تجاوز إلى المحتوى

من «البصائر والذخائر» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)

الجزء الثامن (١٠)

خرج إسماعيل بن إبراهيم إلى أخيه إسحاق بن إبراهيم، ﵈، يطالبه بميراثه عن أبيه إبراهيم ﵇ فقال: أما ترضى وأنت ابن أمتنا أن لا نستعبدك حتى تأتي وتطلب ميراثاً؟! فأوحى الله إلى إسماعيل: وعزتي وجلالي لأخرجن من صلبك من يستعبد أولاد إسحاق إلى يوم القيامة.

قيل لجمعة الإيادية: أي الرجال أحب إليك؟ قالت: أحب الحر النجيب، السهل القريب، السخي الأريب، المصقع الخطيب، الشجاع المهيب.

شاعر:

أريب يغض الطرف لا من غضاضةولكن كبرا أن يقال به كبر

قيل للكلب: أنت تأكل عظاماً وتخرا عظاما، فأيش ربحك؟ قال: أدولب! قال فضيل بن عياض: من لم يصلح على تدبير الله لم يصلح على تدبير نفسه.

قبل لمالك بن دينار. لو تزوجت، قال: لو استطعت لطلقت نفسي.

قال عبد الملك بن مروان: الهدية السحر الحلال.

دعا أعرابي على آخر فقال: صرد الله عليك المشرب، وأفقدك الأقرب.

ودعا أعرابي فقال: إن كنت كاذباً فلا سقيت هاطل الدر، ولا وقيت حادثة الدهر.

قال أعرابي لآخر: لا جادتك السماء بقطرة، ولا باتت بفنائك ذات بعرة، ولا حلبت ذات خف درة، فأماتك الله بهم وحسرة، باذلاً خيار الأسرة، ولا دراً عنك من ذي شر شره: إن كنت ظلمتني مد شعير أو صاع بر.

قيل في قوله تعالى: " إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم " النمل:، أي أنه من تعلمون؛ وقيل في قوله تعالى: " وترى الناس سكارى وما هم بسكارى " الحج:، فلما عرف المعنى حمل على أن قوله: " تراهم سكارى " من الهول وليسوا بسكارى من الشرب؛ وقوله: " لا يموت فيها ولا يحيا " طه:، لا يموت موت الراحة، ولا يحيا حياة المنفعة.

وقال بعض العلماء: يقوم الشيء مقام الشيء، منه قولهم: إسحاق ذبيح الله ولم يذبح قال: " والله ورسوله أحق أن يرضوه " التوبة:، ولم يقل يرضوهما إذ كان رضاه رضى رسوله.

سئل عمرو بن عبيد عن النبيذ فقال: إن الأشياء المألوفة والمعروفة والمأكولة والمشروبة وجميع الأغذية حلال حتى يجيء ما يحرمها، وليست بحرام حتى يجيء ما يحللها، وكانت الخمر حلالاً حتى جاء ما حرمها، فإن وجدنا في غيرها مثل ما وجدنا فيها فسبيله سبيلها، وإلا فالحرام حرام والحلال حلال؛ إن الله تعالى حرم الخمر لعلل معروفة وعللك مجهولة، فلذلك صار تحريمها تعبداً، وقد جدنا مسكرة في وقت هي فيه حلال ومسكرة في الوقت الذي يليه وهي فيه حرام، ولم يحسوا من طبائعهم تغيراً، ولو كانت العلة الإسكار وما يصنع السكر في الأموال وما يحدث من الشغل عن الصلاة والذكر لكان هذا موجوداً في طبعها وطبائع شاربيها قبل تجريمها، فدل ذلك على أنها حرمت لعلل مجهولة كما حرمت لعلل معلومة، ولا يقيس على المجهول إلا جاهل.

وقال: الحرام حرامان: حرام في حجة العقل وحرام في حجة السمع، فالذي في حجة العقل على ضربين: أحدهما حرام بعينه وفي عينه فقط، والآخر حرام لعلة مركبة فيه؛ فالحرام في عينه كالكذب والظلم وما لا يجوز أن ننتقل عنه أبداً، والحرام الآخر كذبح البهائم وذبح إبراهيم لإسحاق، لأن الذي حرمه على الإنسان عجزه عن تعويض المذبوح وأنه ليس له امتحان غيره بشيء يحدثه، ولا نعرف مقادير الامتحان ومصالحه، فلما أمر به مالك التعويض والذي له أن يمتحن ويعرف ظاهر المصلحة وباطنها حسن ذلك وجاز.

قال: والحرام في السمع على ضربين: منصوص ومستخرج، فالمنصوص على ضربين: منه حرام لغير علة ومنه حرام لعلة، فما كان منهما لغير علة لم يكن لأحد أن يقيس عليه، وليس فيه متعلق، وما كان ذا علة فالقياس أن كل شيء فيه تلك العلة أنه حرام مثله.

قيل لهند: أي الرجال أحب إليك؟ قالت: أحب الرحب الذراع، الطويل الباع، السخي النفاع، الممتنع الدفاع، الدهثم المطاع، البطل الشجاع.

قال الهيثم بن عدي: زار رجل عمر بن عبيد الله بن معمر القرشي وهو على فارس فلم يحل منه بطائل، فأنشد يقول:

رأيت أبا حفص تجهم مقدميولط بقولي عذرة أو مواربا
فلا تحسبني إن تجهم مقدميأرى ذاك عاراً أو أرى الخير ذاهبا
ومثلي إذا ما بلدة لم تواتهترحل عنها واستدام المعاتبا

ثم مضى، فبلغت الأبيات ابن معمر، فرده، وقال له: ما حملك على هذه الأبيات؟ أبيني وبينك قرابة؟ قال: لا، قال: فصهر؟ قال: لا، قال:

فجوار؟ قال: لا، قال: فذمام؟ قال: نعم، قال، قال: ما هو؟ قال: كنت أدخل المسجد كل جمعة فأتخلل الصفوف حتى آتي صفك فأجلس إلى جانبك، قال: لقد متت بما يحفظ، كم أقمت ببابي؟ قال: أربعين ليلة، فأمر له بأربعين ألف درهم وكساه وحمله، فقال:

جزى الله خيراً والجزاء يكفهعن الزور يأتيه الجواد ابن معمر
تذمم إذ عاتبته ثم نالنيبما شئت من مال وبرد محبر

قيل لجمعة: أي السحاب أحسن؟ قالت: زجل ركام ملتف، أسحم وحاف مسف، يكاد يمسه من قام بالكف.

شاعر:

أما ترى الأرض قد أعطتك عذرتهامخضرة واكتسى بالنور عاريها
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «أما ترى الأرض قد أعطتك زهرتها»
فللسماء بكاء في جوانبهاوللربيع ابتسام في نواحيها
للشاعر ابن بسام البغدادي، اقرأ القصيدة

مضرس بن ربعي:

وفتيان بنيت لهم خباءعلى قوسين طماحاً نزوحا
كأنا رابطون به فلوشديد النزو قماصاً رموحا
للشاعر مضرس بن ربعي الأسدي، اقرأ القصيدة
تبوئه وتهتكه عليناسموم تسفع الوجه الوضوحا
فلما أن تمشى النوم فيهموكان النوم عندهم ربيحا
هتكت سماءه والظل آزوما أنظرته حتى يسيحا

آز: أي مرتفع

قال ابن المعتز في مخاطبه بعض أصحابه: لو كنت أعلم أنك تحب معرفة خبري لم أبخل به عليك، ولو طمعت في جوابك لسألت عن خبرك، ولو رجوت العتبى منك لأكثرت عتابك، ولو ملكت الخواطر لم آذن لنفسي في ذكرك، ولولا أن يضيع وصف الشوق لأطلت به كتابي، ولولا أن عز السلطان يشغلك عني لشغلك سروري به، والسلام.

أنشد المرزباني:

فلو أني أستزدتك فوق ما بيمن البلوى لأعوزك المزيد
ولو عرضت على الموتى حياتيبعيش مثل عيشي لم يريدوا
للشاعر راضي القزويني، اقرأ القصيدة

قيل لهند: أي السحاب أحب إليك؟ قالت: أحب كل صبيب دلاح، مثعنجر نضاج، متجاوب نواح، كأن برقه مصباح.

قال المفجع: تفاخر رجلان من بني هلال فقال أحدهما: والله الذي لا إله إلا هو ما اتخذت في إبلي قط عصا غير هذه مذ كنت فيها، فقال الآخر: تعست، والذي لا إله إلا هو ما اتخذت في إبلي عصا قط. وإما قول

الشاعر:

صلب العصا بالنخس قد دماهاإذا أرادت رشداً أغواها

تحسبه من إلفه أخاها

فإنه يعني بالعصا ها هنا نفسه، يقال: فلان صلب العصا إذا كانت فيه بقية من قوة، وقال: الرشيد والغوي ضربان من النبت، فيقول: إذا رعت هذا عطفها إلى هذا مخافة أن تبشم.

قال المفجع: يقال: بعير جذع - بالجيم والذال - الذي ركب صغيراً فقطعه ذلك عن النماء وأوهنه، ولا يكاد جسمه ينمي.

ويقال: محوى وحواء، مثل حوى وأحويه للموضع الذي يجتمعون فيه.

وكان يقال: اثنان لا يجتمعان: القنوع والحسد، واثنان لا يفترقان أبداً: الحرص والفجور.

قيل لجمعة: أي الخيل أحب إليك؟ قالت: أبغض كل بليد، وارم الوريد، لا ينجيك هارباً، ولا يظفرك طالباً، ولا يسرك شاهداً ولا غائباً.

وقيل لها: أي النوق أحب إليك؟ وقالت: كل ناقة علكوم،

علنداة كتوم، مثل البازل المحجوم، القطم العيهوم.

كاتب: الوعد نافلة والإنجاز فريضة، فلا تفرضن على نفسك وعداً لا تنوي إنجازه، فيعود ما طلبت من المحمدة ذماً، ومن المصافاة معاداة، فإن الأول يقول: وفور العرض خلف من اكتساب المال والذم، وقد تعرض للذم من تبرع بالمواعيد.

قال رجل لأعرابي من بني عذرة: ما بال قلوبكم كأنها قلوب طير تنماث في الهوى كما يذوب الملح في الماء؟ قال: لأنا والله نرى محاجر أعين لا ترونها.

وقيل لبخيل: من أشجع الناس؟ قال: من يسمع وقع أضراس الناس على طعامه ولا تنشق مرارته.

كاتب: عز نفسك بما تعزي به غيرك، واستقبح من فعلك ما تستقبحه من مثلك، وتناول حظك إذا قرب منك قبل أن تطلبه وقد نأى عنك، واعلم أن أمض المصائب فقد سرور وحرمان أجر، فكيف إذا اجتمعا مع اكتساب وزر؟

كاتب: الصبر ينجز لك الموعود، والجزع لا يرد عليك المفقود، فليسبق صبرك جزعك، تسلم من المصيبة بالأجر، وإلا رجعت إليه بعد الفوت حسيراً.

قال بعض الحكماء: العلوم ثلاثة: علم يرفع، وعلم ينفع، وعلم يزين، الرافع الفقه، والنافع الطب، والمزين الأدب.

كان بمرو قاص جيد الكلام، فكان إذا طال مجلسه بالبكاء يخرج من كمه طنبوراً صغيراً وينقره ويقول: مع هذا الغم الطويل يحتاج إلى فرح ساعة.

سمعت بعض المشايخ يقول: فعيل يكون بمعنى فاعل، وربما اشتركا فيه وربما غلب فعيل؛ فمما يشتركان فيه: ضمن فهو ضامن وضمين، ورشد فهو راشد ورشيد، وعلم فهو عالم وعليم؛ وربما غلب عليه فقيل: كثر فهو كثير، وقل فهو قليل، وصح فهو صحيح، ومرض فهو مريض، وعتق فهو عتيق.

ويكون فعيل بمعنى مفعول: فهو خضيب ودهين وكحيل وقتيل ولديغ، فأما السليم فليس من هذا. وهذا الجنس إذا كان فيه نعت المؤنث لم تلحقه الهاء، وإنما لم يلحقوها به لأنهم عدلوه عن مكحولة ومدهونة. وقد كانت الهاء سبقت إلى فعيل الذي يشارك فاعلا، في مثل مريضة وضمنية، فحذفوها،

وهذا ليفرقوا بينهما، فإن لم يذكر المؤنث قيل: هذه قبيلة بني فلان، فلحقتها الهاء وقد جاء بغير هاء. ويكون اسماً غير مشتق مثل: شعير وقفير وبعير وجريب ونصيب، ويقع فيه ما أصله مشتق فيجري مجرى الاسم المحض مثل: قليب، كأنها سميت لأنه قلب ما أخرج منها، ثم صار اسماً لازماً. ويكون مصدراً في الأصوات وغيرها مثل: نهيق وشحيج وصهيل وصريف وخبير ورجيب. ويكون بمعنى الجمع وهو قليل مثل: حمير ونفير ومعير. ويكون بمعنى مفاعل، وهو من المعارضة في مثل: شبيه ونظير وعديل وقرين، ومنه: شريك وأكيل وشريب وقسيم.

ويكون بمعنى مفعل نحو قوله: " بديع السماوات " البقرة: يعني: مبدع، وكقوله عمرو بن معدي كرب: أمن ريحانة الداعي السميع قال أهل اللغة: أراد المسمع، وقال أبو عبيدة في " عذاب أليم " البقرة:: أي مؤلم.

ويكون بمعنى مفعل مثل: عقيد، فإنهم يقولون: أعقدت العسل فهو معقد، وحبل بريم أي مبرم، وعتيد أي معتد.

ويكون بمعنى مفعل مثل: وكلته فهو وكيل وموكل، ومن هذا قيل: موسى كليم الله، وكذلك جريء في معنى وكيل، لأنك جرأته على خصمه.

ويكون بمعنى مستفعل، مثل: استوزر فهو وزير، واستشهد فهو شهيد، واستأجرت أجيراً فهو أجير.

ويكون بمعنى مفتعل مثل: صفي من مصطفى، وعميد من معتمد.

ويكون بمعنى مفعول اسما لازماً مثل: فريسة السبع، وأكيلة الذئب، والذبيحة: الشاة تعد للذبح، والبكلية: تمر يخلط بلبن، والربيكة، دقيق يخلط مع لبن وتمر، والسبيخة: القطعة الملفوفة من القطن المندوفة، ومثلها من الشعر القليلة. ويجوز أن تكون فريسة بمعنى مفترس ومفترسة كالذخيرة بمعنى مدخرة.

ويكون بمعنى فعال مثل: عقيم وعقام، وبخيل وبخال، وكهيم وكهام.

ويكون مشاركاً لفعل مثل: لسان ذلق وذليق، وبهج وبهيج، ولبق ولبيق، وشنع وشنيع.

ويقع موقع المصدر: كالحريق والوعيد.

ويكون واحداً وجمعاً في الصفات مثل: صديق ورفيق، وقد يجمع، قال الله تعالى: " وحسن أولئك رفيقاً " النساء:.

ويكون نعتاً، فإذا أخبرت أنك قد دخلت تحته ولحقت بأهله ضممت عين الفعل، تقول: فقهت وعلمت، وإذا أخبرت أنك علمت شيئاً بعينه أو أشياء قلت: قد علمت ذلك.

ويكون بمعنى جمع مشتق من اسمه مثل: عدي وذكي وعري ونجي قال الله تعالى: " خلصوا نجيا " يوسف:.

مر الفرزدق بخالد بن صفوان فقال: يا خالد، لو رأتك بنت شعيب ما قالت: " يا أبة استأجره، إن خير من استأجرت القوي الأمين " القصص:، قال: وأنت يا أبا فراس، لو رأينك صويحبات يوسف

لما أكبرنك ولا قطعن أيديهن.

لجميل بن معمر:

هواك بقلبي يا بثينة كالذيأناخ فأحيا العرق وهو دفين

الذي أناخ المطر، والعرق: عرق النخلة والشجر والزرع وغير ذلك.

قيل لحماد الراوية: أما تشبع من هذه العلوم؟ فقال: استفرغنا المجهود، فلما بلغنا المحدود، كنا كما قال الشاعر: إذا قطعنا علما بدا علم ابن الأعرابي قال: قيل لبعض أعراب بلحارث بن كعب: ما البلاغة؟ قال: السلاطة والإصابة والجزالة؛ أراد بالسلاطة: الجرأة على الكلام.

وأنشد:

ولما عصيت العاذلين ولم أبلمقالتهم ألقوا على غاربي حبلي
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة
وهازئة مني تود لو ابنهاعلى شيمتي أو أن قيمها مثلي
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة

ويقال: شيئان لا يتفقان أبداً: الحرص والقحة. ولست أعرف معنى هذا الكلام لأني لا أرى حريصاً إلا وقحاً.

ويقال: المقدم في الحذق متأخر في الرزق.

قيل لحكيم: ما البلاغة؟ قال: تصحيح الأقسام واختيار الكلام.

كان أبو حية النميري كذاباً، قال مرة: رميت ظبية فلما نفذ السهم ذكرت حبيبة لي شبهتها بها فتبعت السهم فأخذته.

وقال مرة أخرى: عن لي ظبي فرميته فراغ عن سهمي فعارضه، فراغ ثانية فلم يزل السهم يراوغه حتى صرعه ببعض الخبارات.

شاعر:

بان الشباب وكل شيء بائنوالمرء مرتهن بما هو كائن
للشاعر البحتري، من قصيدة «بان الشباب وكل شيء بائن»
ظعنت به أيامه وشهورهإن المقيم على الحوادث ظاعن
للشاعر البحتري، من قصيدة «بان الشباب وكل شيء بائن»
ذهب الشباب وغاض ماء فرندهفاليوم منه كل صاف آجن
درست محاسنه وطار عرابهولقد تكون له عليك محاسن
خان الزمان أخاك في لذاتهإن الزمان لكل حر خائن
للشاعر البحتري، من قصيدة «بان الشباب وكل شيء بائن»

قال يونس: لو أمرنا بالجزع لصبرنا، واعلم أن هذه الأمور لا

تملك ولا تدرك إلا برحب الذراع.

ويقال: لا يزال الناس بخير ما تباينوا، فإذا تساووا هلكوا.

يقال: إن مع الثروة التحاسد والتخاذل، ومع القلة التحاشد والتناصر.

قال طريح:

إن يعلموا الخير يخفوه وإن علمواشرا أذيع وإن لم يعلموا كذبوا

قال أعرابي: من عاب سفله فقد رفعه، ومن عاب شريفاً فقد وضع من نفسه.

شاعر:

يؤمل حسن الثناء البخيلولم يرزق الله ذاك البخيلا
وكيف يسود أخو بطنهيمن كثيراً ويعطي قليلا

شاعر:

نعماك في عنق الزمان قلادةوعلى يمين الجود منك سوار
رسخ امتداحك في ثرى أكبادناوكأن مدحك بيننا استغفار

أصاب رجل رغيفين وعراقين فأكل رغيفاً وعراقاً، وأدركه بنوه وكانوا ثلاثة، وكلهم طلب ما بقي وذكر حاجته، فقال: ليصف كل واحد منكم كيف يأكله، فأيكم كان أعرف بأكله فهو أحق به، فقال الأول: أنا آكله حتى لا أدع فيه للذرة مقيلا، وقال الثاني: أنا آكله حتى يمر به المار فلا يدري أعظم العام هو أم عظم العام الأول، وقال الثالث، أما أنا فأجعل عظمه إداماً للحمه، فقال له: أنت صاحبه.

قال أعرابي: الجلل الذاهب عن المقدار صغراً أو كبرا.

شاعر يمدح الفضل بن يحيى:

مضى الفضل والإسلام واليأس والندىغداة غدا الفضل بن يحيى إلى الحفره
فصرن له في قبره مؤنساتهكما كن أيام الحياة له حبره
وألبست الدنيا قتاماً لفقدهوكانت بوجه الفضل ظاهرة النضره
فقل للذي يسعى ليدرك شأوهلقد رمت أمراً دونه تحسر القدره

يقال: خوت النجوم تخوية إذا انصبت لتغور.

لعتبة بن أبي لهب:

إنا أناس من سجيتناصدق الكلام ورأينا حتم

شاعر:

حسب الكذوب من البلية بعض ما يحكى عليه
فمتى سمعت بكذبةمن غيره نسبت إليه

وقال الرشيد للفضل بن الربيع في بعض ما كلمه به: كذبت، فقال: يا أمير المؤمنين، وجه الكذاب لا يقابلك، ولسانه لا يقاولك.

قال ابن الأعرابي: يقال: قد سوم فلان غلامه تسويماً، إذا تركه يصنع ما يشاء، وسوم نفسه، وأسام الرجل ماشيته، وفلان يأبى أن يسام خطة الضيم.

ويقال: آرتثا على الرجل رأيه إذا اختلط، أصله من رثيئة اللبن؛ وفي المثل: إن الرثيئة مما يفثأ الغضب.

قال كسرى: الرأي الحزم، فإذا وضح الحزم فاعزم.

قيل للشام شام لأنه شام الكعبة، وبكة، قيل إن الأصل هو الباء لأن الناس يبك بعضهم بعضاً، يقال: ابتك القوم: إذا ازدحموا، ومنى

لما يمنى فيه من الدم، والجمرات: لما يجمع فيها من الحصى، والتجمير: الاجتماع، ومنه: لا تجمروا المسلمين فتفتنوهم وتفتنوا نساءهم، أي لا تجمعوهم في المغازي، ولكن ليخلف قوم قوماً.

قال أبو عبيدة في قوله: " إنك لن تخرق الارض " الإسراء:: أي لن تقطع الأرض، والخرق: القطع.

وأنشد:

لله قومي معشراًأفنوا عدوهم اصطلاما
لا يتركون لوارثإلا سناناً أو حساما
أو مقربات بالقناتمريهم عاماً فعاما
ما ذاك من عدم بهملكنهم خلقوا كراما

ولى الحجاج بن يوسف وهرام بن يزداد أصفهان، وكان ابن عم كاتبه زاذان فروخ المجوسي، فكتب من أصفهان إلى الحجاج كتاباً وصف له فيه اختلال حال أصفهان، وسأله النظر إليهم بنقص خراجهم، فكتب إليه الحجاج: أما بعد، فإني استعملتك يا وهرام على أصفهان، أوسع المملكة

رقعة وعملا، وأكثرها خراجاً بعد فارس والأهواز، وأزكاها أرضاً، حشيشها الزعفران والورد، وجبلها الفضة والإثمد، وأشجارها الجوز واللوز والكروم الكريمة والفواكه العذبة، ذبابها عوامل العسل، وماؤها فرات، وخيلها الماذيات الجياد، أنظف بلاد الله طعاماً، وألطفها شراباً، وأصحها تراباً، وأوفقها هواء، وأرخصها لحماً، وأطوعها أهلاً، وأكثرها صيداً، فأنخت يا وهرام عليها بكلكلك حتى اضطر أهلها إلى مسألتك ما سألت لهم، لتفوز بما يوضع عنهم، فإن كان ذلك باطلاً - ولا أبعدك عن ظن السوء - فزد وتعلم، وإن صدقت في بعضه فقد أخرجت البلاد؛ أتظن يا وهرام أنا ننفذ لك ما موهت وسخرت من القول وقعدت تشير علنا به؟ فعض يا وهرام على هن أبيك وحرامك، وايم الله لتبعثن إلي خراج أصفهان كله وإلا جعلتك طوابيق على أبواب مدينتها، فاختر لنفسك أوفق الأمرين أو رد، والسلام.

قال بن أبي فنن، قال لي المتوكل: ثيابك يا أحمد في رزمة أو تخت؟ قلت: في رزمة، قال: لا تفعل فهي في التخت أبقى وأنقى.

وقال المتوكل: ابن أبي فنن فأرة مسك.

قال الحسين بن الضحاك: عتب علي المعتصم فقال: والله لأؤدبنه، فحجبني، فكتبت إليه:

غضب الإمام أشد من أدبهوبه استعذت وعذت من غضبه
أصبحت معتصماً بمعتصمأثنى الإله عليه في كتبه
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
لا والذي لم يبق لي سبباًأرجو النجاة به سوى سببه
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
ما لي شفيع غير رحمتهولكل من أشفى على عطبه

فالتفت إلى هارون الواثق فقال: بمثل هذا الكلام يستعطف الكرام.

قال محمد بن محمد بن عباد البصري، قال لي المأمون: بلغني أن فيك سرفاً، فقلت: منع الموجود سوء ظن بالمعبود.

لأشجع:

تريد الملوك مدى جعفرولا يصنعون كما يصنع
وليس بأوسعهم في الغنىولكن معروفة أوسع
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة
وكيف ينالون غاياتهوهم يجمعون ولا يجمع
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة

آخر:

وقائلة لم عرتك الهموموأمرك ممتثل في الأمم
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «وقائلة لم عرتك الهموم»
فقلت دعيني على غصتيفإن الهموم بقدر الهمم

رأيت هذين البيتين في دفتر في جلود كتب أيام بني مروان، ورأيت بعض الرؤساء يدعيهما ويعجب بهما ويعجب له من ذلك، فقلت لبعض الشيوخ من ندمائه: إن الحال فيما أنشد كيت وكيت، فقال لي: لا تتكلم، فإن ما وقفنا موقفنا هذا قط إلا أسعطنا المكروه، وحملنا على الكذب، وكلفنا تحسين القبيح وتحقيق الباطل، وما عيب الرئاسة إلا ما يشوبها من هذه الخلال الحائفة عليها الناقصة منها، ولو عرفت يا بني ما نعرف لما خففت إلى ما نخف إليه؛ احمد الله على ما انطوى عنك، وسله السلامة فيما بدا لك، واعلم أن من أراد فناء الرؤساء صبر على الخشناء والعوصاء.

كاتب: أظلني من مولاي عارض غيث أخلف ودقه، وشاقني لائح غوث كذب برقه، فقل في حران ممحل أخطأه النوء، وحيران مظلم خذله الضوء.

هذا نمط متكلف.

قال أعرابي للحسن بن سهل: لا تدع إحسانك عندي خداجاً،

ولا تخلج معروفك إلي خلاجاً، ولا تسمني أن التمس ما قبلك علاجاً.

قال بعض السلف: أربعة أشياء من الدناءة: إقبالك على السفلة من أجل غناه، وإعراضك عن الشريف من أجل فقره.

قال بعض العلماء: الدلالة على أن الله تعالى أمر إبراهيم بما لا يريده أنه فداه بذبح عظيم.

قال أبو زيد البلخي في كتاب السياسة: إن السياسة صناعة، ثم هي من أجل الصناعات قدراً وأعلاها خطراً، إذ كانت صناعة بها تتهيأ عمارة البلاد، وحماية من فيها من العباد، وكل صانع من الناس فليس يستغني في إظهار مصنوعه عن خمسة أشياء تكون عللا لها: أحدها مادة له آلة ومادة يعمل بها؛ والثاني صورة ينحو بفعله نحوها؛ والثالث حركة يستعين بها في توحيد تلك الصورة بالمادة؛ والرابع غرض ينصبه في وهمه من أجله يفعل ما يفعل؛ والخامس آلة يستعملها في تحريك المادة. ومثال ذلك من صناعة البناء أن المادة التي يعمل منها البناء هي التراب والطين والحجارة والخشب، والصورة التي ينحوها بوهمه صورة البيت، والفاعل هو البناء، والغرض الذي من أجله يفعل سكنى البيت وإحراز ما يحرز فيه، والآلة التي بها يعمل هي آلات البناء. ومثال ذلك من صناعة الطب أن المادة التي يفعل به الطبيب إنما هي أجساد الناس المحتملة الصحة والسقم، والصورة التي ينحوها الطبيب بوهمه إنما هي

الصحة، والفاعل هو الطبيب المعالج، والغرض الذي بسببه يفعل الطبيب إنما هو بقاء جسم المعالج المدة التي تتهيأ له أن يبقاها، والشيء الذي يتخذه الطبيب آلة في المعالجة وإفادة الصحة هو كالفصد وسقي الأدوية. فإذا نقل هذا المثال إلى صناعة السياسة قلنا: إن المادة فيها أمور الرعية التي يتولى الملك القيام بها، والصورة فيها إنما هي المصلحة التي ينجو نحوها وهي نظير الصحة، لأن المصلحة هي صحة ما، والصحة مصلحة ما، وكذلك المفسدة سقم ما، والسقم مفسدة، والفاعل هو عناية الملك بما يباشره من أمور الرعية، وغرضه فيما يفعله هو بقاء المصلحة ودوامها، والشيء الذي يقوم له مقام الآلة في صناعته إنما هو الترغيب والترهيب: وفعل السائس الذي نظير المعالجة من الطبيب ينقسم بكليته إلى قسمين: أحدهما التعهد والآخر والاستصلاح؛ أما التعهد فحفظ المستقيم وأمور الرعية على استقامة وانتظام من الهدوء والسكون حتى لا يزول عن الصورة الفاضلة؛ وأما الاستصلاح فرد ما عارضه منها الفساد والاختلال إلى الصلاح والالتئام. ونظير هذا التعهد والاستصلاح في صناعة السياسة من صناعة الطب - التي هي سياسة الأجساد - حفظ الصحة وإعادة الصحة، وكما أن الطب كله مدرج في هذين البابين، كذلك السياسة كلها مدرجة في نظيريهما، يعني التعهد والاستصلاح.

وصف أعرابي نفسه بالحفظ فقال: كنت كالرملة لا يقطر عليها شيء إلا شربته.

قال بعض العلماء: المجادل يعرف بأحد الوجوه السبعة: بأن لا يذكر العلة، ومنها أن ينقض العلة، ومنها أن ينهي الكلام إلى محال، ومنها أن ينتقل في الكلام، ومنها أن يقول شيئاً يلزمه القول بمثله فيمتنع، وأن يجيب عن غير ما يسأل عنه، وأن يسكت للعجز.

العتابي: أما بعد، فقد دلف إليك أملي مستجيراً بك من الإعدام، على راحلة من الرجاء، يحدى بيمن الطائر، حتى أناخ بفناء جودك، فتعجل شكر ما أملته منك، تجن حلو ما استغرست لك.

قال الفرزدق لزياد الأعجم: يا أقلف، فقال زياد: يا ابن النمامة، أمك أخبرتك بهذا!! قال رجل للفرزدق: متى عهدك بالزنا؟ قال: مذ ماتت عجوزك، لا ﵂.

يقال: غشم الليل وأغشم، وعتم وأعتم، ودجا وأجى، وغسق وأغسق، وجنح وأجنح، وغطش وأغطش، وغبش وأغبش، كل هذا إذا أظلم.

قال أبو الحسن العامري: التعاون على البر داعية لاتفاق الآراء، واتفاق الآراء لإيجاد مجلبة المراد، مكسبة للوداد، وكما أن شر الناس

من من أبغض الناس، كذلك خير الناس من نفع الناس، ولا نفع مع السباب والتباغي، وأرفع الناس نية أقدرهم على استصلاح البرية، ومن عجز عن تقويم نفسه الخاصة فهو عن تقويم غيره أعجز، والتسرع إلى تكذيب الأقول آفة من آفات النفس، والطمأنينة بها قبل الاختبار مضادة لطريق الحزم، والإصرار على التوقف مذلة لسلطان العقل، ومن لم يخلص لسانه لضميره لم يخلص ضمير غيره له، ومن صبر على استبراء حقائق الأحوال فقد أيد نفسه بالسلامة من الضلال، ومن خفي موقع الطلبة قبله لم ينفعه قرب المطلوب منه، ومن اهتم لغير ما خلق له فقد بدل جوهره بجوهر سواه، وكما أن نور الحق أشرق وأجلى، فهو للعقول الرمدة أضر وأعشى، والمفلوج شخصه لا تستقيم حركاته، وهيهات من نيل السعادة مع الهوينا والبطالة.

يقال: ثلاثة أشياء تستجيب من الصغير وتكره من الكبير: البخل والجبن والحسد، يدل الحسد من الصغير على همة وهو قبيح من الكبير، والبخل يدل منه على حزم لأنه فيه حفظ وهو عيب من فوقه والجبن يدل على عقل لأن فيه حراسة نفسه.

قيل لبزر جمهر: ما بال تعظيمك لمؤدبك أشد من تعظيمك لأبيك؟ قال: لأن أبي كان سبب حياتي الفانية، ومؤبي سبب حياتي الباقية.

شاعر:

وما المرء إلا اثنان عقل ومنطقفمن فاته هذا وذاك فقد كفر
ولا سيما إن كان ممن نصيبهمن الدين والدنيا قليلا إذا حضر

كتب علي بن عيسى الوزير في توقيع له: قد بلغت لك أقصى مرادك، وأنلتك غاية بغتك، وسامحتك مسامحة محاب لك معني بك، وأنت مع ذلك تستقل كثيري لك، وتستقبح حسني فيك، فكيف وأنت كما قال رؤية:

كالحوث لا يكفيه شيء يلهمهيصبح ظمآن وفي البحر فمه
وإذا تأملت حقيقة أمرك علمت أنيعاملتك بما لا أجيب إليه غيرك

ولا أعامل بمثله سواك.

شاعر:

العالم العاقل إبن نفسهأغناه جنس علمه عن جنسه
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «العالم العاقل ابن نفسه»
من إنما حياته لنفسهفيومه أولى به من أمسه
كم بين من تكرمه لغيرهوبين من تكرمه لنفسه
للشاعر جريح المقل، اقرأ القصيدة

هذه الأبيات يرويها أصحابنا لابن معروف القاضي، وما سمعناها منه.

قال الزبير بن بكار، حدثنا العتبي قال، حدثني الحسن بن

وصيف قال: أصابتنا ريح ببغداد جاءت بما لم تأت به ريح قط حتى ظننا أنها تؤدي بنا إلى القيامة؛ قال: فجعلت أطلب المهدي خوفاً من أن يسقط عليه شيء، فألفيته ساجداً وهو يقول: اللهم احفظ فينا نبيك ﵇، ولا تشمت بنا أعداءنا من الأمم، وإن كنت يا رب أخذت العوام بذنبي فهذه ناصيتي بين يديك يا ارحم الراحمين مع الدعاء كثير حفظت هذا منه فلما أصبح تصدق بألف ألف درهم وأعتق مائة رقبة وأحج مائة رجل؛ قال: ففعل جلة قواده وبطانته والخيزران ومن أشبه هؤلاء في خاص مالهم كنحو ما فعل، فكان الناس بعد ذلك إذا ذكروا الخصب قالوا في أمثالهم: لأخصب من صبيحة ليلة الظلمة.

شاعر:

وما شيء أردت به اكتسابابأجمع للمعيشة من بيان
ما خمسة في سبعةمع سبع ذلك في مايه
وكمثل ذلك إذا أضفت إليه جزء ثمانيه
ما نصف ألف في القياس وربع ألف لا ميه
ألقيت ربع ثلاثةمنه فصح حسابيه
وضربت ما حصلتهفي نصف ثلث ثمانيه
فاتته صورة طبعهبكماله متواليه
إن غير الذي سواك كريموسوى من سوى سواك لئيم

يقال: برك الجمل، وربضت الشاة، وجثمت الأرنب، وجثمتها أنا إذا صبرتها. أي حبستها على الموت.

قال الزهري: يحكى أن عرفجة بن أسعد أصيب أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفاً من روق فأنتن، فأمره النبي ﷺ أن يتخذ أنفاً من ذهب؛ قال الأصمعي: اتخذ أنفاً من الورق أي ورق الشجر، فأما الورق فإنه لا ينتن؛ قيل: إن الأصمعي عني بالورق الرق الذي يكتب عليه، قال ابن قتيبة: كنت أحسب قول الأصمعي صحيحاً أنه لا ينتن حتى خبرني خبير أن الذهب لا يبليه الثرى ولا يصدئه الندى ولا تغلبه الأرض ولا يأكله التراب ولا يتغير ريحه علىالدول، وأنه ألطف شيء شخصاً وأثقل شيء وزنا، وقليلة يلقى في الزنبق فيرسب، وكثير غيره يلقى فيه فيطفو؛ وقال: الفضة تصدأ وتنتن وتبلى في الحرارة؛ وكتب عمر بن عبد العزيز في اليد إذا قطعت أن تختم بالذهب فإنه لا يقيح.

سئل الحسن البصري عن السلف في الزعفران فقال: إذا نقي.

قال دغفل: يفضل العرب على العجم بثلاث: بحفظ الأنساب وضياع أنسابهم، وعفتنا عن حرمنا إذا نكحوا حرمهم من الأمهات والأخوات، والفصاحة طبيعتنا والبيان سجيتنا.

شاعر:

لعل له عذراً وأنت تلوموكم لائم قد لام وهو مليم
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «لعل له عذرا وأنت تلوم»

قال ابن الأعرابي: النغف: دود يكون في أنوف الإبل والغنم، ولا يكون في البقر، الواحد منها نغفة.

قال: والعرب تقول للشيء المختلف فيه: محلف ومحنث.

شاعر:

أراني سأبدي عند أول سكرههواي لهند في خفاء وفي ستر
فإن رضيت كان الرضا سبب الهوىوإن غضبت حلمت أمري على السكر

نهى رسول الله ﵌ عن كسب المومسة والحجام. المومسة: الزانية.

يقال: النضنضة بطرف اللسان والشفتين، والمضمضة بالفم كله، والنضح كالرش، والنضخ كالتبليل، والقضم بالأسنان، والخضم بالفم كله.

قيل لأعرابي: لم تسمى الغراب غراباً؟ قال: لأنه نأى واغترب.

قال الأصمعي، قلت لأبي عمرو: الذفرى من الذفر؟ قال: نعم، والمعزي من المعز؛ والذفر: الرائحة الطيبة، فأما الذفر - بتسكين الفاء - فإنه النتن خاصة.

سأل المنصورعمرو بن عبيد عن قوله ﵇ فيمن اقتنى كلباً لغير زرع ولا حراسة أنه ينقص كل يوم من أجره قيراط؛ قال: كذا جاء، ولا أدري لم قال ذلك.

قال النبي صلى الله عليه وعلى آله: لا زمام ولا خزام ولا رهبانية ولاتبتل ولا سياحة في الإسلام، وهو معنى قوله ﷿ ما جعل عليكم في الدين من حرج.

قال عبد الله بن عمر: دخل يحيى بن زكريا بيت المقدس وهو ابن ثماني حجج فنظر إلى عبادها وقد لبسوا مدراع الشعر وبرانس الصوف، وقد

ثقبوا وسلكوا فيها السلاسل وشدوها إلى سواري المسجد، فهاله ذلك ورجع إلى أبويه، فمر بصبيان يلعبون فقالوا: يا يحيى، هلم فلنلعب، فقال: ما خلقنا للعب، فأتى أبويه فقال لهما: درعاني الشعر، ففعلا، ثم رجع إلى البيت المقدس فكان يخدمه نهاراً وليلاً حتى أتت له خمس وعشرون حجة، وأتاه الخوف فساح ولزم أطراف الأرض، في حديث طويل.

كان من حديث يسار الكواعب أنه كان عبداً لبعض العرب، وكان لمولاه بنات، فجعل يتعرض لهن ويريدهن على أنفسهن، فقلن: يا يسار، اشرب ألبان هذا اللقاح، ونم في ظلال هذه الخيام، وإياك والتعرض لبنات الأحرار، فأبى، فلما أكثر واعدنه ليلاً فأتاهن وقد أعددن له موسى، فلما خلا بهن قبض عليه فجببن مذاكيره.

شاعر:

شاتمني عبد بني مسمعفصنت عنه النفس والعرضا
ولم أجبه لاحتقاري بهمن ذا يعض الكلب إن عضا

سمع مطرف بن عبد الله ضجيج الناس بالدعاء فقال: لقد

ظننت أن الله قد غفر لهم، ذكرت أني فيهم فكففت.

قال بعض السلف: إن الدنيا قد استودقت، وإن الناس قد انغطوا، فما ظنك بعد هذين؟ كان للحكم ابن يتعاطى الشراب فقال: يا بني دع الشراب، فإنما هو قيء في شدقك، أو سلح في عقبك، أو حد في ظهرك.

قال ابن عباس: ما انتفعت بكلام أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله كانتفاعي بكلام علي بن أبي طالب ﵁؛ كتب إلي: أما بعد، فإن المرء يسره درك ما يفوته، ويسوؤه فوت ما لم يدركه، فليكن سرورك بما نلت من أمر آخرتك، وليكن أسفك على ما فاتك منها، وما أتاك من الدنيا فلا تكن به فرحاً، وما فاتك منها فلا تكن عليه جزعاً، وليكن همك لما بعد الموت.

لما استقضي يحيى بن أكثم جاءه رجل فقال: إني نذرت أن أتصدق بجزء مالي، قال: تصدق بربع مالك بقول الله تعالى: " فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً " البقرة:.

نذر المتوكل في علة إن وهب الله تعالى له العافية أن يتصدق بمال

كثير، فعوفي، فأحضر الفقهاء فاستفتاهم فقال قائل: تصدق بمائتي درهم لأن الزكاة فيها تجب، وقال آخر شيءاً آخر، فقال رجل من آل الرسول صلى الله عليه وعلى آله: إن كنت نويت الدنانير فتصدق بثمانين ديناراً، فقال الفقهاء: ما نعرف هذا في كتاب الله تعالى ولا سنة رسوله ﷺ، فقال: بلى، قال الله تعالى: " لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين " التوبة:، فعدوا وقائع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله فإذا هي ثمانون.

شاعر:

يلج بي الهوى وتلج نفسيوفيما بيننا كبد تذوب

استقرض كوفي من جار له شيئاً فطلب رهناً، فكتب إليه: لو كان الرهن حاضراً لكان بيعه أهون علينا من استيجاب حمدك.

قال الأول: فقر يوجعك خير من غنى يطغيك، وغنى يحجزك عن الإثم خير من فقر يحملك على الإثم.

قال ابن السماك: من لم يتحرز من عقله بعقله، هلك من قبل عقله.

أطعم الناس أبو سفيان في حجة الوداع فقصر طعامه فاستعان برسول الله صلى الله عليه وعلى آله فأعانه بألف شاة، فقال أبو سفيان: بأبي

أنت وأمي، حاربناك فما أحببناك، وسألناك فما أبخلناك.

قال لقمان لابنه: يا بني، ارحم الفقراء لقلة صبرهم، وارحم الأغنياء لقلة شكرهم، وارحم الجميع لطول غفلتهم.

مر بخالد بن صفوان صديقان، فعرج أحدهما عليه وطواه الآخر، فقيل له في ذلك، فقال: عرج علينا هذا لفضله، وطوانا ذاك لثقته بالمودة.

قال ابن شهاب: من قدم أرضاً فأخذ من ترابها فجعله في مائها ثم شربه عوفي من وبائها.

قيل لزاهد: ما جزاء من إذا سئل أعطى؟ قال: أن يطاع فلا يعصى.

قال ابن عباس: أبهمت البهائم إلا عن أربع: عن معرفة الرب، وابتغاء النسل، وطلب المعاش، وحذر الموت.

قال القاضي أبو حامد: الرب ها هنا سائسها ومالكها، فأما معرفة الله تعالى فإن الكبار من العقلاء يموجون فيها ويضجون بسببها، فإن أصل المعرفة هو العقل، والبهائم لا عقول لها، وإنما هي ذوات حواس تصادف بحواسها ما

لاءمها، فإذا توالت المصادفة الألفة بينها وبين الأشياء، وأما ما ارتفع عن الحس فإنها منه في جانب بعيد، ومكان سحيق.

مر أنو شروان بشيخ يغرس شجرة جوز، فوقف عليه وقال: يا شيخ، أتطمع أن تأكل من هذه الشجرة التي قد توليت غرسها وسقيها وتعهدها؟ قال: لا أيها الملك، ولكن الدنيا دفعت إلينا عامرة فإني أحب أن أردها وهي عامرة، فأعجب المك بكلامه وقال: زه! وأعطاه أربعة آلاف درهم، فقال: أيها الملك، ما أسرع ما أثمرت هذه الشجرة، فقال كسرى: زه! وأعطاه أربعة آلاف درهم أخرى، فقال: أيها الملك، لكل شجرة في كل سنة حمل واحد وهذه حملت مرتين، فقال: زه! وأعطاه أربعة آلاف درهم، وسدوا فمه، وانصرف.

قيل لفتح الموصلي: ادع الله لنا، فقال: اللهم هنئنا عطاءك، ولا تكشف عنا غطاءك.

مدح بعض الشعراء الجنيد، وكان من كبار العمال، فأجازه، فقال الشاعر: ما أكرمك لولا ثلاث خصال، قال: ويلك وما هي؟ وهل بعد ثلاث من خير؟ قال: تأمر للرجل بالجائزة السنية ثم تشتمه فتكدر ذلك عليه، قال: ثم ماذا؟ قال: وتضع الطعام فيدخل الناس فلا تنزلهم منازلهم، ولو أنزلت كان أشرف لك، قال: ثم ماذا؟ قال: جواريك يخترقن الصفوف فلا تأخذك لذلك غيرة، قال: فبكم أمرنا لك؟ قال: بعشرة آلاف درهم، قال: يا

غلام ادفع إلى هذا الماص بظر أمه عشرة آلاف أخرى، ثم أعادها حتى بلغت تسعين ألفا أخرى، فوضعت بين يديه؛ ثم أقبل عليه فقال: أما قولك إني أضع الطعام ولا أنزل الناس منازلهم فلقد فكرت فرأيت في الناس من له همة وفيهم غير ذلك، فوكلتهم إلى أنفسهم، لأن من انحط عن أعلى غاية كان النقص أولى به، فهم بأنفسهم أخبر مني بهم؛ وأما قولك إن جواري يخترقن الصفوف فلا تأخذني لذلك غيرة، فلو أن واحدة رأت في عينها من هو أحسن مني فاختارته وهبتها له؛ وأم العطية مع الشتم فكيف رأيتها؟ فأنشأ الشاعر يقول:

إن الجنيد الكريم أولهيزين منه قديمه كرمه
يعطي على شتمة وإن صغرتتسعين ألفا طوبى لمن شتمه
وحسن وجه الجنيد قد عرفوايمنع من كل ريبة خدمه
وما يبالي إذا بلا هممهطباخه بالطعام من طعمه

كان سليمان بن عبد الملك إذا حضر طعامه فتحت الأبواب

ورفعت الستور ودخل الناس، فإذا انقضى ذلك نادى مناديه: إن أمير المؤمنين مرتفع من مجلسه، فهل لأحد منكم حاجة؟ فقام رجل ذات يوم فقال: يا أمير المؤمنين، إن لي في بيت مالك مائتي دينار، وأنا الآن مملك بابنة عم لي، وقد ضرب علي أجل إن جزته فرق بيني وبينها، فإن رأى أمير المؤمنين أسلفني هذه المائتين فأقضي عني، فقال: يا ابن اللخناء، أقسطار أنا حتى أسلفك؟ بل أهب لك مائتي دينار ومائتي دينار، وجعل يكررها حتى انقطع نفسه على ثلاثة آلاف دينار، فقبضها الرجل، فأتاه الناس يهنئونه قال: فأين قوله يا ابن اللخناء؟ فبلغ ذلك سليمان فقال: صدق، وددت أني افتديتها بأضعاف ذلك ولم أقلها.

قال ابن عباس: لعن الله القدرية، وما قالوا كما قال الله، ولا كما قالت الملائكة ولا كما قالت الأنبياء، ولا كما قال لوط، ولا كما قال أهل الجنة، ولا كما قال أهل النار، ولا كما قال الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: " وما تشاؤون إلا أن يشاء الله " الإنسان:، وقالت الملائكة: " علم لنا إلا ما علمتنا " البقرة:، وقال الأنبياء: " ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم " هود ":، وقال: لوط: " لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد " هود:، وقال أهل الجنة: " وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله " الأعراف:، وقال أهل النار: " غلبت علينا شقوتنا " المؤمنون:، وقال الشيطان: " رب بما أغويتني " الحجر:.

شاعر:

لعمري لئن بيعت في أرض غربةثيابي إذ ضاقت علي المآكل
فما أنا إلا السيف يأكل جفنهله حلية من نفسه وهو عاطل

كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله إذا دعا لمتزوج قال: على اليمن والسعادة والطير الصالح، والرزق الواسع، والمودة عند الرحم.

وكان ﷺ ينهى أن يقال بالرفاه والبنين ويقول بأوفى التحيات وأعذب الكلام.

كتب رجل إلى صديق له: بلغني ما يسر الله لك من اجتماع الشمل، وضم الأهل والإلف، فشركتك في النعمة، وساهمتك في السرور، وشاهدتك بقلبي، وتمثلت ما أنت فيه بعيني، فهنالك الله تعالى ما أنت فيه بما قسم لك بالسرور والحبور، ودفع المحذور، على مر الأزمنة والدهور.

قال الحجاج لابن القرية: اخطب علي هنداً بنت أسماء ولا تزد على ثلاث كلمات، فأتاهم فقال: أتيتكم من عند من تعلمون، والأمير يعطيكم ما تسألون، أفتجيبون أم تردون؟ فقالوا: بل نجيب، فرجع إلى الحجاج فقال: أقر الله عينك، وجمع شملك بالسرور والغنى على أسعد السعود، وإيمن الجدود، وأبرك العقود، وجعلها الله تعالى ولوداً ودوداً، وجمع بينكما على البركة والخير.

قال جعفر بن محمد الفاطمي عن أبيه عن جده قال حججت

ومعي جماعة من أصحابنا، فأتينا المدينة، فأفردوا لنا مكاناً ننزله، فاستقبلنا علام لأبي الحسن موسى بن جعفر على حمار له حضر يتبعه الطعام، فنزلنا بين النخل، وجاء هو فنزل، وأتي بالطست والماء، وفبدأ فغسل يديه، وأدير الطست عن يمينه حتى بلغ آخرنا، ثم أعيد إلى من عن يساره حتى أتى على آخرنا، ثم قدم الطعام فبدأ بالملح وقال: كلوا باسم الله، ثم ثنى بالخل، ثم أتي بكتف مشوية فقال: كلوا باسم الله فإن هذا الطعام كان يعجب رسول الله صلى عليه وعلى آله، ثم أتي بسكباج فقال: كلوا باسم الله فهذا طعام كان يعجب أمير المؤمنين ﵁، ثم أتي بلحم مقلي فيه باذنجان فقال: كلوا بسم الله فهذا طعام كان يعجب الحسن بن علي ﵄، ثم أتي بلبن حامض قد ثرد فيه فقال: كلوا بسم الله فإن هذا الطعام كان يعجب الحسن بن علي ﵄، ثم أتي بأضلاع باردة فقال: كلوا بسم الله فإن هذا طعام كان يعجب علي بن الحسين ﵄، ثم أتي بجنب مبرد فقال: كلوا بسم الله فإن هذا طعام كان يعجب محمد بن علي، ثم أتي بلون فيه بيض كالعجة فقال: كلوا بسم الله فإن هذا طعام كان يعجب جعفراً، ثم أتي بحلواء فقال: كلوا بسم الله فإن هذا طعام كان يعجبني. ورفعت المائدة

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البصائر والذخائر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.