت وربمانال المكارم من يدب على العصا
يابا المغيرة رب مبهم كربةفرجته بالحزم مني والذكا
نظر أبو الدرداء إلى منزل رجل قد بناه وشاده فقال: ما أحكم ما تبنون، وأطول ما تأملون، وأقرب ما تنتقلون.
قال أبو الحسن المدائني: كان يقال: الشرب في آنية الرصاص أمان من القولنج. الرصاص بفتح الراء؛ قال أبو حاتم: الكسر لا يجوز.
قال المدائني، قال الحجاج:
أعائش لا تعجلي بالخلاففمنك الرياح ومنك المطر
وأنت أمرت بقتل الإماموقلت لنا إنه قد كفر
ونحن أطعناك في قتلهوقاتله عندنا من أمر
قال ابن عباس " وقد بلغت من الكبر عتياً " مريم:، قال: خمس وتسعون.
ليت ابن عباس عرفنا وجه هذا القول، فإنه فتيا مجردة، واللفظ لا يدل عليه، والعرف لا يشهد له.
قال عيسى بن مريم ﵇: كن في الدنيا ضيفاً، واتخذ المسجد بيتاً.
قيل لصوفي: كيف ترى الدنيا؟ قال: أرى نعمتها وسنى، ونقمتها يقظى، والناس بينهما روبى، أي نيام.
قال الحسن البصري ﵁: آنظر إلى الدنيا نظر الزاهد المفارق، لا نظر الراغب الوامق، وأحذر سرورها وغرورها، واعتصم بربك من فتنتها، فإن أقواماً اتخذوا ربهم حرزاً، واتخذوا دينه عزاً.
ودخل النعمان بن بشير على علي بن أبي طالب بعد أن قتل عثمان فقال: يا أمير المؤمنين، لو نصر عثمان كل من أحبه لما طمعت فيه أوباش مصر ولا أوشاب أهل العراق، ولو بسط عليه كل من أبغضه لما سلم أحد من أهل الدار؛ ولكن المحب هاب الخاذل، والخاذل تركه للقاتل، فتوهم الخاذل أن المحب بإمساكه عن النصرة موافق له في الخذل، وتوهم القاتل أن الخاذل بإظهاره الخذل له مقارب له في القتل، فعضد بعض الأمور بعضاً، وكان الخذل لتعاضدها أصلاً، وأشد ما يقوله اليوم من قبض يده عن نصره: ليتني كنت بسطتها، وأقصى ما يقوله من بسط يده إلى قتله: ليتني كنت قبضتها، ورويداً يعلون الجدد، فقال له علي ﵇: اكفني نفسك يا نعمان، وآلحق بأي البلاد شئت؛ فلحق بالشام.
هذا من نوادر الحديث، والكلام كما ترى مرهف الحد، مسنون الشبا، وإلى الله المفر، وعليه التوكل.
وأنشد لخارجي:
إلى كم يا دعاة الحق فيماندين به نقول ولا نصول
لسان في تناجينا طويلوعزم في تناخينا كليل
وأنشد لآخر من الخوارج:
إني أدين بما دان الشراة بهيوم النخيلة عند الجوسق الخرب
قوم إذا ذكروا بالله أو ذكرواخروا من الخوف للأذقان والركب
أنشد الزبير بن بكار:
أرى إبلي وكانت ذات زهوإذا وردت يقال لها نصيع
تكنفها الأرامل واليتامىفصاعوها ومثلهم يصوع
وساقوها وساقهم إليهابأكناف اللوى حتف وجوع
وطيب عن كرائمهن نفسيمخافة أن أرى حسباً يضيع
عن معنى من: لغة في هذيل، هكذا أظن، وأما قوله: فصاعوها فمعناه فرقوها؛ كذا السماع.
قال ثعلب: فلان نقي الجيب، لأنه أول ما يدنس من الثوب، فإذا نقي نفي سائره.
يقال: هذا على طرف العصا، وهذا على طرف الثمام، وهو لك
على حبل الذراع، كل هذا يعنى به التقريب.
