من «أخلاق الوزيرين» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)
أخلاق الوزيرين (٤)
قلت له: إنما يكون هذا كله وما هو عتيد عندك داعياً إلى الإيمان به، والتصديق لصاحبه.
فقال: أتُراني لا أنصح لنفسي في قضاء الحق عنها مجْتلباً للسعادة، كما لا أنصح لها في اقتضاء الحق لها مُكتسِباً للزيادة؟ بلى والله! ولكن وراءَ هذا ما يُشكل ويُعضِل، ويَطول ويُمِلّ.
وكان هذا الرجل ممن يدون كلامه كما يدون كلام ابن هلال الصّابي......... صاحباً له: يا هذا! انفع صاحبك على كل حال وإن ضرّك، وزيّنه زإن عَرَّك، وحسِّن به ظنّك وإن غرّك.
ومما يدلّ على ولوع ابن عبّاد بالسجع ومجاوزة الحدّ فيه بالإفراط قوله يوماً: حدّثني أبو علي ابن باش، وكان من سادة النّاش، جعل السين شِيناَ ومرَّ في الحديث وقال: هذه لُغة. وكذب وكان كَذوباً.
وكان أبو مالك يكتب بين يديه فقال له: إنما
أنت خطّ وقطّ فقط. وفتَّت أطرافه بحركاته تخنّثاً وتأنّثاً.
وقال لعبد الله المعلم، وقد أنشده: يا عبد الله! أنت طويل النفس، عتيق القَوْس، شديد المَرس.
وقال الشيخ من خراسان في شيء جَرَى: والله لولا شيء لقطعتك تقطيعاً، وبضَّعتك تبضيعاً، ووزّعتك توزيعاً، ومزّعتك تمزيعاً، وجرّعتك تجريعاً، وأدخلتك في حر أمّك، ثم توقف وقفةً وقال: جميعاً.
ومِلح هذه الحكاية ينتثر في الكتابة، وبهاؤها ينتقص بالرواية دون مشاهدة الحال وسماع اللفظ، وملاحة الشكل في التحرك والتثني، والترنّح والتهادي، ومدّ اليد، وليّ العنق، وهزّ الرأس والأكتاف، واستعمال الأعضاء والمفاصل.
وقلت لابن القصار الفقيه: لو ناظرته، وكان يذهب مذهب القلانسي. فقال: الرجل كلف بالمذهب لا يُفهمك ما يقول استكباراً عليك، ولا يَفهم ما تقول استحقاراً لك.
وطلع عليّ يوماً في داره وأنا قاعد في كسر رواق أكتب له شيئاً قد كادني به، فلما أبصرته قمت قائماً، صاح بحلق مشقوق: اقعد! فالورَّاقون أخسّ من أن يقوموا لنا، فهممت بكلامٍ، فقال لي الزعفراني الشاعر: احتمل فإن الرجل رقيع، فغلب علي الضّحك، واستحال الغيظ تعجُّباً من خفّته وسخفه، لأنه قال هذا وقد لَوى شِدقه وشَمَخ أنفه وأمال عنقه واعترض في انتصابه وانتصب في اعتراضه، وخرج في مَسْك مجنون قد أفلت من دير حَنون. والوصف لا يأتي على كُنه هذه الحال لأن حقائقها لا تدرك إلا باللّحظ، ولا يؤتى عليها باللفظ.
أَفهذا كلُّه من شمائل الرّؤساء وكلام الكُبراء وسِيرة أهل العقل والرّزانة؟ لا، والله! وتُرباً لمن يقول غير هذا.
وسمعت الخثعمي الكاتب كاتب علي بن كامة يقول: ما رأيت في طول عمري مع عُلوّ سِنّي وكثرة تجارتي تتبُّعي رجلاً أجمع للمخازي والمقابح والرقاعات والجهالات والخساسات والفواحش والخبائث من ابن عبّاد؛ أَفْيَلُ الناس رأياً إذا ارتأَى، وأنكلهم عن الخصم إذا تراءى، وأقلّهم وفاءً لمن جعله الله وليّ نعمته، وأوقحهم وجهاً مع كلّ إنسان، ولأحدهم لساناً بكل خنىً وفحش، وأحسدهم لنظيرٍ ولمن دون النَّظير، وأسعاهم بالفساد على الصغير والكبير، وأخطبهم على الدّين، وأضرّهم للمسلمين، وأفجرهم من بين العالمين، فقلت له: ما الذي يمدُّه على ما هو فيه، وبأي شيءٍ يطرد له ما هو عليه؟
فقال: لم يبق فيمن فوقه من ينتقد، ولا فيمن دونه من يُزاحم؛ قد خلا له الجوّ فهو يبيض ويصفر، ويتمطّى ويبوع، ويقول
سبعاً في ثمان؛ لم يذلَّ لأحدٍ وذلَّ له كل مُحتاج، وأمر كل إنسان وما نهاه إنسان، وضَرع إليه كل محتاج، وما احتاج إلى غيره، ونشأَ على البطر والجنون، وعلى الخلاعة والمجون؛ فبهذا وأشباهه فسدت أخلاقه، وساء أدبه، وبذُؤ لسانه، ووقح وجهه، وغلط في نفسه غلطاً شديداً؛ وأُعجب بعربيته إعجاباً بعيداً؛ وهكذا يفسد كل من فقد المخطِّئ له إذا أخطأَ، والموبّخ له إذا أساء، والمقوّم له إذا اعوجّ؛ لا يسمع إلاّ: صدَقَ سيدنا، وأصاب مولانا؛ وماله في الزّمان ثانٍ، ولم يُعْرَف فيمن تقدّم له نظير.
رجل في هذه المملكة الواسعة العريضة على ما ترى من التمكن والاستعلاء، وهو لا يُحصّل شيئاً من خرابها وعمارتها، ولا ينظر في مصلحتها ومفسدتها، ولا يعرف المُختلس منها ولا الضّائع بين الناظرين فيها. أعمال بائرة، وبلادٌ غامرة، وأموال محتجنة، وطمع مستحكم، وضعف غالب وعدوٌّ راصد، ووقت فائت بالفُرَص، وخوف مؤذن بسُوء العاقبة؛ وهو قاعد في صدر مجلسه يقول:
قال شيخنا أبو علي وأبو هاشم، تارةً يتقلّس ويتعمّم ويتلحّى ويناظر العامّة؛ هذا البقّال وهذا الخبّاز وهذا الخُلقانيّ وهذا الإسكافَ بالفارسيّة إما بالدَّرية، وإما بالرّزاية وإما بغيرهما؛ ويرى أنه في شيء مهم، وأنه في نشر مذهب ونُصرة دين؛ وتارة يناغي هذا الأمرد، ويعاتب هذا الخادم، وينشد الشعر البارد الذي يُورث الفالج:
أبا يوسفٍ إن العثانين آفةعلى حامِليها فاتخذ لحيةً قصْدا
ولا تَكُ مشغوفاً بسَحْب فضولَهاولا تُوِلَها إلا الإبادةَ والحصْدَا
وينشد:
قد استوجَب في الحكم سُليمان بن مختار
بما طوَّل من لحيته التحريق بالنارِ
أو النتفَ أو الجزَّأو النشرَ بمنشارِ
فقَد صارَ بها أَشهرَ من رايةِ بيْطَارِ
فإذا أَمَلَّ الشعر قال: قال سعيد بن حُميد لأبي هفّان: إن ضرطتُ عليك لأُبلّغنك إلى فَيْد. فقال أبو هفّان: زدني أخرى تُبلّغني مكة، فإني صرُورة.
أَتدري يا أبا فلان ما الصَّرورة، وكم لغة فيها، وما أصلُها، وما نظيرتها؟ ويقول: ضرب المتوكّل على قفحة عُبادة فضرط، فقال:
ويحك ما هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، خليفة يقرع باب قومٍ فلا يجيبونه؟ ويقول: مَرَّ بعليّ بن الحسين العلويّ رجل عبّاسيّ مأبون، فقال: من هذا؟ فقيل: هذا تيس الجِنّ.
فقال: ينبغي أن يُقال له نَعجة الإنس.
ويقول: جمع مُزَبّد بين قَبحةٍ وصديقها في بيت فتعاتبا، فأراد أن يجامعها فامتنعت وقالت: ليس هذا موضع ذا، فسمعها مُزَبّد فقال: يا زانية فأين موضعه أبين القبْر والمِنبر والله ما بُني هذا البيت
إلا من جذْرِ القِحاب، ولا وُزِن ثمن خشبه إلا من أثمان نِعالٍ اختُطِفت في شهر رمضان من المساجد، وما اشتريت أرضه إلا من السّرقة، وما أعرف موضعاً أحقّ بالزّنا فيه منه.
وكان ينشد لابن الحجّاج كلّ سُخف ويستجيده ويُعجب به؛ أنشد له يوماً:
يسائلني محمّد عن أَخيهِوعنهُ وقد بَلوتُهما شديدا
فقلتُ كلاكما جِعسٌ ولكنأَخوك، الحقَّ، أَكثَرُ منكَ دُودا
ويقول: امرؤ القيس والنّابغة يقصّران عن هذا الفن.
وينشد أيضاً له:
ومصرّفٍ أَنفاسَ ليثٍ خادِرٍيصْدُرن عن لهواتِ كلبٍ رابضِ
ذي لثّةٍ غرويةِ الريا وذِيلحمٍ مُصِلٍّ في لعابٍ حامِضِ
رثِّ الثيات يحز منبته دمافكأَنما شَفتاه شفْرَا حائضِ
لم أَدرِ ماذَا قالَ إلا أَنهما زَال يفسو ضِرسُه في عَارضتي
ومن أحاديثه السَّخيفة التي يتنّزه عنها الرؤساء، قال: قدِم أبو فِرعون الأعرابي وكان يسمّى سلمان البصرة، فنظر إلى بعض آل المهلّب على بابه قد فرش له، ووصيفة أدماء كأنها طبية قائمة تذبُّ عنه، فجعل يجمح إليها ويحدّ النظر، فقال له صاحبها أتشتهيها؟ قال: إي والذي خلَقها.
قال: فهل لك أن تكشف عما معك بين يديّ وتنكحها وتنكحها وأنا أنظر؛ فإن فعلت ذلك فهي لك.
فلما ألقاها وأخرج متاعَه كأنه عمود البيت، وبرّك عليها صاح به الناس: زَرّ، زَرّ، فأكثروا عليه، فاستحيا وفتر وولّى هارباً والناس في إثره يصيحون، وأخذ برأس متاعه وقال:
يالك من ايرٍ جُزيتَ شرّا
أَقمتُه حتى إذا اكفَهرّا
واضطَرَبت أَعراقُه ودَرّا
عادَ إليَّ وجهُه مُزْوَرّا
أُرِيد جُوَّا ويريد بَرَّا
كأَنَّه صاحبُ ذنبٍ فرَّا
كأَنما أَلقِم شيئاً مُرّا
وما عليك أَن يُقالَ زرَّا؟
وحدّث أيضاً: قال عُبادة: اختصم الحر والحجر في الجلدة التي بينهما، فكان كل يدّعيها، فتقدّما إلى الاير. فقال ليست لأحدكما.
قالا: فلمن هي؟ قال: هي لي إذا دخلتُ حططتُ عليها رحلي، وإذا خرجت استرحت عندها من كَربي.
وحَكى يوماً عن جحظة قال: كانت لي جارية فحبلت، فقلت لها: يا ملعونة مَن أحبلك! قالت: مَن غرَّقه يا مولاي.
قال: وقيل لعُبادة: لم صار الصَّفع بالقرع على القفا ثقيلاً، وفي الجوف خفيفاً، قال: لأنه ينزل على القفا جملة ويدخُل في الجوف تفاريق.
وكان ديدَنُه السُّخف والخلاعة والمُجون، والرواية عن مُزبّد المدني وأبي الحرث حمين وعُبادة، وجحظة ونَضْلة بن البك ومَن أشبه هؤلاء. وكان يضع أحاديث من الفواحش على بني ثوابة ويرويها عنهم
ويَسمُهم بها. وكان القوم مُعاذِين منها، على ما حدّثنا شيوخ جِلّة كرماء لهم دين ومروّة. وكان يتكذّب على اليزيديين وغيرهم. وكان أكثر هذا فيه، وإنما كان يتحدّث بمثله تَبَرُّؤاً ونزاهة، وكان أدنسَ من الخنزير.
ولمثل هذه الخصال كتب إليه أبو راغب، فتىً من آل أبي جعفر العُتبي الوزير بخراسان رسالةً هتكه بها؛ وأنا أرويها لتعلم أني لم أتفرّد بتهجينه والنكير عليه، بل كلّ حُرّ كريم، وكل ديّن مذكور، وكل ذي مروّة ظاهرة معي فيما نثوتُ عنه وكرهته منه؛ فإن لم تعبأ بما تسمع مني فاعبأ بمن لعلّه عندك أشف مني، ولا تتسرع إلى عيبي هذا الرجل بما قد دوّنته حتى تتبيّن الأمر على حقّه وصدقه.
كتب أبو راغب: أصلحك الله أيها الرجل لنفسك، فإنك إذا صلحت لنفسك صلحت لقريبك وبعيدك.
أما بعد فإن بُعد صِيتك بعثَني على تصفُّح شأنك، وتصفُّحي لذلك
وقفني على أحوال كرهتها لك، وأنفتُ منها لمن بلغ دَرجتك، والعيب منك مُضاعف، واللّسان فيك جوّال، والحقد عليك سريع؛ ولولا الحال التي أنت عليها من القُدرة والتمكُّن لكان العذر يناضل عنك، والتوبيخ يتبدّد دونك، وما أحسن ما قال شاعر عصْرك في نظمه:
ولك أَرَ في عيوبِ الناسِ شيئاًكنقص القادرين عَلَى اللتمامِ
قد خولّك الله ما يفوت ذرع همّتك، وآتاك ما يتجاوز اشتطاطك في حُكمك، من المال والثروة والرياسة والعلم والقوة والمكانة؛ ولم يخصّك بهذا كله بسابقةٍ لك عنده، ولا حقّ لك عليه، بل كلّه تفضُّل في الأول، واختبار في الثاني، وثواب أو عقاب في الثالث.
ولقد شاهدت وسطي في تعرُّف أخبارك، واستعنت كلّ عينٍ وأُذن في معرفة ليلك ونهارك، فلم أجد في تفصيل ذلك إلا ما يعصب برأسك العار، ويحشد عليك أسباب الدّمار، وتكون عاقبتُك منه دخول النار؛ لأنك تظهر القول بالوعيد ثم تركب كلّ بعير كبير، من أخذ المال
المحرَّم، واستباحة الحريم المصون، وقتل النّفس المؤمنة، ومُساهمة الفسَقة الفجرة، وخِدمة الظلمة الغَشمة، وتقديم أهل المُجون والعيارة، وفي عُشر هذا سقوط المروّة، والإنسلاخ من الديانة.
فيا أيها المُدِلُّ بالتّوحيد والعدل أَهذا كله في مذهبك أو
في مذاهب أسلافك؟ مثل واصِل بن عطاء وعَمرو بن عُبيد، وأبي موسى المُرْدار، والجعفَرين؟
أما كانوا - مع بِدعتهم التي شانوا بها وجه الإسلام، وكادوا بها أهله - مجتهدين في غير ما أنت به راضٍ لنفسك ومُصرٌّ عليه باغترارك؟ إن الله لا يخادع، ولا منجاة للعبد إلا بالطاعة الخالصة، والتوبة النّصوح؛ هذا إذا كان الإيمان ساكن صدره والخوف من الله متردداً في أقطار فكره، واليقين بالمعاد عمود دينه، والعلم بالجزاء راسخاً في فؤاده؛ فأمّا إذا كان عارياً من هذا كله فهو الكافر بعينه الذي سمعت به، وعاقبة الكافرين (جَهنَّمَّ يَصْلَوْنَها وبِئسَ الْمَصِيرُ).
والله ما حركتني لنبذ هذا الكلام إليك حِيبةٌ عليك؛ لأني
لم أنتجِعك، ولم أطمع في مالك، ولا عرفت وجهي، ولا سمعت باسمي، لكن أبت نفسي أن تقرّ على الجهل بحالك، وبِدُخلة ما يكون أمثالك، فآثرتُ نصيحتك؛ فإن النّبي صلى الله عليه قال: " الدِّين النَّصِيحة ". وما أخوفني أن تكون جرأتك على هَتك حُرُمات الدين، ومُعارضة الصالحين، مع العكوفة على الخُسران المبين، إنما قَويت ورَبت لأنك شارد على ربك، نافر من دين نبيّك، مُدَّع له بلسانك، شاكٌّ فيه بفؤادك، مُتعجّب ممّن له إخلاص، أو له بالدَّينونة اختصاص؛ والويل لك إن كنت بهذا قانعاً من نفسك في الحال الأُولى، ثم الويل لك مع الثُّبور إن كنت جاهلاً بما عليك في الحال الأخرى.
حدّثني أي أمرٍ أنت فيه على رشد، وآخذ منه باحتياط؟ أما أنت عليه مع الغلمان المُرْد الجُرد؟ أم ما أنت مشهور به من المجانة والسُخف؟ ثم تدّعي الإطعام للخاصّ والعام، وقد شاهدنا فوجدنا على بابك قوماً يضربون بالمقارع وجوه الناس، ويُحطُّون على رؤوسهم العذاب، طرداً
لهم وإبعاداً، أَفَما هذا بأمرك وعينك وأُذنك؟ فلِم تتكلّف ما لا تُقرّ به؟ ولِمَ تدّعي مالا تسلم فيه؟ لقد وقفنا عياناً من استخفافك بالأحرار، ووضعك من ذوي الأقدار، وكُفرك بوليّ نعمتك، وتعرّيك من كل شبهة في أمرك، ما لو تنفَّسنا به بين الناس، أو رسمناه بالقلم بالقرطاس، لكان ذلك زائداً على تمرّد فرعون، وكفر أبي جهل وجُرأة ديك الجن.
لقد قيسَتْ مروّتك إلى مروات قوم قُرفوا بالزندقة فوُجدت مروّاتهم فوق ديانتك، ولقد رأينا قوماً لم يتحلّوا بالدعوى تحلّيك استنفدوا قوتهم في طلب مرضاة مؤمِّليهم ومُنتجعي قطْرهم، وبلغوا من ذلك المبالغ. وأنت مع تمكّنك ويسارك لم تسمح من الشاة بظلفها، ثم ملأت الدنيا بَقْباقاً بالامتنان على الصغير والكبير، كأنك خالق الخلق
وباسط الرزق. انظر أيها الرجل أي آخر سوءٍ لك؛ والله إنك شديد الثقة، وقد قيل: رب واثق خَجِل. أيها الرجل!
ما طار طَير فارتَفَعْإلاّ كما طار وقَعْ
أما تعتبر بما آل إليه أمر ذي الكفايتين مع ذلك البأو والخُنزُرانة؟ أما رأيت بعينك في هذه السنين ما يحدوك على الأخذ بالوثيقة لنفسك؟ وكف اليد عن كثير مما يوتغ دينك، ويهشم أنف مُروتك، ويقطع عرق أُبوتك، ويهيج الألسنة على تبكيتك، ويبسط الأيدي في الدعاء عليك، ويحشو القلوب في الدعاء عليك، ويحشو القلوب تمنِّي زوال دولتك.
فاتَّعظ بقول الشاعر:
يا أيها الباغِي عَلَى الأَحرارثقةً بلِين مَقادَة الأَقدارِ
لا تَغْتَررْ بمدىً تَطاولَ حينُهفالظلْمُ يُقصِر من خُطى الأَعمارِ
والعيشُ نَهْلةُ واردٍ ولَرُبَّماسُدَّت عليه مَدارجُ الإِصدارِ
وأختم قولي هذا بما قال بعض السّلف لأصحابه، قال: أُحذِّركم الدُّنيا وأُخوّفكم يوم التَّناد، يوم لا يُعرف لخيرٍ أَمَدٌ، ولا ينقطع لشرٍّ أمد، ولا يعتصم من الله أحد.
وأرجو أن تسمع ما صدقت القول فيه بانتصاح، وتعرف ما تؤتيه بارتياح، والسلام.
قال: ويقول أيضاً: قال أبو العيناء لحجّاج الكاتب: ابنك في أي شيء هو من النّحو؟ قال: هو في باب الفاعل والمفعول. قال: هو إذن في باب والدَيه.
ويقول: قيل لأعرابي: اشترى الأمير سراويل من فَنَك. قال: التقى الثوبان.
ويُنشد:
شيخٌ لنا يُعرَفُ بالخُلْدِييُريده في غلظ المُردِي
أَدْخَلنِي يوماً إلى دارِهفناكَني والايرُ من عندي
قال الخثعمي: وهو في هذا اكله على نَزَق فيه شديد، وقهقهة عالية، وتفكُّك قبيح، وسيَلان مُنكر، وشمائل مندثرة.
الويلُ له! هلاّ ترك هذه السخافات والحماقات على قومٍ يليق بهم هذا النّمط، وأقبل على الدّولة فنظم مختلّها، وسدّد التي ليس لها محصول.
يا قوم! أيُّ دينٍ يصحّ له وقد قتل آل العميد؟ وأي وفاءٍ يسلم له وقد سمّ أولاد بُويه الذي هو وليّ نعمته، وحافظ مُهجته، وباسط يديه، وبه نال ما نال، وبلغ ما بلغ؟ وأيّ مُروّة تبقى له، وهو يمنّ بالقليل إذا أعطى؟ وأي كرم يُعتقد فيه، وهو يَغُرّ الآمل ويسحبه على الوعد حتى إذا انتهى فقراً أو ضجراً حرمه حرماناً يابساً، ورده ردّاً مُرّاً، وأعطاه شيئاً قليلاً وقحاً؟
وهل تجد فيمن تقدّم عنده ونفق عليه غير ابن المنجّم وهو
يعبث بلحيته وهامته؛ ويسخر منه ويضحك به؛ ويعمل له الشعر في النّوروز والمهرجان وغيرهما، ويسمعه في هيئة يوم المحفل، ويطرب على إنشاده ويقول: ما أحسن شعرك! وما أسلسَ طبعك! ويُطيعه على ذاك، ويتقدّم إليه بالقيادة وبكل ما لا يُجيزه الدين والمروة؛ وكذلك ابنُ نجم الآخر أبو محمد جِبسٌ جاهل صلِف، وسبيله وحديثه أو يقول: وردتُ على مولانا الصاحب، وأنا كالبدر إذا طلع، فعشِقني وعشق عِذاري وهام بسببي ورُزِقتُ منه، وخففت على قلبه، وحظِيت عنده، وكان يُعجبه منّي ما لا يجوز التحدّث به.
وصدق الخثعمي في هذا كله؛ كان أبو محمد يقول ما هو أكبر مما قال، وكان مع ذلك في مَسك كلبٍ خِسّةً ولؤماً وطمعاً؛ رأيته يوماً وقد كتب لإنسانٍ كتاباً بمكنسةٍ أخذها منه وجعلها في كُمّه.
وقضى لآخر حاجةً بعشر باذنجانات، والباذنجان إذ ذاك بالريّ مائة بدانق.
وقال أيضاً الخثعمي: وهل يتقدّم عنده إلا هؤلاء الهُوج الطَّغام الذين يجوبون الدنيا، ويدخلون كل ميدان، ويسخرون منه فيقولون: فعَل مولانا، وكان مولانا، وما رأينا مثل مولانا؛ وإن رأى مولانا أمكننا من نسْخ رسائله وكَتْبِ ألفاظه، فإذا سمع هذا وأشباهه ماعَ وسال وترَجْرَج وذابَ وأعطى عليه وجاد.
وقال أيضاً: كيف يُدَّعى له التَّبريز في كل علم وهو لا يعرف النحو إلاّ ما جلّ منه، ومن الكلام إلا ما وضح؛ ثم هو في اللّغة على تصحيفٍ شديد، وتخليط كثير، وفي الأخبار على تمويهٍ لا يخفى على مُميّز؛ وقد أفسد رسائله بطريقة المتكلّمين، وأفسد طريقة المتكلّمين بطريقة الكُتّاب، وكذلك النّحو واللغة والحديث، وهذا وصفٌ لا يدفعه إلا مُكابر.
وصدقَ هذا الشيخ، فإني رأيت ابن ثابت البغدادي المحدّث، وقد سأله عشيةَ يومٍ عن قول النبي صلّى الله عليه: " قَوِّموا صُفُوفَكم فَتراصُّوا، لاَ تَتخلَّلكم الشياطين كأنّها بَناتُ الحذَف ": ما الحذف؟ فلم يُجبه وقال: سأقول لك، وأخذَ في حديث آخر.
قال الخثعمي: وهو مع هذا كلّه يكذب صُراحاً في كل شيء، يقول: كان عندنا معلّم، وسُئل عن " يوسف " أَذكر هو أم أُنثى؟ فقال: " يُوسف " يُذكَّر ويؤنَّث، ألا ترى إلى قول الله ﷿: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا)، ثم قال: (وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ)، وقد اجتمعت له العلامتان.
واكن هذا ينسبه إلى إنسان معروف بالأدب، ولكنه كان يُحمّق ابن عبّاد وينُث مخازيه، فكان هذا يضعُ عليه نوادر باردة.
قال: ويقول: دخلت بغداد فلقيت أبا سعيد السِّيرافي، وعليّ بن عيسى، والمَراغيّ؛ وناظرتُ المراغيّ في " عَسَى " و " لعلّ " و " كاد " وغير ذلك فأبرزتُ وذُكرت، وأشير إليّ بالأصابع، وفسح لي في المجامع؛ وكذلك ناظرتُ فلاناً وفلاناً، وأفدتهم أكثر مّما استفدتُ منهم.
وسألت أنا أبا سعيدٍ عن هذا فقال: سُبحان الله! وسكت استعظاماً لهذا الحديث ونفياً له. وهو كما أومأ إليه.
وقلتُ للمراغي: أكان لهذا الحديث أصلٌ فقال: لا، والله.
وقال الخثعمي: وهل يدلّ ولوعه بالعَروض إلا على سوء الطبع وقلّة التأتّي؟ وكان أخذها عن البديهي، وإنما ردؤ شعر البديهيّ أيضاً لمثل هذا، وبلغ من جنونه عليها أعني العَروض أنه كان يُلقيها على كل إنسان، ويطالب به كلّ شاعر وكاتب، حتى أخذ في هذه الأيام يلقّن غُلاماً تركياً وآخر قُوهياً وآخر زنجياً؛ وكان يُظهر بهذا وما أشبهه الحذقَ والبراعة والتخريج.
ثم ينظر في كتاب " الفصيح "، " ومختصر " الجَرْمي، ويقول: ما رأيتُ كاتباً يُخطئ إلا من هذا، ولا يَلحَن إلا من هذا. وهذا - حفظك الله - منه مُغالط، إن الكاتب قد يُخطئ من غيرهما
أيضاً، وهو ذاك المُخطئ المحرِّف إذا وزنتَ كلامه بالقسطاس، واعتبرته بالقياس على ما أوضحه العلماء والنحويون، قال: ومَن أرادَ ذلك بيّنتُ له، فليس الباب دونه مُغلقاً ولا الطريق إليه مُتعسَّفاً.
ثم قال الخثعمي: وهل مَداره إلا على السُّخف والجَبَه والمكابرة والبَهت، يقول فيمن هو أكتب منه وأعَفُّ وأَسرَى:
حجر أَبي نَصْرِ بن كوشادأَوسعُ من مصرَ وبَغدادِ
قلتُ له: هل لك في فَيشَةٍفقال مولايَ وأُسْتاذِي
أَفهذه مخايل ذوي الأقدار والرياسة؟ أم مخايل أصحاب الرَّعاع والسفلة؟
وهل شاع القول بتكافؤ الأدلة في هذه الناحية إلا به؟ وكثرا المِراءُ والدل والشّكّ إلا في أيامه، لأنه منع أهل القصص من القصص والذكر والزّجر والمواعظ والرقائق، ومنع من رواية الحديث
- وقال: " الحديث " حشو - وتفسير القرآن، ونشر التأويل، وسماع قول الصحابة والتّابعين، وما يُعنَى بين الحلال والحرام، ويتعلّق بجلائل الأحكام، وطَرَدَهم ونَفاهم؛ منهم: ابن فارس، والرُّويانيّ، وابن بابَوَيه، وابن العطّار، وابن شاذان، والبَلخيّ، وفلان وفلان؛ وأجلس النجّار يخدع الديلم بالزّيدية، وزعم أنه على مقالة زيد بن عليّ ورأيه ودينه ومذهبه، وزيدٌ يعلم الله منه -
بريءٌ، لفسقه وفجوره وتهتُّكه وظُلمه وغَصْبه ونهْبه وقتْله النفس المحّرمة، وأخذه الأموال المحظورة. أتُرانا لا نعرف مذهبَ زيد، وأن جميع ما هو فيه مخالف للدين والإسلام.
وقال الخثعمي: زعم أنه إنما منَع المذكّرين والقُصّاص لئلا يفشو الحشو والتشبيه ولِئلا يُنشِّئوا عليه الصغير والكبير، فهلاّ منع من الكلام والجدل لئلا يفشو الإلحاد، ولا تكثر الشُّبه؟ ثم يجلس لأصحاب الحديث، ويروي ويُفسل ويكذب ويختلق الإسناد ويبتِك المتن. فأي عيبٍ لم يظهر به ولم يغلب عليه؟ وأيّ خِزْيٍ لم يبن ولم يكثر؟ وأي فعلٍ سيءٍ لا فعله؟ أَليس هو سبب كل قبيحة، وفاتح كل باب شرّ؟ فما هذا الغلط فيه؟ وما هذا التعصّب له؟ وما هذا اللّجاجُ بسببه؟ أَمن العدل الذي يُدل به في مذهبه أن يجور ويغصب،
ويقتل؟ أم من التديُّن ب " التوحيد " أن يركب الفاحش ويأتي القاذورات؟ ويخلو بالأُبَن والسوءات؟ ويتسنّم الكبائر المبيرات؟ ثم يبني داراً يسمّيها دار التوبة استهزاءً وسخرية وسُخْنَةَ عين؟ أم من المعروف أن يتعاطى كل منكرٍ قولاً وفعلاً؟ إني لأظن أن من ينصر هذا الرجل لأَعمى أصمّ قد أسلمه الله من يده، وألجأه إلى الشيطان قرينه.
أم من العقل والمروّة والكرم والفتوة أن يقول: أين مائدتنا من مائدة مطرّف؟ يعني أبا نصر مطرف بن أحمد وزير مرداويج الجبلي، وكان أكرم الناس؛ ومن مائدة المهلبي؟ ومن مائدة ابن العميد؟
وأين طعامنا من طعامه؟ وأين إطعامنا من إطعامه؟ وكان أبو الفضل سيّداً، ولكن لم يشُقُّ غبارنا، ولا أَدرك شِوارنا، ولا مسح عذارنا، ولا عرف عَرارنا لا في علم الدين، ولا فيما يرجع إلى منافع المسلمين. فأما ابنه فقد عرفتم قدره في هذا وفي غيره؛ طيَّاش قلاّش، ليس عنده إلا قاش وقماش، مثل ابن عياش والهروي والحواش.
يا قوم! هذا كلام من له عقل ويرجع إلى رزانة؟ ثم يقول في مجلسه: أنا الذُّعاف لمن حساني، والجُراف لمن عصاني، والجُحاف لمن عَناني أو حرّك عِناني؛ أَخْمصي فوق هامة الدّهر، أين ابنُ الزيّات منّا؟ أين ابن خاقان من غُلامنا، يعني أبا
العباس الضّبي، ومن عليُّ بن عيسى الحشوي، ومن ابن الفرات الأرعن، ومن ابن مُقلة الخطّاط، ومن الحسن بن وهب الضرّاط؟
هل كانوا إلاّ دوننا إذا ذُكرت سيادتنا، وشوهدت سعادتنا. وُلدت والشِّعرى في طالعي، ولولا دقيقة لأدركتُ النبوّة، وقد أدركت النبوّة إذ قُمت بالذّبّ عنها والنُّصرة لها؛ فمن ذا يجارينا ويُمارينا ويبارينا ويُهادينا ويُضارينا ويُسارينا ويُشارينا؟ وكاد الخثعمي لا يقطع هذا المجلس لطول ما مرّ فيه، وشِدّة ما أهمّه منه.
فهذا كما ترى.
وقلتُ للمسيبي يوماً: لم انقطعت عن هذا الرجل، وقد كان مُحسناً إليك، مُقدِّماً لك، مُعجباً بك؟ فقال: الصَّبر على الرَّقاعة مُعوز، ومُكاذبة النّفس وخِداع العقل من الكلَف الشاقة والأمور الصّعبة، ولَعَن الله الرّغيف إذا لم يصب إلا بضَعَة النّفس، وغضاضة القدر، وكدّ الروح، ومفارقة الأدب الحسن، ودَنس العِرض النَّقي، وتمزيق الدّين المعتَقَد، وكسب الزّور المُحبِط، وإزالة المروّة المخدومة؛ وإني لَكما قال الشاعر:
وإِني عَلَى عُدْمي لَصاحِبُ هِمّةٍلها مذهَبٌ بين المَجَرَّة والنَّسْرِ
وإِنَّ امرءاً دُنْياهُ اَكبَر هَمِّهِلَمسْتمسِكٌ منها بحَبْل غُرورِ
وسمعته يقول لابن ثابت: جعلك الله ممّن إذا خَرئ شطَّر، وإذا بالَ قطّر، وإذا فَسَا غَبَّر، وإذا ضَرط كبَّر، وإذا عَفَج عَبّر.
وهذا سُخف لا يليق بأصحاب الفُرضة، والذين نشؤوا بالمزرفة، واختلفوا إلى الخندق ودار بانُوكَه والزبد والخُلْد.
وسمعته يقول: أنشدني صِقلاب، وابنُ باب، وقرأتُ على
ابن البوّاب، وسمعت من ابن الحُباب، ورويتُ لأبي المرتاب الدّباب كلّ شيءٍ عُجاب.
ولقد تحيّر المهلّبي منّي، وعرف مُعِزّ الدولة فضْلي وأدبي وأكبر قدري، وبلغ الحدّ الأقصى في أمري.
وأنشدني أو دُلَف الخَزْرَجيّ عندما رأى من كلَفه بالمذهب وإفراطه في التعصُّب:
يا بن عَبّادِ بنِ عَبّاسِ بنِ عبْد الله خُذْها
تُنكِر الجَبْرَ وقَد أُخْرِجْتَ لِلْعَالَم كُرْها
وكان إذا نشط واهتزّ لا يُسمع منه إلا حديث عُبادة وجَحْشَويه وأمثال هؤلاء.
وكان يضع على بني ثوابة كلَّ حِكاية غَثَّةٍ فاحشةٍ؛ وكان إذا أراد أن ينفي عن نفسه ما يُقرف به، قال: قيل لقاضي الفتيان: نيك الرّجال ريبة. فقال: هذا من أراجيف الزُّناة.
وقيل لابن ماسَوَيْه: الباقلَّى مقشورةً أصحُّ في الجوف.
فقال: هذا من طِبّ الجِياع.
وقيل للُوطي: إن اللّواط إذا استحكم صار حُلاقاً قال: هذا من توليد أصحاب القِحاب.
فأما الذي يدلّ على كلام المُبرسَمين والمجانين ومن قد شُهر بالصَّرع والماليخوُليا فما سمعته يقول لشيخٍ خُراساني قد دَعَا به وأكرمَه وتوفّر له وكلَّمه؛ فسمعته يقول: ما يجب أن يكون لا يقتضي، وما يكون منه لا يجب أن يكون، وقد يجب أن يكون ما يكون، ويكون ما يجب أن لا يكون، وإنما لا يكون ما يجب أن يكون، ويكون ما يجب أن لا يكون؛ لأن ما لا يجب أن يكون ليس في وزن ما يكون، والكون والوجوب لا يتلازمان، بل يجتمعان ثم يفترقان، والاجتماع والافتراق عليهما جاريان؛ فلهذا يُرى الواجب كائناً والكائن واجباً، وما أكثر من يظنّ أن الكون متضمّن الوجوب، والوُجوب متضمّن الكون، وتحصيل الفَضْل بينهما بالنّظر من سِحر العقل.
وهذا فنٌ لم أجد فيه لمشايخنا شوطاً محموداً، ولعلي أُملي فيه كلاماً بسيطاً بجميع ما يكون شرحاً له إن شاء الله.
فلما خرجنا قلتُ للشيخ الخراساني، وقد أخذنا في المؤانسة وتجاذينا أطراف الحديث كما قال الشاعر:
أَخذْنا بأَطرافِ الأَحادِيث بينَنَاوسَالَتْ بأَعْناقِ الْمَطِيِّ الأَباطحُ
كيف سمعت الليلة ذلك الكلام في الكون والإيجاب؟ فقال: يا حبيبي! إما أن يكون هذا الرجل مرحوماً في أيديكم أو تكونوا مرحومين في يده. أما في بلدكم مارستان؟ أما للسلطان شفقة على هذا الإنسان، أما له من يأخذ بيده وينصح له في نفسه ويكسح هذا الجزء من عقله، إنا لله وإنا إليه راجعون؛ غُمَّ عليّ باسمه عندنا بخُراسان، وطُنِزَ بنا به في تلك البلدان، وقد كان،
والله، يلوحُ خلل كبير لقوم من أهل العقل والأدب والحِكمة من رسائله ورِقاعه، وكانوا يحملون الذّنب على الورّاقين.
وقال يوماً آخر لابن القطّن أبي الحسن الفقيه المتكلّم: أيها الشيخ أنت على الحقّ؟ قال: نعم.
قال: واللهُ الحقّ؟ قال: نعم.
قال: فأنت على الله.
فقال القصّار: الحمد لله على سرعة هذا الانقطاع، وسُطوه هذا البُرهان، ولُزوم هذا الحكم.
فلما خرج قلنا له: هلاّ فصّلت أيها الشيخ وقد عرّض بك، وتضاحك عند الإشارة إليك؟ فقال: وما مُنا قَلتي رجلاً لو كان في المارستان مغلولاً لكنت لا آمن جانبه إذا كلّمته، فكيف وهو مُطلق
مطاع، ونعوذ بالله من مجنون قادر مُطاع، كما نعوذ به من عاقل ضعيفٍ مَعْصيّ؛ ثم قال: وهذا الكلام من صاحبه سوء أدب، وضعف عقل، وجَسارة نفس، واجتلاب مقت، وقلّة دين؛ إن الحقَّ الحقّ اسمان يقعان بالاشتراك في اللّفظ على معنيين مُختلفين، وأنا على الحق، ولكن الحق الذي ضدّه الباطل، ولستُ على الحق الذي لا ضدّ له؛ والحقّ يُطلق على الله ويُراد أنه محقِّق، والحق يُطلق على ما عداه ويُراد به أنه محقَّق؛ والله الحق المُحِقُّ المحقِّقُ، وما جاوزه فهو الحق المُحقّ المُحقَّق؛ وإذا قيل في وجهٍ آخر: الله محقَّق فالمراد به غير هذا، لأنه يُراد به أنه مُثبت موجود، ومعتَقَد مشهود له بالوحدة والقدرة والحِكمة والمشيئة.
وحدّثنا ابن عباد يوماً قال:
ما قطعني إلا شابٌّ ورَد علينا أصبهان من بغداذ، فقصدني
فأذنت له، وكان عليه مُرقَّعة، وفي رجله نعل طاق. فنظرت إلى حاجبي، فقال له، وهو يصعد إليَّ: اخلع نعلك، قال: ولم؟ ولعلّي أحتاج إليها بعد ساعة، فغلبني الضحك وقلت: أَتُراه يريد أن يصفعني بها.
وقال لي علي بن الحسن الكاتب: هجرني في هذه الأيام هجراً أضرَّ بي، وكشف مستور حالي، وذهب عليَّ أمري، ولم أهتد إلى وجه حيلةٍ في مصلحتي، وورد المهرجان فدخلت عليه في غمار الناس، فلما أنشد يونس تقدّمتُ وأنشدتُ، فلم يهشّ لي ولم ينظر إليّ، وكنت ضمَّنتُ أبياتي بيتاً له من قصيدة على رويّ قصيدتي، فلما مرّ به هذا البيت هبّ من كسله ونظر إليّ كالمنكر عليّ، فطأطأتُ رأسي، وقلتُ بصوتٍ خفيض: لا تلم، ولا تزد في
القُرحة، فما عليّ محمل؛ وإنما سرقتُ هذا البيت من قافيتك لأُزيّن بها قافيتي، وأنت بحمد الله تجود بكل عِلقٍ ثمين، وتهب كل جوهرٍ مكنون، أَتُراك تُشاحُّني على هذا القدر، وتفضحني في هذا المشهد؟ فرفع رأسه وصوته وقال: يا بُني أعد هذا البيت. فأعدته، فقال: طنَّانٌ والله! يا هذا! ارجع إلى أول قصيدتك، فقد سهونا عنك، وطارَ الفكرُ بنا في شيءٍ آخر؛ والدُّنيا مَشغلة، وصار ذلك ظلماً لك لا عن قصدٍ منا ولا تعمُّد.
قال: فأعدتها وأمررتها وأطربتُ بإنشادها، وفَغَرتُ فمي بقوافيها؛ فلما بلغت آخرها قال: الزَم هذا الفنّ فإنه حسن الدِّيباجة، وكأنَّ البُحتريّ قد استخلفك، وأكْثُر بحضرتنا وارتفِع
بخِدمتنا، وابذُل نفسك في طاعتنا نكُن من وراء مصالحك بأداء حقّك والجذْب بضبعِك، والزيادة في قدرك على أقرانك.
قال: فلم أرَ بعد ذلك لا الخير، حتى عراه ملل آخر، فعاد إلى عادته، ثم وضعني في الحبسِ سنة، وجمَع كتبي وأحرقها بالنار، وفيها كتب الفرّاء والكسائي، ومصاحف القرآن، وأصول كثيرة في الفقه والكلام، فلم يميّزها من كتب الأوائل، وأمر بطرح النّار فيها من غير تثبّت، لفَرط جهله وشدّة نزقه.
أَفهذا يا قوم من سيرة أهل الدين، أو أخلاق ذوي الرياسة، أو من جنس ما يُعتاد ممن له عقل أو تماسك؟ وهَلاّ طرح النار في خزانة كتبه على قياس هذا؟ فإن فيها كتب
ابن الرَّوَندي، وكلام ابن أبي العَوجاء في مُعارضة القرآن بزعمه، وصالح بن عبد القُدُّوس، وأبي سعيد الحصيري مع غيره من كتب أرسطا طاليس وأشباهه. ولكن من شاء حَمّق نفسه.
كان الأقطع المنشد الكوفي يقول كثيراً: لو لم تستدلّ على جنون هذا الرّجل وقلّة دينه وضعف عقله إلا بنفاقي عليه لكفى؛ لأني رجل قُطعت في اللّصوصية، فما قولُك في لصٍ مقامر؟ أقودُ وأَلوط وأَزني وأنمُّ وأضرِب، وليس عندي من خيرات الدُّنيا شيء؛ لأني لا أُصلي ولا أصوم، ولا أُزكّي ولا أحُجّ، ونشأتُ في المساطب والشطوط والفُرض والمواخير، ومشيت مع البطّالين سنين وسنين، وجرحت وخنقت وطررت ونقبت وقتلت وسلبت وكذبت وكفرت
وشربت وسكرت وشابكت وساكنت وماحكت ودامكت. ولم يبق في الدنيا منكر إلا أتيت، ولا خَنَى إلا ركبت؛ وهو على هذا يُغريبي ويلجّ معي ويؤذيني ويمنعني من الرّجوع إلى بيتي وامرأتي، قد حبسني في داره هكذا، فإذا اغتلمت جلدت عُميرة ضرورة.
وصدق هذا الشيخ، كذا كان مذهبه، وعليه شاخ، ولكنّ ابن عبّاد كان يتعلم منه كلام المُكَدِّين، ومُناغاة الشحّاذين، وعبارة المقامرين ومن يصرّ في اللعب بالكعبتين، ويضجر ويكفر وينخر ويشقّ المِئزر، ويبزق في الجوّ؛ وكان لا يجد هذا عند أحدٍ كما يجده عنده، فلذلك كان يتمسك به.
وكان الكوفي هذا، مع ما وصفناه، طيّباً مليحاً نظيفاً فصيحاً، وهو الذي حدثنا عن بعض أصحابه في المسطبة.
قال: قلنا له: إنك تُحب الطِّيب، وتلهج بالنكاح وتُفرط.
قال: فقال لنا: والله ما أقتدي في هذا إلا بنبيّنا صلى الله عليه، فأنه قال: " حُبِّب إليَّ من دنياكم ثلاثة الطِّيب والنّسَاء ".
قال: فقلنا له: ففي الخبر: " وجُعلت قُرَّةُ عيني في الصلاة " وأنت لا تُصلّي أصلاً.
فقال: يا حمقى لو صلّيت لكنت نبياً، وقد قال صلى الله عليه: " لا نبيَّ بَعْدي ".
ورأيتُ الأقطع هذا واقفاً بين يدي ابن عبّاد في صحن الدار، وذاك أيضاً واقف، فطلع أبو صالح الورّاق، فقال ابن عباد حين نظر إليه وإلى لحيته المسرّحة:
ولحيةٍ كأنّها القِباطِي
فقال الأقطع بلاّ وقفة:
جعَلتُها وقفاً عَلَى ضراطي
وكان أبو صالح هذا يقول: أنا من ولد محمد بن يزداد الوزير.
وكان ابن عبّاد يطالب الأقطع بأن يحفظ قصائده في أهل البيت ويُنشدها الناس على مَذهب النَّوْح، وكان يُعطيه على كل بيت درهماً، وإذا لم يُحكِم ضربه لكلّ بيت ضربةً بعصاً عَجْراء. فكان الأقطع المسكين كلّ يوم يُضرب.
فقلت له: من كلفك الصبر على هذا الضرب؟ احفظ كما كُنت تحفظ واربح الدّراهم، وتخلّص من الألم.
فقال: والله لو ضربني بكلّ عصاً في الأرض كان أخفّ عليّ من حفظ شعره الغَثّ، وإنشاد قافيته الباردة، والله وإن شعره في أهل البيت خِراء. فهذا قوله.
وكان لا يدع الأقطع لينصرف إلى منزله، وكان يشكو الشبق، وكانت امرأته تأتيه في كل قليل إلى دهليز الباب وتُغيّر ثيابه، وتُصلح أمره، وتحدّثه وتنصرف بشيء معه قد جمعه فصادف الأقطع
يوماً الدهليز خالياً، وكانت الهاجرة منعت من الحركة، فراودها وطرحها في المكان المُتَخطّى وتقمّمها وأخذ في عمله، فرمقه بعض السِّتريين فعَدا ورَفَع الحديث إلى ابن عباد، وذكر الحال والصورة، فهاج من مقيله البارد ومكانه الظليل، وحَشيته التي قد استلقى عليها، حاسِراً حافياً، قد جعل طرف كمه على رأسه بلا سراويل، ولَقَط قدمه لقطاً حتى وقف على الأقطع وهو يكوم يُولج ويُخرج ويرهز ذاهب العقل.
فقال له: يا أقطع ويلك يا ابن الزّانية إِيش هذا في داري!؟ فقال: أيها الصاحب! اذهب ليس هذا موضع النظارة، هذه امرأتي بشهود وعُدول وعقد وقبالة، اذهب اذهب، يَهذي ولا يعقل حتى أفرَغَ، وسيّدي على رأسه يضحك ويصفّق ويرقص. ثم أخذ بيده على تلك الحال، وهو يشد تكَّتَه، وابنُ عباد يُعينه، وأدخله إلى مقيلة يعاتبه ويسأله عن العمل والحال؟ وكيف استطابه وكيف هاج؟ ثم خلع عليه، ووَهب لامرأته ثياباً وطيباً.
أَفهذا من المروّة والفضيلة وأدب الرياسة وآيين الوزارة؟
أَهكذا كانت البرامكة وهو لا يرضاهم؟ أم هكذا كان حامد بن العباس، والعباس بن الحسن، وآل الفرات، وآل الجرّاح، وهو لا يزنهم بشيء فيمن تأخّر؟ إن من يستحسن هذا وأمثاله، ويعذر أهله في الرياسة والجلالة
لَضعيف النَّحيزة سليب المروّة؛ وإن من ينظر هذا وشبهه لصفيق الوجه قليل المعرفة.
وقال لابن الزيّات المتكلّم يوماً في مناظرته: لا تعبثْ بلحيتك.
فقال ابن الزيّات: وما عليك منها؟ هي لحيتي.
قال: أنا سلطان.
قال: أَفي عهدك النظر في لحيتي؟ قال أصحابنا: بل قال له: أنا سلطان، وإذا خرجتَ من عندي ولحيتك على غير الشكل الذي دخلت عليّ به ظنَّ الناس أني ظلمتك فيها عند المناظرة والخلاف، وأنا أحب صيانتك وصيانتي عند الناس بسببك.
وقلتُ لابن الزيّات ببغداد: كيف رأيت ابن عبّاد؟ قال: هو كالحِر، لا يرجع إليه من خرج منه.
وقلت للجيلوهي الشاعر، وكان شيخاً له تجربة ومعرفة بأيام الناس ومَشاهَدة: حدِّثني عن ابن عباد.
قال: مغرور من نفسه لمواتاة جده، وتصديق ذوي الأطماع في جميع دعواه، وما أحوجه إلى إنصاف الناس من نفسه بأحد شيئين: إما بأن لا يدّعي الكمال، أو بأن لا يُبكِّت الرجال؛ فلا هو بريءٌ من النّقص، ولا هو غير مُستحق للتَّبكيت؛ وليس من لا يمكن أن يواجه بالنقص الذي فيه وبالتوّبيخ الذي يستحقه على فعله، ليدٍ له في السلطان قوية، وشمسٍ له في الدولة طالعة - ينبغي أن يركب هاك الناس ويأكلهم بلسانه؛ فريح الدولة قد تركُد، والضَّعف يزول، والحَشَم يتحوّل، وقد يُقال وراء ظهره ما يُربي على ما هو عليه، ولو قصر يده على فضله الذي له لم تَشَلَّ، ولو وقف قدمه عند غايته لم تزل، ولكنه يجري طلقاً ثم يكبو، وينصلت للقراع ثم ينبو، ويتطاول إلى ما لا يناله ثم يخبو؛ وهذا طريق الجاهلين المغترين.
ثم قال: والكذب من آفاته، وهو خُلق يَعرُّ المروّة ويشين الديانة، ويسقط الهيبة، ويجلب الخِزي، ويستدعي المقت، ويقرّب الموت؛ وقلّ من لهج به إلا كان حتفه فيه، وما رُئي شيء أمحَى لنضارة الوجه ولبهجة العلم ولزينة البيان منه.
قال: وعلى ذلك فما رأيت رئيساً يُحسن ما يحسن من الإحسان إلا هو مردود بالتنكد، لأنه ما هنّأ قطّ بنعمته، ولا أمتع بإحسانه. ولا ترك له يداً بيضاء عند أحدٍ إلا وكرَّ عليها بالتسويد.
قال: وقد شاهدتُ النّافقين عليه، والمتقدّمين لديه، ووقفت على مَوَاتِّهم ووسائلهم وأسبابهم وذرائعهم فلم أجد فيهم إلا مَخْشيَّ اللسان استكفّ شرّه بالإحسان كالخوارزمي وغيره، أو مرتبطاً لأمر يُراد منه لا يفي به سواه كالهمذاني ومن جرى مجراه، أو ملعوباً به قرّب على ظنّه وريبة وحالٍ زائدة على القُبح والفضيحة، كفلان وفلان وهم الدُّهم؛ ولم أجد في ضروب المتوسّلين إليه، بعد هؤلاء، من وَصَل إلى درهمٍ من ماله إلا ببذل النفس وإذالة العِرض، ومواصلة البُكور
والرّواح واستنشاق الغبار والرياح وتجرع العبط والكد، ومزاحمة أهل الجهل والنقص، ومُغالبة ذُلّ الحجاب وسوء أدب البوّاب والرضا بالهزء والسخرية؛ وما ابيضت له يد عند أحد، ولا تمّت له نعمة على أحد، لملله وحسده، وضجره ونكده، وامتنانه وكثرة ذكره لفضله ومدحه لنفسه. والعرب تقول في حِكَمها: المنّة تُزرِي بالأَلبّاء.
على أن عطاءه لا يزيد على مائة درهم وثوب إلى خمسمائة، وما يبلغ إلى ألف نادر، وما يُوفي على الألف بديع، بل قد نال به ناس من عرض جاهه على السنين ما يزيد قدره على هذا بأضعاف، وعدد هؤلاء قليل جداً، وذلك أيضاً بابتذال النفس وهتك الستر، والإفراج عن الدين والمروة والعِرض والأَنَفة.
قال: وأي عقلٍ يكون لمن يقول: لم يكن في الدولتين الأموية والعباسية مثلي، وهذا الكلام قد دوّنه في بعض كُتُبه؛ وقد حكيتُ هذا بمدينة السّلام فسمعه قومٌ كرام يرجعون إلى فضل كثير وبصائر
النص من طبعة دار صادر ببيروت عن المجمع العلمي العربي بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع