تجاوز إلى المحتوى

من «البصائر والذخائر» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)

الجزء الرابع (٢)

حضر بعض حكماء الهند وزيراً منوزراء ملكهم، وكان الوزير ركيكاً، وإنما ولي للأبوة، فقال للحكيم: ما العلم الأكبر؟ قال: علم الطب، قال: فإني أعرف من الطب أكثرة، قال للحكيم: فما دواء المبرسم؟ قال: دواؤه الموت حتى تقل حرارة صدره ثم يعالج بالأدوية الباردة، قال الحكيم: ومن يحييه بعد ذلك؟ قال: هذا علم ىخر يوجد في كتب النجوم ولم أنظر في شيء منه إلا في باب الحياة، فإني وجدت الحياة خيراً للإنسان من الموت، قال الحكيم: أيها الوزير، الموت على كل حال خير للجاهل من الحياة.

كان فزارة على مظالم البصرة، وكان ظريفاً، فسمع ذات يوم صياحاً فقال: ما هذا الصياح؟ قيل: قوم تكلموا في القرآن، قال: اللهم أرجنا من القرآن.

واجتاز به صاحب دراح فقال له فزارة: كيف تبيع هذا الدراج؟ قال: واحد بدرهم، قال: لا، أحسن إلينا، قال: كذا بعت، قال: نأخذ منك اثنين بثلاثة، قال: خذ، قال: يا غلام، أعطه ثمن اثنين فإنه سهل البيع.

انصرف صبي من المتكب باكياً، فقالت له أمه: لم تبكي؟ قال: الصبيان يدخلوننم أصابعهم في آستي. قالت: فلم لا تشكوهم إلى المعلم؟ قال: فأدخل أيره في آستي. فحبسته عن المعلم.

قال ظفيل بن الأخرم:

أعاذل إن الشح لا يخلد الفتىولا يهلك النفس الكريمة جودها
تقول سليمى قد تغيرت بعدناكذاك صروف الدهر يبلى جديدها
وشيب رأسي قبل شيب لداتههموم وروعات يشيب وليدها
ومضروبة الأمثال قومت درءهالذيذ بأفواه الرجال نشيدها

قال القحذمي: طلب أنو شروان كاتباً لمر أعجله، فلم يجد غير غلام يصحب الكتاب، فجيء به فقال له: ما اسمك؟ فقال: مهرماه، قال: اكتب ما أملي عليك، ولم يامره بالجلوس، فكتب قائماً أحسن من كتاب غيره جالساً، قالك اكتب في نحون هذا من تلقاء نفسك، ففعل وأحسن، وضم إلى الكتاب رقعة فيها: إن الحرمة التي أوصلتني إلى الملك لو وكلت فيها إلى نفسي لتقطعت قبل بلوغ ذلك، وإنما هو تفضل منه علي، فإن رأىن ألا يحطني بعد التشريف بخطابه إلى من هو دونه فعل. فقرأ كسرى ذلك ثم قال: لقد أحب مهرماه ألا يدع في نفسه لهفة يتلهف عليها بعد إمكان الفرصة، وقد أمرنا لك بالذي سألت، فاحمد الله الذي وهب لك ذلك على أيدينا، ثم نقله إلى أرفع مجالس الكتاب ووصله.

عاتبت أم جعفر الرشيد في تقريظه المأمون دون ابنها محمد، فدعان خادماً بحضرته وقال له: وجه إلى محمد وعبد الله خادمين حصيفين يقولان لكل واحد منهما على الخلوة ما يفعل به إذا أفضت الخلافة إليه؛ فأما محمد فإنه قال للخادم: أقطعك وآمر لك، وأقدمك وأبلغ بك؛ وأما المأمون فإنه رمى الخادم بدواة كانت بين يديه وقال: يا ابن اللخناء، تسألني عما أفعل بك يوم يموت أمير المؤمنين وخليفة رب العالمين؟! إني لأرجو أن نكون جميعاً فداه. فرجعا بالخبر، فقال الرشيد لأم جعفر: كيف ترين؟ ما اقدم ابنك إلا متابعة لرأيك وتركاً للحزم.

قال الجماز: رأيت صاحب بطيخ يقول: هذا عسل، هذا سكر، هذا قند، فتقدمت إليه وقلت: عندي عليل يشتهي بطيخة حامضة. فقال: خل حاذق وحياتك، لا تلتفت إلى قولي فإنه خل.

قال بعض أصحابنا البغداديين: سمعت شيخاً بباب الطاق من سفلة الناس يقول لآخر أسفل منه: ويحك يا محة، ألا تتعجب من بني عفوية، أخوين، أحدهمامن مرعوشي والآخر فضلي، قال له: وأيش في هذا؟ هذا هو

القرآن فيد جيد وردي، قالك ويحك، في القرآن جيد ورديء؟! قال: نعم، قل هو الله أحد بألف درهم، وبجنبها تبت تسوى حبتين.

في هذا للعقول متنزه ومستطرف ومعرفة بفضل الموهبة واقتباس المواهب، فلا تعجل بالإنكار حتى تبلغ غاية ما قد استصلحتك به في هذا الباب.

قال الجماز: مات إنسان غماز فرآه جار له في المنام فقال له: ما فعل ربك بك؟ فقال له: أنا بخير ها هنا بين يدي ملك أتخفف له واسعى بين يديه في أموره، وأبرد أخبار الكفار إليه؛ قال الجماز: وإذا به العاض بظر أمه هناك أيضاً غماز.

وقال الجماز: مات مخنث يقال له قرنفل، فرآه إنسان في النوم وكأنه يقول: أيش خبرك يا قرنفل؟ قال: لا تسأل، فيقول: إلى أين صرت يا قرنفل؟ قال: إلى النار، قال: ويلك فمن ينيكك في النار؟ قال: ثم يزيد ابن معاوية ليس يقصر في أمري.

نظر مخنث إلى رجل دميم الوجه فقال: وجهك هذا أنموذج جهنم أخرج إلى الدنيا.

قيل لمجنون: اين المولد؟ قال: المولد بالبصرة، والمنشأة دير خزقل.

نظر عامر بن كزبر إلى ابنه عبد الله يخطب فأعجبه، فأشار إلى أيره وقال للناس: أميركم خرج من هذا.

شد مجنون على رجل بالبصرة فأخذ الرجل يضربه، فقال الناس: إنه مجنون، وجعل يقول من تحته: أفهموه.

قال أبو العنبس: رأيت رجلاً يعرج فقلت له: ما لك؟ فقال: غداً تريد ان تدخل في رجلي شوكة.

قال صبي لأبيه: يا أبت وجدت فأساً، قال: فأين هو؟ قال: يابه ليس له رأس حديد، فقال: مشؤوم، فقل: وجدت وتداً.

قال: نادى فقيرعلى جبة له فلم تطلب بشيء، فقال الفقير: ما علمت أني عريان إلا الساعة.

قال بعض الشيوخ: رأيت حية قد ابتلعت كبشاً عظيم القرنين فلم تقدر على ابتلاع القرنين، فجعلت تضرب به الحجارة يمنة ويسرة حتى كسرت القرنين وابتلعته.

قرأ رجل في مجلس سيفويه " وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حباً " يوسف: فقال سيفويه: قد أخذنا في حديث القحاب.

قيل لمجنون: أيسرك أن تصلب في صلاح هذه الأمة؟ قال: لا ولكن يسرني أن تصلب الأمة في صلاحي.

أتي عبد الملك بن مروان برجل قد خرج معه خارجي فأمر بضرب عنقه فقال: يا أمير المؤمنين، ما هذا جزائي منك، قال: وما جزاؤك؟ قال: والله ما خرجت معه إلا نظراً لك وتقرباً إليك، فإني رجل ما صحبت أحداً إلا هزم وقتل وصلب، وقد صح ذلك؛ كوني عليك مع عيرك هير لك من مائة ألف رجل معك، فضحك وأطلقه.

قال داود الماصب لصديق له: رأيت البارحة رؤيا نصفها حق

ونصفها باطل: رأيت كأني قد حملت بدرة على عاتقي فمن ثقلها خريت فانتبهت فرأيت الخرا ولم أر البدرة.

سمع مجنون رجلاً يقول: اللهم لا تأخذنا على غفلة، قال: إذا لا يأخذك أبداً.

كلم رجل غلاماً أمرد فقيل له: إن الناس يظنون بك الريبة، قال: ولم لا يظنون أني أعظه؟ وقف سائل بباب مديني فقال: أطعمونا من فضل عشائكم فقال المديني: ما لعشائنا أصل فيكف يكون له فضل؟! قال رجل لأبي عبيدة: أحب أن تخرج لي أيام عشيرتي، وكان دعياً، فقال أبو عبيدة: مثلك مثل رجل قال لآخر: اقرأ لي من " قل هو الله أحد " إحدى عشرة آية، قال: لا والله ولكنك تبغض العرب، قال: وما عليك من ذلك؟ قال أبو أسيد: كان ابن عمر ﵁ يحف شاربه حتى يرى بياض إبطه.

أنشد رجل أبا الشمقمق شعراً بارداً طويلاً فضجر وقال له: أين قلت هذا الشعر؟ قال: في المخرج، قال: يا أخي صدقت، رائحة الخرا عليه ظاهرة.

سمع سيفويه رجلاً يقرأ " فبهت الذي كفر " البقرة: قالك وتلومه؟! حج حائك، فلما وقف يدعو ورأى الجمع قال: يا رب، من أنا، وأيش أنا؟ التراب على رأسي، من أنا؟ كلب نباح وووو، وضرط م شفتيه على لحيته.

قال رقبة بن مصقلة: ما آذاني قط إلا غرم مصاب في الكوفة، فإنه لقيني فقال: رأيتهم قد شبهوك بي فسرني ذلك لك.

قال رجل لغصن المخنث: ما سامك؟ قال: ليت اسمي على رأسك والمعاول تأخذه.

قال أبو الربيع: إذا أقبل البخت باضت الدجاجة على الوتد،

وإذا أدبر البخت انشق الهاون في الشمس.

تقدم رجلان إلى قاض فتكلم أحدهما ولم يترك الآخر يتكلم فقال: أيها القاضي، يقضى على غائب، قال: وكيف؟ قال: لأني غائب إذا لم أترك أتكلم.

قال رجل لأشعب: ما بلغ من طمعك؟ قالك لم تقل هذا إلا وفي قلبك خير.

خرج رجل قبيح الوجه من اليمن فأنشد:

لم أر وجها حسنامنذ دخلت اليمنا
وفي حر أم بلدةأحسن من فيها أنا

قرأ قارئ بين يدي سيفويه: " وحملناه على ذات أولاح ودسر " القمر: فقال: عز علي حكلانهم بيوتهم، إنها جنازة.

وقرأ قارئ في حلقته: " كأنهن الياقوت والمرجان " الرحمن: فقال سيفويه: هؤلاء بخلاف نسائكم القحاب.

وقيل له: إن اشتهى أهل الجنة العصيدة كيف يعملون؟ قال: يبعث لهم أنهار دبس ودقيق ويقال لهم: اعملوا فعسيس، وهو شيء يعمله أهل البصرة، وكلوا واعذروا فليس عندنا نار.

سمع العنبري القاضي صبياً يقول لصبي آخر: وإلا فأير القاضي في حر أم الكماذب، فقال العنبري: يا صبي لم قلت هذا؟ قال: لأن عليه أيراً مردوداً في حر أمه مثل منارة هذا المسجد، فانصرف العنبري وهو يقولك الاستقضاء شؤم.

قيل لماجن: جبة نقد أحب إليك أم قلنسوة نسيئة؟ فقال: ضرطة نقد أحب إلي من لحاف نسيئة.

قال الجماز، قال لي نصر مولى المأمون: كنت في دعوة بعض الظراف في يوم غيم، ومعنا شيخ متصدر لا ينطق، فتدارينا ذكر المطر وما جاء فيه من الأثر، فقال الشيخ: حدثوني عن سيدي أن رسول الله ﷺ قال: ما من قطرة تنزل من السماء إلا ومعها ملك يتحها حتى يضحها في موضحها ثم يصحد ويدحها.

وقف سائل بباب دار فقال صاحب الدار: أغناك الله فلي أم

الصبيان ها هنا، فقال السائل: لم أسألك المجامعة إنما سألت كسرة خبز.

وتقدم سائل إلى باب، وكانت صاحبة الدار قاعدة على البالوعة تبول، فحسب السائل أن بولها نشيش مقلى، فقال: أطعمونا من هذا الذي تقلونه، فضرطت المراة وقالت: حطبنا رطب وحياتك ليس يشتعل.

وقف سائل بباب المافروخي عامل الأهواز وسأل، فأعطوه لقمة خبز، فسكت ساعة ولم يبرح ثم قال: هذا الدواء الذي أعطيتموني كيف أتناوله، وبأي شيء أقدم عليه، وبأي شيء أتعقبه؟! قال الجماز: سمعت كناساً يقول لآخر: إن كنت كناس ابن كناس فقل لي كم رجل لبنت وردان.

قال ابن قريعة القاضي: وقف شاطر على قبر فقال: رحمك الله أبا لا شيء فقد والله كنت أحمر الإزار، حاد السكين، فاره الصديق، إن

نقبت فجرذ، وإن تسلقت فسنورة، وإن استلبت فحدأة، وإن ضربت فأرض، وغن شربت فحب، ولكنك اليوم قد وقعت في زاوية سوء.

قال بعض أصحابنا البغداديين: سمعتا شيخاً من العامة يقول لآخر: والك نهر جرى فيه الماء لا بد من أن يعود إليه، قال الآخر: والك حتى يعود الماء إليه ماتت ضفادعه. حكيت لفظهم فهو الطريف، فلا تعب اللحن فيه.

قال جحظة: سمعت يعقوب بن فلان يقول: كنت أتفاءل كثيراً ففتحت المصحف يوماً وقد وليت فخرج " تمتعوا في داركم ثلاثة أيام " هود: فعزلت بعد ثلاثة أيام.

كان عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي شيخ أصحاب الحديث وكان بهياً فاضلاً، وكان ذا سلامة، ذكر عنده بعض الأمراء الذين طرقوا الري فقيل: مات بها، فقال له: إلى الري دجلتان ففي أي دجلة مات؟ قال أبو حنيفة لرجلك انت مطوياً خير منك منشوراً.

أنشد جحظة لشاعر:

فتعساً لأيام إذا كان بومهاشباعاً لها قوت وجاعت صقورها
وقد ينهض العصفور صحة ريشهوتقعد أن لا ريش فيها نسورها
وهبني رحى يهوي من النيل ماؤهوليس لها قطب فماذا يديرها

قال عبادة لرجل: ها هنا مكاري بكر، قال: بخت أي بخت، قال: وكيف ذلك؟ قال: يدخل ما يشاء، فإما أن يندق أيره أو تنشق أستي.

شاعر:

له بين المعالي والعواليوبين ذرى المهندة الذكور
مقامات شرفن فما يباليأمات على جواد أم سرير

البصري صاحب الزنج:

يلقى السيوف بوجهه وينحرهويقيم هامته مقام المغفر
ويقول للطرف اصطبر لشبا القنافعقرت ركن المجد إن لم تعقر
للشاعر صاحب الزنج، اقرأ القصيدة
وإذا تأمل شخص ضيف مقبلمتسربل أثواب عيش أعبر
أومى إلى الكوماء هذا طارقنحرتني الأعداء إن لم تنحري
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «وإذا تأمل شخص ضيف مقبل»

استعرض ابن المدبر طباخة فقال لها: أتحسنين الحشو؟ فقالت: الحشو إليك.

قال المتوكل للجماز: ما عندك في النساء؟ قال: أقود عليهن.

صاح ابن الفرات بغلام له فقال: أي شيء تعمل؟ قالك لا شيء، قال: إذا فرغت من لا شيء فتعال.

شاعر:

يا يومنا عندها عد بالنعيم لنامنها ويا ليلتي في بيتها عودي
للشاعر الأخطل، من قصيدة «يا يومنا عندها عد بالنعيم لنا»
إذ بت أرشف فاها عند رقدتهابعد اعتناق وتقبيل وتجريد
وقد سقتني رضاباً غير ذي أسنكالمسك ذر على ماء العناقيد
للشاعر الأخطل، من قصيدة «يا يومنا عندها عد بالنعيم لنا»

قال جحظة: كنت جالساً عند صديق فدفعت إليه جارية وقعة فضرط، فقلت: ما هذا؟ قال: اقرأ، فإذا فيها: قد فني الدقيق.

كانت لمخنث جارية نفيسة فقالت: سبحانن الله، من أبلاني

بك؟ فقال: الذي أبلاك بحرك، سود وجهه، وشق وسطه، وقطع لسانه، وجعل إلى جنبه ضرته.

كان لأبي تمام الشاعر صديق يسكر من قدحين، فكتب إليه يدعوه: إن رأيت - أعزك الله - ان تنام عندنا فافعل.

شاعر:

لم ندر ما ليلي وما طيبهاوحسنها حتى رأيناها
إنك لو أبصرتها سافراًأجللتها أن تتمناها

قال ابن قريعة: كان لبعض المخنثين أير عظيم، فكان يقول: أشتهي م ينيكني بأيري.

قالت امرأة الجماز للجماز: أيش يطيب في هذا اليوم؟ قال: الطلاق.

يقال: إذا وجدت الشيء في السوق فلا تطلبه من صديق.

ادعى رجل النوبة فقيل له: ما علامة النبوة؟ قال: أنبئكم بما

في نفوسكم، قالوا: فما في نفوسنا؟ قال: أني لست بنبي.

كتب بعض الحمقى على خاتمه: أنا فلان بن فلان، رحم الله من قال آمين.

قيل لبعض المغفلين: حمارك قد سرق، فقال: الحمد لله إذ لم أكن فوقه.

نظر بعض الأغنياء إلى السماء فقال: يا رب، ماأحسن سماءك، زادك الله مزيد كل خير.

ونظر آخر إلى كنيف قد انبثق، فقال لابنه: ينبغي أن نتغدى به قبل أن يتعشى بنا، اطلب لنا كناسين.

وقال صفعان: من لم يعط على الصفع دراهم، فليتخذ لقفاه مراهم.

قدم إلىأعرابي كامخ فقالك مم يعمل هذا؟ قالوا: من اللبن والحنطة، قال: أصلان كريمان ولكن ما أنجبا.

قيل لمغن رديء الغناء: لم لا تغنيظ قال: كيف أغني والأقداح في أيديكم؟!

قيل لخمث: لم لا تتنور؟ قالك إذا كثر الدغل أخذ الناس في طريق الجادة، يعني استه.

ورث رجل مالاً، فكتب على خاتمه: الوحى، فملا أفلس كتب على خاتمه: استرحنا.

أدخل رجل إصبعه في حلقتي مقراض وقال لمنجم: أي شيء في يدي؟ فقال: خاتمان من حديد.

قيل لرجل: من أين؟ قال: من جنازة صديق كان لي، كان له ابنان فمات الأوسد.

قال: كان طاووس لا يحضر إملاك أسود ببيضاء، ويقولك تغيرون خلق الله.

كاتب: وصل كتابك بما أوجب المنة واليد، وأزلم الحمد والشكر.

قيل لجارية مليحة: ويلك تتعشقين أسود؟ فقالت: والله لو كان أيره لك لعملت منه عكازة.

قال أبو سعيد السيرافي: قد جاء في فعلين تعدي الفاعل إلى ضميره وهو: فقدتني وعدمتني، وإنما جاز ذلك لأنه محمول على غير ظاهر الكلام وحقيقته، لأن الاعل لا بد من أن يكون موجوداً، وإذا عدم نفسه صار عادماً معدوماً، وذلك محال، وإنما جاز لأن الفعل له في الظاهر والمعنى لغيره، لنه لا يدعو على نفسه بأن يعدم، فكأنه قالك عدمني غيري؛ قال: جران العود:

لقد كان لي عن ضرتين عدمتنيوعما ألاقي منهما متزحزح
للشاعر جران العود النمري، اقرأ القصيدة
هما الغول والسعلاة رأسي منهمامخدش ما بين التراقي مكدح

قال أبو سعيد: ويجوز عند البصريين ثم أنتم الذين تقتلون أنفسكم في الضرورة؛ وأنشد لمهلهل:

وأنا الذي قتلت بكراً بالقناوتركت مرة غير ذات سنام

والوجه: وأنا الذي قتل.

وقال حارثة بن بدر الغداني؟ البسيط

يا كعب ما طعلت شمس ولا غربتإلا تقرب آجالاً لميعاد
يا كعب صبراً على ما كان من حدثيا كعب لم يبق منا غير الاد
إلا بقيات أنفاس نحشرجهاكراحل رائح أو باكر غاد

قال أبو سعيد: فإن غير ما هنا بمنزلة مثل، كأنك قلت: لم يبق منا أجساد إلا بقيات أنفاس، وعلى هذا أنشد الناس هذا البيت للفرزدق:

ما في المدينة دار غير واحدةدار الخليفة إلا دار مروانا

جعلوا غير صفة بمنزلة مثل، ومن جعله بمنزلة الاستثناء لم يكن له بد من أن ينصل أحدهما، وهو قول ابن أبي إسحاق.

قال أبو بكر ابن العلاف الشيباني النحوي - شاهدته بشيراز -: اليغبوب يقال في النهر والجدول إذا كان كثيراً ماؤهما شديدة جريتهما، ويقال ذلك في الفرس إذا كان كثير العدو شديد الجري، وقد قال بعض أهل اللغة: اليعبوب الطويل، وإنما سمي النهر يعبوباً لطوله، والأول القول المختار، قال لبيد:

بأجش الصوت يعبوب إذاطرق الحي من الغزو صهل
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»

قال: وأما الدعبوب فالطريق النهج الموطأ السهل.

قال ميمون بن مهران في قوله تعالى " ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون " إبراهيم:: تعزيه للمظلوم ووعيد للظالم.

قل النبي ﷺ: لا تديموا النظر إلى أهل البلاء فتحزنوهم؛ يقال: حزنته وأحزنته بمعنى، ويقرأ: " ولا يحزنك قولهم " و " لا يحزنك " يونس:.

وقال النبي ﷺ: ثلاثة في ظل العرش: عائد المريض، ومشيع الموتى، ومعزي الثكلى.

وقال الثوري: إذا رأيت الرجل محموداً في جيرانه فاعلم أنه يداهنهم.

قال مديني: لو أن أبا الزناد عن يميني وابن هرمز عن يساري وربيعة الرأي يقودني لمنعتني نذالتي أن أنبل.

أتى رجل عمرو بن عبيد فقال: إن ألأوساري لم يزل أمس يذكرك ويقول: الضال، فقال عمرو: يا هذا، والله ما رعيت حق مجالسة هذا الرجل حين نقلت إلينا حديثه، ولا رعيت حقي حين بلغتني عن أخي ما أكره، أعمله أن الموت يعمنا، والبعص يحشرنا، والقيامة تجمعنا، والله تعالى يحكم بيننا.

جرى ذكر رجل في مجلس ابن قتيبة فنال منه بعضهم، فأقبل عليه سلم فقال: يا هذا، أوحشتنا من نفسك، أيأستنا من مودتك، ودللتنا على عورتك.

ودخل عبد الوارث بن سعيد على رجل يعوده فقال: كيف أنت؟ فقال: ما نمت منذ أربعين ليلة، فقال: يا هذا أحصيت أيام البلاء فهلا أحصيت أيام الرخاء؟ مر ماجن بالمدينة برجل قد لسعته عقرب فقال: أتريد أن أصف

لك دواء هذا؟ قال: نعم، قالك عليك بالصباح إلى الصباح.

نظرت امرأة إلى رجل يبول كبير الفعل، فقالت: هذا معك ولا تجلس للصيارفة؟! فقال: ما أحمقك، هذا والله أقامني منهم.

لما نزل بعمر بن عبد العزيز ﵀ الموت قال: يا رجاء، هذا والله السلطان لا ما كنا فيه.

قال علي بن الحسين ﵉: ليس في القرآن " يا أيها الذين آمنوا " إلا وهي في التوارة يا أيها المساكين.

قال إبراهيم بن إسماعيل: العجب لم يغتر، وإنما هي عقربة ذنب.

قال الحسن: الدنيا كلها غم، فما كان منهان من سرور فهو ربح.

قال فيلسوف: أصاب الدنيا من حذرها، وأصابت الدنيا من أمنها.

قال ابن السماك: خف الله كأنك لم تطعه، وارج الله حتى كأنك لم تعصه.

ترى كيف يجتمع الرجاء والخوف في صدر واحد؟ هذا بعيد، متى رجا فقد استرسل، ومتى خاف فقد استجمع، ولكل واحدة من هاتين الحالين أحكام تستغرقها وتأتي عليها وتباعدها من الحال الأخرى، فكيف السبيل إلىتحصيل ما دل عليه هذا الفاضل؟ اللهم إلا أن يقول: تردد من هذه إلى هذه، ولا تستقر مع غحداهما، وهذا إن صح لم يكن له من الخوف نصيب ولا من الرجاء نصيب إلا بمقدار إلمالمه بهما؛ فأين الحيلة التي بها يبين وعليهما يظهر؟ وللزهاد كلام كثير يروع ظاهره ويضمحل مفتشه؛ وسألت بعض العماء عن هذا فقال: كأنه إذا لحظ الكرم رجا، وإذا لحظ العدل خاف، وهو فيما بين هذين الملحوظين مختبر الثبات على الطاعة، والإقلاع عن المعصية، وليس يجيء من هذا أن يكون خائفاً راجياً في حال، لأنه بخواطره ووساوسه في أفعاله وحركاته متطلع نحو شيء يرجوه، ونحو شيء يحذره، فإذا ما غلب أحدهما على سره سلس معه، وهو على ذلك محمود، لأن الخائف مصيره إلى ما يصير إليه الراجي، لأن الراجي يعمل في طلب ما يتمناه، والخائف يقلع عن مواقعه ما يخشاه والغاية واحدة. إذا أنعم النظر؛ وهذا جواب قريب. والحاجة إلى تحقيق الخوف من الله ﷿ والرجاء في الله تعالى أشد من الحاجة إلى معرفة هذا المشكل.

دعا أعرابي فقال: آثر تقواك على هواك، وأخراك على دنياك.

قيل لمعبدة: ما يمنعك من دخول الكعبة؟ قالت: والله ما أرضة رجلي للطواف فكيف أدخل بهما الكعبة.

سأل أبو فرعون رجلاً فمنعه، فألح عليه فأعطاه، فقال: اللهم أخزنان وإياهم، نسألهم إلحافاً ويعطوننا كرهاً، فلا يبارك الله لنا ولا يأجرهم عليه.

ساوم مديني بدجاجة فقال صاحبها: لا أنقص من عشرة دراهم، فقال: والله لو كانت في الحسن كيوسف، وفي العظم ككبش إبراهيم الخليل، وكانت كل يوم تبيض ولي عهد للمسلمين ما ساوت أكثر من درهمين.

قال بعضهم: الاست مسن الأير، والقبلة بريد النيك.

كاتب: ودعت قلبي بتوديعك، فهو ينصرف كمنصرفك.

كاتب: ذكرك ينسينس كل شيء، وفراغي له يشغلني عما سواه.

كاتب: لو كان إفراط الحنين إليك، ولهب الحرص عليك، يقربان طرفي منك، لقد كنت فزت بك.

كاتب: إن - أعوذ بالله - تنفست بنا مدة هذا المقام دونك، وبرحت بنا الخطوب عما قبلك، لم املك عزاء عما أعد نفسي وأقرب لها من الوقت في لقائك، وأعتاد من الحوادث التي تترامى بنا من سفر إلى صفر، وتنقلنا من مثوى إلى مثوى، وكيف بالسلو عما جعل الله غيبته مادة للشوق وتأثيلاً للوجد، وملابسته ملابسة أنس ومروءة، وفراقه فراق كرم وفضيلة، لا كيف إلا بأوبة مرتقبة تجمع متفرق الشمل، وتلم متباين الشعب، ويعود بها عهد الأيام حميداً، وما أخلق ما دواعي الأمل جديداً.

كاتب: أوديتني بنأيك، فمتى تداوي بقربك؟ كاتب آخر: أنا من إذا ابتهج شكرك، وإذا نكب ذكرك.

آخر: لا سلبني الله سرور رجائي بلقائك، ولا خيب دعائي ببقائك، ولا أفقدني الأنس بك على قربك ونأيك، أعقبنا الله بمأتم الفرقة عرس الألفة، وبوحشة الغمة أنس الغبطة.

كاتب: أقر الله عيني بلقائك، كما أقذاها بنأيك.

قال أعرابي: لا تبال بالوطنإذا شطن، ولا بأحد إذا شط ولا تشخص إذا شخص.

كتب ناسك إلى أخ له: اجمع لي أمر الدنيا وصف لي حالها وحال الآخرة، فكتب إليه: الدنيا حلم والآخرة يقظة، والمتوسط بينهما الموت، ونحن في أضغاث أحلام ننقل إلى أجداث.

النمري:

يقولون في بعض التذلل عزةوعادتنا أن ندرك العز بالعز
أبى الله لي والأكرمون عشيرتيمقامي على دحض ونومي على وخز

كاتب: أطال الله بقاءك في تمام من النعمة والسلامة، ودوام من الكرامة، وعلو من القدرة وبسط الد، ووفورة البغطة واتصال الرغبة، وعكوف من الآمال، ومن علينا بدوام ظلك، وامتداد أيام دولتك، وأعلى درجتك، ولا أراك مكروهاً في شيء مما خولك، ولا زلت من النعمة والإنعام بحيث يقصر أمل الآمل وشكر الشاكر عنه، ولا أخلاك من مزيده ونعمته، وتسديده وعصمته، وبلغ بك من الألفة أقصاها، ومن الأماني أسناها، وأعانك على ادخار المكارم واصطناع المحامد، وبسط بها لسانك ويدك، وأدام لك أجمل ما عودك وعود منك، وأعطاك فوق أملك وغاية رجائك ومنتهى أمنيتك، وحجب عنك سطوات الأحوال، وأجرى لك خالص كل نوال،

وتوحدك بالصنع والإقبال، ولا بدل لك ما أفادك من حسن حال، وتوجك بالسيكنة والوقار والنسك والهيبة والجمال، وختم لك بالسعادة في المآل.

قال بعض أهل الأدب: يقال: جارية غراء كالليلة القمراء، وكالشمس يكمها الحجاب؛ جارية كغزال مكسال، وكجؤذر صريمة، وكمهرة عربية، وكدمية محراب، وذات حشا قطيع، وكأن لونها محض شيب براح، وكأنها زهرة جلاها بدر، وكأن عينيها عينا مهاة، ولها حاجب كالنون خط بالقلم، وأنف كمتن السيف، وفم كالخاتم، وريق كلعاب النحل وجنى النخل، وكالرحيق الختوم، وكأن نشرها ريا فأرة، وكأن أصابعها قوادم حمامة، وكأن فاها أقحوان تحت غمامة، وكأن ثناياها زهر في دمث، وكأنما تفتر عن برد، وعن حب الغمام، وعن بارقة، وكأن عنقها إبريق اللجين، وكأن صدرها فاثور فضة، وكأن نحرها جمارة، وكأن لبتها سبيكة، وكأن وجهها مرآة مجلوة، وكأن جيدها جيد ريم، وكأن سالفتها السيف الصقيل، وكأن ثديها حق عاج، وكأن في صدرها رمانتين، وكأن في خدها تفاحتين، وكأنها غصن بان وقضيب عقيان، وكأن خيدها أترجتان بالعنبر مخضوبتان؛ لها شعر كقوادم النسر، لها فروع كقنوان النخل المنسدل أو عناقيد الكرم المتهدل، كأن جبينها مصباح دير، كأن عوارضها كوكب الصبح، كأن بنانها مداري فضة وقضيب اللجين، لها بطن

مطوي كأنه قبطي وكأنه طومار مدمج، وكأنها بطن أيم ذي طرة؛ لها كشح مجدول، ولها سرة كمدهن عاج، وأفخاذ كأفخاذ البهاتي، وكفلكالكثيب، وخصر كالقضيب، وكأنها خوط بان على نقا، وغصن في دعص؛ لها ساق كبردية غذاها خليج، تمشي كالوحل، تمشي مشي المهاة إلى الرياض، وكأنها قطاة تخطو إلى الغدير، وكأن في أخمصها شوكاً، وكأنهاظبية تميس، وكأن الحلي في صدرها وميض برق ونار أنارت في الظلام، وكأنما خلخالها أنثاء حية مفتولة، وكأن معصمها نجم يلوح، وكأن شعرها أسود ملتفة، وحبال مضفورة، وكأن وجهها صفحة سيف، وفلقة قمر، وبدر تمام، مكأنها دينار مشوف، وكأن حليها زهر الربيع؛ لها كشح كالجديل، وقذال كقذال عاطية الأراك، لها مدامع كمدامع الغزال؛ كأن حمرة خدها أرجوان أو جلنار؛ لها شارب كمخضر الريحان، وكأنه نصف صاد، وكأن قدمها لسان حية، وكأنها ظبية مذعورة، وغزال خاذل، وكأنها كأس، وكأنه رشأ مرتاع، وكأن لحظاتها نبال، كأنها بيضة نعام، وكأنها بيضة أدحي، وكأنها بيضة مكنونة، وكأنها لؤلؤة الغواص، وكأنها درة الصدف، وحديثها ثمر الجنان، وصوب الغمام، ووقع الزلال؛ وكأن أصداغها عقارب، وكأن متنها متن حسام؛ فتور القيام، سريعة القعود، نصفها خفيف ونصفها كسل؛ كأن وجنتيها شقائق النعمان، كلامها يطفئ النار؛ كأن ريقها رضاب مسك، وجنى نحل، ومشور ضرب؛ كأن عنقها إريق فضة، وعينها ماوية، وبطنها قبطية، وساقها بردية، وجبينها اللآلئ، وعوارضها البرد؛ كأنها خوط بان، وجدل عنان، وقضيب ذهب، وكأنها فضة قد مسها ذهب، أطهر من الماء، وأرق من الهواء.

قال أبو هفان: رأيت شيخاً بالكوفة قاعداً على باب دار وله زي وهيئة، فوي الدار صراخ، فقلت: يا شيخ، ما هذا الصراخ؟ قالك هذا رجل افتصد أمس بلغ المبضع شاذروانه فمات؛ قال: وإنما أراد أن يقول بلغ المبضع شريانه.

سمعت العقدي الهمذاني يقول، قال رجل لابن خلف: سألت عنك يا أبا فلان، قال: سأل الله عنك ملائكته.

قال أبو نصر الأنماطي، قالابن خلف لصديق له: أريد أن أشرب على عورة وجهك عشرة أرطال نبيذاً مرنقاً؛ قال: أراد ان يقول على غرة وجهك نبيذاً مروقاً.

جاءت امرأة إلى معلم تشكو ابنها، وكانت حجميلة، فقال المعلم للصبي: مثل هذه الأم يوحشها إنسان فيؤذيها؟! كان يجب عليك لو كان لك عقل ان تلحس خراها كل يوم طلباً لرضاها.

قال بعض الأطباء: موضع العقل الدماغ، وطريق الروح الأنف. وموضع الرعونة طول اللحية.

قال اليزيدي: اللحية الطويلة عش البراغيث، ومأوى البق، وهي في الريح طرادة ومزبلة، ومعدن التراب والغبار.

وقال أيضاً، قال ابن خلف لمغنية كان يحبها، وأراد تجميشها: أنا والهل لك مائق - أراد أن يقول: وامق - فقالت: ليس لي وحدي أنت مائق، أنت والله مائق للخلق.

قال الجاحظ: قلت يوماً لعبدوس بن محمد، وقد سألته عن سنه لصغره: لقد عجل عليك الشيب، فقال: وكيف لا يعجل عل وأنا محتاج إلى من لو نفذ فيه حكمي لسرحته مع النعاج، أو لفظته مع الدجاج، وجعلته قيم السراج، ووقاية يد الحلاج، هذا أبو ساسان أحمد بن العباس العجلي له غلة ألف ألف درهم كل سنة، عطس يوماص فقلت له: يرحمك الله، فقال لي: يغرقكم الله.

جاء غلام ابن جرادة بفرخ إليهفقال له: انظر إلى هذا الفرخ ما أشبهه بأمه، قال: ذكر أم أنثى؟! قال ابن الحصاص يوماً وقد جربت يده، لو غسلتها ألف مرة لم تنتظف حتى أغسلها مرتين.

ونظر ابن الجصاص في المرآة ثم قال لإنسان عنده: ترى لحيتي قد طالت؟ فقال الحاضر: المرآة في يدك، فقال: صدقت ولكن يرى الشاهد ما لا يرى الغائب.

اشترى إسحاق بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس غلاماً فصيحاً، فبلغ الرشيد فأرسل إليه يطلبه فقال: يا أمير المؤمنين، لم أشتره إلالك، فلما وقف الغلام بين يديه قال الرشيد: إن مولاك قد وهبك لي، فقال الغلام: يا أمير المؤمنين ما زلت وما زلت، قال: فسر، قال: ما زلت لك وانا في ملكه، ولا زلت عن ملكه وانا لك، فأعجب الرشيد وقدمه.

وبمثل هذا البيتان والعقل يتقدم العبد على الحر، والوضيع على الشريف.

وكان الفتح بن خاقان، وهو صبي، قائماً بين يدي المعتصم، فقال المعتصم يوماً وفي يده فص: أرأيت يا فتح أحسن من هذا الفص شيئاً؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، اليد التي هو فيها أحسن منه.

اجتاز عمر بن الخطاب ﵁ بصبيان يلعبون وفيهم عبد الله بن الزبير، فتهاربوا إلى عبد الله فإنه وقف، فقال له عرم: لم لا تفر مع أصحابك؟ قالك لم يكن لي جرم فأفر منك، ولا كان الطريق ضيقالً فأوسعه عليك.

قعد صبي مع قوم فقدم شيء حار فأخذ الصبي يبكي، فقالوا له: ما يبكيك؟ قال: هو حار، قالوا: فاصبر حتى يبرد، قال: أنتم لا تصبرون.

وخرج صبي من بيت أمه في صحو وعاد في مطر شديد فقالت له أمه: فديتك ابني، هذا المطر كله على رأسه؟ قال: لا يا أمي، كان أكثره على الأرض، ولو كان كله على رأسي كنت قد غرقت.

وسمع غلام أمه تبكي في السحر فقال لها: لم تبكين؟ فقال: ذكرت أبوك فأقرح قلبي، قال: صدقت هذا وقته.

ولا تنكر قولها ذكرت أبوك فإن اللحنها هنا أصلح من الإعراب، وقد قيل: لكل مقام مقال.

سمع ابن الجصاص رجلاً ينشد شعراً في هند فقال: لا تذكروا حماة النبي ﷺ إلا بخير.

دخل رجل إلى حمزة ابن النصرانية فقال: إن أخي قد مات فمر لي بكفن، قال: والله ما عندي شيء ولكن تعهدنا إلى أيام لعله يقع، قال: أصلحك الله، فمر لي بدرهم ملح، قال: ما تصنع به؟ قال: أملحه حتى لا ينتن إلى أن يتيسر كفنه من عندك.

دخل حمزة هذا يوماً على امرأتهوعندها ثوب وشي فقال لها: بكم اشتريت؟ قالت: بألف درهم، قالك والله لقد وضعوا في استك شيئاً مثل هذا، وأشار إلى يده وذراعه، قالت: إني والله لم أوف بعد ولكن

أعطيت درهماً، قال: وأيش يسوى قولك وقد جعلت خصاهم في ديك؟ قالت: إن أختك قد اشترت شراً منه بمائة دينار، قال: أختي تضرط من آست واسعة.

قال الحاجظ: قلت لأبي الحشيم: إن رأيت أن ترضى عن فلان فافعل، قال: لا والله حتى يبلغني أنه قبل رجلي.

كان صاعد بن مخلد إذا قبض يده عن الطعام يقول: الحمد لله الذي لا يحلف بأعظم منه.

ومر بقوم يصطادون السمك فسلم عليهم وقال: يا فيتان هذا السمك الذي تصطادون طري أم مالح؟ وكان أزهر الخمار بين يدي عمرو بن الليث يأكل البطيخ، فقال له عمرو: كيف طعمه يا أزهر، هو حلو؟ قال أزهر: أيها الأمير، أكلت الخرا قط؟ فضحك عمرو وكل من حضر.

وقال عمرو للأزهر: إن ابنك يزعم انه ماك غلامك البارحة، قال: نكت أمه البارحة سبع مرات، فاجعل أربعة بحذاء ذاك والباقي فضل.

جاء أبو عوانة إلى قوم قد صلبوا فقال: هذا اوعدنا الله ورسله وصدق المرسلون؛ اللهم بارك لنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه.

أصيب إنسان بوالدته، فجاء سيفويه القاص يعزيه، فلما قضى كلامه قال: هذه المراة خلفت ولداً؟ قال لرجل: تريد ولداً أكبر مني؟! قال أبو هفان: رأين بعض الحمقى يقول لآخر: قد تعلمت النحوك كله إلا ثلاث مسائل، قال: وما هي؟ قال: أبو فلان، وأبي فلان، وأبا فلان، قال: هذا سهل: أما أبو فلان فللملوك والأمراء والسلاطين والقضاة، وأما أبا فلان فللتناء والتجار والأوساط، وأما أبي فلان فللسفل والأوغاد.

وقال أبو هفان أيضاً: قال رجل لآخر: متى قدمت؟ قال: غداً، قال: إن كنت إن شاء الله سألتك عن صاحب لي فمتى تخرج؟ قال: أمس، قال: لو كنت أدركتك كتبت معك كتاباً إليه.

قال الحسن بن يسار، قلت لشاعر: فلان ليس يعدك بشيء، قال: والله لو كنت ليس أنا، وابن من أنا منه، لكنت أنا أنا، وأنا من ابن أنا منه، فكيف وأنا من أنا منه.

وقال أبو هفان: سمعت بعض الحمقى يخاصم امرأته وفي جيرانه أحمق، فاطلع عليهم وقال: يا هذا، اعمل مع هذه كما قال الله تعالى: إما إمساك بأيش اسمه أو تسريح بأيش اسمه؛ قال: فضحكت من بيانه.

وكتب بعض الحمقى إلى آخر يعزيه عن دابة: بسم الله، جعلني

الله فداك، بلغني منيتك بدابتك، ولولا علة نسيتها لسرت إليك حتى أعزيك في نفسي.

قال ابن حمدون النديم: جلس بعض الرؤساء مع بعض الوزراء في زبزب وفي يده تفاحة، فأراد أن يناولها الوزير، وأراد أن يحول وجهه إلى الماء ليبزق، فحول وجهه إلى الوزير فبزق عليه ورمى بالتفاحة إلى الماء.

وقال ابن قريعة: دخل بعض هؤلاء الخلاء وأراد أن يحل سروايله، فغلط وحل إزاره وخري في سراويله.

وتخاصم رجلان من أهل حمص في أمر نسائهما فقال كل واحد منهما: امرأتي أحسن، وارتفعا إلى قاضيهم، فقال القاضي: أنا عارف بهما، وقد نكتهما جميعاً قبل تقلد القضاء وقبل أن تتزوجاهما، فقال بعض العدول: قد عرفتهما فاقض بينهما، فقالك والله لأن أنيك امرأة هذا في أستها أحب إلي من أن أنيك امرأة هذا في حرها؛ ففرح الذي حكم له وقام مسروراً.

وتقدم إلى قاض حمصي بواسط زمن الحجاج رجل وامرأة فقال الرجلك أصلح الله القضاي إنها لا تطيعني، فقالت: أصلح الله القاضي إني لا أقوى بما معه، قال: يا هذا ليس تحملها ما لا تطيق، قال: أصلحك الله إنما كانت عند رجل قبلي فكانت تكرمه، فضرط القاضي من فمه ثم قال: يا جاهل، الأمور كلها تسوتي؟ هو ذا أنا معي أير مثل البغل، ومن البيت - أستودعهم الله - يستصغرونه.

وارتفعت امرأة مع رجل إلى قاضي حمص فقالت: أعز الله القاضي، هذا قبلني، قال القاضي: قومي فقبليه كما قبلك، قالت: قد عفوت عنه، قال القاضي: فأيش قعودي ها هنا حيث أردت أن تهبي جرمه لم جئت به إلى هذا المجلس للحكم؟ والله لا برحت حتى تقتصي منه حقك، وبعد هذا لو ناكك رجل بحذاي لم أتكلم.

ومات لأبي العطوف ابن، وكان يتفلسف، فلما دلوه القبر قال للحفار: أضجعه على شقه الأيسر فإنه أهضم للطعام.

كان لمحمد بن يسير الشاعر ابن جسيم وسيم، بعثه في حاجة فأبطأ وعاد ولم يقض وطر أبيه، فقال فيه:

عقله عقل طائروهو في خلقة الجمل
للشاعر ابن يسير الرياشي، اقرأ القصيدة

فأجابه:

شبه منك نالنيليس لي عنه منتقل

ووجه آخر ابنه إلى السوق ليشتري حبلاً للبئر ويكون عشرين ذراعاً، فانصرف من نصف الطريق وقالك يا أبي في عرض كم؟ قال: في عرض مصيبتي فيك.

قال رجل لابنه وهو في المكتب: في أي سورة أنت؟ قال: في لا أقسم بهذا البلد ووالدي بلا ولد، فقال أبوه: لعمري من كنت ولده فهو بلا ولد.

وقال آخر لابنه: أين بلغت عند المعلم؟ قالك قد تعلمت والفرج، أراد والفجر، قال الأب: فأنت بعد في حر أمك.

قال صالح بن محمود لأبيه: زوجني بعض أمهات أولادك، قال أبوه: ويحك هن مثصل أمك، قال: إنما يكون للرجل أم واحدة، قد ماتت أمي.

قيل لعمرو الحويزي: إن ابنك يناك، فقال لابنه: ما هذا الذي يقال؟ قال: كذبوا وإنما أنيكهم؛ فلما كان بعد أيام رأى أبوه صبياناً ينيكونه قال له: هذا النيك ممن تعلمت؟ قال: من أمي.

عرض هشام بن عبد الملك الجند فأتاه رجل حمصي بفرس كلما قدمه نفر، فقال هشام: ما هذا، عليه لعنة الله؟ قال الحمصي: يا سيدي هو فاره ولكنه شبهك ببيطار كان يعالده فنفر.

قال الجاحظ: مررت بمعلم وهو يتأوه، فقلت: ما شأنك يا

شيخ؟ قال: ما نمت البارحة من ضربان عرق، فنظرت إليه فقلت: أنت والله صحيح سليم مثل الظليم، فغضب واستشاط ثم قال: أحدكم يضرب عليه عرق واحد فلا ينام الليلة إلى الصباح، وتضرب علي حزمة عروق فتريدون مني ألا أصيح!؟ قلت: وأي حزمة عروق هذه؟ فكشف عن أير مثل أير البغل وقال: هذا يا خرا.

قال أبو العيناء: قلت لمخنث: كيف جوفك؟ قالك أدخل لسانك وذقه.

طلب أبو نواس من صديق له غلاماً أمرد، وكان يشرب معه فجاء بغلام مليح إلا أنه أعرج، فلما رآه أبو نواس قال له: ويحك، هذا أعرج، فسمع الغلام فقال: تريد تضرب علي بالصوالجة يا خرا أو تنيكني؟!

قيل لمديني ظريف: كيف رأيت البصرة؟ قالك خير بلاد والله للجائع والمفلس والعزب. أما الجائع فيأكل من خبز الأرز والمالح حتى يشبع بفلس؛ وأما العزب فيتزوج بمن شاء بدانقين؛ وأما المحتاج فيخرا ويبيع؛ فهل رأيتم بلداً مثلها؟

كان عبد الأعلى السلمي قاصاً، فقال يوماص: يزعمون أني مراء، وكنت أمس والله صائماً، وقد صمت اليوم وما أخبرت بذلك أحداً.

ومر عبد الأعلى بقوم وهو يتمايل سكراً، فقال إنسان: هذا عبد الأعلى القاص سكران، فقال: ما أكثر من يشبهني بذلك الرجل الصالح.

شاعر:

إن الضرورة للإنسان حاملةعلى خلاف الذي يهوى ويختار

قال فيلسوف: العشق جهل عارض وافق قلباً فارغاً قال أبو العيناء: أضحكني بائع رمان بحنين يقول:

وقعت من فوق جبال الهوىإلى بحار الحب طرطب

العجلاني:

ألا حبذا ظل ظليل ومشربلذيذ ونخل بالقعاقع يانع
وروحة آصال العشي ومنظرأنيق وغزلان عليها البراقع

قال أرسطاطاليس بلإسكندر: احفظ عني ثلاث خلال، قال: وما هن؟ قال: صل عجلتك بتأنيك، وسطوتك بترفقك، وضرك بنفعك، قال: زدني، قال: انصر الحق على الهوى تملك الأرض ملك استعباد.

قال بزرجمهر: لا شرف إلا شرف العقل، ولا غنى إلا غنى النفس.

كانت الفرس إذا أبصرت إلى النار التي تشتعل في أسافل القدور قالت: سيكثر المطر، وإذا فشا الموت في البقر قالت: سيكثر الموت في البشر، وإذا فشا في الخنازير قالت: يسل الناس ويصحون.

قال الإسكافي لرجل: أليس لا يكون ما لا يعلم الله تعالى أنه لا يكون، ولا يكون جاهلاً ولا ناسياً، قال: بلى، قال: فلم ينكر أن لا يكون ما يريد الله ﷿ ولا يكون مكرهاً ولا مغلوباً؟ قال أحد هؤلاء المشغبين لآخر: أتقول إن الكافر فعل الكفر بأن كفر؟ قال: نعم، قال: فقل إنه أخرج الكفر من باب العدم إلى الوجود بأن كفر؛ قال: لا يخرج من العدم إلى الوجود إلا الله ﷿، قال: ولا يحدث الكفر إلا الله جلت عظمته.

قال رجل: سألت أحمد بن علي الشطوي وقلت له: هل شاهدت من يفعل أو يتأتى له الفعل إلا جسماً، قال: لا، قال: والصانع يفعل وليس بجسم، قال: نعم، قلت: وهذا خلاف الشاهد، قال: نعم، إنك أيضاً لم تشاهد من يفعل الأشياء، والله يفعل وليس بشيء خلاف الشاهد.

أما ترى تماري هؤلاء في هذه القاويل، وجنوحهم فيها إلى الأباطيل، وإعراضهم عن طلب الآخرة بالعمل الصالح والخشوع والإخبات؟ أما يعلمون أن التماري من المرية، والمرية الشك، والشك والتشكك في الدين والعقد يؤديان إلى هلك، ويشقيان على حيرة، وأن الواجب غير ما رأوه واجباً؟ قيل لفيلسوف: كيف للإنسان بأن لا يغضب؟ قال: فليكن ذاكراً في كل وقت أنه ليس يجب ان يطاع فقط بل أن يطيع، وأنه ليس يجب أن يخدم فقط بل أن يخدم، وأنه ليس يجب أن يتحتمل خطأه فقط بل يجب أن يحتمل الخطأ عليه، وأنه ليس يجب أن يصبر عليه فقط بل أن يصبر هو أيضاً، وأنه بعين الله دائماً، فإنه إذا فعل ذلك لم يغضب، وإن غضب كان غضبه أقل.

قال فيلسوف: عوام الناس ظنون ان الله ﷻ في الهياكل فقط، ويرون أنه يجب أن يتهيأ الإنسان ويحسن سيرته في الهياكل فقط، وأما أصحاب المعرفة فلعلمهم بأن الله تعالى في كل موضع ينبغي لهم أن تكون سيرتهم في كل موضع كسيرة عوام الناس في الهياكل.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البصائر والذخائر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.