قال أبو العباس: قال بعض العرب: نحن إذا عقدنا وفينا، وإذا سئلنا أعطينا، وإذا قدرنا مننا، وإذا نكبنا صبرنا.
امرأة مجعة أي حمقاء، ونساء مجع، ورجال أمجاع.
يقال في الأمثال: الإيناس قبل الإبساس، أي الرفق قبل الطلب.
ويقال: أطيب ما في الجدي شاكلته، وأطيب ما في السمكة راسها، أي خاصرة الجدي وسره السمكة.
وصياح نباح، بربار مزبار، نجناج لحاج، عجاج وطواط، كل هذا متقارب في المعنى؛ هكذا وجدت فرويت.
العرب تقول: إذا كان الليل فأخفض، وإذا كان النهار فانفض، لأن الصوت بالليل يسري، وأما بالنهار فتبعد الجهات منه.
وفي أمثالهم: لا تخلج الفصيل عن أمه.
القعنب: التيس الهرم.
قال أعرابي في كلامه: لو كان رأسه في الجرباء لأخذت حقي منه.
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: لله امرؤ راقب ربه، وخاف ذنبه، وعمل صالحاً، وقدم خالصاً، واحتسب مذخوراً، واجتنب محذوراً، ورمى عرضاً، وأحرز عوضاً، كابر هواه، وكذب مناه.
يقال: ما الفرق بين الفذ والقذ؛ الفذ: الفرد، والقذ البرغوث؛ هكذا وجدت فرويت.
يقال: الحفا قبل الوجا.
شاعر، وأنشده الأصمعي أيضاً:
لو كنت أعجب من شيء لأعجبنيسعي الفتى وهو مخبوء له القدر
يسعى الفتى لشؤون ليس يدركهاوالنفس واحدة والهم منتشر
والمرء ما عاش مبسوط له أمللا تنتهي العين ما لا ينتهي الأثر
لوم الفتى نفسه من دون عاذلهيثني عليه ولوم النفس يغتفر
جميل بن عبد الله:
عضضن البنان الفتخ لما عرفننيوقلن: أمعلوم مسيرك أم خافي
وضعن الجلابيب التي كن جنةوخفضن طرفاً غير كز ولا جافي
أفضن عليها الماء حتى إذا جرىبوادر مظلوم من الماء حفحاف
كما جال مبيض الندى فوق بيضةجلا الطل والأنداء عن لونها الصافي
حفحاف: له صوت أي إذا قطر؛ يقال: لهذا الثوب حفحفة أي إذا كان جديداً.
قال شيخ من المنجمين: الشمس أجل ما تكون قدراً في ثلاث مواضع: أولها الحمل وهو شرفها، والثاني الأسد وهو بيتها، ولا سيما إذا كانت في قلب الأسد، والثالث إذا كانت في ثماني عشرة درجة من الجوزاء أوجها، وعند ارتفاعها في القوس يجري الماء في العود ويظهر العشب وتزيد المياه وتبتدىء الثمار والبسر، وذلك أنها تأخذ في الأرتفاع من القوس، لأن القوس آخر انحطاطها في ثماني عشرة درجة منه؛ ويقال للجوزاء المنطقة العليا، وللقوس المنطقة السفلى، ويقال للحوت والسنبلة المنطقة الوسطى.
يقال: لط بها عليه، ولا يقال: ألط، ويقال: ألظ - بالظاء - إذا لزم؛ ولط: ستر. قال أبو العباس: وكان في القياس أن يقال: لاط، فجاء على غير القياس.
قال الأموي:
ومن يلحم الأعداء أعراض قومهتنله مرامي معلن أو مكاتم
وقد يخضع الرأس العلي مكانهإذا نقبت أدنى بطون المناسم
وريش الخوافي إن تأملت عاضلعلى كل ما حال بريش القوادم
قال بعض المنجمين: إن مواليد الأنبياء بالسنبلة والميزان. وكان طالع النبي ﷺ الميزان؛ وقال ﷺ: ولدت بالسماك، وفي حساب المنجمين أنه السماك الرامح، وكان في ثاني طالعه زحل، فلم يكن له مال ولا عقار.
وقف ابن السماك على قبر داود الطائي، وكان من كبار الزهاد، ومن أصحاب أبي حنيفة، فتكلم على قبره بكلام هذا منه: إن داود الطائي نظر بقلبه إلى ما بين يديه، فأعشى بصر القلب بصر العين، فكان لا يبصر ما إليه تنظرون، وكأنكم لا تبصرون إلى ما إليه ينظر، فلما رآكم مغرورين، قد دلهت
الدنيا عقولكم، وعشقتها أنفسكم، وامتدت إليها أبصاركم، أوحش الزاهد منكم، فكنت إذا رأيته علمت أنه حي بين موتى. يا داود، ما كان أعجب شانك، وقد يزيد في عجبك أنك ألزمت نفسك الصبر، وقومتها بالزهد؛ أذللتها وإنما تريد عزها، وأجعتها وإنما تريد شبعها، وأظمأتها وإنما تريد ريها، وعزلت نفسك عن الدنيا فلم ترها لك قدراً ولا خطراً، تفقهت في دينك وتركت الناس يفتنون، وسمعت الحديث وتركتهم يتحدقون، وخرست عن القول وتركتهم ينطقون، لا تحسد الأخيار، ولا تعيب الأشرار، ولا تقبل من السلطان عطية، ولا من الإخوان هدية، آنس ما تكون إذا كنت خالياً، وأوحش ما تكون إذا كنت مع الناس مجالساً، عزلت نفسك في بيتك فلا محدث لك ولا جليس، ولا ستر على بابك، ولا فراش تحتك، ولا قلة يبرد فيها ماؤك، ولا قصعة يكون فيها غداؤك وعشاؤك، فمن صبر صبرك وعزم عزمك؟! لقد أتعبت العابدين بعدك.
قال الرشيد لسفيان بن عيينة: إني عزمت أن أرى الفضيل بن عياض، فقال له سفيان: يا أمير المؤمنين، إنه رجل قد زهد في الناس والدنيا جميعاً، وأخاف أن تأتيه فتستجفيه، فقال له: كلا ما عزمت على إتيانه حتى وطنت نفسي على احتمال ما يكون منه؛ يا سفيان، إن عز القوي عز لا يزحمه منكباً إمرة ولا خلافة. قال: فأتيت فضيلاً بما قال: فقال: ما أعقله لولا أنه يحب العاجل، ثم قال: إني لأحب أن يأتيني وأكره أن يأتيني، فأما محبتي لمجيئه فلعلي أعظه بموعظة ينتفع بها هؤلاء الناس، وأما كراهيتي لمجيئه فلأني أراه يرفل في النعم عارياً من الشكر. قال: ثم أذن، فمضيت مع الرشيد إليه، وقد اختلط الظلام، وعلى الرشيد طيلسان غسيل قد غطى به رأسه، فلما هجمنا عليه في بيته وشم الرائحة سمعته يقول: اللهم إني أسألك رائحة الخلد التي أعددتها لأوليائك
المتقين، فرفع طرفه إليه وعينه تقطر فقال: أنت هو يا حسن الوجه؟ ثم وعظه فجعل يبكي حتى اشتد نشيجه، ثم قال له: ازدد من هذا، فما أعرف في هذه الليلة أحداً أحوج إليه منك، ثم وثب إلى صلاته، وما كان ذاك إلا كخطفة الطير. فلما صرنا إلى صحن الدار قال لي الرشيد: يا سفيان، ما رأيت التقوى في وجه أحد قط أبين منها في وجه هذا الشيخ، ولولا التحشم منك لقبلت ما بين عينيه، فقلت له: والله لعلى ودي أن تكون فعلت ذلك، فكتب الله لك ثوابه وأجره، فقال: إني أرجو أن يكون قد كتب لي ثوابه بالنية ولو لم أفعل.
انظر - فديتك - إلى هذا الحديث، وانظر إلى زمانك وإمامك وسلطانك، فإنك ترى فرقاً يوحش القلب، ويورث الأسف، ولله أمر هو بالغه لا نعترض عليه، ولا ننازع فيه، ولكن ناجأ إلى كنفه، ونسأله زيادة من عطفه، فإنه رحيم بعباده ودود.
قال أصحاب النجوم: إنما جعل أول بيت الطالع، لأنه خروج من ظلمة إلى ضياء، وجعل الطالع للحياة لأن المولود لما خرج بين حالتين - بين الموت والحياة - فإن أوجب الطالع الحياة فذاك، وإن أوجب الموت فذاك؛ والثاني للمواد، فإن الحياة إنما تكون بالمواد، فجعل المال؛ والثالث للإخوة، لأنه أول شكل برج يشاكل بالطالع، إن كان الطالع ذكراً فهو ذكر، وإن كان أنثى فهو أنثى، أو نهارياً أو ليلياً فهو مثله، وأول خط خرج من الطالع إليه ما لاح أقرب الأشياء إليه؛ والرابع الآباء، لأنه ابتداء الدور، منه يبتدىء وإليه يرجع، فالمولود الآباء أوله، والخامس الولد، لأنه مالىء بيت الآباء، والولد خلف الأب؛ والسادس بيت العبيد والمرضى والسقاط، لسقوطه عن الطالع ولأنه لا تمازج بين الطالع وبينه؛ والسابع الأضداد والنساء، لأنه بإزاء الطالع، إذا ظهر هذا غاب هذا، وإذا غاب هذا ظهر هذا؛ والثامن ينظر الثاني، فحالته بالضد، فلما كان الثاني سبب المواد، والمواد سبب الحياة، كان الثامن انقطاع المواد، وبانقطاع المواد يقع الموت؛ والتاسع السفر والدأب
والحركة والعلم، لأنه برج الشمس وأول الرائد من وتد العاشر؛ والعاشر السلطان والذكر والكرامة والصناعة، لأن العاشر أرفع نقطة في الفلك؛ والحادي عشر بيت الرخاء والإخوان والأصدقاء، لأنه نظير بيت الإخوة وثاني وسط السماء، لأن أول خط في الدائرة من تسديس، فالخط الأول يخرج إلى الثالث، والخط الثاني يخرج من الجانب الآخر إلى الحادي عشر، فيصير نظير بيت الإخوة لهذه العلة، فلذلك صار بيت الإخوان والأصدقاء، ولأنه يأتي العاشر صار موضع الرخاء والسعادة لأن الذي يتلوه السلطان للسعادة؛ والثاني عشر موضع برج زحل؛ والسادس موضع برج المريخ. قال هرمس: إذا كان زحل في حادي عشر والطالع القمر، خيف على قائم الزمان. نقلت هذا من خط القومسي.
العرب تقول: أعل على الوسادة أي ارتفع عليها، وأعل عنها أي انزل عنها.
دعبل الخزاعي:
ذممتك أولاً حتى إذا مابلوت سواك عاد الذم حمدا
فلم أحمدك من خير ولكنرأيت سواك شراً منك حدا
فعدت إليك مجتدياً ذليلاًلأني لم أجد من ذاك بدا
كمجهود تحامى لحم ميتفلما اضطر عاد إليه شدا
قال عتبة بن أبي سفيان لمعاوية وعنده عمرو ووردان: يا أمير المؤمنين، ما ألذ الأشياء؟ قال: صحة استولت على بدن، وقدرة اشتملت على
أمل، وسلطان مكله حزم، قال عمرو: ألذ الأشياء انجلاء الغمرات، وقد بلغت النفس اللهوات. قال معاوية وعمرو لوردان: ما تقول يا وردان؟ قال: قد قلتما، قالا: على حال، قال: ألذ الأشياء من بيع بغير تمنن، ويشتري منناً بعدها تجل عن الإحصاء، وترتفع عن الجزاء، تسود من أسداها، وتشرف من أسديت إليه، فقالا: وما أنت وهذه لا أم لك؟! مواليك أحق بها، قال: قد والله تركتها لكما فلم تأخذاها، ثم ذكرتها فلم تنكراها، فإن شئتما أن تنتحلاها رديفين فشأنكما، قالا له: إن لك في نفسك شأناً، قال: إن رأياً ضمني إليكما وآنسكما بي لخليق أن يكون ذا شأن.
قال ابن السماك: الكمال في خمس: ألا يعيب الرجل أحداً بعيب فيه مثله حتى يصلح ذلك العيب من نفسه، فإنه لا يفرغ من إصلاح عيب واحد حتى يهجم عليه آخر، فتشغله عيوبه عن عيوب الناس؛ والثانية: ألا يطلق لسانه ويده حتى يعلم أفي طاعة أو معصية؛ والثالثة: ألا يلتمس من الناس إلا مثلما يعطيهم من نفسه؛ والرابعة: أن يسلم من الناس باستشعار مداراتهم وتوفيتهم حقوقهم؛ والخامسة: أن ينفق الفضل من ماله ويمسك الفضل من حاله.
لبعض الخوارج:
كم من فتى نجدة لا اللهو همتهومن خطيب لدين الله وصاف
ليث النهار وقس الليل في ثقةللوهن في دينه والضيم عياف
ماض إذا أحجم الأبطال أو نكلواعند النزول إلى الأقران دلاف
لا هائب يوم هيجا من منازلةلنفسه في لهيب الحرب قذاف
في الروع ليس بطياش ولا وكلنكس وعن شبهات اللبس وقاف
لم ألق مثلهم في الناس أهل هدىفي طول حل وترحال وتطواف
قوم شروا كدر الدنيا وباطلهابمنزل من جنان شربه صاف
ما راقهم زخرف الدنيا وبهجتهاولا الترفل في خز وأفواف
ما تركوا من تراث يوم معركةلسالب غير أدراع وأسياف
وكل عبل الشوى نهد مراكلهكالسيد أدهم محبوك القرا صاف
وقدموا فضل دنياهم لآخرةثواب مفروضه أضعاف أضعاف
قال النبي ﷺ: آستوكف، أي أسبغ الوضوء.
سمع جعفر بن يحيى قبل أن يقبض عليه بساعة ينشد:
مقيم بالمجازة من شروريوأهلك بالأجيفر والثماد
فلا تبعد فكل فتى سيأتيعليه الموت يطرق أو يغادي
وكل ذخيرة لا بد يوماًوإن عظمت تصير إلى نفاد
فلو نفديك من حدث اللياليفديتك بالطريف وبالتلاد
قال أبو العباس، قال الحسن بن سهل: كل شيء تلبسه يستدفىء بك ثم يدفئك إلا السمور، فإنه يدفئك قبل أن يستدفىء بك.
من الأمثال المنقولة من الفارسية:
إن الذي تطلبه يدفيكاتأكله بشر شيء فيكا
إذا تمنى مائق أمنيهيحسبها كائنة مقضيه
يقال: إذا غدوت فبكر، وإذا رحت فهجر، وإذا أكلت فأوتر، أي كل بثلاث أصابع، وإذا شربت فأسئر، أي أبق بقية.
ويقال: أصول الطيب خمسة: المسك والعنبر والعود والكافور والزعفران.
قال فيلسوف: عجباً لمن عومل فأنصف كيف يظلم، وأعجب منه من عومل فظلم إذا عامل كيف يظلم.
شاعر:
أعاذلتي أقصريأبع جدتي بالمنن
ذريني أفد بالثراء حمداً فنعم الثمن
فما منك شيء حلاولا لك أنسى الزمن
إذا عز يوماً أخوك في بعض أمر فهن
بلوت صروف الزمان في فرح أو حزن
فسر فلم أبتهجوساء فلم أستكن
إذا ما نبا منزلفكل بلاد وطن
فليس حياة الفتىسوى ساعة لم تئن
يعيش الفتى حاسراًويهلك تحت الجنن
ويخطئه خوفهويصرعه ما أمن
قال معاوية: معاشر قريش، ما بال الناس لأم وأنتم لعلات؟! تقطعون ما أمر الله أن يوصل منكم، وتباعدون ما قرب الله؛ كيف ترجون لغيركم وقد عجزتم عن أنفسكم؟ تقولون كفانا من الشرف من قبلنا، فعندها ترميكم الحجة فاكفوه من بعدكم! إنكم كنتم رقاعاً في جيوب العرب، قد أخرجتم من حرم ربكم، ومنعتم تراث نبيكم حتى جمعكم الله برجل منكم، فردكم إلى بلادكم، وأخذ لكم ما أخذ منكم، فجمعت لكم مكارم العرب، ودفعت عنكم مكايد العجم، فأرغبوا في الألفة التي أكرمتكم بها، وإياكم والفرقة فقد حذرتكم نفسها.
قال أرسطاطاليس: من أخذ ميثاق الصبر، في ألوان الدهر، حسن ثناؤه في كل أمر.
وقال أيضاً: من قارب الناس في عقولهم ولم يستكرههم في تصريف الأمور بما يخرجهم من متعارف نظرهم سلم من غوائلهم.
قال خالد بن صفوان في وصف النخل: هن الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، تخرج أسفاطاً عظاماً وأوساطاً، كما ملئت رياطاً، ثم تتفرى عن قضبان اللجين منظومة باللؤلؤ الأبيض، وتصير ذهباً أحمر منظوماً بالزبرجد الأخضر، ثم تصير عسلاً في نحاء، معلقاً بالهواء، ليس في مسك ولا سقاء، بعيداً من التراب، لا يقربه الذباب، دونه الحراب، ثم يصير ورقاً في كيس الرجال، يستعان به على العيال.
قال أعرابي وقد نظر إلى دينار: قاتلك الله ما أصغر قمتك وأعظم قيمتك.
مر بي في كتاب الرتب، قال أبو ذر: أيها الناس، إن آل محمد ﷺ هم الأسرة من نوح، والآل من إبراهيم، والصفوة والكلالة من إسماعيل، والعترة الطيبة الهادية من محمد، فأنزلوا آل محمد بمنزلة الرأس من الجسد، بل العينين من الرأس، فإنهم فيكم كالسماء المرفوعة، وكالجبال المنصوبة، وكالشمس الضاحية، وكالشجرة الزيتونة، أضاء زيتها، وبورك وقدها.
قال الزياتون: من مناقب الزيت أنه يعصر أول عصرة فيكون منه زيت للأكل، ثم يعصر ثانية فيكون منه زيت السراج، ثم يعصر ثالثة فتطيب به زقاق الزيت، ثم يباع ثجيره فيجفف وتسجر به النار فتكون ناره أحر نار، ثم يعزل رماد ذلك الوقود فيباع لأصحاب الصابون فيدخلونه في عمله فيجود، فلا يسقط منه شيء.
وصف بعض العلماء الذهب فقال: هو أبقى الجواهر على الدفن، وأصبرها على الماء، وأقلها نقصاناً على النار، وهو أوزن من كل ذي وزن إذا كان في مقدار شخصه، وجميع جواهر الأرض إذا وضع على ظهر الزئبق في إنائه طفاً، ولو كان وزناً عظيماً، وحجماً ثقيلاً، وإن وضع قيراط من ذهب رسب حتى يبلغ قعر الإناء، وميله أجود الأميال، والهند تمره في العين بغير كحل، ولا يسود لصلاح طبعه وموافقة جوهره لجوهر الناظر، ومنه الزرياب والصفائح التي تتخذ لسقوف الخلفاء والملوك، وعليه مدار تبايع الخلق، وهو ثمن لكل شيء، والأرض التي تنبته تحيل الفضة إلى جوهرها في السنين الكثيرة، وتقلب الحديد إلى طبعها في الأيام اليسيرة، والطبيخ الذي يكون في قدوره أغذى وأمرأ وأصح في الجوف.
قيل لأعرابي: كيف أنت مع صديقك؟ قال: نتعايش بالنفاق، ونتجاوز بهجر وفراق.
قال خالد الكاتب في أبي المثنى الطفيلي:
أبو المثنى أبداً في غرامقد بات من حب طعام الكرام
يعجبه من غيره دعوةحتى يراها أبداً في المنام
قد رسم التطفيل في وجهههذا حبيس في سبيل الطعام
ليس بقواد ولكنهيعجبه المشي أمام الغلام
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع