من «البصائر والذخائر» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)
الجزء السادس (٣)
قال عبد الله ابن المعتز: قال الجاحظ عن بعض أصدقائه،
قال: رأيت لبعض الملوك تختين من جلدتي حنش، قال: ورأيت في زمان أبي حباباً يمنعني صباي في ذلك الوقت من أن أحكم لطولها بعشرين ذراعاً، وقد قاربتها في ظني، وكنت أراها في صحن الكامل ملقاة قد أمنوا انسيابها وضياعها من كبرها، ورأيت عناقاً لها شهر ولها ضرع تحتلب، ورأيت شظية من ضرس يكون فيها خمسة أرطال.
قال ابن المعتز: كتب إلي القاسم بن أحمد الكاتب رقعة يسألني فيها أن أبعث له بسنور: تعمد أن تكون من الإناث العفيفات عن الأقذار، مساورة فراخ الأطيار، وكشف القدور، وسوء الآثار فيما يحضر من الطعام، وبلاحظ من الالتقام، بمداومة الصفاء والاضطرام، وحرصاً على الظفر بما يظهر، والاحتواء على ما يدخر.
قال عبد الله بن المعتز: أخبرني بعض الكتاب أن أبا العباس ابن الفرات أعلمه أن قيم الفيلة بسر من رأى أخبره أن الفيل يأكل أربعمائة وخمسين رطلاً ويشرب ألفاً وخمسمائة رطلاً من الماء والنبيذ.
قال، وقال الصوفي: ما في الرؤيا أصح من الجنابة.
قال عبد الله: كتب ابن المهدي لأبي يعقوب الخريمي في الشطرنج:
وخيل قد رأيت إزاء خيلتساقي بينها كأس الذباح
بميمنة وميسرة وقلبكتعبئة الكتائب للنطاح
إذا ما قتلوا نشروا وعادواصحاحاً لم يصابوا بالجراح
بغير عداوة كانت قديماًولكن لتلذذ والمزاح
وقال عبد الله بخطه، قال رجل لعلي بن أبي طالب ﵇: متى أضرب حماري؟ قال: إذا لم يذهب في حاجتك كما ينصرف إلى البيت.
قال بعض ولاة الحجاج: إن رأى الأمير أن يستهديني ما شاء فليفعل، قال أستهديك بغلة على شرطي، قال: وما شرطك؟ قال: بغلة قصير ثفرها، طويل عنانها، همها أمامها، وسوطها لجامها، ما تستبين منها الغفلة، ولا تهز لها الركبة.
العتابي:
طاف الخيال بنا ليلاً فحياناأهلاً به من ملم زار عجلانا
ما ضر زائرنا المهدي تحيتهفي النوم إذ زارنا لو زار يقظانا
أنى اهتدى وسواد الليل معتكرعلى تباعد مسراه ومسرانا
إن الأماني قد خيلن لي سكناًردت تحيته قلبي كما كانا
حتى إذا هو ولى وانتبهت لههاجت زيارته شوقاً وأحزانا
قال رقبة بن مصقلة: ما رأيت مثل هؤلاء الذين يتكئون في المسجد، فإذا حضرت الصلاة قال أحدهم: ما نمت، وقد خري.
قال عبد الله بخطه، قال علي بن محمد بن نصر:
وكان خيالها يشفي سقامافضنت بالخيال على الخيال
وقال التمار:
قطعت بها تنائف كل سهبوقد قبض الكرى مهج النيام
وقال، قال بعض الظرفاء: للنبيذ حدان: حد لا هم فيه، وحد لا عقل معه، فعليك بالأول واتق الثاني.
وقال ابن المعتز، قال الصوفي وفي يده قدح دو شاب: هذا الليل إذا عسعس؛ وأومأ بيده إلى قدح مطبوخ، وقال: وذاك الصبح إذا تنفس.
قال: وسألته عن أبي جهل وأبي لهب أيهما خير؟ فقال: كلاهما يواري سوءة أخيه.
قال حماد، قلت لإبراهيم: رجل شرب عشرة أقداح فلم يسكر، فشرب أحد عشر سكر، ما الذي حرم عليه؟ قال: القدح الذي أسكره.
قال عبد الله، أنشد علوي عمرياً:
وإذا طرقت فما حضروإذا دعوت فلا تذر
قال: وذاك مأخوذ من قول علي بن أبي طالب ﵇: إذا طرقك إخوانك فلا تدخر عنهم ما في المنزل، ولا تكلف ما وراء الباب.
قال جحظة: دعاني فلان فقدم إلي قلية من سنجاب وقطائف
ممقورة، أي قدمت حتى حمضت.
كان بعضهم ينفخ زبد القدح ويقول: إذا شرب هذا اجتمعت منه ضرطه.
وقال بعضهم: ليكن النقل كافياً وإلا أبغض بعضنا بعضاً.
قال، وقال بعض الظرفاء: لا أحب المتبختر إلى المستراح والداعي بالرطل بعد خروجه مه بقليل، فإن ذلك من فعله يخبر بالراحة مما لقي.
قال، وقال بعضهم: إذا جمشت فلا تنهب مثل المجنون، ولكن لسع وطر.
وقال آخر: أحب المتبختر في السمط.
قال، وقيل لبعضهم: ألا تصلي؟ قال: ألا يكفيني أن أدوس الأرض حتى أنطحها؟! شاعر:
إذا ما بحثت الناس عن سر أمرهموفتشت عن مكتومهم جاءك الهم
فعاشر على الإجمال كل مصاحببإظهاره خيراً يكون له سلم
ولا تكشفن الدهر عن سر صاحبفترجع حرباً أو عدواً له رغم
قال، وكان على فص أبي العتاهية: أبا زند تق، فكان الناس يتأولونه: أنا زنديق؛ واسم أبي العتاهية زند.
قال، وقال بعضهم: يجتمع في الفرش الطبري فضيلتان في الصيف: برد جسمه، ومجانسة لونه لون الحبة الخضراء، فالنفس تسكن إليه من جهتين.
قال، وقال الصوفي: في النبيذ الدوشاب في الشمس بستندود.
قال، وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي لسعيد بن وهب: انزل حتى أطعمك طعاماً صرفاً، وأسقيك نبيذاً صرفاً، وأغنيك غناء صرفاً، فأطعمه الكباب، وسقاه نبيذاً صرفاً بغير مزاج، وغناه مرتجلاً.
وقال بعضهم: باب السلامة الاقتصاد.
وقال بعض الموسومين بالبخل: فرحة السكر قلة الاحتشام، وفرحة الخمار قلة الإنفاق.
وقال آخر: من كثرت نفقته كثر ندمه، ومن كثر ندمه قلت دعواته.
قال، وقال الصوفي: من جلس على المائدة فأكثر كلامه غش بطنه.
قال علي بن محمد بن نصر:
اطرد الهم بالمدامة واعلمأن في الراح راحة للنفوس
رب هم أشد من غصص الموت وجدنا دواءه في الكؤوس
وقال أعرابي يحذر قومه وقد صافوا بعض أصحاب السلطان: يا قوم، أحذركم من نشاب معهم في جعاب كأنها نيوب الفيلة، وقسي كأنها العتل، ينزع أحدهم فيها حتى يتفرق شعر إبطه، ثم يرسل نشابة كأنها رشاء متقطع، فما بين أحدكم وبين أن تصدع قلبه منزلة، أو تغلغل في امته حاجز؛ قال: فطاروا والله رعباً قبل اللقاء.
قال العباس بن عبد المطلب يوم حنين:
وكيف رددت الخيل وهي مغيرةبزوراء تعطي في اليدين وتمنع
كأن السهام المرسلات كواكبإذا أدبرت عن عجسها وهي تلمع
قال، والعرب تقولك البازي أعجمي، والصقر عربي، والكلاب للصعاليك والفتيان.
قال، وقال أبو حاتم: حدثني فتى من موالي الأنصار قال: بلغني أن عصفوراً كان واقعاً على شجرة، فجاءت حية فصعدت تريده، فلما دنت منه طار وطلب حسكة وجاء بها في منقاره، وأرتقت الحية حتى دنت منه، فلما فتحت فاها ألقى فيها الحسكة، فما زالت تعالجها حتى ماتت.
قال الأصمعي: اتخذ أعرابي كلباً فقيل له: أما علمت أن
الملائكة لا تدخل داراً فيها كلب؟ قال: وما أصنع بالملائكة؟ يرون أسراري ويحصون علي.
قال عبد الله، قال بعض الملاح: إن الناس قد مسخوا خنازير، فإذا وجدت كلباً فتمسك به.
وقال: سألت العقيلي كيف تصيدون القطا فقال: ننصب الشباك على الحسي أو الحوض ونطويه ليناً بغير لف حتى يطيع الجاذب، ونجعل تحته عصاً ترفعه، فإذا أخذن الماء جذبنا العصا بحبل في آخرها فوقعت وامتدت أثناء الشباك، فإذا هن يتبحبحن حوله.
قال أبو حاتم: تسمى الرخمة حفصة، وتكنى بأم عجيبة.
قال: وسكن بعض الظرفاء طرفاً من أطراف بلدة كثيرة الخراب، فسمع بعض أهله صوت رخمة، فصاح بها وطردها فقال: لا تنكروا هذا منها، فإنا نحن النازلون عليها، وإنما ينكر صوتها في العمران، فأما الخراب فإن أصواتنا فيه أنكر من صوتها.
قال: وكان بالمدينة رجل من موالي قيس أعرج، وكان مليحاً، فرأى طائراً لبعض موالي هشام بن عروة في القفص فقال: يا أبا المنذر، برئت إلى الله إن كنت رأيت طائراً أملح منه، كأن جناحيه جناحا شاهين، وكأن ذنبه ذنب خطاف، وكأن عينيه عينا غرنوق، وكأن منقاره منقار باز، وإذا هدر
تدلى عن حمام، فقال هشام: يسرك أنه لك؟ قال: وددت أنه لي وأن قلفتي مثل المنارة أختن منها كل يوم أنملة.
وصف بعضهم طائراً فقال: كأنما ينظر من جمرتين، ويتنفس من تحت درتين، ترويه الغبة، وتكفيه الحبة، إذا أرسل سموه، وإذا أقبل فدوه.
قال، وحدثني ابن حمدون قال: كنت قدام المتوكل يوماً، فرأى في البستان طواويس قد نشرت، فأراد أن يقول: قد تشوشت هذه الطواويس، فقال: قد تطوست، فقلت أنا: هذه التشاويش، فنظر إلي وسكت، فلما شرب وعمل فيه النبيذ سمعني وأنا أقول سراً وأتبسم: قد تطوست هذه التشاويش فقال: هيه يا ابن حمدون، قد تطوست هذه التشاويش!! ولم يزل يرددها وأكاد أن أموت خوفاً، والفتح يدخل بيني وبينه ويسكنه حتى نسيها وشغل عنها.
انتهى ما حكيناه عن ابن المعتز.
يقال: كان على خاتم أبي نواس: إخوان هذا الزمان دود وورد وزوان.
قال نطاحة: ليس للمضطر اختيار ولا عليه اعتذار.
وقال نطاحة: سلطان العقل على باطن العاقل أشد من سلطان السيف على ظاهر الأحمق.
قال أسد بن عمرو: دخل قتادة الكوفة فنزل دار أبي بردة، فخرج عليهم وقال: لا يسألني أحد عن مسألة من الحلال والحرام إلا أجبته، فقام أبو حنيفة فقال: يا أبا الخطاب، ما تقول في رجل غاب عن أهله أعواماً فظنت امرأته أنه قد مات فتزوجت، ثم رجع زوجها الأول وقد ولدت ولداً، فنفاه الأول وادعاه الثاني، فكل واحد منهما قذفها أو قذفها الذي أنكرها، ما جوابها؟ ونظر أبو حنيفة إلى أصحاب قتادة وقال: إن قال فيها برأيه ليخطئن، وإن روى فيها حديثاً ليكذبن، فقال قتادة: ويحك، أوقعت هذه المسألة؟ قال: لا، قال: ولم تسأل عنها؟ قال أبو حنيفة: إنا نستعد للبلاء قبل نزوله، فإذا وقع عرفنا الدخول فيه والخروج منه، فقال قتادة: والله لا حدثتكم بشيء من الحلال والحرام، فسلوني عن التفسير؛ فقام أبو حنيفة فقال: يا أبا الخطاب، ما تقول في قول الله تعالى: " قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك " النمل: قال: نعم هذا آصف بن برخيا كاتب سليمان، وكان يعلم اسم الله الأعظم، قال: وهل كان يعرف الاسم سليمان؟ قال: لا، قال: أفيجوز أن يكون في زمان نبي من هو أعلم من النبي؟ قال قتادة: والله لا حدثتكم بشيء من التفسير، سلوني عما اختلف فيه العلماء؛ فقام أبو حنيفة فقال: يا أبا الخطاب، أمؤمن أنت؟ قال: أرجو، قال: ولم؟ قال: لقول الله تعالى: " والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين " الشعراء: قال أبو حنيفة: فهلا قلت كما قال إبراهيم حين قال الله تعالى: " أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي "
البقرة: فقام قتادة مغضباً، وحلف أن لا يحدثهم بشيء البتة.
وأنشد:
وبيت خلا من كل خير فناؤهفضاق علينا وهو رحب الأماكن
كأنا مع الجدران في جنباتهدمى في انقطاع الرزق لا في المحاسن
سمعت أبا الجياب يقول: أنا لا اشتهي أنيك غلاماً...... يقول.... نعمة؛ وكان يقول: ما عرفنا الإدخال ببغداد حتى جاءنا الديلم.
قال أبو الغادي: سمعت غلاماً ظريفاً بخراسان يقول: لا تؤاجروا إلا مع الشيخ والغريب: الشيخ يموت، والغريب يغيب.
لمنصور:
بإصغاء من يهوي إليك بخدهلتلثمه عند الفراق على رعب
تجاوز لنا عن سالف الذنب منعاًوزرنا فقد تبنا من الذنب
وأنشد لأبي علي ابن مقلة:
لست ذا ذلة إذا عضني الدهر ولا شامخاً إذا واتاني
أنا نار في مرتقى نفس الحاسد ماء جار مع الإخوان
وأنشد أبو الفضل ابن العميد:
فما مغزل ترعى وهاداً خصيبةتهامية أجنى بشامها
بأحسن لا والركن من أم هاشمإذا التثمت أو زل عنها لثامها
لقد خفت نفسي أن تكون شقيةبحبيك هذا أو يلم حمامها
فيا لك عيناً بالدموع شقيةويا لك نفساً مستباناً سقامها
قالت قوادة: عندي والله حر أضيق من قلب البخيل، يعلوه وجه أحسن من العافية، بحلق ابن سريج، وترنم معبد، وتيه ابن عائشة، وتخنيث طويس، أجمع هذا كله في بدن واحد بأصفر سليم، قيل لها: وما أصفر سليم؟ قالت: دينار يومك وليلتك.
قال رجل لجارية: أيري يقرأ على حرك السلام، قالت: حري لا يرد السلام إلا مشافهة.
قال رجل لطبيب: أجد قرقرة وبربرة وجرجرة في بطني، فقال الطبيب: لا بأس عليك، هذا ضراط لم ينضج بعد.
سمعت مخنثاً يشتم آخر ويقول: يا سفل السفل، انظروا يا قوم إلى فمه كأنه فقحة، انظروا إلى عينيه كأنهما خصيتين في است ملاح، يا طاعون يا ملمع، يا أوحش من هول المطلع، يا زحير الحاج، يا خرا الأعلاج، يا مصاص الأوداج، رأين في بطنك ألف خراج.
لا تنكر لحناً في خلاله فذاك هو المنقول.
قال عبد الله بن عمرو بن العاصي: من عجائب الدنيا مرآه كانت معلقة بمنارة الإسكندرية، فكان الإنسان يجلس تحتها فيرى من بقسطنطينية وبينهما عرض البحر؛ وفرس من نحاس بأرض الأندلس عليه راكب من نحاس يشير بكفه أن ليس خلفي مسلك، ولم يسلك أحد وراءه إلا هلك؛ ومنارة من نحاس عليها راكب من نحاس بأرض عاد، فإذا كانت الأشهر الحرم هطل منها الماء فيشرب الناس ويسقون نعمهم ويملأون حياضهم، فإذا انقضت الأشهر الحرم انقطع ذلك الماء؛ وشجرة من نحاس عليها سودانية من نحاس بأرض رومية، فإذا كان أوان الزيتون صفر السودانية التي من النحاس فتجيء كل سودانية في اقطار الأرض ومعها ثلاث زيتونات، زيتونة بمنقارها وزيتونتان بين رجليها، وتلقي ذلك على تلك السودانية من النحاس فيأخذه أهل رومية، ويكفيهم سنتهم لأكلهم وسرجهم.
قال المدائني: نزل رجل من الخوارج على أخ له من الخوارج في استتاره من الحجاج، وأراد المنزول عليه شخوصاً إلى بلد لبعض الحاجة فقال لامرأته: يا زرقاء، أوصيك بضيفي هذا خيراً، نفذ لوجهه، فلما عاد بعد شهر قال لها: يا زرقاء كيف رأيت ضيفنا؟ قالت: ما أشغله بالعمى عن كل شيء، وكان الضيف أطبق عينيه فلم ينظر إلى المراة والمنزل إلى أن عاد زوجها.
حلف أبو عباد الكاتب بالطلاق أن يقلع عين كل غلام يحجب
من يحبه وقال: حملين على هذه اليمين ما لقيت من شدة حجاب الناس لي بعد موت أبي.
قال بعض السلف: ما لقينا كتيبة فيها علي بن أبي طالب ﵁ إلا أوصى بعضنا إلى بعض.
قال أبو حامد: جلي رجل إلى قوم، فصاح به إنسان من خلفه فقال له: كيف أنت؟ فالتفت فمات، فقيل لابنه: كيف مات أبوك؟ فحكى لهم كيف مات أبوه، فمات هو.
وأنشد:
حب الأديب على الأديب فريضةكمحبة الآباء للولدان
وإذا الأديب مع الأديب تجالساًكانا من الآداب في بستان
لا شيء أحسن منهما في مجلسيتناثران جواهراً بلسان
لعوف بن محلم في عبد الله بن طاهر، وكان شيخاً كبيراً سلم عليه عبد الله فلم يسمع، فلما أخبر أنشأ يقول:
يا ابن الذي دان له المشرقانطراً وقد له المغربان
إن الثمانين وبلغتهاقد أحوجت سمعي إلى ترجمان
وبدلتني بالشطاط انحناوكنت كالصعدة تحت السنان
وقاربت مني خطاً لم تكنمقاربات وثنت من عنان
وبدلتني من زماع الفتىوهمه هم الجبان الهدان
ولم تدع في لمستمتعإلا لساني وبحسبي لسان
أدعو به الله أثني بهعلى الأمير المصعبي الهجان
فقرباني بأبي أنتمامن وطني قبل اصفرار البنان
وقبل منعاي إلى نسوةأوطانها حران والرقتان
دخل أبو الهذيل على الواثق، فقال له الواثق: يا أبا الهذيل من الذي يقول:
ما مر في صحن قصر أوسإلا تسجى له قتيل
فإن يقف فالعيون نصبوإن تولى فهن حول
فقال أبو الهذيل: رجل يقال له أبو حيان الدرامي، وهو بصري يقول بإمامة المفضول، وله من كلمة:
أفضله والله قدمه علىصحابته بعد النبي المكرم
بلا بغضة والله مني لغيهولكنه أولاهم بالتقدم
لأبي الأسد:
ليتك أدرتني بواحدةتقنعني منك آخر الأبد
تحلف ألا تبرني أبداًفإن فيها برداً على كبدي
اشف فؤادي مني فإن بهعلي قرحاً نكأته بيدي
إن كان رزقي إليك فارم بهفي ناظري حية على رصد
قد عشت دهراً وليس يقنعنيهذا الذي قد كفيت من أحد
وكيف أخطأت لا أصبت ولانهضت من عثرة إلى سدد
لو كنت حراً كما زعمت وقدكددتني بالمطال لم أعد
لكنني عدت ثم عدت فإنعدت إلى مثل هذه فعد
الآن أيقنت بعد فعلك بيأني عبد لأعبد قفد
فصرت من سوء ما رميت بهأدعي أبا الكلب لا أبا الأسد
آخر: الراجز
يا ناعش الجد إذا الجد عثروجابر العظم إذا العظم انكسر
أنت ربيعي والربيع ينتظروخير أنواء الربيع ما ابتكر
قال أبو العيناء، حدثني القحذمي قال، قال خالد بن صفوان: حبس يزيد بن المهلب ابن أخ لي، فصرت إلى بابه أنظم له كلاماً كما تنظم الفتاة عقدها لعيدها، ثم أذن لي، وبين يديه جارية كأنها مهاة وفي يدها مجمرة ذهب، فلما رأيتها سلبت الكلام الذي كنت أعددته، وحضرتني كلمتان فقلت: والله ما رأيت صدأ المغفر ولا عبق العنبر بأحد أليق به منكم، قال: حاجتك؟ قلت: ابن أخي محبوس، قال: يسبقك إلى المنزل، فجئت إلى المنزل وقد سبقني إليه.
قال أبو العيناء، قال محمد بن عباد: دخلت إلى أمير المؤمنين المأمون فجعل يعممني بيده، وجارية على رأسه تبسم، فقال: مم تضحكين؟ فقلت: أنا أخبركم يا أمير المؤمنين، تتعجب من قبحي ومن إكرامك لي، قال: فلا تعجبي، فإن تحت هذه العمة مجداً وكرماً.
قال أبو العيناء، أنشدني السندي:
وإني لأهوى ثم لا أتبع الهوىوأكرم خلاني وفي صدود
وي النفس عن بعض التضرع غلظةوفي العين عن بعض البكاء جمود
وأنشد أبو محلم:
قد أغتدي والليل في جريمه
معسكراً في الغر من نجومه
والصبح قد نشم عن أديمه
يدعه بدفتي حيزومه
دع الوصي لحيي يتيمه
فقال: أراد لحيي فحرك، ونشك فلان في الشيء إذا بدأ فيه ولم يتممه، ودفنا الشيء: جانباه، والدعن: الدفع.
سمع أعرابي المغيرة بن شعبة يقولك من زنى تسع زنيات وعمل حسنة واحدة محيت عنه التسع وكتبت له الحسنة، فقال الأعرابي: هلموا إذاً نتجر في الزنا.
قال ابن دريد: يقال: عال الرجل يعيل إذا تبختر في مشيته، قال الشاعر:
عيال بأوصال
وقيل بآصال؛ وعال يعول إذا جار، وأعال يعيل إذا كثر عياله، عال الأمر إذا أثقل، والعالة: شجرة يقطعها الراعي فيطرحها على شجرتين
متقاربتين ليكثف ظلها لغنمه، ولفاعل معول، والعويل: تردد البكاء في الجوف، والمعول: الفأس الذي تكسر به الحجارة، وهو مفعل من العول كأنه من الثقل، والمعاول: بطن من العرب ينسب إليهم معول، ومن قال: معولي فقد أخطأ، ويقال: عال يعيل عيلة إذا افتقر.
قال فيلسوف: قل من حاولت استيفاء الحق منه إلا أنكرته، وقل من أنكرته إلا أغضبته، وقل من أغضبته إلا عاداك أو عاديته.
قال الكسائي: أصابت الأعراب مجاعة، فتحولت طائفة منهم من البدو إلى الحضر، فصرت إليهم لأسأل عن أهل بيوتات كنت أعرفهم بالفصاحة، إذ سمعت شيخاً منهم وفي حجره صبي ابن أربع سنين، يزيد أو ينقص، يبكي، فنادى الشيخ: يا كلب، فأجابه صبي خماسي عليه مدرعة شعر قد أخذت من صدره إلى حجزته، وسائر جسده مكشوف، فقال: ها أنا ذا يا أبة، فقال: ما لك أبكيت أخاك؟ فقال: والله ما فعلت، غير أني كنت ماشياً وهو يفوقني إذ بصرت بتميرات مطروحات، فأهويت نحوهن لآهذهن فعازني عليهن فدفعته عنهن، فأقبل إليك باكياً، وقد والله يا أبة أعطيته شطر ما أخذت، ما وترته من ذلك شيئاً، فقال الصبي: كلا والله يا أبة، إنه لباطل ما قال، لكني بصرت بهن قبله، فأهويت لآخذهن، فلطمني لطنة أغطشت منها عيناي حتى، فابتزهن من يدي وحال دون أخذهن، فلطمني لطمة أغطشت منها عيناي حتى اغرورقتا بالدموع، فابتزهن من يدي وحال دون أخذهن، ولا والله يا أبة، وإلا فجعلن لي آخر زاد، إن كنت رزأته أو أرزأني منهن شيئاً؛ فكتبت قول الصبيين وانصرفت.
قال يحيى بن زياد:
أقول لذي طرب فاتكإذا مل ذو النسك من نسكه
دع النسك ويحك لا تبغهوعاون أخاك على فتكه
ولا تقع الدهر في صاحبوإن أكثروا فيه بل زكه
ولا تبكين على ناسكوإن مات ذو طرب فابكه
ونك من وجدت من العالمينفإن الندامة في تركه
قال يعقوب: يقال: كلم فلان فلاناً فما أرجعه بشيء: أي سأله فلم يعطه.
فافتخرت جاريتان من العرب بقوسي أبويهما، فقالت الواحدن: قوس أبي طروح مروح تعجل الظبي أن يروح، وقالت الأخرى: قوس أبي كزة لزة تعجل الظبي النقزة؛ هكذا رواه يعقوب وقال: النقزة: القفزة.
كاتب: قل من يضبط في وجهه صفرة الفرق، حمرة الخجل، وإشراق السرور، وكمد الحزن، وسكون البراءة، واضطراب الريبة.
كاتب: قل من أجمع أمراً جليلاً إلا كاد القلق به يبدو في حركاته إلى أن يمضيه؛ فكذلك قلقه في وقت إمضائه كاد يكشف مستوره.
قال يعقوب: خزن لسان الرجل، وخزن الرجل لسانه؛ وقال: العاثي: المفسد، يقال: عاث يعيث، وعثا يعثو، وعثى يعثي.
يقال: إن أزدشير ومن تقدمه من ملوك الفرس كانوا لا يثبتون في ديوانهم الطبيب إلا بعد أن يلسعوه أفعى ثم يقال له: إن شفيت نفسك فأنت الطبيب حقاً، وإن مت كانت التجربة عليك لا علينا؛ وكان ملوك الروم إذا اعتل طبيب أسقطوه من يدوانهم وقالوا له: أنت مثلنا؛ فهذا كله من الظلم المبرح والتحكم الفاحش.
وكان بعض ملوك العرب إذا جاءه طبيب قدم إليه مائدة وأمره أ، يركب فيها إذاء لتقويه أبدان المجاهدين، وعلاجاً للمرضى، وتدبيراً للناقهين، وتفكهاً للمترفين، وسبباً ممرضاً وسماً قاتلاً للأعداء، فإذا فعل ذلك كله أثابه وإلا صرفه.
وهذا الملك كان إذا أراد قتل إنسان خبز رغيفاً، فإذا أكله آكل اعتل بعد ثلاثين يوماً، ومات في اليوم العشرين والمائة، سواء، وهذا لا يقدر عليه إلا الماهر بالطب.
حدثني بهذا كله فيروز الطبيب، وكان ظريفاً وكان طويل اللسان كثير الكلام. وسمعت ابن المرزبان الفقيه في علته يقول: ما طالت علي العلة إلا من هذيات فيروز؛ وكان مع ذلك مولعاً بالكيمياء، وزعم انه وقف منه على سر الأسرار، وعلى غنيمة الغنائم، وعلى حقيقة الأمر، وكان يعرف بالتزيد، وقل من طال لسانه وبذؤ لفظه إلا كان مرمياً بالكذب، معروفاً بالخنا، ملوماً على الفحش.
وكنت أحب أن أشفي قرمك بالكلام في الكيمياء، وأحكي لك مدار القول على صحته، وغاية ما يمكن في إبطاله أو تحقيقه، ولكن الكتاب قد تهنق في آخره جداً لبقية أنا عاجز عن تتميمها والتلوم عليها، وجمع أطرافها وضم نشرها، وإذا رأيت لذلك وجهاً، ووجدت عليه معونة، وإليه داعياً، فعلت مفيداً ومستفيداً، فحظي فيما أبينه عند الدرس المذاكرة ضعفاً حظ الواقف عليه من المقتدين منه.
نعود الآن إلى حال بالنا في وآية البقية من الكتاب لعل شمله ينتظم، وأمري به يلتئم، فقد غمرني غامره، وأعياني مختلفه، وسد متنفسي شتيته، وعرضني لسهام الطاعنين جملته وتفصيله، والله يأخذ باليد، ويصل كفاية اليوم بالغد، فالرجاء فه قوي، وهو لكل خير أهل، وبكل فضل ملي.
يقال إن بعض الأطباء قال: كان القدح مجهولاً على قديم الدهر إلى أن رأوا كبشاً كان عمي بنزول الماء في عينيه، فقدحته شوكة وهو يرعى فأبصر؛ وكان العلاج بالحقنة مجهولاً إلى أن رأوا طائراً يحقن نفسه بماء البحر فتعلم منه؛ وقال جالينوس: الأفاعي والحيات إذا عشيت أبصارها تطلب أصول الرازيانج وتحك أعينها بها فتبصر؛ ويقال: إن الطبيب الحاذق يشبه الملاح الحاذق في البحر، وحذق الملاح قبل هيجان الريح ما يرى من مخايله، فإن وجد مرسى بادر إليه، وإن منعه عظم اللجة احترز بالرفق.
قال الحسن بن علي قاضي مرو: كان أبو حنيفة من أفطن الناس، وذلك أن رجلاً كان يتجمل بالستر الظاهر والسمت البين، وكان يلبس على ذلك، فقدم رجل فأودعه مالاً خطيراً وخرج حاجاً، فلما قضى نسكه عاد
إلى صاحبه وطلب وديعته فجحده، فألح عليه فتمادى، وكاد يهيم الرجل، واستشار ثقة له: كف عنه وصر إلى أبي حنيفة فدواؤك عنده، فانطلق الرجل إليه وخلا به وأعمله شأنه وشرح له قصته، فقال له أبو حنيفة: لا تعلم بها أحداً، وامض راشداً وعد إلي غداً، فلما أمسى أبو حميفة جلس كعادته واختلف الناس إليه، فجعل يتنفس الصعداء كلما سئل عن شيء، فقيل له في ذلك قال: إن هؤلاء - يعني السلطان - قد احتاجوا إلى رجل يعثوبه قاضياً إلى مكان، فقال الناس: اختر من أحببت فما يحضرك إلا نجم، ثم أسبل كمه وخلا بصاحب الوديعة وقال له: أترغب حتى أسميك؟ فذهب يتمنع عليه، فقال له أبو حنيفة: اسكت فإني أبلغ لك ما تريد، فانصرف الرجل مسروراً يظن الظنون بالجاه العريض والحال الحسنة، وصار رب المال إلي أب حنيفة فقال له: امض إلى صاحبك ولا تخبره بما بيننا ولوح بذكري، وكفاك، فمضى صاحب الوديعة إلى الرجل لك وفاه ماله، فصار الرجل إلى أبي حنيفة وأعلمه رجوع المال إليه، فقال: استر عليه، ولما غدا الرجل إلى أبي حنيفة طامعاً في القضاء، نظر إليه أبو حنيفة وقال: إنه قد نظرت في أمرك فرفعت قدرك عن القضاء.
قال بقراط: لا ينبغي أن يقدم أحد بسقي الدواء للتجربة، فإنه ربما ضر قوماً، مثال ذلك ماء الحندقوق فإنه إذا صب على موضع نهش الأفاعي والرتيلا سكن الوجع من ساعته، وإذا صب على موضع لم تنهشه الأفاعي عرض له مثل ما يعرض من نهش الأفاعي، وقد يحتال قوم من الأطباء في سقي ذلك للمفلوج الذي قد يئس من برئه.
وقالوا: الطبيب الحاذق يصير بحذقه السم دواء نافعاً، والجاهل يصير الدواء سماً قاتلاً، مثال ذلك أن الجاهل بالطب إذا أخذ الصندل فسحقه
كالكحل ثم طلاه على بدن رجل كثير الحرارة طلياً ثهيناً دخلت تلك الأجزاء الدقيقة في منافس الجسد ومسامه، فتهيج حرارة البدن بما أدخل عليها من برد الصندل. والطبيب الحاذق يأخذ العود الهندي فيسحقه سحقاً جريشاً ثم يطليه على البدن طلياً فيقاً، فيصل افيه من الرطوبة إلى حرارة البدن فيبردها، ويجد الحر سبيلاً إلى الخروج، فتصير حرارة العودة مبردة للبدن بتدبير الطبيب الحاذق؛ قال: ولذلك قيل: لا ينبغي للإنسان أن يسكن بلداً ليس فيه أربعة أشياء: ملك عادل، وماء جار، وطبيب عالم، وواد عظيم.
وقال معبد بن مسلم:
جزى الله الموالي عن أخيهمفكل صحابة لهم جزاء
بما فعلوه إن خيراً فخيروإن شراً كما امتثل الحذاء
فما أنصفتم والنصف يرضىبه الإسلام والرحمن البواء
أردتهم النصيحة من لدنيفمجوا النصح ثم ثنوا فقاءوا
وقلت فدى لكم عمي وخاليفما قبل التودد والإخاء
وةكيف بهم وإن أحسنت قالوااسأت ولو غفرت لهم أساءوا
لجاهلي:
أأمام إن الدهر أهلك صرفه إرماً وعادا
وابتز داوداً وأخرج من مساكنه إيادا
وسما فأدرك أسعد الخيرات قد جمع العتادا
البيض والحلق المضاعف نسجه وحوى التلادا
وله كتائب يجنبون الخيل شقرا أو ورادا
فسعى لهم والدهر يحدث بعد صالحه فسادا
وكأن ذلك لم يكنإلا التذكر حين بادا
أبني إن القدر لمتفضح أباك ولا الرمادا
أبني كن كأبيك يطرق في الملمة أو يغادى
قال أبو الفضل ابن العميد: لكل صباح صبوح، ومع المخض يبدو الزبد، ومن الحبة تنشأ الشجرة؛ ونسبخا إلى العرب.
قال أنس بن مالك، قال رسول الله ﷺ: أرأيتم لو كان لأحدكم عسل وله إناءان، أين كان يجعله عسله؟ قالوا: في أنظفهما أو أطهرهما، قال: فكذلك الله ﵎، لا يجعل العلم إلا في أنظف القلوب وأحبها إليه.
قال إسماعيل بن أبي أويس: سمعت مالك بن أنس يقول: لم يزل الناس على أن الإيمان قول وعمل حتى نشأ بالعراق مشؤوم يقال له أبو حميفة فابتلي وابتلي الناس به، وأكثر ما ابتلى به أهل خراسان.
قال ابن عمر: إذا جعلت المشرق على يسارك، والمغرب على يمينك، ففيهما بينهما القبلة.
قال أبو هريرة: " فإن له معيشة ضنكاً " طه:: عذاب القبر.
قال أنس، قال لي النبي ﷺ: يا بني.
قالت عائشة: كان أحب الشراب إلى رسول الله ﷺ الحلو البارد.
قال أنس بن مالك: مر رسول الله ﷺ بصبيان في المكتب فسلم عليهم.
قال أبو الدرداء، قال النبي ﵇: مثل الذي يعتق عند الموت مثل الذي يهدي إذا شبع.
قال أنس، قال رسول الله ﷺ: الاقتصاد نصف العيش، وحسن الخلق نصف الدين.
أنشد الآمدي لأعرابي:
بيضاء في وجنتيها احمراريعيبها جاراتها القصار
هن الليالي وهي النهار
قال فيلسوف: محل الملك من رعيته محل الروح من البدن، فالروح تأمل لألم كل عضو من أعضاء البدن، وسائره لا يألم لألم غيره، وفي فساد الروح فساد جميع البدن، وقد يفسد بعض البدن وغيره من سائر البدن ليس بفاسد.
قال فيلسوف: أفضل الناس من كان سخياً شحيحاً، خفيفاً ثقيلاً، جريئاً جباناً، أصم سميعاً، قائلاً عيياً، ضريراً بصيراً؛ يقال: أراد بذلك من كان سخياً بدنياه شحيحاً بدينه، خفيفتً إلى طاعة الله ثقيلاً في معصيته، جريئاً في الحق جباناً عن الباطل، أصم عن الجهل سميعاً للعلم، قائلاً للصواب عيياً بالخطأ، ضريراً في المنكر بصيراً في المعروف.
قال أبو محمد القرشي النحوي، وهو من القدماء، يقال: هي السلاح وهو السلاح، وهي الذراع وهو الذراع، وهي الكراع وهو الكراع، وهي الطباع وهو الطباع، وهي اللسان وهو اللسان، وهي السبيل وهو السبيل، وهو الكلأ وهو الكلأ، وهو السوق وهو السوق، وهو الروح وهو الروح، وهي النخل وهو النخل، وهي النحل، وهو النحل، وهي الأنعام وهو الأنعام، وهي القفا وهو القفا؛ قال الشاعر:
فما المولى وإن عرضت قفاهبأحمل للمحامل من حمار
ويقال: هي الشعير وهو الشعير، وهو البر وهو البر، وهي السلم وهوالسلم، وهي الفرس وهو الفرس، وهو الخمر وهو الخمر، ومضى له سن ومضت له سن، وهي الحال وهو الحال، وهي الإزار وهو الإزار، وهو الرداء وهي الرداء، وهو السراويل وهو السروايل، وهو العراق وهي العراق، وهو الشام وهو الشام، وهي العقب وهو العقب، وهو العنق وهي العنق، وهي الدرع وهو الدرع، ودرع المرأة يذكر، وهو السلطان وهي السلطان، وهي السكين وهو السكين، وهي الدلو وهو الدلو، وهي الإبط وهو الإبط، وهي السلم وهو السلم ومعناه الصلح، وهي الوراء وهو الوراء، ويقال فلان وربه فلان، ووريئة تصغير؛ وهي القدام وهو القدام، وهو القمطر وفي القمطر، وهي الطست وهو الطست، وهو الفلك وهل الفلك، وهو الآجر وهي الآجر، وهي البسر وهو البسر، وهو المتن وهي المتن، وفي الصاع والصواع، قال الله تعالى: " قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم " يوسف:، وقال تعالى: " ثم استخرجها من وعاء أخيه " يوسف:، وسقط النار يذكر ويؤنث، وهي العنكبوت هو العنكبوت، وهي العاتق وهو العاتق، وهي العجز وهو العجز؛ قال الأصمعي: يقال: عجز المرأة وعجز وعجز وعجز؛ قال: ومثله عضد وعضد وعضد وعضد؛ ويقال هو نمير وهو نمر.
العتبي:
الصبر بحسن في المواطن كلهاإلا عليك فإنه مذموم
من كان أغلفه الزمان فقد سطتكف علي من الزمان غشوم
حتى بكى لي من رآني رحمةإن المصاب بشيبه مرحوم
فدع الزمان فليس يعتب عاتباًإن الذي لام الزمان ملوم
كان طلحة بن عبد الله بن طاهر ينادم أحمد بن أبي خالد الأحول، فأطال منادمته، وبلغه أن عليه عيلة وديناً فوجه إليه أحمد بن أبي خالد ألف ألف درهم، فحلف الطاهري أن لا يقبلها، فبلغ إبراهيم بن العباس فقال: لله در أحمد متبرعاً، ودر الطاهري متنزهاً.
جرى بين الرشيد وزبيدة حديث نزاهة نفس عمارة بن حمزة فقالت له: ادع به وهب له سبحتي هذه، فإن شراءها خمسون ألف دينار، فإن ردها عرفنا نزاهة نفسه؛ فوجه وراءه فحضر، فحادثه ساعة ورمى بالسبحة إليه فقال: هي ظريفة تصلح لك، فجعلها عمارة بين يديه، فلما قام تركها، فقالت: نسيها، فأتبعوه خادماً بالسبحة فقال للخادم: هي لك، فرجع فقال: وهبها لي عمارة، فما أخذتها من الخادم إلا بألف دينار.
قال جحظة: فقدت مشربة من فضة في دار بعض الرؤساء الجلة، فوجه إلى ابن خامان المنجم فحسب فقال: المشربة سرقت نفسها، فضحك منه فغاظه ذلك فقال: هل في الدار جارية يقال لها فضة؟ فأحضرناها فقال: هذه أخذتها، فسألناها فأقرت، فقال: الفضة أخذت الفضة، وخرج غضبان، فوصل بمال، فحلف بالطلاق أنه لا يقبل شيئاً.
وافتقدت امرأة بعض التجار خاتماً من ياقوت كان يدها، فوجهت إلى أبي معشر، فحسب فقال: الخاتم الله ﷿ أخذه، فتعجب
منه، ثم عادت تطلبه فوجدته في أثناء ورق المصحف.
- لهذه - حفظك الله - أخوات قد طال السمر بها، وفي عرض الكتاب ما يستوفي التعجب منك، ويوكل العجب بك، وفيه المختلق وفيه المحقق، وعلم النجوم حق، أعني أن آثار الأسباب العلوية واصلة إلى المواد السفلية لأن بعضها مرتبط ببعض، ولكل واحد منها مفعول فيها، ولكل مؤثر متأثر، والجميع جار على نظامر لا خلل فيه لا دخل عليه، ولكن إدراك خفاياها صعب عسير بل ممتع مستحيل، وذلك أن الأدلة كثية، ويه مع كثرتها مختلفة، ومع اختلافها ملتبسة، مع التباسها خفية، ومع خفائها بعسدة نائية، وطالب حقائقها ذو قوة قصيرة، ينفلت منه في حال تحصيله أضعاف ما يظفر به، فلهذا ما يقل صوابه ويكثر خطاؤه، ولكن الناس لهجون في باب النجوم خاصة برواية ما أصيب فيه وإخفاء ما أخطى به، وبسط العذر فيما عرض له تقصير وإطالة القول فيما صحبه أدنى بيان، لو جمع صواب البارع من أهل الصناعة لما كان إلا مثل صواب الزراق وصاحب الإكران، والمولع بالحدس ومرسل الخاطر نحو الشيء. على أن أصحاب التحصيل منهم يعترفون بأن الغيب لا دليل عليه ولا سبيل بوجه إليه.
وقد كان غلام زحل، وكان شيخ هذا الشأن، وله صواب مدون وخطأ مدفون، وحسن ظاهر، وقبح مستور، وصدق مروي وكذب متأول، قال: إن عضد الدولة سيدخل بخيله ورجله مصر ويطمئن بها مدة ويكون له بها
شأن شهير، حدثني بهذا شيخ موثوق به؛ قال، فقلت له: أنا أنا بغير النجوم فأزعم انه لا يكون من هذا قليل ولا كثير. فما مرت الليالي حتى صح حدس هذا الشيخ، وبطل حكم ذلك الشيخ؛ وقد قال أرسطاطا ليس: الناس كلهم يعلمون الغيب، ولكن بعد أن يتم الأمر.
وكان بعض أصحابنا يقول أيضاً في لفظ أحكام النجوم كلاماً طرياً - زعم أنه لو صح علم النجوم وأمكن إدراكه لكان الخلاف في أمر الدين والدنيا يسقط، وذلك أنا مثلاً إذا أردنا أن نعلم أن القرآن مخلوق أو غير مخلوق، أو الباري يرى بالأبصار أو لا يرى، أو الشفاعة حق أو لا، أو عذاب القبر صحيح أم لا، وأبو بكر أفضل أم علي، أو الحجاج يدخل النار أو لا، وهل سفشو مذهب فلان أو لا، يرجع إلى الصناعة، ويستنبط منها الحق من الباطل، واليقين من الشك، وتنفى المكاره بالواجب، ولا يباشر ما يلام فيه ولا يأتي ما يندم عليه، وهكذا إذا أردنا أمر الدنيا في عقد دولة لا تزول، وإقامة دعوة لا تدرس، وبث حال لا تمحى، وتغليب من لنا فيه هوى، وتقديم من له عندنا يد، وتمليك من ننتعش بسلطانه، ونهيش في كنفه، وهذا أمر معجوز عنه، ما يؤمن منه، وقد ضرب دونه الأسداد.
وكان يقول أيضاً: هذا العلم من شرف منصبه، ودقة مذهبه، وبعد مأخذه، عار من الفائدة، خال من العائدة، يبين لك ذلك بمثال أنصبه، ومثل أضربه: اعلم أنك لو قلت لنحوي: ما فائدة علمك بالنحو، وما غاية غرضك فيه؟ لقال: معرفة المعاني، وتجلية ملتبسها، والتوغل في دقائق معاني كلام الله رب العالمين، وكلام المبعوث بالحق إلى الخلق أجميعن، ولولا علمي بالنحو لبطل مراد كثير، وجهل باب كبير، فتقول له: ما أحسن ما توخيت، إنك لسعيد؛ ولو قلت لفقيه: ما منتهى أمرك في الفقه؟ لقال: إن الدين محيط بحلال أو حرام، وواجب ومستحب، وعلة
وحكم، وقضاء وفصل، وكل ذلك مقرون بعلم وعمل، ومتى جهلت العلم أفسدت العلم، وعند ذلك ترى اختياره أشد اختيار، ورأيه أثقب رأي؛ وكذلك جواب الطبيب والمهندي، ومن شئت من أصحاب الصنائع المهيأة بالعلم، والعلم الموصول بالعمل؛ وما هكذا المنجم، فإنه إذا وجب عنده باقتران كوكبين، ومناظرة شكلين، واجتماع نحسين أمر، فلا سبيل له إلى اتقائه والهرب منه، إنما عجز عن ذلك لأنه تابع للفلك، وليس الفلك تابعاً له؛ وإذا كان كونه في العالم ضرورياً فصورة كونه تابعة لأصل كونه.
وقد كان بعض المتحذلقين تعسف في هذا المعنى قولاً، وذلك أنه قال: النفس فوق الفلك، وقد أرى الشيء بالحساب على نحو ما، فأعدل عنه بقوة النفس إلى نحو آخر، فأكون منتفعاً بما علمت؛ وهذا كلام لا نور عليه ولا حقيقة له، لأنه إن عدل من جهة إلى جهة فذلك العدول بأثر ظاهر أو علة خافية، وليس له منه أكثر من انقياده من جهة إلى جهة بقائد علوي ظاهر أو خفي، وإن عسر عليه العدول فقد جاء ما أقول من الاضطرار القائم والواجب اللازم.
وكان يقول: الأمور كلها جارية بالقضاء والقدر، فسألته عن معنى القضاء والقدر، فأملى علي ما أنا حاكيه الآن، وإن كنت قد أمللت بما أطلت، وثقلت بما نقلت: زعم أن المرجع من هذين الاسمين في المعنى على التحصيل إنما هو إلى اتساق الأمور واطادها وتتابعها على وجوهها، فإن تعلق بعضها بالاختيار فليس الاختيار أنشاه، ولكن بالاختيار كان منشأه، وقال: ليس العجر أن بالاختيار كان اتساقه، ولكن العجب أنه كان على الاضطرار مساقه.
وقال أيضاً: ومن علم أن العقل قد قسم فاعلاً على الإطلاق، ومنفعلا " ً على الإطلاق، ووسيلة تتشبه بالفاعل فوقه فيفعل، وتتشبه بالمنفعل فينفعل،
فكأنها تأخذ من الأول، ويأخذ منها الثاني، وكأنها تقبل من فوقها ويقبل مها ما تحتها، علم أن اطراد هذا الباب لم يدع للاختيار شعبة إلا ما ترك الاضطرار.
وقال أيضاً: ومن الاضطرار أن يكون الامتيار، وليس من الاختيار أن يكون اضطرار، فكأن الاضطرار يوجب الاختيار في كونه اختياراً، وليس الاختيار موجباً للأضرار في كونه اضطرار من سنخ العالم وسوسه، والاختيار من حشو العالم وغروسه.
قال: وإنما أشكل المعنى في هذه الدعوى من وجه طريف، وذلك أنه وضع الواضع أن الأمور ثلاثة: واجب وممتنع - وهما الطرفان - وممكن بينهما، وهذا الموضع صحيح لكنه راجع إلى الضرورة، أعني انه من الضرورة أن يكون الممتنع ممتنعاً والممكن ممكناً والواجب واجباً، وكأن الضرورة قد عمت الثلاثة، وقصرتها على ما انقسمت عليه حتى لا ينقلب الواجب عن حد الوجوب إلى حد الإمكان، ولا الممكن إلى الممتنع؛ قال: والذي يؤنسك بهذه القضية، ويجعلك منها على جلية، أنك متى فرضت الواجب واجباً لم تقسمه إلى واجب دون واجب، وكذلك إذا فرضت الممتنع ممتنعاً لن تقسمه ممتنعاً فوق ممتنع، ولا تجدك تفعل ذلك في الممكن، فإنك تقول: الممكن على ثلاثة أنحاء: ممكن قريب من الواجب، وممكن قريب من اممتنع، وممكن متوسط على حسب القرب والبعد من الطرفين، فقد وضح لك أن الممكن موقوف على توهمك وحرصك، وأنه لم يستقل بنفسه، ولم يتحيز بطبعه، ولم ينفرد بقوامه، ولسنا نريد بالممتنع عيناً شأنها الامتناع، فإنه لو كان كذلك كان لا يبعد أن ينقلب ما من شأنه الامتناع مرة إلى ما شأنه الوجوب.
قال: بل أشير بالممتنع إلى نفي صورة الواجب، وإلى رفع فواته، وإلى خلع ما يميل منه؛ قال: قد حال الواجب في كل شيء عدواً، وهو الاضطرار، حتى كأن الممكن واجب أن يكون ممكناً، والممتنع واجب أن يكون ممتنعاً، والواجب واجب أن يكون واجباً، ومتى كان كل شيء من ذلك واجباً كان العالم
كله واجباً أي الاضطرار، ومتى كان كله واجباً فحكم كل جزء يشار إليه حكم كله إذا نص عليه. وقال: ألا ترى أن العالم كله موجود، فحكم كل جزء منه أنه موجود، قال: فقد تناول الرزق والحياة والموت والإصابة والحرمان والسعادة والشقاء والقبول والاطراح، وليس لشيء من جميع ذلك في هذا الحكم اختصاص يخرجه عن نظام العالم وتأسيسه في كونه ووجوبه، وفرض الأرض ووضع الواضع لا يخرج من عوارض العالم، ولكنه لا يدخل في جوهر العالم، وإنما ذلك لعلو أفق العلوية، وقوة سلطان العلم، وبه يرى الشيء متلوناً مختلفاً وهو في حقيقته منتظم مؤتلف.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع