من «أخلاق الوزيرين» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)
أخلاق الوزيرين (٣)
وقيل لعديّ بن حاتم: مَن السيد؟ قال: الأحمق في ماله، الذّليل في عِرضه، المُطّرح لحقده، المعْنيّ بأمر جماعته؛ فليس يسود المرء إلا بعد أن يسهر من أول ليله إلى آخره فِكراً في قضاء الحقوق، وكفّ السَّفاه، وازدِراع المحبّة في القلوب، وبعث الألسنة على الشُكر؛ وفي الجملة من جهل حقك، فليس يلزمك أن تعترف بحقه، ومَن لم ينظر فيما لك عليه، لم يجب عليك أن تنظر فيما له عليك؛ وقد قال رسوله صلّى الله عليه: " لا خيْر لكَ في صُحبَة مَن لا يَرى لك مثلَ ما ترى له ".
وقد قيل تواضَع للمُحسن إليك وإن كان عبداً حبشياً، وانتصف
ممن أساء إليك وإن كان حُراً قُرشياً؛ ومن صفات الكريم ما قال الشاعر:
وإنّ الكريمَ من تلفَّت حولَهوإِن اللَّئيم دائمُ الطَّرْف أَقوَدُ
وقال آخر:
لَحا الله أكبانا زِناداً وشَرَّناوأَيسَرنا عن عِرض والِده ذَبّا
رأيتُك لما نِلتَ مالاً وعَضَّنازمانٌ تَرى في حدّ أنيابه سَغْبا
جعلتَ لنا ذنباً لتمنع نائلاًفأَمسِك ولا تجعَل غِناك لنا ذَنباً
وقال آخر:
نالَ الغِنا بعدَ فقْرٍ فاستغاثَ بهكما استغاثَ بباقي ريقِه الشَّرِقُ
وإذا احتججتُ بالعيان في وصف هذين الرّجلين في الكرم واللؤم فقد رفعت المِرْية، وإذا أقمت الشاهد على الدّعوى فقد منعت من اللائمة، وإذا رأيت الضرورة فقد بلغت الغاية؛ وأيُّ خفقةٍ للقلب بعد اليقين، وأيُّ وحشةٍ للنفس بعد الاستصبار، أم أيُّ بقية على المُحتج إذا وصل البرهان، أم كيف يُستحيا في الحق وإن كان مُرّاً، أم كيف يُعتذَر من الصّدق وإن كان موجعاً.
هذا ما لا يُكلّفه حكيم، ولا يأمر به مُرشد، ولا يحثّ عليه ناصح.
وهذا مبدأ أخذي في حديث ابن عبّاد على ما يتّفق من تربيته ووضعه، غير آخذٍ في أُهبةٍ، ولا مُحتفلٍ بتقدِمة.
فأول ما أذكر من ذلك ما أدلُّ به على سَعَة كلامه، وفصاحة لسانه، وقوة جأْشه، وشدة مُنَّته، وإن كان في فحواه ما يدل على رقاعته وانتكاث مَريرته، وضعف حوله، وركاكة عقله وانحلال عقده.
لمّا رجع من هَمَذان سنة تسع وستين وثلاثمائة بعد أن فارق حَضرَة عضُدِ الدّولة استقبله الناس من الرَّيّ وما يليها، واجتمعوا بِساوَةَ، ودونها وفوقها، وكان قد أعدَّ لكل واحدٍ منهم كلاماً
يلقاهُ به عند رؤيته وأين كانوا يقعون منه، وأين كانوا يبيتون عندهُ؛ وهذا الذي ذهب به في الإعجاب والكِبر، وبعثه على احتقار الناس، وتركه في التّيهِ المُضلّ.
فأول من دنا منه القاضي أبو الحسن الهمذاني وهو من قرية يقال لها أَسَدآباد، فقال له: أيها القاضي! ما فارقتُك شوقاً إليك، ولا فارقتني وَجْداً عليك، ولقد مرَّت بعد ذلك مجالس كانت تقتضيك وتُحظيك وترتضيك؛ ولو شهِدتَني بين أهلها وقد علوتُهم ببياني ولساني وجدلي، لأنشدتُ قول حسّان بن ثابت في ابن عباس ورأيتني أولَى به منه، فإنَّ حسّان قال:
إذا ما ابنُ عبّاس بَدا لك وَجهُهرأيتَ له في كلّ مجمعة فضْلا
إذا قال لم يترُك مقالاً لقائلبملتَقَطاتٍ لا تَرى بينها فصْلا
كفى وَشفى ما في النُّفوسِ فلَم يَدَعلذي إِرْبةٍ في القَوْل جدّاً ولا هَزْلا
سَموتَ إلى العَلْيا بغيْر مشقةٍفنِلتَ ذُراها لا دَنيّاً ولا وَغْلا
ولذكرت أيها القاضي قول الآخر وأنشدته: فإنه قال فيمن وقفَ موقفي، وقرفَ مقرفي، وتصرَّف مُتصرفي، وانصرف مُنصَرَفي، واغتَرف مُغْتَرَفي:
إذا قال لم يَترُك وَلم يَقِفْلِعيٍّ ولَم يَثْنِ اللّسانِ على هُجْر
يُصَرّف بالقول اللّسانَ إذا انتَحىوينظرُ في أَعطافِهِ نظَرَ الصَّقْرِ
ولقد أودعت صدر عضد الدولة ما يطول به التفاته إليّ، ويُديم حسرته عليّ، ولقد رأى ما لم يرَ قبله مثله، ولا يرى بعده شكله؛ فالحمد لله الذي أوفدني عليه على ما يَسُر الوليّ، وأصدرني عنه على
ما يسوء العدوّ.
أيها القاضي كيف الحال والنفس، وكيف الإمتاع والأُنس، وكيف المجلس والدَّرس، وكيف القرص والجرْس، وكيف الدَّس والدعْس، وكيف الفرس والمَرْس وكاد لا يخرج من هذا الهذيان لتهيّجه واحتدامه، وشدة خَيلائه وغُلوائه. والهمذاني مثلُ الفارة بين يدي السِّنَّور قد تضاءل وقُمؤ لا يصعَد له نفَس إلاّ بنزع تذلُّلاً وتقلُّلاً، هذت على كِبره في مجلسه مع نذالته في نفسه.
ثم نظر إليّ الزَّعفرانيّ رئيس أصحاب الرأي فقال: أيها الشيخ! سرَّني لقاؤك وساءني عناؤك وقد بلغني عُدَواؤك وما خيَّله إليك خُيلاؤك وأرجو أن أعيش حتى يُردّ عليك غُلواؤك؛
ما كان عندي أنك تُقدم على ما أقدمت عليه، وتنتهي في عداوتك لأهل " العدْل والتوحيد " إلى ما انتهيت إليه؛ ولي معك - إن شاء الله - نهارٌ له ذيل، وليل يتبعه ليل، وثُبورٌ يتّصل به ويل، وقطْر يدوم معه سَيْل؛ (وَسَيَعْلَمُ الكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّار).
قال الزَّعفرانيّ: " حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلً ".
ثم أبصرَ أبا طاهر الشيخ الحنفي فقال:
أيها الشيخ! ما أدري أأشكوك أم أشكو إليك، أما شكواي منك فلأنّك لم تكاتبني بحرف، حتى كأنّا لم نتلاحظ بطرف، ولم نتحافظ على إِلف، ولم نتلاق على ظرف؛ وأما شكواي إليك فهو أنّي ذممتُ الناس بعدك، وذكرت لهم عَهْدك، وعرضت بينهم وُدَّك، وقدحت عليهم زَنْدك، ونشرت عندهم غرائب ما عندك؛ فاشتاقوا إليك بتشويقي، واستصْفَوك بتزْويقي، وأثنَوا عليك يتنميقي وترويقي؛ وهكذا عمل الأحباب إذا تناءت بهم الرّكاب، والتوَت دونهم الأعناق، واضطرمت في صدورهم نارُ الاشتياق.
فالحمد لله الذي أعاد الشعب ملتئماً، والشمل منتظماً، والقلوب وادعة، والأهواء جامعة؛ حمداً يتّصل بالمزيد، على عادة السادة مع العبيد، عند كل قريب وبعيد.
ثم التفت إلى ابن القطّان القزويني الحنفي، وكان من ظرفاء العلماء، فقال: أيها الشيخ! كدت والله أحلم بك في اليقظة، وأشتمل عليك دون الحفظة، لأنك قد ملكت ني غاية المكانة والحظوة؛ والله ما أسَغتُ بعدك ريقاً إلاّ على جَرَض، ولا سلكتُ دونك طريقاً إلا على مضَض، ولا وجدتُ للظَّرف سوقاً إلاّ بالعرض. سقى الله ربعاً أنت ساكنه بنزاهتك، وطبعاً أنت طابته ببراعتك، ومغرساً أنت نبْعُه بنباهتك، وأصلاً أنت فرعه بفقاهتك.
وقال للعباداني: أيها القاضي! أيَسُرُّك أن أشتاقك وتسلو عني، وأن أسأل عنك فتنسلّ
مني، وأن أُكاتبك فتتغافل، وأُطالبك بالجواب فتتكاسل؛ وهذا ما لا أحتمله من صاحب خُراسان، ولا يطمع منّي فيه ملك بني ساسان؛ متى كنتُ منديلاً ليد؟ ومتى نزلت على هذا الحدّ لأحد؟ إن انكفأتَ إليّ بالعُذر انكفاء، وإلاّ اندرأت عليك بالعذل اندراء، ثم لا يكون لك معي قرار بحال، ولا يبقى لك بمكاني استكثار إلا على وبالٍ وخبال.
ثم طلع أبو طالب العلوي فقال: أيها الشريف! جعلت حسناتك عندي سيئات، ثم أضفت إليها هَناتٍ بعد هنات، ولم تفكر في ماضٍ ولا آت، أضعت العهد وأخلفت الوعد، وحققت النحس وأبطلت السَّعد؛ وحُلت سراباً للحيران، بعد ما كانت شراباً للحرَّان، وظننت أنك قد شبعت مني، أو اتعضت عني، هيهات! وأنَّى لك بمثلي، أو بمن يعثر في ذيلي، أو له نهارٌ كنهاري أو ليلٌ كليلي؟
وهَل عائضٌ مِنّي، وإِن جلَّ، عَائضُ
أنا واحد هذا العالم، وأنت بما تسمع عالم؛ لا إله إلا الله، وسبحان الله.
أيها الشريف! أين الحق الذي وكَّدناه أيام كادت الشمس عنا تزول؟ والزَّمان علينا يصول، وأنا أقول، وأنت تقول، والحال
بيننا يحول؟ سقى الله ليلة تشييعك وتوديعك، وأنت متنكر تنكراً يسوء الوليّ، وأنا مفكّر تفكّراً يسُرّ العدو، هذا ونحن متوجهون إلى ورامين خوفاً من ذلك الجاهل المهين، يعني بالجاهل المهين ذا الكفايتين حين أخرجه من الريّ بعد أن ألَّب عليه وكاد يُؤتى على نفسه الخبيثة، وهو حديث له فَرْش، وما أنا بصدده يمنع من اقتصاصه، ولعله يجري على وجهه فيما بعد؛ ولقد ظلم بقوله، وكان بالجهل والمهانة أحقّ، وسيَمر ما يدل على قولي ويُصحّح حكْمي، ويبيّن لك أنه لم يكن معه إلا الجدُّ المساعد فقط، وباقي ذلك تشبُّع وإيهام وتمويه وكذِب وبَهْتٌ ووقاحة.
ثم نظر إلى أبي محمد كاتب الشروط فقال: أيها الشيخ! الحمد لله الذي كفانا شرّك، ووقانا عُرَّك، وصرف عنّا ضُرَّك، وأرانا فيحك وحرَّك؛ دببت الضرّاء إلينا، ومشيت الخَمَر علينا، ونحن نَحيسُ لك الحَيس ونصفك باللَّبابة والكَيس، ونقول
ليس مثله ليس، وأنت خلال ذلك تقابلنا بالوَيْح والوَيْس؛ لولا أنك قَرحان لسقط العَشَا بك منّا على سِرحان.
وقال لابن أبي خراسان الفقيه الشافعي: أيها الشيخ! ألغيتَ ذكرنا عن لسانك، واستمررت على الخلوة بإنسانك، جارياً على نسيانك، مُستهتراً بفتيانك وافتنانك، غير عاطفٍ على إخوانك وأخدانك؛ لولا أنني أرعى قديماً قد أضعته، وأُعطيك من رعايتي ما قد منعته، لكان لي ولك حديث، إما طيّب وإما خبيث؛ خلَّفتك محتسباً فخلفت مكتسباً، وتركتك آمراً بالمعروف فلحِقتُك راكباً للمنكر، قد يفيل الرأيّ ويخيب الظن، ويكذب الأمل، وقد قال الأول:
أَلا رُبَّ من تغتَشُّه لك ناصِحٌومؤتَمنٍ بالغَيْب وهو ظَنِين
ثم نظر إلى الشادياشي فقال:
يا أبا عليّ! كيف أنت وكيف كنت؟ فقال: يا مولانا
لا كنتُ إِن كنت أدري كيف كنت ولالا كنتُ إن كنتُ أَدري كيف لم أَكن
فقال: أغرب يا ساقط يا هابط، يا من يذهب إلى الحائط بالغائط، ليس هذا من نحت يدِك ولا هو مما نشأَ من عندك، هذا لمحمد بن عبد الله بن طاهر، أوله:
كتبت تسأَل عني كيف كنتُ ومالاقيت بعدك من غمّ ومن حَزَنِ
لا كنتُ إِن كنتُ أَدري كيف كنتُ ولالا كنتُ إِن كنتُ أدري كيف لم أَكنِ
وكان ينشد وهو يلوي رقبته، ويجحظ حَدَقته، ويُنزي أطراف منكبه ويتسايل ويتمايل، كأنه (الَّذِي يَتَخَبَّطَهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ).
ثم قال: يا أبا علي! لا تُعوِّل على اير في سراويل غيرك، لا ايرَ إلا ايرٌ تمَطّى تحت عانتك، فإنك إن عولت على ذلك خانك وشانك وفضح خانك ومَانَك.
ثم نظر إلى غلامٍ قد بقل وجهه كان يُتَّهم به على الوجه الأقبح، فالتوى وتقلقل، وقال: ادْنُ يا بُنيّ! كيف كنت؟ ولم حملت على نفسك هذا العناء؟ وجهُك هذا الحسن لا يبتذل للشحوب، ولا يُعرض لِلَفحات الشمس بين الطلوع والغروب، أنت يجب أن تكون في بِذْلة بين حجَلةٍ وكِلّةٍ، تُزاح بك العلّة، وتُعلا فيك القُلّة، وتُشفى منك الغُلَّة.
هذا آخر حديث الاستقبال، وقد حذفت منه أشياء كثيرة من رقاعاته، لأنَّ الغرض غير مقصور على فنٍّ واحد من حديثه.
وقال يوماً في دار الإمارة لفَيْرُوزَان المجُوسي، وكان الخرائطيّ حاضراً، في شيء نابذه عليه؛ إنما أنت مجش محش لا تهش ولا تبش ولا تَمْتِش.
فقال له فيروزان: أيها الصّاحب! برئت من النار إن كنت أدري ما تقول، إن كان من رأيك أن تشتمني فقُل ما شئت بعد أن أعلم، فإن العِرض لك، والنَّفس فِداؤك، لست من الزّنج، ولا من البربر، ولا من الغُزّ، كلِّمنا بما نعقل على العادة التي عليها العمل؛ والله ما هذا من لُغة آبائك الفُرس، ولا لغة أهل دينك من هذا السَّواد؛ فقد خالَطْنا الناس فما سمعنا منهم هذا النَّمط، وإني أظن أنك لو دعوت الله بهذا الكلام لما أجابك، ولو سألته لما أعطاك، ولو استغفرت الله به ما غفر لك؛ وحقيق على الله ذلك.
فقال الخرائطيّ: أيها الصاحب! والله لقد صدق فلا تغضب، فليس كل من وثق بأنه لا يُراجع في قوله رَكِب ما يُحَمَّقُ فيه شاهداً أو غائباً.
فقام عنهما خَزْيان يُردّد ريقه حِقداً عليهما، وكان ذلك سبباً كبيراً في فساد أمرهما.
وقلتُ للزّعفراني الشاعر، وكان من أهل بغداد: اصدُقني أيها
الشيخ عن هذا الإنسان، كيف وجدته في طول ما عجمت عودَه، وتصفّحت أخلاقه، وخبرت دِخلته.
فقال: وجدته كليل الكرم، حادّ اللؤم، رقيع الظاهر، مُريب الباطن، دنِس الجيب، مُثرياً من العيب، كأنه خلق عبثاً مما مُلي خُبثاً؛ سفهه ينفي حكمة خالقة، وغِناه يدعو إلى الكفر برازقه؛ وأنا أستغفر الله من قولي فيه ونفاقي معه؛ ولعن الله الفقر فهو الذي يُحيل المروءة، ويقدح في الديانة؛ ولو كان لي ببغداد قوتٌ يحفظ عليَّ ماء الوجه ما صبرت على هذا الرّقيع البارد المطاع ساعة، ولكن ما أصنع قد قلّبت أمري ظهراً لبطن، مالي إلى الرزق باب إلاّ منه، وأنشد:
وَالرّزق كالوَسميّ رُبَّتَما عَداروضَ القَطا وسقَى مَهامِه جِلّقِ
فإذا سمعت بحوَّّلٍ متأَلهمتأَدب فهو الذي لم يُرزَقِ
والرِّزقُ يخطيء بابَ عاقل قومهويَبيتُ بَواباً لبابِ الأَحمقِ
وأنشد أيضاً:
الرّزقُ قد يأتيك في وَقتِهوالحرصُ لا يُغني ولا يُجدي
كم قاعدٍ يبلغ مأْمولَهوَطالبٍ مضطرب يُكدي
فاسترزِق الرازقَ مِن فضلِهوارضَ بما يُوليك من رفدِ
وثِق بإِحسانٍ له واسعٍفهكذا عاداتُه عندي
وأنشد القرمسيني قال: أنشدنا عليُّ بن سليمان الأخفش لشاعر:
قد يُرزَق المرء لم تتعَب رواحلُهويُحرم الرزقَ من لم يُؤتَ من تَعَب
يا ثابتَ العقل كم عايَنْتَ ذا أَدبالرزقُ أَعدَى له من ثابت الجَرَب
وإِنني واجدٌ في النّاس واحدةًالرزقُ والنُّوكُ مقرونان في نسب
وخصلةً قلَّ فيها من يُنازِعُنيالرزقُ أَروَغُ شيءٍ عن ذوِي الأَدبِ
وقلت للمسيَّبي: ما قولك في ابن عباد؟
فقال: له في الخلاعة قرآن مُعجر، وفي الرّقاعة آية مُنزلة، وفي الحسد عرق ضارب، وفي الكذب عارٌ لازب؛ لا ينزع عن المساوي إلا مَلَلا، ولا يأتي الخير إلا كسلاً؛ ظاهره ضلالة، وباطنه جهالة، وليس له في الكرم دلالة، ولا في الإحسان إلى الأحرار آلة؛ فسبحان من خلقه غيظاً لأهل الفضل والأدب، وأعطاه فيضاً من المال والنشب! وقلت لأبي بكر الخوارزمي الشاعر، وكان قد خَبَره:
كيف وجدت الصاحب، وقد أعطاك وأولاك وقدَّمك وآثرك، وسفر لك إلى عضد الدولة، وهو اليوم شاه الملوك، حتى ملأتَ عيابك تِبراً، وحقائبك ثياباً، ورواحلك زادا؟ فقال: دعني مما هنالك، والله إنه لخواز في المكارم، صبار على الملائم، زحّاف إلى المآثم، سمّاع للنمائم، مِقدام على العظائم؛ يدعو إلى " العدل والتوحيد "، ويدّعي " الوعد والتخليد "، ثم يخلو باستعمال الأُيُور، ويشتمل على الفسوق والفجور، ويُمسي وهو بُور ويُصبح وما على وجهه نور.
وكان الخوارزمي من أفصح الناس، ما رأينا في العجم مثله، وإنما نوَّله الصاحب ما نوّله، وخوّله ما خوّله، لأنه كان أذكاه عيناً على محمد بن إبراهيم صاحب الجيش بنيسابور، واستملى فيه أخبار المشرق، وبهذا
المعنى استدرَّ له من ملِك بغداد بوساطة ابن يوسف، وكان الظاهر أنه إنما يعطيه لأدبه، ويجيزه لشعره، ويصطفيه لفضله.
ولقد قات للزعفرانيّ: أرى الخوارزميّ سيّءَ الرأي في ابن عبّاد مع ما يصل إليه منه، فما السبب؟ فقال: ابن عبّاد سيءُ السياسة لصنائعه، وذلك أنه يعطي الإنسان عطية ما، ثم يبلوه بجفاءٍ يتمنّى معه لَقْط النّوى من السِّكك، والمصطنع الكريم هو الذي يكون اصطناعه بلسانه فوق اصطناعه بيده؛ وإني أحدثك ببعض ما عامل به الخوارزمي ليصحّ لك القياس عليه، والتعجب منه.
حضر الخوارزمي يوماً، وجرى حديث القَافة، فقال الخوارزمي:
دخل محرز المدْلجيّ على رسول الله صلى الله عليه ونظر إلى أقدام أُسامة، وزيد، فقال: هذه أقدامٌ بعضها من بعض، وصحّف البائس كما يُصحّف الناس، العلماء فمن دونهم، وكان ابن عبّاد على بركة، فما زال يدور حول البركة وهو يصفع الخوارزمي ويقول: محرز؟ بحياتي؟ إلى أن رعَف الخوارزمي فتنحى وخرج.
فهذا وما داناه هو الذي كان يُفسد به ما يفعله من الخير والبر.
وحدّثني بذكْوِ أبي بكرٍ عيناً بخراسان أبو الطيب النصراني، وكان علي السرِّ عند مؤيّد الدولة وكان يعرف من مخازي ابن عبادٍ عجائب؛ سمعته يقول: لو بُحتُ بما في نفسي من حديث هذا المأبون لتصدَّع الجبل، ولتقلّع الجَندَل.
وكان ابن عبّاد شديد السفه عجيب المناقصة، سريع التحوّل من هيئة إلى هيئة، مُستقبلاً للأحرار بكل فرْية وفاحشة؛ كان يقول للإنسان الذي قد قدم عليه من أهل العلم: تقدّم يا أخي! وتكلّم، واستأنس، وافترِح، وانبسِط، ولا تُرع، واحسبني في جوف مرقعة، ولا يهولك هذا الحشم والخدَم، وهذه الغاشية والحاشية، وهذه المرتبة والمسْطَبة، وهذا الطارق والرِّواق، وهذه المجالس والطنافس؛ فإن سلطان العلم فوق سلطان الولاية، وشرف العلم أعلى من شرف المال، فليفرح روعك ولينعم بالُك، وقُل ما شئت، وانصُر ما أردت، فلست تجد عندنا إلا الإنصاف والإسعاف والإتحاف والإطراف، والمقاربة والمواهبة، والموانسة والمقابسة، وعلى هذا التنزيل، ومن كان يحفظ ما يهذي به في هذا وغيره؟ حتى إذا استقى ما عند ذلك الإنسان بهذه الزّخارف والحيل، وسال الرجل معه في حدُوره على مذهب الثّقة، وركب في مناظرته،
وردعه وحاجّه، وراجعه وضاجعه وشاكعه ووضع يده على النكتة الفاصلة، والأمر القاطع تنمَّر له، وتنغّر عليه، واستحصد غضباً وتلظّى لهباً وقال بعد وثبتين أو ثلاث: يا غلام! خذ بيد هذا الكلب إلى الحبس، وضعه فيه بعد أن تصبّ على كاهله وظهره وجنبيه خمس مئة عَصا؛ فإنه مُعاند ضدّ، يحتاج إلى أن يُشدّ بالقِدّ، ساقط هابط، كلبٌ نبّاح، متعجرف وقَاح؛ أعجبه صبري، وغرّه حلمي، ولقد أخلف ظني، وعدت على نفسي من أجله بالتوبيخ، وما خلق الله العصا باطلاً، ولا ترك خلقه هاملاً.
فيُقام ذلك البائس على هذه الحال التي تسمَع، على أن مسموعك دون مُشاهدتك لو شاهدت، ومن لم يحضر ذلك المجلس لم يرَ منظراً رفيعاً ورجلاً رقيعاً؛ وقد عامل بما وصفتُ الحريري غلام ابن طرارة
والجامدي الشاعر الوارد عليه من البصرة، وأبا زيد الكلابي وغيرهم.
وكان أبو الفضل أعني ابن العميد إذا رآه يقول: أحسَب أن عينيه رُكّبتا من زئبق وعنقه عُمل بلولب.
وصدق، لأنه كان ظريف التّثني والتلوّي شديد التفكّك والتفتّل كثير التعوّج والتموّج، في شكل المرأة المومسة والفاجرة الماجنة، والمخنَّث الأشمط.
وسمعت أبا الفضل الهَرَوي يقول له يوماً: لو وُضع في خزانة الكتب للوقف شيءٌ من الطبّ لكان ذلك باباً من المنافع لحاضرة والفوائد المجّلة والخير العامّ.
فقال على حدّته وجنونه: الطبّ - يا أبا الفضل - سُلَّم الإلحاد، ولقد أسررت في هذا القول حسواً في ارتغاءٍ، أنت مُهندس، وأنت متّهم، ويكفي منك في هذا المعنى ما هو دون هذا.
فانخزل الهروي وكان جباناً، وأخذ يتلافى ما فرط منه.
قال أصحابنا بالريّ: وكيف يسوغ له أن يقول هذا، وهو يُشاور الطبيب في كل غداة، ويعتمد على الطبّ في كلّ عارض، ويجمع الكتب فيه، ويرجع إليه؛ وليس هذا بأعجب من عيبه لعلم النجوم وذمِّه لأهله، وهو لا يُفارق التقويم، ولا يخلو يوماً من النَّظر فيه مرّات؛ لأنه كان لا يركب إذا وجد نحساً، هذا على تقليده فيه، لأنه ما كان يعرف حرفاً من علم النُّجوم، لا على طريقة مَن
ينظر في أحكامه، ولا على مذهب من يختاره لهيئته، فهل رأيت بهتاً أشدّ من هذا؟ ومناقضة أقبح من هذا؟ يذمّ شيئاً في الظاهر، ثم يحبه في الباطن، ويزهد غيره في شيء وهو يؤثره.
وكان من ضعف عقله يقول: يجوز أن يكون الفلك من سَلْجَم أو جَزَر أو فجل؛ قال هذا للصاغاني أبي حامد ونحن حضور، وهو مع هذا العقل السّخيف يطلب كتب الأوائل ويجمعها، وينظر فيها، ويشتهي أن يفتح فاتح عليه شيئاً منها في السرّ، وعلى وجه التهجين لا على وجه التَّقبُّل، ويقول في أبي حسن العامري: قال الخرائي كذا وكذا، وإذا خَلا نظر في كتبه ومصنّفاته، وكان أخذها من أبي
الحسن الطبري، طبيب رُكن الدّولة، وكان مع هذا المذهب الذي يُدِلّ به ويُسمّيه " العدل والتوحيد " قليل التوجُّه إلى القبلة، قليل الركوع والسُّجود، وكان مع حفظه الغزير، عليه مؤونة في تلاوة آية من كتاب الله ﷿، إذا أراد أن يستدل بها في المناظرة والجدل، أو يذكر وجهاً من وجوهها في المذاكرة، ولم يكن عليه طابع العبادة، ولا سيّما المتألّهين، وكان مع هذا سفّاكاً للدماء، قتّالاً للنُّظراء والأكفاء، وكان شديد الحسّ لأهل الفضل والدراية، ولأصحاب الحفظ والرواية، وكان جلّ حسده لمن كتب فأحسن الخطّ وأجاد اللفظ، وتأتى للرسم وملّح في الاستعارة، وكان إذا سمع من إنسان كلاماً منظوماً، ومعنىً قويماً، ولفظاً مسجوعاً، ونثراً مطبوعاً، وبياناً بليغاً، وغرضاً حكيماً انتقض طِباعه وذهب عليه أمره وتبدّد حلمه وزال عنه تماسكه والتهب كأنه نار، واضطرب كأنه شَرار، وحدّث نفسه بقتله أو نفيه أو إغراقه وإبعاده وحرمانه.
قلت للتَّميمي الشاعر المصريّ بالرغيب: كيف ترى هذا الرجل أعني ابن عبّاد؟
فقال: طويل العنان في اللؤم، قصير الباع في الكرم، وثّاباً على الشرّ، مُقْعداً عن الخير، كافراً بالنّعم، متحرّشاً بالنّقم، جبّاهاً بالمكروه، سفيهاً في الجملة، خليعاً في التفصيل.
قلت: أين هو من صاحبكم بمصر أعني ابن كِلّس؟ فقال: ذاك رجل له دارُ ضيافة، وله زوّارٌ كالقطر، لا يعرف مَحْكاً ولا لجاجاً ولا مجادلة، ولا كياداً ولا مُخاتلة، يعطي على القصد والتأميل، والرجاء والتوجه، والطمع والطلب، وسائر الوسائل عنده، بعد هذه الأوائل، فضلٌ يستحق به الزيادة، وليس هناك امتحان ولا مُحاسبة ولا احتجاج ولا تعيير، المالُ مصبوب، والخازنُ قائم، والمُفرّق مُجزِّف، والنّداء عالٍ، والواصل موصول، والمؤمَّل مشكور، والرّاحل شاكر؛ وِزارة ذاك نيابةٌ عن خِلافة، ووزارة هذا خلافة عن عَمالة.
هل ترى هاهُنا صلةً ترتفع عن مئة درهم إلى ألف؟
أَليس أنبل من وردَ عليه البديهي وهو شيخه في العروض، وعنه أخذ القوافي، وبفتحه وهدايته قال الشعر؟ هل زاده في طول مُقامه إلى رحيله على خمسة آلاف درهم تفاريق؟ وإن أَقلّ ضيف بمصر يصير إليه مثل هذا في أول يوم.
وقد سألت جماعة من سادة الناس عنه، وحصّلت عن كل واحد منهم جواباً يمر بك فيما تستقبل، وأذكرها هنا أشياء حدّثني بها بطانته وخدمه.
حدثني الجرفادقاني أبو بكر وكان كاتب داره، قال: يبلغ من سُخنَة عينِ صاحبنا أنه لا يسكت عما لا يعرف، ولا يسأم
نفسه فيما لا يفي به ولا يكمل له، ويظن أنه إن سكت عنه فُطن لنقصه وإن اختال وموّه جاز ذلك وخفي واستتر ولم يظهر، ولم يعلم أنّ ذلك الاحتيال طريقٌ إلى الإغراء بمعرفة الحال، وصَدَق القائل: كاد المريب يقول: خُذُوني.
قات له: ما الذي حَداك على هذه المقدّمة؟ قال: قال لي في بعض هذه الأيام: ارفع حسابك قد أخّرته وقصّرت فيه واغتنمت سكوتي وشغلي بتدبير المُلك وسياسة الأولياء والجُند، والرَّعايا والمُدن، وما عليَّ من أعباء الدولة وحفظ البيضة ومُشارفة الأطراف النائية والدَّانية باللسان والقلم، والرأي والتدبير، والبسط والقبض، والإبرام والنَّقض، وما على قلبي من الفكر في الأمور الظاهرة والغامضة؛ وهذا لعمري باب مُطمِع وإِمساكي عنه مُغْرٍ بالفساد مُولع، فبادر عافاك الله إلى عمل حساب بتفصيل بابٍ بابٍ تُبيّن فيه أمر داري، وما يجري عليه دخلي وخرجي.
قلت له: وهذا كله بسبب قوله هات حسابك بما تُراعيه؟ وصدق هذا الكاتب، كان يأخذ طرفاً من الحديث فيمدُّه إلى الفَلَك بالغَثاثة والجهل والهذر.
قال أبو بكر: فتفرَّدتُ أياماً وحرَّرت الحساب على قاعدته وأصله والرسم الذي هو مألوف بين أهله، وحملته إليه، فأخذه من يدي وأمرَّ عينه فيه من غير تثبُّت أو فحص أو مسألة، ثم حذفَ به إليَّ وقال: أهذا كتاب، أهذا تحرير، أَهذا تقرير، أَهذا تفصيل، أَهذا تحصيل؟ والله لولا أني قد ربّيتُك في داري، وشغلت بتخريجك ليلي ونهاري، ولك حُرمة الصِّبا، وتلزمُني رعاية الأبناء، لأَطعمتك هذا الطومار، وأَحرقتُك بالنفط والنار، وأَدّبت بل كل كاتب وحاسب، وجعلتك مُثلةً لكل شاهد وغائب.
أمِثلي يُموّه عليه، ويُطمع فيما لديه، وأنا خلقت الكتابة والحِسابة؛ والله ما أنام ليلةً إلاّ وأحصّل في نفسي ارتفاع العراق ودخل الآفاق؛ أَغَرَّك مني أني أجررتُ: رَسَنَك، وأخفيتُ قبيحك وأبديتُ حَسَنك؟ غيِّر هذا الذي رفعت، واعرف قبلُ وبعدُ ما صنعت، واعلم أنك من الآخرة قد رجعت فَزِد في صلاتك وصَدقتك، ولا تعوّل على قِحتك وصَلابة حَدَقتِك.
قال: فوالله ما هالني كلامه، ولا أَحاك في هذيانه، لأني كنت أعلم جهله بالحساب، ونقصه في هذا الباب، فذهبتُ، وأفسدتُ وقدّمتُ وأخَّرت، وكايدت وتعمّدت؛ ثم ردَدتُّه إليه فنظر فيه، ثم ضحك في وجهي وقال: أحسنت بارك الله عليك، وهكذا أردت، وهذا بعينه طلبت ولو تغافلتُ عنك أول الأمر لما تيقَّظت في الثاني.
فهذا كما ترى أعجبَ منه كيف شئت.
ومن رقاعاته أيضاً: سمعته يوماً يقول: وقد جرى حديث الأبهريّ المتكلّم، وكان يُكنى أبا سعيد، فقال: لعن الله ذلك الملعون المأبون المأفون، جاءَني بوجه مكَلحَّ، وأنف مُفلطَح، ورأس مسَفّح، وذقن مسَلّح، وسُرْم مفتّح، ولسان مبلّح، فكلَّمني في مسألة
الأصلح، فقلت له: اغرب عليك غضبُ الله الأترح، الذي يلزم ولا يبرح.
وشتم يوماً رجلاً فقال: لعن الله هذا الأهوج الأعوج، الأفلج الأفحج، الذي إذا قام تحلج، وإذا مشى تدحرج، وإن عدا تفجفج.
بالله يا أصحابنا حدثوني، أهذا عقل رئيس، أو بلاغة كاتب، أو كلام متماسك؟ لم تجنّون به، وتتهالكون فيه؟ وتغيظون أهل الفضل به؟ هل هناك إلاّ الجدّ الذي يرفع مَن هو أنذل منه، ويضع مَن هو أرفع منه؟
ولقد حدثت بهذا الحديث أبا السلم الشاعر، فأنشدني لشاعر:
سبحان من أَنزل الدنيا منازِلهاوصيَّر الناسَ مَشنوءاً ومومُوقا
فَعاقِلٌ فَطِن أَعيَتْ مذاهبُهوجاهلٌ خَرِقٌ تَلقاه مَرزوقا
كأَنّه من خليج البحر مُغترفولم يكن بارتزاق القُوت محقوقا
هذا الذي ترك الأَلبابَ حائرةًوصَيَّر العاقل النحرير زنديقا
وحدثني المأموني عند روايتي هذا الحديث: سمعته أنا يقول على غير هذا الوجه، قال: جاءَني فلان بهامة مسطَّحة، وأرنبة مفلطحة،
ولحية مسرَّحة، وقفحة مسلحة، وجبهة موقّحة، وجملة مقبّحة، يناظرني في المصلحة، فهممت والله أن أصلبه على باب المسْلحة. وباب المسلَحة بالري سوقٌ معروفة.
وهذا الكلام الثاني هو الأول يشقق ويؤذي، ويصيح ويهذي، ويوهِم ويدّعي، وقاحةً وجهلاً وازدراء للناس، وحقراً لكل من يرى من أهل الفضل والأدب، والحرية والحسب.
وكان كَلَفه بالسَّجع في الكلام والقلم عند الجدّ والهزل يزيد على كلف كلّ من رأيناه في هذه البلاد.
قلت للمسيّبي: أين يبلغ في عشقه للسَّجع، قال: يبلغ به ذلك أنه لو رأى سجعة تنحلّ بموقعها عُروة الملك، ويضطرب بها حبلُ الدولة، ويحتاج من أجلها إلى غُرْمٍ ثقيل وكلفةٍ صعبة، وتجشّم أمور، وركوب أهوال، لكان يخفّ عليه أن لا يفرج عنها ويخلّيها، بل يأتي لها ويستعملها، ولا يعبأ بجميع ما وصفت من عاقبتها.
وقال علي بن قاسم الكاتب: السجع لهذا الرجل بمنزلة العَصَا
للأعمى، والأعمى إذا فقد عصاه فقد أُقعد، وهذا إذا ترك السّجع فقد أُفحِم.
وقاتُ للخليلي: كيف كان ابن العميد أبو الفضل يقدّم هذا ويرشّحه وهذا عقله ولفظه وشمائله؟ فقال: كان يسترفعه ويضحك منه ولا يغتاظ لأنه كان تحت تدبيره. والرّقاعة الخالية من القدرة مقبولة، وإنما تضاعف اليوم حديثُه في الرّقاعة لأنه أصبح بسيط اللسان بالدولة، مُطاع الأمر في القريب والبعيد؛ ونعوذ بالله من جنون موصول بانقياد الأمور وطاعة الرجال. وكان يقول: هو مع هذا الطيش والخفّة، والتفتل والتثني أفضلُ من أبيه؛ فإن أباه كان ثورا خوّاراً، وحماراً نهّاقاً.
وكان أيضاً يقدَح ابنه أبا الفتح به، ويبعثه على الحركة والنُّطق، وكان أيضاً مظنوناً به وهو غلام ما بقل وجهه.
قال: وأسباب الجدّ عجيبة، وكما لا يدري الإنسان من أين يُخفق كذلك لا يدري من أين ينال.
فقلت للخليلي: أما كان ابن العميد يسمع كلامع؟ قال: بلى، وكان يقول: سجعُه يدل على الخلاعة والمجانة، وخطه يدل على الشلل والزّمانة، وصياحه يدل على أنه قد غُلب بالقمار في الحانة، وما نظرتُ إليه قطّ في وقت إلاّ خِلتُ أنه قد سَقاه العباره دواء مذ ساعة.
وهو أحمق بالطبع إلاّ أنه طيّب، وإن كان له يومٌ تضاعف حمقه، وذهب طيبه، وضرَّ أهل النعم والمروّات والأدب بالحسد والكِبر والإعنات.
قلت للخليلي: هل عرفت طالعه؟ قال: حدثني أصحابنا منهم الهروي أن طالعه الجوزاء كط، والشّعرى اليمانية كط، وكان زحل في الحادي عشر في الحمل كح، والقمر فيه يط والشمس في السنبلة يج، والزهرة فيها ي، والمشتري في الميزان كد، والمريخ في العقرب ز، وسَهم السَّعادة في القوس يد، وسهم الغيب في الجدي يد، والرأس في الثالث في الأسد يا. قال: وخفي عليَّ عطارد. وذكر أنه ولد سنة ثلاثمائة وست وعشرين من الهجرة، ولأربع عشرة
ليلة بقيت من ذي القعدة روز سروش من ماه شهرير.
قلت فأين وُلد؟ فقال: كان عندنا أنه ولد بطالقان، وقال لنا قوم: بل بإِصطَخْر. وقال لي غير الخليلي: كان عُطارد في السُنبلة ط ي.
وكنتُ بالري سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وابن عبَّاد بها مع مؤيد الدولة قد وردا في مهمّات وحوائج، وعقد ابنُ عبّاد مجلس جدَل وكنَّا نبيت عنده في داره بباب سين معنا الضَّرير أبو العباس القاصّ وأبو الحَوراء الرّقي، وأبو عبد الله النحوي الزَّعفراني، وجماعة من الغرباء فرأى ليلةً في مجلسه وجهاً غريباً صاحب مرقّعة،
فأراد أن يفُرَّه، ويعرف ما عنده، وكان الشاب من أهل سَمرقند زعم أنه يعرف بأبي واقد الكَراييسي.
فقال له: يا أخ انبسط واستأنس وتكلّم؛ فلك منّا جانب وطِيّ ومشرب رَوِيّ، ولن تَرى إلا الخير، بم تُعرَف؟ قال: أُعرف بدَقّاق.
قال: تَدُقّ ماذا؟ قال: أَدُقّ الخصم إذا زاغ عن سبيل الحق. فلما سمع هذا تنكّر وعجب، لأنه فُجئ ببَديعة.
فقال: دَعْ ذا، تكلّم.
قال: أتكلَّم سائلاً؟ والله ما بي حاجةً إلى مسألة، أم أتكلم مسؤولاً؟ فوالله إني لأكسَل عن الجواب، أم أتكلّك مقرِّراً؟ فوالله إني لأكره أن أُبدد الدّر في غير موضعه، وإني لكَما قال الأول:
لقد عجَمتْني العاجِمات فلم تَجدهَلُوعاً ولا لينَ المجَسَّة في العَجْمِ
وكَاشَفتُ أَقواماً فأَبديتُ وَصْمَهُموما لِلأَعادي في قَناتيَ من وَصْمِ
فقال له: يا هذا، ما مذهبك؟ قال: مذهبي أن لا أقرّ على الضيم، ولا أنام على الهون، ولا أُعطي صمتي لمن لم يكن وليَّ نعمتي، ولم يصل عِصمته بعصمتي.
قال: هذا مذهب حسن، ومن هذا الذي يأتي الضَّيم طائعاً، ويركب الهَوْن سامعاً؛ ولكن ما نِحلتُك التي تنصُرها؟ قال: نِحْلتي طوِيةَ صدري، ولستُ أتقرَّب بها إلى مخلوق، ولا أُنادي عليها في سُوق، ولا أعرضها على شاكّ، ولا أُجادل عليها المؤمن.
قال: فما تقول في القرآن؟ قال: وما أقول في كلام ربّ العالمين الذي يعجَز عنه الخلق إذا أرادوا الاطّلاع على غيبه، وبحثوا عن خافي سرّه، وعجائب حكمته، فكيف إذا حاولوا مُقابلته بمثله، وليس له مثلٌ مظنون فكيف عن مثل متيقّن؟ قال ابن عبّاد: صَدقت، ولكن أَمخلوقٌ هو أم غير مخلوق؟ فقال: إن كان مخلوقاً كما تزعُم فما ينفعك؟ وإن كان غير مخلوق كما يزعُم خصمك فماذا يضرّك؟
فقال: يا هذا أَبهذا العقل تناظر في دين الله وتقوم على عبادة الله؟ قال: إن كان كلام الله فينبغي إيماني به وعملي بمُحكَمه، وتسليمي لمُتشابهه، وإن كان كلام غيره، وحاش لله من ذلك ما ضرّني.
فأمسك عنه ابن عبّاد وهو مَغيظ، ثم قال له: أنت لم تخرج من خُراسان بعد. فمكث الرجل ساعةً ثم نهض. فقال له ابنُ عبّاد: إلى أين يا هذا قد تكسّر الليل، بتْ هاهنا.
فقال: أنا بعد لم أخرجُ من خُراسان، فكيف أبيتُ بالريّ، وخرج. فارتاب به ابنُ عبّاد، فقفّاه بصاحبٍ له، ووصّاه بأن يتبع خُطاه ويبلغ مَداه من حيث لا يفطن له ولا يراه، فما راغ الرجل عن باب رُكن الدَّولة حتى دخل، ووصل في ذلك الوقت الفائت إليه.
فقيل لابن عبّاد ذلك فطار نومُه من عينه، وقال: أيُّ شيطانٍ
هبطَ علينا وأحصى ما كنّا فيه بيننا، وبلغ أَربَه منّا، وأخذ حاجته من عندنا، بلسانٍ سليط وطبع مريد.
فحدثني الهَرَوي، وكان يبيتُ عند ركن الدولة: أن ركن الدولة قال للخراساني: كيف رأيت كاتب ابننا؟ قال: رأيت وجهه وجه خنزير، وعقله عقل سِنّور، وكلامه كلام مُبَرسم، وحركته حركة مخنّث، ونظره نظر فاجر، ورأيه رأي مُوسْوَس، وأعضاءع أعضاء مفلوج؛ ولقد عشّانا وتعشّى معنا فما زال يذكر القِدر والخبز والأدم والبوارد، والغضائر والمطابخ حتى عرقت جباهنا من الحياء والانخزال، واسترخَت أيدينا من الخجل.
فقال له ركن الدولة: لو علمت أنك هكذا تنقلب عن مجلسه لما أَذِنتُ لك في لقائه، ولكن قد فات.
قال الهرويّ: وكان هذا الكراييسيّ عيناً لركن الدولة بخُراسان،
فلذلك كان قريباً منه وكان أحد رجالات الدنيا، ولم يتمكّن من مُكاثرته.
وقلت للخليلي: بم انفرج ما بين هذا الرجل، أعني ابن عباد وصاحبكم أعني أبا الفتح ذا الكفايتين؟ فقال: كان صاحبنا غِرَاً صعب القياد شديد الزَّهو؛ وهذا على رقاعته لتي تَرَى، ولم يكن بينهما عاقل يرأب المصدوع، ويصل المقطوع، ويرفع الموضوع، ويردّ هذا عن حدّته بلسانه، ويكف ذاك عن تيههِ وامتنانه. وقد كان ركن الدولة يكنُفهما بظله، ويكُفُّهما بفضله، ويخفض لهما جناح إحسانه، ويمزج بينهما في استخدامه، ويجمعهما على طاعته لصحّة رأيه وحسن مداراته؛ ونفوسهما على ذلك تغلي، وصدورهما تفيض، والألسنة تكَنّي، والحواجب تتغامز، والشِّفاه تلتوي، والأعين تختلج، والوشاة تدبُّ، والزمان يعمل عمله؛ فلما مضى سائسهما تفارقا القرحة، وتنازعا الرتبة فكان ما كان.
قلت: ما الذي كان ينقم هذا من ذاك، وذاك من هذا؟
فقال: كان صاحبنا يقول: أشدّ ما عليّ أن خصمي مُعلِّم مأْبون. وكان هذا يقول: كيف أُسامي حَدَثاً صغير الرأس، كليل اللسان، قليل الهمّة، الخيرُ عنده حرّ والدِّرهم في نفسه ربّ؛ وكان يُنشد فيه:
فتىً يمنعُ الطَّعام ولا يمنَع الحُرَمْ
فجميع النساءِ في الحِلّ والمطْبخُ الحَرَمْ
فهذا هذا.
قلت لأبي عُبيد النصراني ببغداد، وكان سهل البلاغة حلو اللفظ، حسن الاقتضاب، غريب الإشارة، مليح الفصل والوصل: كيف ترى كتابة ابن عباد؟
فقال: هي شوهاء فيها شيء في غاية التنقيح، وفيها شيء في غاية الركاكة، وبينهما فُتور راكد، بمذاهب المعلمين الحمقى المتعاقلين أشبه منها بمذاهب السلف الأولين من الكتّاب وأصحاب الدواوين.
قال: السّجع الذي يَلْهَج به هو مما يقع في الكلام، ولكن ينبغي أن يكون كالطّراز في الثوب، والصَّنفة في الرداء، والخط في العَصب، والملح في الطّعام، والخال في الوجه؛ ولو كان الوجهُ كله خالاً لكان مقلياً.
قال: وبديعه في هذا الفن لا تُستَر ركاكته في سائر فنون الكلام، فإن فنون الكلام محصَّلة على التقريب بين البدَد والسجع والوزن، وما يُسمّيه قوم تجنيساً وتطبيقاً.
قال: ومنها شيء يجب أن يُسمّى المسلسل، وأمثلته في كلام أبي عُثمان موجودة، ثم قال: والذي ينبغي أن يُهجَر رأساً، ويُرغب عنه
جُملة التكلُّف والإغلاق، واستعمال الغريب والعَويص، وما يستهلك المعنى أو يفسده أو يُحيله، ويجب أن يكون الغرض الأول في صحّة المعنى، والغرض الثاني في تخيّر اللفظ، والغرض الثالث في تسهيل النّظم وحلاوة التأليف، واجتلاب الرّونق، والاقتصاد في المواخاة، واستدامة الحال، ليستمر الثاني على الأول، والثالث على الثاني، وأن تتوفَّى الفضاء الذي يَعرض بين الفضل والفصل.
قلت: ما معنى الفَضاء؟ قال: عَدَم الرِّباط بين المتقدِّم والمتأخِّر، وهو النُّبُوُّ العارض في النَّفس عند سماعه وتحصيله.
قال: والهُجنة التي ليس بعدها هُجنة، والركاكة التي ليس فوقها ركاكة، الوَلوعُ بالغريب، وما يُشكل فيه الإعراب، ويتجاذبه التأويل؛ فإنَّ هذا وما شاكله كُلفة على النفس عند سماعه، ومؤونة على الطَّبع عند تخيّره، ومشقّة على اللّسان عند اللّفظ به.
ثم قال: فخَيْر الكلام - على هذا التصفُّح والتحصيل - ما أيّده العقل بالحقيقة، وساعده اللفظ بالرّقة، وكان له سهولة في السّمع، ووَقْع في النّفس، وعذوبة في القلب، ورَوْح في الصدر؛ إذا ورد لم
يُحجب، وإذا صدر لم يُنْسَ، وإذا طال لم يُملّ، وإذا قصُر لك يُحقر، له غَنج كغنج العين، ودلّ كدلِّ الحبيب، ولذّة كلذّة الغِناء، وانقياد كانقياد الذّليل، وتيهٌ كتيه العزيز، وجَمْشٌ كجمش الغانية، ووقارٌ كوقار الشّيخ، وحلاوة كحلاوة العافية، ولينٌ كلين الصّيّب، وأخذٌ كأخذ الخمر، وولوجٌ كولوج النسيم، ووقعٌ كوقع القطر، وريحٌ كريح العِطر، واستواءٌ كاستواء السَّطر، وسبْكٌ كسبك التِّبر، يجمعُ لك بين الصّحة والبهجة والتّمام.
فأما صحته فمن جهة شهادة العقل بالصواب، وأما بهجته فمن جهة جوْهر اللّفظ، واعتدال القسمة، وأما تمامه فمن جهة النّظر الذي يستعير من النفس شغفها، ويستثير من الرُّوح كَلَفها.
وقال: قال أبو الرَّبيع: الكتّاب سبعة: الكامل، والأعزل، والمبهِم، والرِّقاعيّ، والمُخِيل، والمخلّط، والسّكّيت.
فأما الكامل فهو الذي له في الإنشاء والإملاء حظٌّ. والأعزل: الذي يُمْلي ولا يكتب. والمبْهم: الذي يكتُب ولا يُملي. والرقاعيّ: الذي يبلغ في الرِّقاع حاجته، ولا يصلُح لعظم الكتابة؛ والمُخيل: الذي له عارضةٌ وبيان، ورِواية وإنشاء، وتعرُّفٌ بالآداب، ولا طبعَ له في الكتابة؛ وإذا كان عاقلاً صلُح لمنادمة الملوك. والمخلّط: الذي يُرى له في الكتاب الواحد بلاغةٌ جيّدة وفَدامة عجيبة. والسّكّيت: المتخلّف المتبلّد، وربّما جاء بالشيء المحتمل إذا تَعَنَّى فيه.
قلت فمِن أيهم ابنُ عباد؟ قال: هو مُشكِل، لا يجوز أن تهضمه فتضعه في أسفل سافلين، ولا يجوز أن تغلظ فيه فترفعه إلى أعلى عِلِّيِّين، ثم ضَعْه بين هذين أين شئت، على أنه على كلّ حال جبلي.
قلتُ له: قد استمرّ قولك بما لو كان تصنيفاً لك لساغَ، وبقي تمامُه في كلمة هذا وقتُ المسألة عنها ومعرفة الحال فيها.
قال: قُل، فقد استرسلنا في الحديث، وتباثثنا كلّ ضمير.
قلتُ: كيف ترى كتابنا أعني القرآن؟ وأنت رجلٌ قد أشرفت على غاية هذا الباب، واستوعبْتَ جميع ما فيه.
قال: ذاك كلامٌ ليس فيه أثرٌ للصَّنعة، ولا علامة للتكلُّف، وهو
كلام منسكب انسكاباً، وجارٍ جرياً يزيد من لُطفه على الطبع، بقدر ما يزيد الطبع على التصنُّع، قليله كثير، وكثيره غزير، ومعناه أقوَم من لفظه، ولفظه أرشق من وزنه، ووزنه أعدل من نظمه، ونظمه أحلى من نثره، ومجموعه أبْهى من مفرّقه، ومُفرّقه أظرف من مجموعه، وبعضه أغرب من كله، وكلّه أعجب من بعضه؛ وهو شيء يستوي تعجّب الجاهل، وتحيُّر العالم، ويستعلي الذهن ويستغرق الفهم، ويحجب الرُّؤية عن الإدراك، ويرُدُّها إلى البديهة في التسليم، وهذا يصحُّ ويبينُ لمن كان ذا أداة تامّة، وعقلٍ ثابت، وعلمٍ غزير، وطبعٍ سجيح، وبصر بالجوهر صحيح، ومعرفة بالصورة والصُّورة، وتمييز بين الحال والحال، ورِفقٍ فيما يزيد البيان عنه، لا يحمّله ما لا يُطيق، ولا يحتمل له ما لا يجب، فيكون في جميع ذلك كالطبيب الحاذق، والنّاصح المُشفِق.
النص من طبعة دار صادر ببيروت عن المجمع العلمي العربي بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع