تجاوز إلى المحتوى

من «البصائر والذخائر» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)

الجزء الثامن (٧)

قال عيسى بن موسى وهو يلي الكوفة لابن أبي ليلى: اجمع الفقهاء وأحضروني، فجاء الأعمش في جبّة فروٍ وقد ربط وسطه بشريط، فأبطأوا، فقام الأعمش وقال: إن أردتم أن تعطونا شيئاً وإلا فخلّوا سبيلنا، فقال عيسى: أبا ليلى، قلت لك تأتيني بالفقهاء فجئتني بهذا؟ فقال: هذا سيّدنا، هذا الأعمش.

قال أبو معاوية الضّرير: كتب هشام بن عبد الملك إلى الأعمش أن اكتب إليّ بمناقب عثمان ومساوئ عليّ، فأخذ القرطاس فأدخله في فم الشّاة فأكلته وقال: قل له: هذا جوابه، فرجع الرسول وعاد فأتى الأعمش فقال الرسول: إنه بدا لي أن يقتلني، وتحمّل عليه بإخوانه، فقالوا: يا أبا محمد أنقذه من القتل، فلمّا ألحّوا قال له: اكتب:

، أمّا بعد، فلو كانت لعثمان مناقب أهل الأرض ما نفعتك، ولو كان لعليٍّ مساوئ أهل الأرض ما ضرّتك، فعليك بخويّصة نفسك والسلام.

قال أعرابيّ: سمعت خبراً استكّت منه مسامعي، واستهلّت له مدامعي.

قال أبو عبد الرحمن المقرئ: كنّا عند المقام وفينا مالك بن أنس، فطلع علينا أبو حنيفة فقال مالك: لقد جاءكم رجلٌ لو ناظر الشيطان قطعه.

قال عبد العزيز الدراورديّ: كان مالك ينظر في كتب أبي حنيفة ليتفقّه بها.

قال الشافعيّ: قلت لمالك: أرأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم رأيت رجلاً لو قال إنّ هذه السّاريةمن ذهبٍ لاحتجّ له.

قال مالك، إن أبا حنيفة قال في الإسلام ستّون مسألةً.

قال الأوزاعي: لا أنقم على أبي حنيفة أنه رأى كما أرى.

قال يحيى بن الزّبير بن عبادةبن حمزة بن عبد الله بن الزّبير، وكان من العبّاد: شكوت إلى هشام بن عروة ما ألقى من بعض أهلي فقال: يا ابن أخي اصبر عليهم فهكذا كنت مع إخوتي، ثم إني أصبحت لأبنائهم أباً، ولمنازلهم ربّاً.

قال هارون بن صالح: كنّا نعطي الغسّال الدراهم الكثيرة حتى يغسل ثيابنا في أثر ثياب عمر بن عبد العزيز من كثرة الطّيب فيها.

دخل رسول الله ﷺ على عائشة وهي تبكي فقال: " ما يبكيك "؟ فقالت: لفلانة مسكتان من ذهبٍ ولي مسكتان من ورقٍ، قال: " خلّقيهما بزعفران يأتيان كأنّهما ذهب ".

قال مالك بن أنس: كانت جلسة رسول الله ﷺ أن يحتبي بيديه وينصب ركبتيه.

دخل المسور على معاوية فقال له: كيف تركت قريشاً؟ قال: أنت سيّدها يا أمير المؤمنين، أعلاها كعباً، وأسودها أباً، وأرفعها ذكراً، وأجلّها قدراً.

/الجزء التاسع

﷽

اللهم أسألك خفايا لُطفك وفواتح توفيقك، ومألوف برك، وعوائد إحسانك، وجاه المقدمين من ملائكتك، ومنزلة المصطفين من رُسلك، ومكانة الأولياء من خلقك، وعاقبة المتقين من عبادن؛ أسألك القناعة برزقك، والرضا بحكمك، والنزاهة عن محظورك، والورع في شبهاتك، والقيام بحججك، والاعتبار بما أبديت، والتسليم لما أخفيت، والإقبال على ما أمرت، والوقوف عما زجرت، حتى أتخذ الحق جنة عند ما خف وثقل، والصدق سنة فيما عسر وسهل، وحتى أرى أن شعار الزاهد أعز شعار، ومنظر الباطل أشره منظر، فأتبختر في ملكوتك بالدعاء إليك، وأبلغ الغاية القصوى بين خلقك بالثناء عليك، متيقناً أن الاقتصاد أوطأ سبيلاً وأعز حريماً.

هذا الجزء التاسع من البصائر، وكان عذري فيه - أعني الكتاب - أنه يتم بما يسر الناظر، وأرى العجز قد قهر، والاستعفاء قد حسن، والعذر قد وجب، لأن البقية من مذاكرة الأدب إذا اختصها هذا الجزء بقيت بقية في الصوفية، وقد كان الوعد سلف إفرادها عن سائر الفنون، وبقيت بقية أخرى من فلسفة الفلاسفة. وقال لي بعض إخواني: قدم من هذين الفنين ما إذا تخلص من الجملة كان لأثره وقع، فاقتصرت على ذلك، ولعمري إن الوصف على ما يأتي عليه، ولكن ليس الرأي على ما أرشد إليه، لأني فقير إلى ما يستغني هو ونظراؤه عنه، وضماني لا يزول برأي غيري، وحاجَتي لا تسقط بكفاية من سواي، وأنا جار على المصلحة المنوية في هذا الكتاب لنفسي ولمن يجري مجراي، ويعتذر إلى من خالفني في هذا الرأي. ولم يختر هذا التطويل، لأن الرغبة الصادقة في العلم تخفف علي كل (ثقيل)، وتذلل كل صعب، وتزيل كل زهد، وترسل على الجساء ناعماً، و (تجعل) منظر الشوهاء رائعاً، وبعيد المطلوب دانياً، ووعر المحتاج إليه سهلاً، وأبي المتمني سمحاً، وعصي المراء طيعاً. واعلم أن المحظوظ من أنعم بالعلم عليه، ووفق للإخلاص فيه، وحشي سره طمأنينة، وبوشر قلبه بالسكون، ورفع همه عن الإشناق إلى ما لا يليق به واستشراف ما لا يصل إليه، ولن يحسن هذا المحظوظ عشرة هذه النعمة، ولا يستمتع بنضرتها، ولا يحمد غبها، دون أن يكون رائضاً للسانه على الشكر، وعامراً لصدره بالإخلاص، وهاجراً للهوينا في ما اجتلب الزيادة، مجانباً للتفريط في ما وكل به المقت والتصق به العار أو وصمته القالة؛ ولن ينتفع بهذه المقدمات كلها دون أن يعلم أن الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، وأن من فاتته في العاجل صنع له، وأن ما نال منها وبال، وأن القرار في دار الآخرة التي من سلك سبيلها نجا، ومن راغ عن

سنتها ضل وغوى.

فاعرف - حفظك الله - هذه الوصايا، وأدب سرك بهذه المواعظ، واستيقن أن زائدها وإن اتصل ناقص، وظلها وإن امتد قالص، ومقيمها وإن تلوم شاخص، وكن مقبوض الكف، مغضوض الطرف، إلا عما أباح الله ورخص فيه وأذن لك أن تتناوله؛ واحذر الانهماك فإنه شوط عسير، وغاية ذات ندامة، وضرب (ليس) من حزب الفضلاء، واعمر عمرك بالصالح من العمل، والصادق من القول، والصحيح من الاعتقاد، ولا تبحث عما زوى الله سره عنك، ونزه حكمته عن تحصيلك، واستأثر بغيبه عن احتجاجك بقلبك، ولا تعترض على خالقك لالتباس يرد عليك، أو لشبهة تغالب فطنتك، فإن النظام جار على التمام، والخير واصل إلى الخاص والعام، فاحمد الله الذي أفردك بالصلاح في دهر الفساد، وزينك بالكرم في زمان اللؤم، وحبب إليك الإحسان بين أهل الإساءة.

وسل الله مزيداً لك، ورفقاً بك، وأخذاً بيدك، وعافية في جسمك، وحراسة للنعمة عندك، وصرفاً للصروف عن ساحتك، فإنه جواد واجد، ملك ماجد.

اللهم إني أشكو إليك سوانح نفسي، وفلتات ضجري، وقوارص لساني، وسيئات عملي، وخوادع أملي، فكن لي نصيراً وبي رحيماً، فلا قوة لي إلا بك، ولا توفيق إلا منك، ولا منال إلا على يدك، قلبني بين ما تحب وترضى، وقربني من حياضك الممدودة، ورياضك الممطورة، واسقني بكاس الرضا سلوة عن الدنيا، وامح أثرها من صدري، واجعل نازل قضاياك قريناً لصبري، وأحيني في طاعتك ناضر الوجه، صريح اللب، مرجواً مأمون الغوائل، ثم اقبضني إلى مقام الصادقين، واحشرني في

حزبك، ألا إن حزب الله هم الغالبون؛ وصل على أمين خلقك، وحامل وحيك، الواسطة بينك وبين عبادك، ما لمع بارق، وذر شارق، إنك على ذلك أقدر القادرين وأجود الجائدين.

قال النبي ﷺ: خمس من أتى الله بهن أو بواحدة منهن أو جب له الجنة: من سقى هامة صاديةً، أو أطعم كبد هافية، أو كسا جلدة عارية، أو حمل قدماً حافية، أو أعتق رقبة عانية.

قوله سقى وأسقى، وقد فصل قوم بينهما، فقال: سقى أي جعل له ما يسقي به نفسه، وأسقى أي حصل له ماء سقيا، والسقي - بكسر السين - فنصيبه الباقي من المسقي، فأما السقي فمصدر على بابه المعتاد. والهامة الصادية: الإنسان العطشان، وفي سقي الماء آثار مأثورة: والصدى مقصور، يقال: صدي يصدى صدىً وهو صادٍ. والكتاب يقولون: أن صاد إلى لقاؤك، على الاستعارة، فهو كلام العرب، وأما الصدى فهو الذي يجيبك إذا ناديت بين جبلين، وذلك تراجع الصوت على الحقيقة ليس إن حيواناً يرد عليك وتقول في الأول أن صادٍ وصديان وهي صادية وصديا، ويقال: فلان صدى مالٍ إذا كان سائساً له لا هم له سواه. وقوله: " كبداً هافية " من الجوع فإن الكبد تهفو أي تخف، يقال: فلان قلبه هافٍ وأمره غافٍ وسره وافٍ، هكذا سمعت الحراني بمكة، وكان فصيحاً. وأما الرقبة العانية فهي المماليك، لأنهم أسرة قبضة. وإنما قلت هذا لأن بعض ما يضيق عطنه عن الاتساع في الاستعارة قال: فإن أعتق عانياً لا يجوز، وهذا يعوزه تمييز تصحيح الكلام من سقيمه.

خرج عمر بن الخطاب ﵁ ذات يوم وعليه حلة، فنظر الناس إليه مستريبين، فلما رآهم كذلك أنشد:

لا شيء فيما ترى إلا بشاشتهيبقى الإله ويفنى المال والولد

والله ما الدنيا في الآخرة إلا كنفجة أرنب. هكذا سمعت ابن الجعابي يروي، قال: وقال بعض جفاة النساك: ما لبس عمر حلة قط. وهذا أيضاً جهل آخر، قد لبس رسول الله ﷺ الحلة، وركب الجواد، وشرب الحلو والبارد، وباشر النساء، ولم يله عن الله ﷿ في خلال ذلك، لقوة عزيمته في الإيمان، ولشدة منته في التقوى، وكذلك الصالحون من هذه الأمة على درجاتهم، لا يصغر شيء من هذا، ومتى كان التناول لله والترك لله لم يكن للباطل بين ما الله وما بالله موقع، ولا للحق فيه منزع.

قيل لحاتم الأصم: لو قرأت لنا شيئاً من القرآن فقال: نعم، فاندفع يقرأ: آلم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للشقيين الذين لا يؤمنون بالغيب ولا يقيمون الصلاة ومما رزقناهم يكنزون. قالوا: ليس هكذا قال: صدقتم. ولكن كذا أنتم قال يحيى بن وثاب في بغداد مدينة السلام وقبة الإسلام معدن الخلاف ومعقل الأناقة جعلها الله لخليفته مثوى ولشيعته مهوى.

قال ثعلب: يقال فلان كالبدر ليلة تمامه وكدرة شق عنها

الصدف، وفلان أمضى من السيف، وأدفأ من النار، ولسان فلان كالمبرد ووجه فلان كالمسن، وجبينه كاللجين قال الناشئ الكبير

العيش فانٍ فمن عد الغنى كدراًفعف ثم اكتفى بالعفو منه صفا
أشدد يديك بمن تهوى فما أحديمضي فيدرك حقاً بعده خلفا
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
واستعتب الحر إن أنكرت شيمتهوالحر يستأنف العتبى إذا أنفا
ولم تجد من له في قصده سبقإلا وجدت له عن حظه جنفا
من ذا الذي نال حظاً دون صاحبهيوماً وأنصفه في الود أو نصفا
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة
لا خير في رجل يعطيك مهجتهحتى إذا أعجبته حاله انحرفا

وله:

فإن تكن الأيام خانت فربماأرتنا زمام الحر في قبضة العبد

وله:

ملكنا وكل المماليك ميسماودنا وكنا للديانة موسما

قال جحا لأمه: اخبزي، قالت: ليس لنا دقيق، قال: فاخبزي فطير

لليثي في قتل محمد بن زيد وآله:

آل زيد رماكم الدهر واجتث أصلكم
بدد القتل بالصوارم والسمر شملكم
لا أرى الذنب للذيأحدث الآن قتلكم
بل أراه لمعشرأسسوا ذاك قبلكم

لما صار امرؤ القيس بمدينة تدعى أنقرة مرض وأحس بالموت فقال:

رب خطبة مسحنفرهوطعنة مثعنجره
وجفنة مدعثرةمتروكة بأنقره

ورأى قبراً لمرأة من بعض بنات ملوك الروم فقال:

أجارتنا إلى الخطوب تنوبوأني مقيم ما أقام عسيب
أجارتنا إنا غريبان هاهناوكل غريب للغريب نسيب
للشاعر القاضي أبو العلاء القزويني، اقرأ القصيدة

وكان وسيماً جسيماً وكان مع ذلك مفركاً، قال لامرأة: ما تكره

النساء مني؟ قالت له: لأن ريحك إذا عرقت ريح كلب، قال: صدقت

قال ثعلب: الشبادع العقارب، وقال: الأزيب: الدعي، وهو في بيت الأعشى: الذكي، والأزيب من الرياح.

قال شبيب بن شيبة: اشتريت جارية فأصبت منها ما يصيب الشيخ من الشابة، ثم خرجت لحاجتي ورجعت وقد عصبت رأسها، فقلت: ما لك؟ قالت: لا جزاك الله خيراً، ما زدت على أن هيجته وتركته يتقطع في أوصالي قال الأصمعي، قال أبو عبيدة: رأيت بطريقي مكة أعرابية تبيع الخوص لم أر أجمل منها قط، فوقفت أنظر إليها متعجباً من جمالها، إذا أقبل شيخ فقير فأخذ بأذنها فسار بها، فقلت من هذا؟ قالت: زوجي، قلت: كيف يرضى مثلك بمثله؟ قالت: إن له قصة، ثم أنشدت:

أيا عجباً للخود يجري وشاحهاتزف إلى شيخ من القوم تنبال
دعاني إليه أنه ذو قرابةفويل الغواني من بني العم والخال

قرأت في مجموع لابن المعتز من أخبار شارية المغنية:

جعلت طريقي على بابكموما كان بابكم لي طريقا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «فيا ويح قلبي ما يستفي»
صرمت الأقارب من أجلكموصافيت من لم يكن لي صديقا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «فيا ويح قلبي ما يستفي»

سمع عمر بن الخطاب راكباً بفلاة يتغنى فقال: إن الغناء زاد الراكب.

قال أبو العيناء لرجل: والله ما فيك من العقل شيء إلا بمقدار ما تجب به الحجة عليك، والنار لك.

كاتب: إن الشكر من الله بأحسن المواضع، فازدد منه تزدد به، وحافظ عليه تحفظ به.

قال الناشئ الكبير، قال الحكماء: متى كانت الهمة فوق النعمة كان الفقر أحسن من السؤال.

شاعر:

العبد عبدك فاحكم فيه واحتكموأعدل وجر غير مأخوذ بلا ولم
لا رد عندي لما تأتي به أبداًولو حكمت لأعدائي بسفك دمي
اصدد إذا شئت أن يعتادني سقموصل إذا شئت أن أبرا من السقم
ونور وجهك لولا ما أؤملهمن نور طيفك لي في النوم لم أنم

قال أحمد بن أبي طاهر، حدثني حبيب - يعني أبا تمام - قال، حدثني كرامة قال: قدم علينا رجل من ولد معدان بن عبيد المغني بغداد، وكان شاعراً قد ناله من البرامكة مال كثير، فقلت له: كيف تركت آل برمك؟ قال: تركتهم وقد أنست بهم النعمة حتى كأنها منهم أو بعضهم. قال كرامة: فحدثت بهذا الحديث ثعلبة بن الضحاك العامري فقال: قد سمعت من بعض أعرابكم نحواً من هذا، قلت: وما هو؟ قال: قدم علينا فلان في عنفوان خلافة هشام، فرأى آل خالد بن عبد الله القسري فقال: إني أرى النعمة قد لصقت بهؤلاء القوم حتى كأنها منهم، قلت: فإن صاحب هذا الكلام ابن عم صاحب ذلك الحديث في ما أرى.

قال أحمد، حدثني حبيب قال، حدثني أبو محسن الأزدي، قال، حدثني عمرو بن سراقة قال: قدم علينا شيخ من أزد البصرة وكان حدثاً قال: سأل رجل عبيد الله بن أبي بكرة فأغناه، فجاء الرجل بعشيرته شاكرين له، فالتفت عبيد الله إلى بعض ولده فقال: ما أخوفني أن يكون الحمد في

الرياء!! فقال له: قد أمنك الله من هذا أيها الشيخ، قال: صدقت ويلك، أما ترى قليل ما أعطيناه وكثير ما أخذناه؟ قال أذاراي: الدهر زمان ساكن، والزمان دهر يفسد ما يحركه.

قال أفلاطون: من زعم أن الحركة يلزمها الخفة والثقل من جهة الإبطاء والسرعة وهي متناهية ذات أشكال كثيرة، وليس متناه ذو أشكال كثيرة إلا وأشكاله منفصلة، لم تنفصل إلا عن شيء لزم بعضها دون بعض.

قال أفلاطون: الإيضاح على نحوين: أحدهما من تلقائنا والآخر من تلقاء الطبيعة، فالذي من تلقاء الطبيعة كلي، والذي من تلقائنا جزئي.

وقال: لولا أن العقل شكله شكل فلكي لكان منقطعاً، وهو مع أنه يوصف بالحركة على نحو ما ساكن.

قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: إلى كم أغضي الجفون على القذى، وأسحب ذيلي على الأذى، وأقول لعل وعسى.

سمعت بدوياً ببطن نخل يقول في كلام له: رب مطرق على شجىً، ومعنق على وجىً.

قال أعرابي في وصف سيده: هو نبعة أرومته، وأبلق كتيبته، ومدره عشيرته، ونابهم الذي عنه يفترون، وبابهم الذي إليه يضطرون.

قال أعرابي في وصف رجل: إذا ناضل كشف القناع، وإذا فاضل ترك الخداع، وإذا حارب حسر اللثام، وإذا سالم أصلح النظام.

سمعت بدوياً بفيدٍ يقول في وصف آخر: إن مد باعه إلى الكرم قصر، وإن أطلق لسانه في الجدل حصر.

وقال دريد بن الصمة لهوازن يوم حنين: أين أنتم؟ قالوا: بأوطاس، قال: لا حزم ضرس، ولا سهل دهس.

قال أعرابي: لا يشق غباره، ولا ينال طواره ولا يرتق فتقه، ولا يبلغ عمقه.

قال بعض النساك: أمارة الاغترار بالله، الإصرار على سخط الله.

قال أعرابي: سخيف لا يرعى، حقه لا يرعى.

سمعت أبا فرعون التميمي يقول: ما أسهل السرب على الماتح، وأهون المصيبة على النائح.

أفلاطون: المتعلم يحتاج إلى لم، كما أن الفيلسوف يحتاج إلى ما.

وقال أيضاً: تبيان المسالة حسن الوضع.

وقال صاحب المنطق: الإيضاح لا يكون من الممكنات ولكن من المضطرات.

قال أرسطاطاليس في كتابه الذي بعد الطبيعة: فوق جوهر السماء جوهر لا عظم له ولا قدر من الأقدار، يستحيل بنوع من الاستحالات، لا نهاية لقوته، ومن أجل ذلك يفعل فعله بلا زمان، وهو فعال بذاته، فلذلك هو دائم الفعل، وليس فعله بحركة، ولا فيه شيء بالقوة، لكن الأشياء فيه بالفعل، وقوته منبعة في العالم دائماً.

كتب بعض الأدباء إلى ابن سعدان في وزارته رقعة دل بها على أنه كان. على الخير لا الشر، لكني وجدتها مليحة التلطف: عبد مولانا - أطال الله

بقاءه - وإن كان منبوذاً بالعراء، مقصوداً بالجبه، لا يلحظ بعناية. ولا يضاف إلى كفاية، فإنه لنصح جيبه، ونقاء ضميره، وتعصبه لهذه الدولة الميمونة، وعشقه لهذه الأيام المأمونة، يستقري الجلي متعرفاً ويستنبط الخفي مستشفاً، ثم ينهيهما على رسم الخدمة، ليكونا مادة لرفع ولي وتقديمه، وقمع عدو وتقويمه، وكان كذا وكذا، وأنهيت ذلك على مذهب الخدم ليكون رأيه من ورائه، فإن رأى - لازالت كف السعادة له مصافحة، ولسان الدولة ناصحة، ما تعاقب الجديدان وتصافح اللديدان - أن يعرف انتصابي للخدمة، ونفيي والقذى عن المملكة، فعل إن شاء الله.

فلما قرأ أبو عبد الله قال: ما أحسن ما احتال في شكوى حاله بين أضعاف مدحه، جئني برقاعه وحاجته، فقضى كل حاجة كانت له.

قال كاتب: القلم الدوائ كالولد العاق وقالوا القلم أحد اللسانين، والعم أحد الأبوين، والتثبت أحد العفوين، والمطل أحد المنعين، وقلة العيال أحد اليسارين، والقناعة أحد الرزقين، والوعد أحد الصرفين، والإصلاح أحد الكسبين، والراوية أحد

الهاجيين، والهجر أحد الفراقين، واليأس أحد النجحين، والمزاح أحد السبابين.

سألت السيرافي عن قول من قال: المزاح سمي مزاحاً لأنه أزيح عن الحق، فقال: هذا محكي عن ابن دريد، وهو باطل، الميم من سنخ الكلمة في (مزحت أمزح) ومن (أزيح) تكون زائدة.

وقال أبو سعيد: كان أبو بكر ضعيفاً في التصريف والنحو خاصة، وفي كتاب (الجمهرة) خلل كثير، قلنا له: فلو فصلت بالبيان عن هذا الخلل وفتحت لنا باباً من العلم فقال: نحن إلى ستر زلات العلماء أحوج منا إلى كشفها، وانتهى الكلام، فلما نهضنا من مجلسه قال بعض أصحابنا: قد كان ينبغي لنا أن نقول له: حراسة العلم أولى من حراسة العالم، وفي السكوت عن أبي بكر إجلال ولكن خيانة للعلم.

فاخر صاحب سيف صاحب قلم، فقال صاحب السيف: القلم خادم السيف إن بلغ مراده، وإلا فإلى السيف معاده.

شاعر:

تعس الزمان لقد أتى بعجابومحا سطور الفضل والآداب
واتى بكتاب لو انطلقت يديفيهم رددتهم إلى الكتاب
نعم من الأنعام إلا أنهممن بينهم خلقوا بلا أذناب

قال النبي ﷺ: " أعظم النساء بركة أحسنهن وجهاً وأرخصهن مهراً ".

وقال ﵇: " أفضل ما أفاد المسلم بعد الإسلام امرأة مؤمنة، إذا رآها سرته، وإذا أقسم عليها برته ".

يقال: التزويل هو أن يمتد الأير ولا يشتد، والإكسال أن يجامع الرجل ولا ينزل.

قال الكسائي: أفدت المال أعطيته غيري، وأفدته استفدته، قال الناس: يقال: فاد المال نفسه لفلان يفيد إذا ثبت له مال، والاسم الفائدة، وفاد الرجل إذا مات.

وقال النبي ﷺ: " إنما النساء لعب، فليستحسن الرجل لعبته ".

وقال ﵇: خير نساء ركبن الإبل هن صوالح قريش،

أحناهن على والد، وأرعاهن على زوج في ذات يدٍ.

مات أعرابي عن أعرابية يقال لها طيبة، وخلف عليها بنياً، وتزوجت المرأة سراً والغلام لا يعلم، وكانت تختضب وتكتحل ويرى الغلام ما لا يعجبه، وكان الرجل يأتيها ليلاً وينصرف مع الصبح، فقال الغلام:

ياطيب ما هذا بفعل حانيه

أكل يوم حلة مدانية

وكحل عينين وكف قانيه

إما على بعل وإما زانيه

والله ما أرضى بهذا ثانيه

الحانية: المتعطفة، والمصدر الحنو، فأما قولهم: حنت النعجة فيريدون اشتهت الذكر.

قال أعرابي: في وصف الجارية يقال: ناصعة اللون، جيدة الشطب، نقية الثغر، حسنة العين والأنف، ظريفة اللسان، واردة الشعر، يقال في اللغة: التليعة: الطويلة العنق، ويقال: فيها تلع.

قيل لأعرابي: أتحسن وصف النساء؟ فقال: إذا عذب طرفاها، وسهل خداها، ونهد ثدياها، ولطف كفاها، وبض ساعداها، وعرض وراكها، والتف فخذاها، واخدلج ساقاها، فهي هم النفس ومناها.

قال علي بن أبي طالب ﵁: قال رسول الله ﷺ: للمسلم على أخيه حقوق لا براء منها إلا بأداء أو عفو، ومنها: يغفر زلته ويرجم عبرته، ويقدم نصيحته، ويديم صلته، ويعود مرضته ويجيب دعوته ويقبل هديته ويكافئ صلته ويشكر نعمته، ويحسن نصرته، ويحفظ حليلته، ويقضي حاجته، ويشفع مسألته، ويشمت عطسته، وينشد ضالته، ويرد سلامه، ويطيب كلامه، ويبر إنعامه، ويصدق أقسامه، ويواليه ولا يعاديه. وينصره ظالماً ومظلوماً، وأما نصرته له ظالماً فيرده عن ظلمه، وأما نصرته مظلوماً فمفهوم، ولا يخذله، ويحب له من الخير ما يحب لنفسه، ويكره له من الشر ما يكره لنفسه.

ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله يقول: " إن أحدكم ليدع من حقوق أخيه شيئاً فيطالب به يوم القيامة فيقضى له عليه ".

وقال أيضاً: " إن أحدكم ليدع تشميت أخيه إن عطس فيطالب به يوم القيامة " قال الحكم الأعرابي. قال روح بن حاتم: بينا أنا واقف على بعض ولاة البصرة إذ أقبل خالد بن صفوان، فنظر إلي وقال: يا ابن أخي، والله ما بكرت ولا هجرت إلى باب أحد من الولاة إلا رأيتك واقفاً عليه، أكل هذا حب منك للدنيا وحرص عليها؟ قال: فأجللته عن الجواب وقلت إنما هو عم، ولعله أراد أن ينفرني ليعلم ما عندي في جوابه، فقلت: والله ياعم، حسبك برؤيتك إياي عليها طلباً منك للدنيا، فضحك وقال: يا ابن أخي، إن قلت ذاك لقد ذهب ماء الوجه وسناء البصر، واقترب العهد العلل، والله ما أتت

علينا ساعة من أعمارنا إلا ونحن نؤثر الدنيا على ما سواها، ثم ما نزداد لها إلا تحلياً، ولا تزداد عنا إلا تولياً.

قيل لأعرابي: ما خلفت لأهلك؟ قال: الحافظين، قيل: وما هما؟ قال: أعريهن فلا يبرحن، وأجيعهن فلا يمرحن.

وقال كعب بن جعيل:

مدحت قريشاً واصطفيت ابن خالدٍوللخير آيات بها يتوسم
وكنت كمرتاد بمنقاره الثرىوصادف عين الماء إذا يترسم
غياث الجياع والمراضيع إ نبمكة يوم ذو أهابي أيتم
فإن يسأل الله الشهور شهادةًينبأ جمادى عنكم والمحرم
للشاعر المتوكل الليثي، اقرأ القصيدة
بأنكم من خير من وطئ بالحصىإذا طفق المعطي يضن ويسأم

قال ابن أبي بردة: غزا قوم الديلم فأسروا، وأسر الديلم شديد، قال: فاشتكى ابن ملك الديلم فقالت أمه: اذهبوا به إلى العرب لعل عندهم دواء، فجاءت به امرأة فقال لها رجل: هاتيه، فقال له رفيقه: أنشدك الله لا تعرضنا للهلكة، قال: هاتيه، فجعل يعوذه ويقول:

أيا أم ذا المولود لا شب قرنهولا زال فيه سقمه يتردد
ويا أم ذا المولود جودي بكسرةلشيخين من همدان قيس ومرثد

قال: فما أتت له ثالثة حتى برأ، فخلي عنهم كلهم.

قال الناشئ في كتاب (نقد الشعر): ومخاطبات النساء تحلو في الشعر وتعذب في القريض، لا سيما لغانية قد أطر الفتاء شاربها، وزوى الإباء حاجبها، وأشط الجمال قوامها، وأفرد الحسن تمامها، وأنجل الهوى عينيها، وأمرض الزهو جفنيها، وأرابت الصبابة ألفاظها، وفتر الرنو ألحاظها، وأرهف الظرف أعطافها، وألانت النعمة أطرافها، ولذ للراشف مبسمها، وأطرد ماء النعيم بين رياضها وجناتها، وترقرق جريال الشباب على سحناتها، وجدل للضم قدها، ومالت للجاذب جمائرها، ودالت للقاضب غدائرها، وشخصت للوفور مآكمها، وظمأت للذيول فضولها، وسهلت للعيون حجولها، وطابت للمتنسم ملاغمها، وأرجت للمتنعم فواغمها، فكيف إذا هي برزت من حجابها وسفرت عن نقابها، وتهادت بين أترابها، وقد هز الريح أردانها، استعز المراح أكنانها. بل كيف إذا هي أملها سائلها، وأكلها مقاولها، وأعرضت عنه صدوغاً، وتأوهت منه عزوفاً، وقد قطب التيه جبينها، واستغض الأنف عرنينها، واستخفها الطرب، واستهواها العجب، فافترت مبتسمة عن شتيت أنيابها، ومعسول رضابها، وكيف تقر نفس عاشقها إذا هي لسنته بعتابها، ولحنته بسبابها، وقد لاثت ذوابل أثوابها، وحسرت فواضل أسلابها، وطفقت تعد ذنوبه بحناجرها، وتأبى معاذره بمكاسرها، وهل تطوع لها أمنية إذ أعتبته من صدها، وبذلت له مصون ودها، ثم أسعفته بزورة وسنت لها عين راقبها، وغيلت بها نفس عاقبها، قد التفعت إليه ملاء ليل، أو وطئت إليه أعقاب قيل، قد خزل الأين أياطلها، وبل البهر غلائلها، وقصرت له أعاليها وأسافلها، وأوجل الوجل فرائصها، وأوجى العجل

أخامصها، ثم طفقت تستعتب نفسها وتستكفها، حتى إذا أسمحت بها قرونتها، وأسجحت له سجيتها، وسكن إلى الإيناس قلقها، وأسرع إلى الإبساس علقها، ناسمته من حديثها بما هو أقر لعينه، وأشهى إلى نفسه من طول بقائها، ودوام نعمائها. ولنا في هذا الباب ما لم يخرج عن مذهب القوم، منه:

فديتك لو أنهم يعقلونلردوا النواظر عن ناظريك
ألم يقرءوا ويحهم ما يرونمن وحي قلبك في مقلتيك
وقد جعلوك رقيباً علينافمن ذا يكون رقيباً عليك
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة

سأل سعيد بن فلان عبيد الله بن زياد أن يتغدى عنده، فأجابه وأمر بحمل البسط والفرش، ووجه إليه الخبازين والطباخين، فلما دخل عبيد الله قال: هات ما عملت، وبعث إلى منزله فحمل وأكل، فلما فرغ قال له سعيد: أصلح الله الأمير، لا يخرج من منزلي شيء، قال: دعنا نخرج.

قال المدائني: قال سلم بن زياد لرجل يقال له طلحة الخزاعي: إني أريد أن أصل رجلاً له حق وصحبة بألف ألف، فما ترى؟ قال: أرى أن تجعل هذه لعشرة. قال: فخمس مائة ألف، قال: كثير قال: رجل بمائة

ألف؟ قال: نعم، قال: وبها يقضى ذمام رجل له صحبة؟ قال: نعم. قال: هي لك فما أردت غيرك، قال: أقلني، قال: لا فعلت أبداً.

قال الأصمعي: دهاة العرب أربعة كلهم ولدوا بالطائف: معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، والسائب بن الأقرع.

قال: لما أتي سليمان بن عبد الملك برأس قتيبة كتب لوكيع بن أبي سود عهده على خراسان، فقال يزيد بن المهلب لابراهيم بن الأهتم: إن رددت أمير المؤمنين عن رأيه في وكيع فلك مائة ألف، فقام ابن الأهتم فتكلم بكلام تفرق الناس عن استحسانه فقال: يا أمير المؤمنين، إن وكيعاً أدرك في الثأر، وبالغ في الطاعة، فجزاه الله خيراً، غير أني لو خفت من إحدى يدي خلافاً على أمير المؤمنين لأحببت انبتاتها من صاحبتها، وإن وكيعاً لم يملك مائتي عناق قط فحدث نفسه بالطاعة، فلا تأخذنا بحديث إن كان منه، فقال سليمان: ويلك فمن لخرسان؟ قال: العبد في الطاعة، والأخ في النصيحة، يزيد، فولاه.

قال بعض جلساء الأمراء: والله لقولة (يا غلام، هات الطعام) أحب إلي من صوت ابن سريج.

قال: كان الحجاز يوضع له في كل يوم ألف خوان لأهل

الشام، على كل خوان قفيز من دقيق وسبعة أرطال قديد وجنب شواء وسمكة وجرة لبن وجرة ماء وعسل، فشكوا يوماً قلة المرق، فدعا صاحب الطعام وضربه مائتي صوت وقال: يشكون قلة المرق وأنت على دجلة؟ قال الأصمعي: قلت لأعرابي: هل لك في ثريدة؟ قال:

ثريدة محمومهفي صحفة مكمومه
قد ألحفت رقاقاوجللت عراقا

أتى أبو دلامة ابا جعفر المنصور وهو سكران، فأمر بحبسه في السجن، فلما أصبح وصح كتب إليه:

أمير المؤمنين فدتك نفسيعلام حبستني وخرقت ساجي
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أمير المؤمنين فدتك نفسي»
أمن صهباء صافية المزاجكأن شعاعها لهب السراج
تسر به القلوب وتشتهيهاإذا برزت تقرقر في الزجاج
وقد طبخت بنار الله حتىلقد صارت على النطف النضاج
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أمير المؤمنين فدتك نفسي»
أقاد إلى السجون بغير جرمكأني بعض عمال الخراج
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أمير المؤمنين فدتك نفسي»
ولو معهم حبست لطاب عيشيولكني حبست مع الدجاج
وقد كانت تخبرني ذنوبيبأني من عذابك غير ناج
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أمير المؤمنين فدتك نفسي»
على أني وإن لاقيت شراًلخيرك بعد ذاك الشر راج
للشاعر أبو دُلامة، من قصيدة «أمير المؤمنين فدتك نفسي»

قال ابن المعتز: قلت لبعض أصحابنا: كم تكون تاركاً للتوبة مماطلاً به؟! فقال: قد قال الله تعالى: " خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئا " ً عسى الله أن يتوب عليهم " التوبة:، وعسى إطماع، والكريم إذا أطمع فعل، قلت: فأين قول الله تعالى: " ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره " الزلزلة:، فقال: يراه فيغفر له.

قال ابن المعتز: قال بعض أصحابنا: لا تنزل الهم إلى قلبك إلا على أشخاص، فإن الهم يتعلق بعضه ببعض.

قال الصوفي: لا تباغض نفسك فلا بد من أن تغتر قليلاً وإلا فسدت دنياك وأسأت معاشرة نفسك.

قال ابن المعتز: لما جاء جعفر بن يحيى من الرقة شيعه عبد الملك بن صالح، فلما أراد الانصراف قال: حاجة، قال: وما هي؟ قال: أن تكون كما قال الشاعر:

وكوني على الواشين لداء شغبةكما أنا للواشي ألد شغوب
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «أمنك أميم الدار غيرها البلى»

فقال جعفر: بل نكون كما قال الشاعر:

وإذا الواشي أتى يسعى بهانفع الواشي بما جاء يضر

قال ابن المعتز: وإنما أراد أن يؤنب جعفراً فأنبه جعفر.

لأبي نواس:

مقرطقة لم يشقها سحب ذيلهاولا نازعتها الريح فضل البنائق
كأن مخط الصدغ في صحن وجههابقية أنقاس بإصبع لائق

وقال ابن المعتز: قرأت بخط أبي المعسكر المسمعي، حدثني أبو عبيد قال، حدثنا أبو سعيد البصري قال، حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثني عيسى بن يونس عن الأوازي قال: وثب خالد بن عبد الله القسري على امرأة فقبلها، فشكته إلى رسول الله ﷺ، فأرسل إليه فاعترف وقال: إن شاءت فلتقتص مني، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: أو لا تعود، قال: لا أعود يا رسول الله.

ولا أدري من هذا القسري وكيف هذه الرواية.

بشر بن يزيد الكاتب:

أيا دمن الدار لولا الخدودولولا الجفون ولولا المقل
ولولا الأقاحي ولولا النحورولولا السوالف من ذات دل
ولولا القدود ولولا الخصورولولا ضفائر وحف رجل
ولولا التعانق عند اللقاءبعد الفراق ولولا القبل
لهانت على العاشقين الديارورسم الربوع ومحو الطلل

آخر:

يا رب كأس قد سبقت بهاعذل العذول وغرة الشمس
وكأنما اليوم الطويل بهاقصراً وطيباً قبلة الخلس

آخر:

صبحتهم والصبح ينفض رأسهقد هم بالإسفار أو لم يسفر
والليل منهزم الظلام يشلهصبح كناصية الحصان الأشقر

لعمارة بن طارق:

فصبحت قبل الصباح الفائقوقبل عصفور الأذان الناطق
والصبح كالسربال ذي البنائقوالنجم كالزند أمام السائق

وقيل لجمعة الإيادية: أي الغيث أحب إليك؟ قالت: ذو الهيدب المنبعق، الأضخم المؤتلق، والصخب المنبثق.

شاعر:

جادك يا بغداد من بلادصيب كل رائح وغاد
يا ليت شعري والحنين زاديهل لي إلى ظلك من معاد
لله ما هجت على البعادلقلب حران إليك صاد
بدل من ربعك بالبواديوقفرة موحشة الأطواد
مجهولة مجدبة حمادورملة متعبة الإصعاد
تخال في كثبانها الجعادخطوط أقلام بلا مداد

قال أرسطاطاليس في كتاب (الحيوان): إذا جاع الثعلب ولم يقدر على صيد يأكله استلقى على ظهره ونفخ في بطنه، فتحسبته الطير قد مات فيقعن عليه، فيثب ويأخذ بعضها.

وقال في الضبع أيضاً: تصير مرةً أنثى وتصير مرة ذكراً، وتبدل في كل سنة، تلقح أحياناً كالذكر، وتقبل اللقاح كالأنثى، لاختلاط جوهرها وتلونه، وزعم أنها إذا رأت الكلب في ليلة مقمرة يمشي على الإجار وطئت ظله فوقع، وأن من كان معه لسان ضبعة فمر بين الكلاب لم تكلب عليه، وأن من مر في مكان كثير الضباع وأخذ بيده أصلاً من أصول الحنظل هربت من بين يديه.

قال، وقال في الذئب: إن يرى إنساناً قد خافه اجترأ عليه،

وإن حمل عليه تأخر عنه، وذكر أنه خفي عليه مكان الغنم عوى حتى تسمع الكلاب صوته وتنبح فيقصدها للغنم التي معها فإذا اقرب من الغنم عوى فتقصد الكلاب صوته وتجتمع إلى ناحيته، ثم يخالفها فيقصد ناحية خالية منها فيختطف من الغنم، وزعم أن الذئب إن وطئ على العنصل مات من ساعته، والثعلب يأتي بهذه البقلة فيضعها في جحره لئلا يأتيه الذئب فيأكل جراءه.

وقال في الجراد: أنه إن ظعن ظعن كله مثل العسكر العظيم، وإن حل حل جميعه، وإن وقع في المزارع لا يتحرك ساعة وقوعه حتى يأتيه وحي من السماء، وليس من طبيعته، وقال لابن المعتز: فهذا يكذب بالوحي إلى الآدميين، ويصدق به إلى الجراد.

وأنشد للراعي:

فبت وبات الحاطبان وراءهابجرداء محل يألسان الأفاعي
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ظعنت وودعت الخليط اليمانيا»
فما برحا حتى أجنا فروخهاوضما من العيدان رطباً وذاويا
إذا حمشاها بالوقود تغيظتعلى اللحم حتى تترك العظم باديا
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ظعنت وودعت الخليط اليمانيا»

وله:

من الأثل أما ظلها فهو بارزأثيث وأما نبتها فأنيق
لها هدبات فوق ميثاء سهلةنواعم ما في ظلهن فتوق

جمع هدبة، وهي أغصان الأثل والأرض.

شاعر:

لعمرك إنني لأحب نجداًولست أرى إلى نجد سبيلا
خليلي اقعدا لي عللانيوضما من وسادي أن تميلا
ألم تريا جنوحي واعتماديعلى الأحشاء والصبر الجميلا

خرج المهدي يتصيد، فعاربه فرسه حتى دفع إلى خباء أعرابي، فقال: يا أعرابي، هل من قرىً؟ قال: نعم، فأخرج له فضلة من ملة فأكلها، وفضلة من كرش فيه لبن فسقاه، ثم أتاه بنبيذ في زكرة فسقاه قعباً، فلما شرب المهدي قال: يا أعرابي، أتدري من أنا؟ قال: لا، قال: أنا من خدم الخاصة، فقال: بارك الله لك في موضعك، ثم سقاه آخر فلما شربه قال: يا أعرابي، أتدري من أنا؟ قال: نعم، زعمت أنك من خدم الخاصة: قال: لا بل أنا من قواد أمير المؤمنين، فقال: رحبت دارك، وطاب مزارك، ثم سقاه قدحاً ثالثاً، فلما فرغ منه قال: يا أعرابي، أتدري من أنا؟ قال: زعمت أنك من القواد، قال: لا ولكني أمير المؤمنين، فاخذ الأعرابي الزكرة فأوكاها وقال: والله لئن شربت الرابع لتقولن إنك رسول الله، فضحك المهدي، وأحاطت به الخيل وأبناء الملوك والأشراف، فطار لب

الأعرابي، فقال له المهدي: لا بأس عليك، وأمر له بصلة.

لعوف بن محلم:

أفي كل عام غربة ونزوحأما للنوى من ونية فتريح
للشاعر عوف بن محلم الخزاعي، من قصيدة «أفي كل عام غربة ونزوح»
لقد طلح البين المشت ركائبيفهل أرين البين وهو طليح
للشاعر أبو سعيد الحجري، من قصيدة «تخميس أبيات عوف بن محلّم»
وأرقني بالري نوح حمامةفنحت وذو الشجو الحزين ينوح
على أنها ناحت ولم تذر عبرةونحت وأسراب الدموع سفوح
للشاعر أبو سعيد الحجري، من قصيدة «تخميس أبيات عوف بن محلّم»
وناحت وفراخاها بحيث تراهماومن دون أفراخي مهامه فيح
عسى جود عبد الله أن يعكس النوىفتلقى عصا التطواف وهي طريح
فإن الغنى يدني الفتى من صديقهوعدم الفتى للمقترين طروح
للشاعر عوف بن محلم الخزاعي، من قصيدة «أفي كل عام غربة ونزوح»

قال أنس بن مالك لمصعب بن الزبير في رجل من الأنصار: احفظ فينا وصية النبي ﷺ، قال: فنزل مصعب عن سريره وتمرغ في التراب ووضع خده على الأرض وقضى حاجته.

مرداس السلمي:

وغيث خصيب ماؤه تحت بقلهيروعني منه غراب وناهق
تبطنته والطير في وكناتهايدافع ركني سائم الطرف ناتق
قويرح أعوام كأن سراتهسراة طراف مددته الجوالق

قال محمد بن يزيد الأموي البشري - من ولد بشر بن مروان يصف حماراً اصطاده:

يظل مفارقاً للعين يكبوومن دفع الدماء له إزار
كأن النقع ممتداً عليهرواق في حواشيه احمرار

قال الحجاج: أيها الناس، اتقوا الغبار فإنه سريع الدخول بطيء الخروج.

شاعر:

لا أستلذ حديث غانيةوأرى حديثك كله حسناً
ووعدتني وعداً فخست بهومطلتني فكفى بذا حزنا

آخر:

بكيت الجياد وفرسانهافلم أبك كالفرس الأبلق
رمته المنايا فماذا رمتمن الجري والحسب المعرق
طويل الذراع قصير الكراعإذا شاهد الجري لم يسبق
كميت تجول على متنهأساريع من لونه المشرق
وكانت به الريح مغلولةمتى ما تخص بحره تغرق
وأدنى الشآبيب من جريهإذا انهل كالعارض المطلق

قال ابن المعتز: أخبرني اسماعيل بن يحيى قال، حدثنا مؤرج قال: كان زكريا بن حسان من بني ربيعة بن مالك غرس فسائل له حتى إذا حسنت رمى عنهن يعني سافر عنهن - فمكث زماناً طويلاً فظن أنهن قد هلكن، فأتاهن فرآهن يتسامين فقال:

كأنها وهي تناهى بالعبلغيد العذارى برزت من الحجل
يرسلن للورد إذا الساقي غفلأرشية لم يثنها متن الحيل
تنفي حصى البيداء عن نجل غللمعتلج لا ثمد ولا وشل
فهي ترامى ثقلاً بعد ثقلفمرتقيها خائف على وجل
من يهو منها يهومن مهوى زللناء من الأرض بعيد المنتقل

قال ابن المعتز: من فضائل الليل التهجد الذي مدح الله أنبيائه به فقال: " كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون " الذاريات:، وفي الليل تنقطع الأشغال، وتجم الأذهان، وتدر الخواطر، ويتسع مجال القلب، والليل أضوأ في مذاهب الفكر، وأخفى لعمل البر، وأعون على السر، وأصح لتلاوة

الذكر، قال الله تعالى: " إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلاً " المزمل:، وقال الشاعر:

ولم أر مثل الليل جنة فاتكإذا هم أمضى، أو غنيمة ناسك

وفيه ينجو الهارب، ويدرك الطالب، ويفرق بين الشجاع والجبان.

قال أبو دلف:

أنا ابن الليل والخيلفنزال ورحال
وللأبطال قتالوللأثقال حمال

بشار:

قد نام واش وغاب ذو حسدفاشرب هنيئاً خلا لك العطن
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «قد نام واش وغاب ذو حسد»

آخر:

ومنادم نبهتهوالليل ملتف الستور
فكأنه متعلقطرباً بأجنحة النسور

قال أبو هفان: رأى أبو نواس في سوق الكرخ غلماناً فقال: أما ننظر إلى الظباء، طوبى لمن كان جليس هؤلاء، واحسرتي عليهم إذ لا سبيل إليهم.

قيل لعبد العزيز بن عمر: إن بنيك يشربون، فقال: صفوهم، فقالوا: أما فلان فإن يتقيأ في ثيابه فقال وهذا يدعو النبيذ قالوا وأما فلان فإذا شرب خرق ثيابه وثياب من معه وعربد، قال: هذا النبيذ، قالوا: وأما فلان فأسكن ما يكون وأحلمه، ولا ينال أحداً بسوء، قال: هذا لا يدع النبيذ.

سلم رجل على إبراهيم القارئ فقال: كم تسلم علي؟! سلفني سلام شهر وأرحني.

قال رجل للشعبي: ما زلت أطلبك، فقال: وما زلت فأراً منك.

قال آخر: الإخوان بمنزلة النار، قليلها متاع، وكثيرها صداع.

قال الأحنف: كانت المودة قبل اليوم محضاً، فليتها اليوم كانت مذقاً.

لابن همام السلولي:

حصر إن يسيل خيراً لم يجدوإذا ما سال الناس ألح
كحمار السوء إن أشبعتهعض من نال وإن جاع رمح
أقرب الأشياء من أخلاقهكل لون لونت قوس قزح

وقال آخر: ما احتنك قط رجل إلا أحب الخلوة.

قال ابن المعتز: سمع الصوفي قول إبراهيم بن العباس الصولي:

أبا جعفر خف نبوة بعد دولةوخفض قليلا من مدى غلوائكا
فإن يك هذا اليوم يوماً حويتهفإن رجائي في غد كرجائكا
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

فقال: هذا رجل موسر من الفطنة.

وسألت الصوفي عن ابن منارة فقال: ذاك في عقله خمسون كلباً سوى السنانير، كذا قال ابن المعتز.

وقالوا: لا تجالس عدوك فإنه يحفظ عيوبك، ويماريك في صوابك.

وقالوا: من استضاف بخيلاً استغنى عن الكنيف.

وقال آخر: البغيض إذا بغض نفسه فإن أعوانه على ذلك كثير.

قال عبد الله بن أحمد بن يوسف: دخلت على ابن منارة وبين يديه كتاب فقلت: ما هذا؟ فقال: هذا كتاب عملته مدخلاً إلى التوراة، فناظرته فيه وقلت: الناس ينكرون هذا، فقال: الناس كلهم جهال، قلت: فأنت إذن ضدهم؟ قال: نعم، قلت: فينبغي أن يكون ضدهم جاهلاً عندهم؟ قال: صدقت، قلت: قد ثبت أنك جاهل بإجماع الناس والناس جهال بقولك.

عثر بعض أصحابنا في مجلس ثم عثر بعده آخر، فقال الصوفي: أرانا نعاشر قوماً تطرح قوائم.

منصور بن باذان:

وليس يخفى عليكممن المنازل طينه
ولو رأيتم دخاناًفي البحر صرتم سفينه

قال الأصمعي: عوتب أعرابي على التطفيل فقال: إنما بنيت

المنازل لتدخل، ووضعت الموائد لتؤكل، وما لي لا أدخل وأقعد مستأنساً، وأبسط وجهي إذا كان رب البيت عابساً.

تطفل قوم على مزبد وهو يطبخ قدراً له، فنشل أحدهم قطعة لحم فأكلها وقال: تحتاج إلى خل، ونشل الآخر أخرى فأكلها وقال: تحتاج إلى أبزار، وفعل آخر مثل ذلك وقال: تحتاج إلى ملح، فأخذ مزبد قطعة فأكلها وقال: تحتاج إلى لحم، فضحكوا وقاموا عنه.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البصائر والذخائر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.