تجاوز إلى المحتوى

من «البصائر والذخائر» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)

الجزء الثالث (٤)

قال الخليل: كان يقال: من أساء فاحسن جعل له من نفسه حاجزاً يردعه عن مثل إساءته.

قال إبراهيم الحراني: كان البصرة أربعة من النحويين أصحاب سنة، وسائرهم قدرية: الخليل وأبو عمرو بن العلاء ويونس والأصمعي.

قال محمد بن سلام: حدثنا يونس النحوي قال، قلت للخليل: ما بال أصحاب رسول الله ﷺ كأنهم تؤام واحدة وعلي كأنه ابن علة؟ فقال: من أين لك هذا السؤال؟ فقلت: أريد أن تخبرني، قال: على أن تكتم عني ما دمت حياً؟ قلت: أجل، قال لي: تقدمهم إسلاماً، وبذهم شرفاً، وفاقهم علماً، ورجحهم حلماً، وكثرهم زهداً، فحسدوه، والناس إلى أمثالهم وأشكالهم أميل.

وقال الخليل: من الأبواب ما لو نشاء أن نشرحه حتى يستوي في عمله القوي والضعيف لفعلنا، ولكنا نحب أن يكون للعالم مزية.

قال النضر: حدثني الخليل قال: أتينا أبا ربيعة الأعرابي، وكان من أعلم من رأيت، فإذا هو على سطح، فسلمنا عليه فقال لنا: استووا،

فبقينا متحيرين، فقال لنا أعرابي بجبنه: إنه يقول: ارتفعوا، فاستخرجها الخليل من قول الله تعالى: " ثم استوى إلى السماء " البقرة: أي ارتفع، فصعدنا، فقال: هل لكن في خبز فطير، ولبن نجير، وماء نمير؟ فقلنا: لا، قال: سلاماً، فبقينا حائرين، فقال الأعرابي: إنه سألهم متاركة، لا خير ولا شر، فاستخرجها الخليل من قول الله سبحانه " وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً " الفرقان:.

قال الخليل: النحو للسان بمنزلة الطعام للأبدان.

وقال أيضاً: إن لم تعلم الناس ثواباً فعلمهم لتدرس بتعليمهم علمك، ولا تجزع من تفرع السؤال فإنه ينبهك على علم ما لم تعلم.

لصخر بن الجعد الخضري:

ولست بنائم إلا نزوراًولا مستيقظاً إلا مروعا
وإنك لو نظرت فدتك نفسيإلى كبدي وجدت بها صدوعا
أرجي أن ألاقي آل كأسكما يرجو ذوو السنة الربيعا

لعبد الحميد بن سعيد المساحقي:

إني وإن قيل لا يحمى له غضبإذا غضبت كأني الحية الذكر
يذكي القراع إذا قورعت من غضبيناراً تأجج ما يطفى لها شرر
ألوى المريرة صرام لخلتهرحب الذراع بما يأتي وما يذر
لا يستكين لما يأتي به حدثكأنه عند ما يرمى به حجر

قال بعض السلف: لا تغتر بطول السلامة مع تضييع الشكر، ولا تعمل بنعمة الله في معصيته، فإن أول ما يجب لمهيديها ألا تجعلها ذريعة إلى مخالفته، واعلم أن كفران النعمة بوار، وقلما اقشعت نافرة فرجعت في نصابها، فاسترجع شاردها بالتوبة، واستدم راهنها بكرم الجوار، واستفتح باب المزيد بحسن التوكل، ولا تحسبن أن سبوغ ستر الله غير مقلص عما قليل إذا أنت لم ترج لله وقاراً.

قيل لابن عون الزاهد، وقد جرى ذكر الأرزاق: يا أبا عون، ما تتمنى منها؟ قال: إني لأستحيي أن أتمنى عليه ما قد ضمنه.

دخل الأوزاعي على المهدي فقال له: إن الله قد آتاك فضيلة الدنيا

وكفاك طلبها، فاطلب فضيلة الآخرة فقد فرغك لها.

قال الأصمعي: دخلت على الخليل وهو جالس على صحير صغير، فقال لي: تعال اجلس، فقلت: أضيق عليك، فقال: مه! الدنيا بأسرها ما تسع متباغضين، وإن شبراً في شبر ليسع متحابين.

قال النضر، قال الخليل: الأيام ثلاثة، معهود ومشهود وموعود؛ فالمعهود أمس، والمشهود اليوم، والموعود غد.

قال نصر بن علي، قال الخليل: الرجل بلا صديق كاليمين بلا شمال.

وقال الخليل، وقد قيل له: إن استفساد الصديق أهون من استصلاح العدو، قال: نعم كما أن تحريق الثوب أهون من نسجه.

قال الرياشي، قال الخليل: ما غلب جدل إلا جاء جدل آهر فغلبه، وما شيء أضر على الأديان ولا أفسد بين الإخوان من الجدل.

قال بعض السلف: الغناء نوح إبليس حين خرج منها.

وقال بعض السلف: لسان الإنسان مثقاله الذي يوزن به.

قال أعرابي:

ما أقرب الخير من السلامة

ما أقرب الشر من الندامة

ما أولع الحاسد بالملامة

كاتب: ما أحوجك إلى أخ كريم الأخوة، كامل المروة، إذا غبت خلفك، وإذا حضرت كنفك، وإن لقي صديقك استزاده لك، وإن لقي عدوك كفه عنك، وإذا دانيته ابتهجت، وإذا اباثثته استرحت.

لأبي دلف الخزرجي في ابن عباد:

يا ابن عباد بن عباس بن عبد الله حرها
للشاعر أبو دلف الينبوعي، اقرأ القصيدة
تنكر الجبر وقد أدخلت في العالم كرها
للشاعر أبو دلف الينبوعي، اقرأ القصيدة

قيل لجعفر بن محمد إن هشام بن الحكم يقول إن البارئ جسم، فقال: أخطأ، اما علم أن الجسم والجسم يتفقان، والشيء والشيء يفترقان، لأن الجسم اسم لكل محدود، والشيء اسم لك لموجود.

شاعر:

أراك فلا أغض الطرف كي لايكون حجاب رؤيتك الجفون
ولو أني نظرت بكل عينلما استوفت محاسنك العيون
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

قال بعض الزهاد: من أطعمه التراب أكله التراب.

كاتب: عرفني وقتاً أوافيك فيه جالساً، لا تزاحمني الألسن فيه على محادثتك، ولا الأعين على النظر إليك، لأقضي وطر الود، وآخذ بثأر الشوق.

وصف الخليل بن أحمد أرضاً حمد مشتريها رأيه:

ترفعت عن ندى الأعماق وانخفضتعن المعاطش فاستعنت بسقياها
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
فاعتم بالطلح والزيتون أسفلهاومال بالنخل والرمان أعلاها
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
وصار يحسده من كان يعذلهولائم لامفيها قد تمناها
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
أبا معاوية اشكر فضل واهبهاوكلما جئتها فاعمر مصلاها
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة

قال المبرد، قال المازني، قال الأصمعي: رأيت الخليل يأخذ كتب أبي حنيفة فينظر فيها، فقلت له: كيف تراه؟ فقال: أراه يأخذ الحق فيمسخه.

قد دل الخليل بهذا على اختلاله، لأن الفقه ليس من شأنه، وأبو حنيفة يجل عن مثل هذه الحال.

قيل للكرخي: لم لا تضع لنا كلاماً في الأصول على مذاهب المتكلمين؟ قال: أخاف التقصير وأكره النقص، فإني رأيت الجبائي وقد ألم في كتبه بشيء من الفقه فبدت سوءته، وأمل الحاسد الوقيعة فيه.

قيل لفيلسوف: كيف الله؟ قال: باطن لكنه لا يخفي، وظاهر لكنه لا يرى.

شاعر:

تقول لي وكلانا يوم فرقتنانوعان أدمعنا در وياقوت
أقم بأرضك هذا العام قلت لهاكيف الثواء وما في منزلي قوت
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة
وما بأرضك قوم أستعين بهمإلا بخيل فمملول وممقوت
فايتعبرت ثم قالت فالإياب متىفقلت إن ربيع العام موقوت

قال بعض المتقدمين: الكتاب إذا كثر جده ثقل، كما انه إذا كثر هزله استخف.

من كتاب أدب النديم لكشاجم: كان عبد الملك بن مروان

ولى بشراً الكوفة ووجه معه روح بن زبناع الجذامي وقال: يا بني، روح عمك والذي لا ينبغي أن تقطع أمراً دونه لصدقه وعفافه ومحبته لنا أهل هذا البيت، وقال لروح: اخرج مع ابن أخيك، فخرج معه حتى قدما الكوفة. وكان بشر ظريفاً أديباً، يحب الشعر ولاسمر والسماع والندام، فراقب روحاص واحتشمه وقال: أخاف أن يكتب روح إلى أمير المؤمنين بأخبارنا فتقبل منه، وإني لأحب من الأنس والاجتماع ما يحبه الشباب، ولكنني أتجنب ذلك لمكانه، فضمن له النديم كفاية أمره ورده إلى عبد الملك من غير سخط ولا لائمة، فسر بذلك بشر ووعده مكافأته عليه بأعظم الحباء.

وكان روح غيرواً، إذا خرج عن منزله أقفله وختمه بخاتمه حتى يعود فيفضهم بيده، فأخذ الفتى دواة ثم أتى منزل روح ممسياً، فوقف بالقرب منه مستخفياً، فخرج روح إلى الصلاة، فتوصل الفتى إلى أن دخل الدهليز فكمن تحت درجة فيه، وعاد روح ففتح الباب وأغلقه من داخله، فلم يزل الفتى يحتال ويتلطف به حتى وصل، فكتب على حائط في أقرب المواضع من مرقد ورح:

يا روح م لبنيات وأرملةإذا نعالك لأهل المغرب الناعي
إن ابن مروان قد حانت منيتهفاحتل لنفسك يا روح بن زنباع

ولا يغرنك أبكار منعمةفاسمع هديت مقال الناصح الداعي

ثم رجع إلى مكانه من الدهليز فبات به، فلما أصبح روح خرج إلى الصلاة، فتبعه الفتى متنكراً وخرج. وكان روح قبل خروجه أقفل على الموضع الذي كتب فيه الفتى، فلما عاد إلى الموضع وأسفر الصبح تبين الكتاب، فراعه وأنكره وقال: ما هذا، فوالله ما دخل حجرتي إنسي سواي، ولا حظ لي في المقام بالعراق، ثم نهض إلى بشر فقال: أوصني يما أحببت من حاجة أو سبب عند أمير المؤمنين، قال: أو تريد الشخوص يا عم؟ قال: نعم، قال: ولم ذاك؟

هل أنكرت شيئاً أو رأيت قبيحاً لم يسعك المقام عليه؟ فقال: لا والله، بل جواك الله عن نفسك وعن سلطانك خيراًن ولكن أمر حدث ولا بد لي من الانصراف، فأقسم عليه أن يخبره فقال: إن أمير المؤمنين ميت إلى أيام، قال: ومن أين علمت ذلك؟ فأخبره بخبر الكتبا، فقال بشر: أقم فإني أرجو ألا يكون لهذا حقيقة، فلم يثنه شيء، وصار إلى الشام، وأقبل بشر على الشراب والطرب. فلما لقي روح عبد الملك أنكر امره وقال له: ماأقدمك؟ ألحادثة حدثت على بشر أم لأمر كرهته؟ فأثنى على بشر وقال: بل حدث أمر لا يمكنني ذكره حتى نخلو، فقال عبد الملك: إذا شئتم. وخلا بروح فأخبره بقصته وأنشد الأبيات، فضحك عبد الملك حتى استغرب وقال: ثقل مكانك على بشر وأصحابه حتى احتالوا لك بما رأيت، فلا ترع.

ووفي بشر لنديمه بما وعده، وزاد ما كان منه في أمر روح في حاله عنده ومكانته منه.

قال الجاحظ في فصل من رسالة إلى محمد بن عبد الملك الزيات: حاجتي والله أن أخف على قلبك، وأن أحلو في صدرك، ولربما ميلت بين ألا تكون على قلبك مني مؤونة، وبين أن أكون عندك من الأوفياء الساترين، فأجدني إلى تلك أميل مني إلى هذه.

فصل لأبي عثمان أيضاً: والكتاب يحتاج مع صحة أديمه، وكرم

جوهره، وبراءة ساحته، وسلامة ناحيته، إلى شفيع في قلب المكتوب إليه وإن لم يكن هناك شفيع ولا دليل، فالكلام كله يحتمل التوجيه والتصريف، والتوهم والظنون.

وقال في فصل آخر: سألت - أبقاك الله - أن أصف لك فلاناً: اعلم أني دخلت على رجل ضخم فدم، غليظ اللسان غليظ المعاني، عليه من الكلام أشد المؤونة، وفي معانيه اختلاف ليس شيء منه يؤاتي صاحبه ولا يعاونه، بل لا يتاركه ويسالمه حتى يرى إرادته في شق ولسانه في شق، وحتى يظن ان كلامه كلام محموم أو مخمور، وأن كل واحد من هذا يقطع نظام المعالي، ويخلط بين الأسافل والأعالي؛ وكنت كأني رجل من النظارة، وكان يظن الظن ثم يقيس عليه، وينسى أن بدأه كان ظناً، فإذا اطرج ذلك لهواتسق جزم عليه، وحكاه عن صاحبه حكاية المستبصر في صحة معناه، ولكنه كان لا يقول: سمعت، ولا رأيت، فكان كلامه إذا خرج مخرج الشهادة القاطعة لم يشك السامع أنه إنما تجلى ذلك عن سماع قد امتحنه، ومعانية قد قهرته. ورأيته يزعم أن منكراً أفضل من نكير، وأن يأجوج أفضل من مأجوج، وأن هاروت خير من ماروت، حتى زعم أن الجانب الأيمن أفضل من الجانب الأيسر، واعتل ان الكبد للشق الأيمن؛ فقلت له: فإن الطحال للشق الأيسر، فقال: الكبد أرفع منزلة من الطحال، فقلت: فإن الفؤاد الذي هو سيد الأعضاء مركب في الجوف مما يلي اليسار دون اليمين، فهذه فضيلة لليسار على اليمين، فانقطع. ورخجت عنه، فلما رجعت إلى منزلي وردت علي رقعة مكتوب على عنوانها: هذه مسائل من فقر الحكمة ومكنون علم الفلسفة، وفككتها فإذا فيها: خبرنا عن تعادي الأضداد، وحركات الكون والفساد، إذا استحوذت على الأجرام الجسمية، فتلاشت قوى الطبيعة، هل يكون للحركات العنصرية أعراض بدنية أم جواهر وهمية وأعيان عقلية؟ وخبرنا عن النواميس الخفية والشرائع الإلهية: هل لهما أسرار طبيعية أو رسوم عقلية؟ فلما

وردت علي ونظرت فيها، علمت أنه لم يتأت له هذا الكلام إلا بخذلان الله تعالى، وأن ا؛ داً من أهل إقليم بابل لا يطرد له حبة من الكلام المحال ما يطرد له، وأيقنت انه قد نسي أنه أنفذ الرقعة إلي، وأنه لا يذكر شيئاً مما كتب، فرجعت عليه سائلاً، والتمست الإجابة منه، فوقع تحت كل مسألة مما قد كتبت إليك منه: مسألتك هذه لها وجهان، فإن أردت باب اليقين فلا، وإن أردت من باب التصور فنعم.

قال الأصمعي، قال أبو هلال الراسبي، قال أبو الصهباء - يعني صلة بن أشيم: طلبت الرزق في مظانة فأعياني، إلا رزقي يوماً بيوم، وغن امرءاً يرى هذا ولايعلم أنه قد خير له لعاجز.

قال ابن عباس: قلت لهند بن أبي هالة، وكان ربيباً لرسول الله ﷺ: صف لنا رسول الله ﷺ، فلعل أن

تكون أثبتنا به معرفة، قال: كان بأبي وأمي طويل الصمت، دائم الفكر، متواتر الأحزان، إذا تكلم تكلم بجوامع الكلم، لا فضل ولا تقصير، إذا حدث أعاد، وإذا خولف أعرض وأشاح، يتروح إلى حديث أصحابه، يعظم النعمة وإن دقت، ولا يذم ذواقاً، ويبتسم عن مثل حب الغمام.

جاء سلمان يخطب امرأة من قريش ومعه أبو الدرداء، فذكر سلمان وسابقته في الإسلام وفضله، فقالوا: أما سلمان فما نزوجه ولكن إن أردت أنت زوجناك، فتزوجها أبو الدرداء، فلما خرج قال: يا أخي قد صنعت شيئاً، وأنا أستحي منك، وأخبره، فقال له سلمان: أنا أحق أن أستحي منك، أخطب امرأة كتبها الله لك.

قال عبد الله بن عمر: المؤمن أكرم على الله من الكعبة الحرام.

قال رسول الله ﷺ، قال الله ﷿: من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، ما رددت في شيء أنا فاعله ما ردتت في قبض نفس المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولايزال عبدي يتنفل حتى أحبه، فإذا

أحببته كنت له سمعاً وبصراً ويداً ومؤيداً، إذا دعاني أجبته، وغذا سألني أعطيته، نصح إلي فنصحت له، وإن من عبادي المؤمنين لمن يريد الباب من العبادة فأكفه عنه لئلا يدخله عجب فيفسده ذلك، ن وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إمانه إلا السقم، ولو أصححته أفسده، ذلك أني أدبر عبادي بعلمي، إني عليم خبير.

هذا الحديث كما ترى، وله نظائر، ومتى حملته على صرف المتكلمين ونقد الناقدين تعذر متنه، وتحللت عراه، وانفتق رتيقه، وإن توسعت قليلاً في مجازه وقاربت في تأويله، وعاد عليك نافعه وسقط عنك ضاره.

قال سهل بن زيد، قلت لموسى بن عمران الخلقاني، وكان امرأ صدق زاهداً: أبشر يا أبا عمران، إن هذا الضيق الذي أنت فيه يأتيك من الله بسعة رزق، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، أتروني أخاف ان يحبس الله عني الرزق؟ والله لأنا بالدفقة تدفق في صدري من الدنيا يكون فيها فساد ديني وقلبي أخوف من أن يحبس الله عني الرزق.

قال معاذ بن جبل ﵁، قال النبي ﷺ: إن من فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع، ومن العلماء من يخزن علمه ولا يحب أن يوجد عند غيره، فذلك في الدرك الأول من النار؛ ومن العلماء من يكون في عمله بمنزلة السلطان، فإن رد عليه شيء من قوله أو

تهوون بشيء من حقه غضب، فذلك في الدرك الثاني من النار؛ ومن العلماء من يجعل حديثه وغرائب علمه لأهل الشرف واليسار ولا يرى أهل الحاجة له أهلاً، فذلك في الدرك الثالث من النار؛ ومن العماء من استفزه الزهو والعجب فإن وعظ عنف، وإن وعظ أنف، فذلك في الدرك الرابع من النار؛ ومن العلماء من ينصب للفتيا فيفتي بالخطأ، والله يبغض المتكلفين، فذاك في الدرك الخامس من النار؛ ومن العلماء من يتكلم بكلام اليهود والنصارى ليتعزز علمه، فذلك في الدرك السادس من النار؛ ومن العلماء من يتخذ علمه مروءة ونبلاً وذكراً في الناس، فذلك في الدرك السابع من النار.

عليك بالصمت فبه تغلب السلطان.

إياك أن تضحك من غير عجب، أو تمشي في غير أرب. هذا بكلام الحسن البصري اشبه.

قال أنس: إن عمر ﵁ قرأ: " وفاكهة وأباً " عبس: فقال: هذه الفاكهة قد علمنا، فما الأب؟ ثم وضع يديه على رأسه وقال: إن هو لهو التكليف، وما عليك يا ابن أم عمر ألا تعرف ما الأب؟! هذا طريف، إن عمر فوق ما ظن به الراوي؛ عمر ﵁ يوزن به بشر كثير لسعة علمه وحلمه وفضله، واللغة لسانه وليس عليه نصب في معرفتها ولا مشقة. والأب: يقال للبهائم بمنزلة الفاكهة للناس، ويقال: هو المرعى.

قال عبد الله بن مسعود: إن في طلب الرجل الحاجة إلى أخيه فتنة، إن أعطاه حمد غير الله، وإن منعه ذم غير الذي منعه.

قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فقال: يا أمير المؤمنين، إني قد تزودت زاداً، وابتعت راحلة، وقضيت لبانتي - أي حاجتي - أفأرتحل إلى البيت المقدس؟ فقال له علي: كل زادك، وبع راحلتك، وعليك بهذا المسجد - يعني مسجد الكوفة - فإنه أحد المساجد الربعة، ركعتان فيه تعدلان عشراً فيما سواه من المساجد، والبركة منه إلى اثني عشر ميلاً من حيثما أتيته، وقد نزل فيه من أسه ألف ذراع، وفي زاويته فار التنور، وعند الأسطوانة الخامسة صلى إبراهيم ﵇، وقد صلى فيه ألف نبي وألف وصي، وفيه عصا موسى نوح، وفيه مسير جبل الأهواز، ويحشر فيه يوم القيامة سبعون ألفاً ليس عليهم حساب ولا عذاب، ووسطه عرى روضة من رياض الجنة وفيه ثلاث أعين: عين من لبن وعين من دهن وعين من ماء جانبه الأيمن ذكر، وجانبه الأيسر فكر، ولو يعلم الناس ما فيه من الفضل لأتوه حبواً.

قال عمر بن الخطاب ﵁: الكوفة كنو الإيمان، وجمجمة العرب، وهم رمح الله الأطول.

قال مطرف: وجدت ابن آدم بين ربه وبين الشيطان، فإن اختاره الله نجا، وإن خلى بينه وبين الشيطان غلب عليه.

وشتم ديوجانس رجل فسكت عنه، فقيل له: لم لم تغضب حين شتمك؟ فقال: كفاه مسبه له أنه يشتم ولا يشتم.

وكان يقول لتلامذته: محصوا خطاياكم بالصدقة، وأيامكم بالرحمة.

وقال سقراط: ينبغي أن يكون كلامك بالليالي حيث لا يتكون أعشاش الخفافيش؛ قال: أراد الخلوة وأن لا ينظر في أمر الهيولانيات.

قال الجاحط: وإنما يستريح البدن من كد تعب الروية إلى برد اليقين، ولولا تأميل الراحة لتضاعف ثقله، ولقطع الجهد سبب صابحه من معاودته، ولو كان ذلك تدبيراً لما جعل الله تعالى الليل سكناً والنهار مسرجاً، بل إن الأغلب على طبائع البشر حب الكفاية واستثقال الرواية وسرعة السآمة.

وقال: الأرض وإن كانت حرة، والفرس وإن كان كريماً، والزمان وإن كان معتدلاً، فلا بد له من تعهد، ولاينتفع بالماء الساكن في الأرض، ولا بالذهب ما لم يستخرج، ولا بالعلم ما دام مكنوناً.

وقال أبو عثمان أيضاً: وكيف أنساك وأنا إن رأيت حسناً ذكرتك مشبهاً، أو قبيحاً ذكرتك به مبايناً.

وقال: السيد من أورى ناره، وحمى ذماره، ومنع جاره.

وقال: الحمار إن أطلقته ولى، وغن أوقفته دلى، كثير الروث، قليل الغوث، سريع إلى العرارة، بطيء في الغارة، لايحلب في إناء، ولا ترفأ

به الدماء، ولا تمهر به النساء.

وقال أبو عثمان: بقتك فيل وحصانك جبل.

وقال أيضاً: جماع الخير يجول بين الثناء والدعاء، فالثناء للدنيا والدعاء للآخرة.

قال واعظ: إني لأخشى أن ياتيك أمر الله بغتة، واحذ الإملاء فهو أوقى مغبة، وأثبت في الحجة، لأن تعمل ولا تعلم خير من أن تعلم ولا تعمل، لأن الجاهل العامل لم يؤت من سوء نية، ولا استحفاف بربوبية، ولا هو كمن قهرته الحجة، وأعرب له الحق مفصحاً عن نفسه فآثر الغفلة به والخسيس من الشهوة على الله، فأسحمحت فنسه عن الجنة، أسلمها بالأيدي لعقوبة. فاستشر عقلك، وراجع نفسك، وادرس نعم الله عليك، وتذكر إحسانه إليك، فإنه مغلبة للحياء، ومردعة للشهوة، ومشحذة على الطاعة، وقد أظل البلاء، وكأن قد كفكف عليك غرب شؤبوبه، وجوائح سطوته إن لم تستكف ذلك بسرعة النزوع، وطول التضرع، ودوام البكاء، والندم في أعقاب الزلات، واعتقاد الترك لها، والمعاودة في شيء منها.

تحاكم إلى الإسكندرية رجلان من أصحابه فقال لهما: إنما الحكم يرضي أحدكما ويغضب الآخر، فاستعملا الحق يرضيكما جميعاً.

أحضر بين يدي الإسكندر لص فأمر بصلبه فقال: أيها الملك،

فعلت ما فعلت وأنا كاره، قال: وتصلب أيضاً وأنت للصلب كاره.

قيل لصوفي: ما الذي تطلب؟ قال: أطلب الراحة في الدنيا، قيل: فهل وجدتها؟ قال: قد وجدت أني لا أجدها.

وتكلم رجل رث الهيئة بين يدي الإسكندر بكلام حسن، فقال: الإسكندر: ليكن حسن ثوبك موافقاً لحسن منطقك، فقال: أيها الملك، أما الكلام فأقدر عليه، وأما الكسوة فلا أقدر عليها؛ فخلع عليه.

وقام بين يدي الإسكندر خطيب فخطب وأطال، فزبره وقال: ليس حسن الخطبة بحسب طاقة الخاطب ولكن على طاقة السامعز خطب رجلان إلى دميانوس بنته، وكان أحدهما فقيراً والآخر غنياً، فاختار الفقير، فسأله الإسكندر عن ذلك فقال: لأن الغني كان جاهلاً فكان يخاف عليه الفقر، والفقير كان عاقلاً فكان يرتجى له الغنى.

قال الأصمعي: وصفت أعرابية قومها فقالت: كانوا والله لرحى الحرب ثفالاً، ولقدرها جفالاً، وللأعداء نكالاً، وفي الندى أزوالاً، وعلى الخصوم ثقالاً، أنحى عليهم الدهر بشفرتيه فأطفأ جاحمهم، واقتص ناجمهم، وطمس آثارهم، وأباد غضراءهم، فأصبحت المنازل دراسة، والأعلام طامسة، وبذلك جرت عادة الدهر.

قيل لرجل: إن أباك كان فقيراً فأثرى، فكيف كان سيرته؟ فقال: كان في مسكنته تقياً نقياً، وفي غناه رضياً سرياً.

وأخبر ابن الأعرابي أن لصين من الأعراب تصدياً لجارية ترعى غنماً، فقال أحدهما لصاحبه: اشغلها عني، فحفر حفرة ودخلها وتغطى بالثمام وأخرج متاعه قائماً، فنظرت إليه فقالت: أطرثوث ولا رملة، أذؤنون ولا عضاه له؟! ثم بركت عليه لتقضي حاجتها، فاطرد الآخر الغنم، فلما فرغت من أمرها التمست الغنم فإذا هي قد بعدت، فتبعتها، وخرج الآخر من الحفرة فعارض صاحبه فاطرد الغنم فذهبا بها.

وقال ابن الأعرابي، قال أبو صخر الكناني: وقف أعرابي على قوم من الحاج فقال: بدء شأني، والذي ألجأني إلى مسألتكم، أن الغيث كان قد قوي عنا، ثم تكرفأ السحاب، وشصا الرباب، وادلهم سيقه، وارتجس ريقه، وقلنا: هذا عام باكر الوسمي، محمود السمي، ثم هبت له

الشمال، فاحزالت طخاريره، وتقزع كرفئة متياسراً، ثم تتابع لمعان البرق، حيث تشيمه الأبصار، وتحده النظار، ومرت يد الجنوب ماءه، فقوض الحي مزلئمين نحوه، فسرحنا فيه المال فكان وخماً وخيماً، فأساف المال، وأضف الحال، فبقينا لا تيسر لنا حلوبة، ولا تنسل لنا قتوبه، وفي ذلك يقول شاعرنا:

ومن يرع بقلا من سويقة يغتبققراحاً ويسمع قول كل صليق

أي يسمع العذل يقولون قد نهيناك. أما قوله: قوي: أي احتبس، يقال: الثمام شر ما احتبس تكرفأ: ذهب، وشصا: ذخب، الرباب: المطر، والوسمي: أول مطر يسم الرض، والسمي: جمع سماء، واحزألت: تفرقت، تشيمه البصار: تدركه، ومرت - خفيفة - استخرجت، فقوض الحي أي تفرقوا، ومنه تقوض الحي، ومنه تقوض الخباء إذا حط.

قال ابو نوفل: قتل الحجاج ابن الزبير وصلبه على عقبة،

فجعلت قريش تمر به والناس، حتى مر به عبد الله بن عمر فوقف عليه فقال: السلام عليك أبا خبيب، أما والله لقد نهيتك عن هذا وكنت عنه غنياً، أما والله لقد كنت ما علمتك صواماً قواماص، وصولاً لرحم، والله إن أمة أنت شرها لأمة صدق؛ قال: ثم نفذ، فبلغ الحجاج موقفع فبعث إليه ثم استنزله ثم أمر به فألقي في قبور اليهود، ثم بعث غلى اسماء بنت أبي بكر بعد ما عميت أن تأتيه فأبت، فقال: لتأتيني أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك، فقال: والله لا ىتيك حتى تبعث إلي من يسحبني بقروني، قال: أروني سبتي، فأخذ نعليه وجعل يتوذف حتى دخل عليها فقال: كيف رأيتني فعلت بعدو الله؟ قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه، وأفسد عليكآخرتك، وقد بلغني أنك كنت تعيره وتقول: يا ابن ذات النطاقين، فقد ولاله كنت ذات نطاقين، أما أحدهما فكنت أرفع لرسول الله ﷺ ولأبي بكر ﵁ طعامهما من الذباب، وأما الآخر فنطاق المرأة التي لا يستغني عنه، فبأي ذلك ويلمك تعيره، وقد سمعت رسول الله حروف يقول: في ثقيف كذاب ومبير؟ أما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فلا إخالك إلا إياه.

قال الحسن: أوحى الله إلى آدم: أربع هن جماع لك ولولدك، واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة بيني وبينك، وواحدة بينك وبين الناس؛ أما التي فتعبدني ولا تشرك بي شيئاً، وأما التي لك فعملك آجرك به أفقر ما تكون إليه، وأما التي بيني وبينك فعليك الدعاء وعلي الإجابة، وأما التي بينك وبين

الناس فاصحبهم بالذي تحب أن يصحبوك به.

قال مجاهد: لما أمر إبراهيم ﵇ أن يؤذن في الناس بالحج قال: يا رب كيف أقول؟ قال: قل يا أيها الناس أجيبوا ربكم، قال: فوقرت في قلب كل مسلم مؤمن. ولو قال: أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والروم، ولكنه قال: أفئدة من الناس.

قال أبو هريرة: مثلت الدنيا على طائر، فالبصرة ومصر الجناحان، والشام والجزيرة الجؤجؤ، واليمن الذنب.

قال القاسم بن محمد: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إن في حجري أيتاماً لهن إبل ولي إبل، فماذا يحل لي من ألبانها؟ فقال: إن كنت تبتغي ضالها، وتهنأ جرباها، وتلوط حوضها، وتسقي عللها، فاشرب غير مضر بنسل ولا ناهك في حلب.

قال أبو صالح، قال أبو هريرة: اللسان ترجمان، والعينان

مسلحة، والأذن قمع، واليدان الجناحان، والرجلان بريد، والطحال ضحك، والكبد برد، والكلية مكر، والرئة نفس، والقلب الملك، فإذا صلح القلب صلحت الجوارح، وإذا فسد فسدت.

قال سفيان بن عيينة، قال أبو حازم: اشتدت مؤونة الدنيا، فما تمد يدك منها إلى شيء تطلبه إلا وجدت عليه فاجراً قد سبقك، وأما مؤونة الدين فما تجد أحداً يعينك عليه.

وقال ابن أبي زياد: جاء ثعبان فحال بين الناس وبين الطواف، فدعا أهل مكة فجاء طائر أظل نصف مكة حتى اختطف الثعبان فرمى به في البحر.

قال الحسن، قال رسول الله ﷺ: إن الناسلم يؤتوا في الدنيا شيئاً هو خير لهم من اليقين والمعافاة، فسلوهما الله ﷿.

قال الحسن: صدق والله نبي الله؛ باليقين طلبت الجنة، وباليقين هرب من النار، وباليقين أديت الفرائض، وباليقين صبر على الحق، وفي معافاة الله خير كثير، قد والله رأيناهم يتقاربون في العافية فإذا نزل البلاء تباين القوم.

قال الحسن، قال غزوان بن زيد الرقاشي: لله علي ألا يراني

ضاحكاً، حتى ألحق بالله ﷿.

قال مغيرة: كنت كثير الضحك فلم يقطعه عني إلا قتل زيد بن علي.

لما احتضر معاذ قال: قد كنت أخشاك وأنا اليوم أرجوك.

قال عبد الله بن أبي الهذيل: إن كان أحدهما ليبول فيتسمح بالتراب مخافة أن تقوم الساعة.

قيل لأعرابي: ما أضنك بالخمر؟ قال: سبحان الله، كيف لا أضن بها وهي تسرج في عيني نورها، وفي سرورها.

قال العتبي: كان معاوية يقوم لرجل من أهل الشام، وكان شيخاً مسناً قد بلغ التسعين، فقيل له: أتقوم لهذا؟ فقال: إن فيه شبهاً من رسول الله ﷺ، وأنا أقوم للنبي ﷺ.

ذكر أعرابي شيبه فقالك كنت أنكر البيضاء فصرت أنكر السوداء.

قال ابن الأعرابي: أنشدني عبد الله بن شبيب:

من يأمر القوام بعد قبيلةدرجوا وتوبع بينهم من واقف
كانوا دعائهم قومهم وعمادهموملاذ غارمهم مأوى الخائف
أخذوا بغرة طائر غروا بهاسبب جرى لهم بحتف حاتف
لم يبق من آثارهم وعيونهمعين تؤمل ذات شفر طارف
لم يبق من آثارهم وعيونهمعين تؤمل ذات شفر طارف
والدهر ذو صرف يشب فأهلهوصحابه موصولة بمتالف
لا تجزعن من الزمان وريبهواصبر لذلك صبر حر عارف

قال الأصمعي: دخل مالك بن هبيرة السكوني على معاوي فأدناه وقربه، وكان شيخاً فانياً حسن الجسم، فخدرت رجله فبسطها، فقال له معاوية: ليت لنا يا ابا سعيد جارية لها مثل ساقك، فقال: يا أمير المؤمنين، ولاساق متصل بمثل عجيزتك، فقال معاوية: البادئ أظلم.

قال الأعمش: دخل رجل داراً فسرق طستاً، فلما خرج رأى عل باب الدرا نفراً، فالتفت إلى الدار فقال: إن لم يشتر بسبعة أبيعة بستة؟ يوهمهم أنه دفع إليه ليبيعه.

قال أسقف فارس: لو أنشر من مات لأخبر أكثرهم أنه مات بشماً.

شاعر:

الحرص عون للزمان على الفتىوالصبر نعم العون للأزمان
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «الحرص عون للزمان على الفتى»
لا تجزعن فإن دهرك إن رأىمنك الخنوع أمده بهوان
وغذا رآك وقد نصرت لصرفهبالصبر لاقى الصبر بالإذعان

سمعت السيرافي يقول: شواية كل شيء ضعفه، وأشويته: أطعمته الشواء، والشوي: الشاء.

وسألت السيرافي عن قوله " قائماً بالقسط " آل عمران: بم انتصبت قائماً؟ قال: بالحجال، قلت: أين الحال؟ قال: لله تعالى، قلت: أيقال لهل حال؟ قال: غن الحال هي للفظ لا لمن يلفظ بالحال عنه. ولكن الرحمة لا تستوفي حقيقة المعنى في النفس إلا بعد تضوع الوهم. هذه الأشياء صناعة تسكن إليها النفس ويقنع بها القلب.

قال رجل لابن المقفع: أنا بالصديق آنس مني بالأخ، فقال: صدقت، الصديق نسيب الروح والأخ نسيب الجسم.

سألت السيرافي عن قولهم وبررت إذا قالوا: صدقت وبررت، فقالك صدقت صدقاً نافعاً كأنك لم تصدق صدقاً بحتاص، ولكنك وصلته بالبر، والراء مكسورة في بررت.

سمعت ابن خضر الكاتب البغدادي يقول: قال أبو عبد الله

الواساني الرئيس في مجلسه: إنا - ذرية محمد حروف من بطن فاطمة ﵍ سعدنا بشفاعتها لأن الله حفظ فرجها، فقال ابن رزام المتكلم: أعز الله الشريف، فمن ذا الذي يقول: إن حواء زنت؟! شاعر:

غدا ناعيك حين غدا بخطبيبث الشيب في رأس الوليد
ويقعد قائماً يخشى حماهويبعث للقيام حبى القعود
وأضحت خشعاً منه نزارمركبة الرواجب في الخدود

قال أعرابي: ما رأيت عيناً أخرق لظلمة ليل من عينه، ولا لحظاً أشبه بحريق النار من لحظه، له طرة كطرة السيف إذا غضب، وجرأة كجرأة الليث إذا حرب.

وصفت الخنساء أخاها فقالت: لقد كان كريم الحدب، واضح الجدب، يأكل ما وجد، ولا يسأل عما فقد.

كاتب: إن للظلم دائرة بكل ذي حذر على غرر، وتمنع كل وارد عن الصدر، وتقحم كل آمل على أجل، وتقضي لكل آمل على وجل.

هذا والله الكلام العزيز الجانب، المصون العرض، الجليل القدر، يعمل والله في القلب عمل الغيث في الجدب، وليس في كل قلب، ولكن في القلب الذي قد فطر على الخير، وحبب إليه الأدب، وظهر من أدناس الجهل، وكل محلاً للتوفيق، وأهلاً للملاطفة.

خطب أعرابي فقال: الحمد لله رب العالمين، ولا إله إلا الله خلافاً على الجاحدين، وصلى على محمد خاتم النبيين، وإن أحق ما استمع له كلام رب العالمين، قال الله تعالى " وأنكحوا الأيامي منكم والصالحين م عباطم " النور:.

شاعر:

تبدل بالمطامع منه يأساًوبالضرع القناعة فاستراحا
فلا طمع ينازعه بكوراًولا أمل ينازعه رواحا

سمعت أعرابياً بفيد يقول: ستساق إلى ما أنت لاق.

وقال أعرابي: من أفاده الدهر أفاد منه.

شاعر:

يا أيها السائل عن حال منأصبح في عسر وإفلاس
لا تسأل المعسر عن حالهواسأل لمن ألجا إلى الناس

قال ثابت البناني للحسن: إنك تريد الحج وأنا أريد،

أفأصحبك؟ فقال الحسن: دعنا نتعايش الله، إني أكره أن نصطحب فيرى بعضنا من بعض ما نتماقت عليه.

قال أبو مجلز: قلت لرجل مديني: كيف صار الثقيل اثقل من الحمل الثقيل؟ قال: لأن الحمل الثقيل يشارك الجسد في حمله، والرجل الثقيل تنرد الروح بحمله.

ركب يزيد نهشل بعيراً له: فلما استوى في غرزة قال: اللهم إنك قلت " سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين " الزخرف:، اللهم إني أشهدك أني له مقرن، فنفر البعير وتعلقت رجله في الغرز، والبعير يجمز به، حتى مات.

حدثت بهذا الحديث أبا حامد المروروذي فقال: إن بعض خلعاء أصحاب الحديث قال يوماً وهو فيجماعة من طلاب الحديث يمشون إلى شيخ للرواية عنه: امشوا قليلاً قليلاً، فإن طالب العلم يمشي على أجنحة الملائكة ما دام في طلب العلم حتى لا يتكسر الجناح، متهزئاً بهذا الحديث، فعثر عثرة عرج منها عند هذا الكلام.

فحدثت بهذا الحديث ملأ من الصوفية والغرباء والجوالين في

الآفاق، السائحين في الدنيا، الحافظين للعبر، المقتبسين للأدب، فقال شيخ منهم - وكان من مصر: لهذين الحديثين عندي ثالث: كان بالمغرب ورواق، وكان معروفاً بالإلحاد لظاهر مجونه، وإفراطه في جنونه، فكتب مضحفاً في ستة أيام، فتعجب الناس منه، فقال له رجل: في كم كتبت هذا؟ قال: " في ستة أيام وما مسنا من لغوب " ق:، فحشت يده. هذا لفظ الشيخ، ومعناه يبست، والحشيش منه ليبسه، فأما ما رطب فهو كلأ.

والبحث عن هذا الفن صعب لأن بعضه يقع اتفاقاً، وبعضه يقع استحقاقاً، والاعتبار يجمعهما، وإن كانت الحقيقة لا تميزهما، والأولى بالمرء المتحرج أن يهجر اللعب بالله جل وعلا، وبالإهيته وبكلامه وأفعاله، فإن الله ﷿ لا يغفل عما يقال، ولا يحفى عليه ما يفعل، ومن علم أنه بعينه طال صمته، واشتد فرقه، وقل إعراضه، واتسعت عبره، وكان من وراء الزاد للمعاد، وغذا كان جميع ما تتقلب فيه كظل المتفيء وحلم الراقد إلا ما جعله الله سلماً غليه، ورفداً في نيل ما لديه؛ ما أحوجنا إلى محاسبة أنفسنا، والأخذ لها منها قبل عطبها وبوارها.

قيل لبعض الأغنيا: ما أحسن القمر!! قال: إي والله، خاصة بالليل.

قيل لحاتم الأصم: على ما بنيت أمرك؟ قال: على أربع

خصال: علمت أن رزقي لا يأكله غيري فلم أهتم به، وعلمت أن عملي لا يعمله غيري فأنا مشغول به، وعملت أن الموت يأتيني بغتة فأنا مبادره، وعلمت أني بعين الله في كل حال فاستحييت منه.

حدثنا بعض أصحابنا قال: رأيت بدوياً يخاصم رجلاً من الحاج بالكوفة عند منصرف الناس، فقيل له: أتخاصم رجلاً قد حج؟ فقال على البديهة:

يحج ليكما يغفر الله ذنبهويرجع قد حطت عليه ذنوب

والتقى ناسكان بالموقف فقال أحدهما لصاحبه: ما تبغي ها هنا؟ قال: الزيادة، قال: يا هذا، ما كان لك في رؤية هذا المكان من الفوائد، ما أغناك عن طلب الزوائد؟! قال القناد وقد نظر غلى بعض أصحابه: يا هذا ليس كل من ينفذ نفذ، ولا كل من حصل وصل، ولا كل من وقف بالباب صار من الأحباب.

قال بعض الواعظين: ثلاث هن أسرع فيالعقل من النار في يبيس العرفج: إهمال الفكرة، وطول التمني، والاستشراء في الضحك. إن الله لم يخلق النار عبثاً، ولا الجنة هملاً، ولا الإنسان سدى، فاعرف نزق العبودية، وعجز البشرية، فكل زائد ناقص، وكل مقيم شاخص، وكل قرين مفارق، وكل غني محتاج، وإن عصفت به ريح الخيلاء، وأبطره العجب،

وصال على الأقران، لأنه مدبر مقهور ومبتئس، إن جاع سخط المحبة، وإن شبع بطر النعمة، ترضيه اللمحمة فيستشري مرحاً، وتغضبه الكلمة فيستطير شفقاً حتى تتفسخ منته، وتنتقض مريرته، وتضطرب فريصته، وتنسد عليه حجته.

كاتب: كتابي - جعلت فداك - من غربة في غير صحبة، وعن خيبة في طول غيبة.

كتب هاشمي إلى يحيى بن خالد: علمي بمودتك يمنعني من استحثاثك، ورضى إخائي بك يشكو إليك تقصيرك، وأملي فيه يصبرني على تأبيك.

وقال ملك لصاحب ملك آخر: أطلعني على سر صاحبك وانج بنفسك، فقال: إلي تقول هذا، وما ذاق أحد كأساً لا مذاق لها أمر من الغدر؟ والله لو حول ثواب الوفاء إليه لما كان فيه عوض منه، ولكن سماجة اسمه وبشاعة ذكره ناهيان عنه.

قال كشاجم في كتاب النديم: ندام النظراء أنعم وأرق، وندام العظماء أجل وأشرف.

يقال: خمس يورثن الفقر: الأكل على الجنابة، والادلاك بالنخالة، وتقليم الأظافر بالأسنان، ونتف الشيب، ونومة الضحى.

لو وصل هذا الأدب بعلله وأسبابه لكانت النفس إليه أسكن، والعمل به أكثر، والمصير إليه أسرع، وما أكثر ما يرسلون هذه الأمور إرسال الجاهل بما يقول!!

شاعر:

فإن يك صدر هذا اليوم ولىفإن غداً لناظره قريب
للشاعر قُرَادُ بن أَجْدع، اقرأ القصيدة

قال فيلسوف: المقادير لا تدفع بالمغالبة، والأرزاق المكتوبة لا يزيد فيها الشرة والمكالبة.

دخل أبو العباس العطافي إلى بعض القصاص وقد أخذ القاص في غزاة خيبر فقال: بارك الله عليك، ما أحسن ما تؤدي كلام منصور بن عمار! وحضر القطيعي مع قوم جنازة، فنظر إلى أخي الميت فقال: أهذا الميت أم أخوه؟ فانقلب المأتم ضحكاً.

خرج إسحاق بن مسلم العقيلي مع المنصور إلى مكة فأمعن في السير وطوى المراحل، فقال إسحاق: إنا ق هلكنا يا أمير لمؤمنين، فما هذهالعجلة؟ قال: نخاف أن يفوتنا الحج، قال: فاكتب إليهم ليؤخروه عدة أيام.

قال أبو العيناء: كنت بحمص فمات لجار لي بنت، فقيل له:

كم كان عمرها؟ قال: لا والله لا ادري، ولكنها ولدت أيام البراغيث.

قال أبو سالم القاص، قال رسول الله ﷺ: لو كانت هند بنت عتبة حين لاكت كبد حمزة أحارتها إلى جوفها ما مستها النار؛ فقال المبردي: اللهم أطعمنا من كبد حمزة.

قال بزرجمهر: الركون غلى الدنيا مع ما نعاين من الموت جهل، والتقصير في احسن الأعمال إذ عرفنا فضيلة الثواب عجز، والطمأنيية إلى أحد قبل الاختبار حمق.

خرج رجل في ابتغاء الرزق فأعيا في طلبه، فجلس مستريحاً مقابله حائط، فقرأ فيه:

لما رأيتك قاعداً مسقبليأيقنت أنك للهموم قرين
هون عليك وكن بربك واثقاًفأخو التوكل شأنه التهوين
طرح الذى عن نفسه في رزقهلما تيقن أنه مضمون

فرجع إلى بلده.

سمعت شيخاً من أهل الكوفة يقول: الزعزعة: شرب الريق من الفم، والصعصعة: التفريق.

كاتب: الحمد لله الذي حقق أملي فيك، وصدق ظني بك،

وذكر المنة لك علي، وجعلك مولى الصنيعة وسبب المكرمة في، فلم يسبقك احد إلى الإحسان إلي، ولم يحاصك في الإنعام علي، ولم تتقسم الأيادي شكري فهو لك موفر عليك، ولم يخلق وجهي فهو بك مصون جديد، ولم يزل ذمامي مضاعاً حتى رعيته، وحقي مبخوساً حتى قضيته، فأنصفتني من دهر طالما ظلمني، وأخذت بيدي من العثرة، وأبعدتني من الصرعة، وسررت الولي الودود، وأرغمت بي العدو الحسود، ورفعت أملي بعد انخفاضه، وبسطت رجائي بعد انقباضه، وأمطت خمي وقويت منتي، فلست أعتد يداً إلا منك، ولا أعرف معروفاً إلا لك، ولا أوجه رغبة إلا إليك.

أعرابي:

إن كنت جاهلة فاستخبري خبريهل أصدر الأمر لا يسطاع بالحيل
وهل أرد شبا خصمي محاسمةيلقى الألد حجاج الخصم بالجدل

شبا كل شيء: حده، والحاسمة: القاطعة، والألد: الشديد الخصومة، يقال: فيه لدد وله مدد.

سعيد بن حميد:

لا تعتبن على النوائب فالدهر يرغم كل عاتب

واصبر على حدثانهإن الأمور لها عواقب
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة
والدهر أولى ما صبرت له على كدر المشارب
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة
فلكل خالصة قذىولكل صافية شوائب
كم فرحة مطويةلك بين اثناء النوائب
ومسرة قد أقبلتمن حيث تنتظر المصائب
للشاعر سعيد بن حميد، اقرأ القصيدة

قال المفضل: كانت العرب تقول: لا تشتر خمسة من خمسة: فرساً من أسدي، ولا جملاً من نهدي، ولا عنزاً من فهري، ولا عبداً من بجلي، ولا حماراً من إيادي.

لما قتل العباس بن الحسن الوزير ببغداد، دفع ابنه محمد أبو جعفر، وكان أديباً، إلى خراسان، فقال:

لئن أصحبت منبوذاًبأقطار خراسان
وموقوذاً نبت عن لذذة التغميض أجفاني
ومحمولاً على الأصعب من إعراض سلطاني
ومحصوصاً بحرمانمن الأعيان أعياني
وصرف عند شكوايمن الآذان آذاني
ملقى بين أظلافوأخفاف توطاني
ومكلوماً بأظفارومدوماً بأسنان
كأن القصد من أحداث ازماني إزماني
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «لئن سممني الله»
فكم مارست في إصلاح شاني ما فرى شاني
وعاينت خطوباً جررعتني ماء خطبان
أفاد الشيب فوديوأفناني وأفناني
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «لئن سممني الله»
أغصتني بأرياقيلدن إيراق أغصاني
ونادتني إلى من هـوعني عطفه ثاني
سوىأني أرى في الفضل فرداً ما له ثاني
ولو أنصفت ما أبعدني فضلي بل ادناني
كأن البخت إذ كشف عني كان عطاني
وهل ينفعني جديوتشميري وإدماني
إذا الجد تحداني والحد تعداني
وكل بالذي في شمن أرداني أرداني
سأستنجد صبري إنهـ من خير أعواني
واسترفد عزمي إنهـ والحزم سيان
وانضو الهم عن قلبيوإن أنصب جثماني

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البصائر والذخائر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.