تجاوز إلى المحتوى

من «أخلاق الوزيرين» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)

أخلاق الوزيرين (٦)

فقلتُ: أبو مَن؟ فقال: أبو يحيى.

فتفاءلتُ بملَك الموت ﵇، وقلتُ: اللهم إني أعوذ بك من الهندسة، فاكفني اللهمَّ شرَّها، فإنه لا يصرف السوء إلا أنت، وقرأتُ " الحمد "، و " المعَوِّذَتَيْن "، و " قل هو الله أحد " ثلاثاً، وقلتُ له: إن صديقاً لي جاءني بنصرانيٍّ يتّخذ الأنداد، ويدّعي أن لله الأولاد ليُغويني ويستفزّني (ولَوْلاَ رَحْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ

المُحْضَرينَ)، فصرفته أقبح صرف، ثم ذُكِرتَ لي فرجوت - بذكر إسلامك - خيراً.

فهلُمَّ أفِدنا شيئاً من هندستك، وأقبسنا من طرائف حكمتك ما يكون لنا سبباً إلى رحمة الله ووسيلة إلى غُفرانه، فإنها أربح تجارة وأعودُ بضاعة.

فقال: أحضرني دواةً وقرطاساً.

فقلت: أَتدعو بالدَّواة والقرطاس، وقد بُليتُ منهما ببليّة كَلْمُها لا يندَمِل عن سُوَيداءِ قلبي؟ قال: وكيف كان ذلك؟ قلت له: إن النصراني نقط لي نقطةً كأصغر من سمّ الخياط، وقال لي: إنها معقولة كربّك الأعلى، فوالله ما عدا فرعون في إفكه وكُفره.

فقال لي: فإني أُعفيك، لعنَ الله قُويري وما كان يصنع بالنُّقطة؟ وهل بلغت أنت أن تعرف النقطة؟ فقلت: استجهلني وربّ الكعبة، وأنا قد أخذت بأزمّة الكتابة،

ونهضت بأعبائها، واستقللت بثقلها يقول لي، لا تعرف فحوى النُّقطة، فنازعتني نفسي في معاجلته بغليظ العُقوبة، ثم استعطفني الحِلم إلى الأخذ بالفضل.

ودعا بغُلامه وقال: ائتني بالتّخت، فوالله ما رأيت مخلوقاً بأسرع إحضاراً له من ذلك الغلام، فأتاه، فتخيَلت به هيئةً منكرة ولم أدر ما هو، وجعلت أُصوّب الفكر فيه تارةً وأًصعّد أُخرى، وأجيل الرأي ملياً وأُطرق طويلاً، لا أعلم أي شيءٍ هو، أَصندوق هو؟ فإذا ليس بصندوق، أَتخت هو؟ فإذا ليس بتخت، فتخيّلته كتابوت لحد. فقلت: لحدُ الملحد يُلحد به وبالنّاس عن الحقّ. ثم أخرج من كُمّه مِيلاً عظيماً فظننته متطبّباً وإنه لمن شرار المتطبّبين.

فقلت له: إن أمرَك لعَجَب كله ولم أرَ في أميال المتطبِّبين كميلك، أتقفأُ به الأعين؟ فقال: لستُ متطبِّباً ولكني أخطُ به الهندسة على هذا التخت.

فقلت له: إنك وإن كنت مبايناً للنصراني في دينه، إنك لمؤازره في كُفره، أَتخطُّ على تختٍ بميلك لِتعدل بي عن وضح الفجر إلى غسق الليل؟ وتميل بي إلى الكذب باللَّوح المحفوظ وكاتبيه الكرام؟ أَإِيايَ تستهوي؟ أم حَسبتني ممّن يهتزّ لمكايدكم؟

فقال: لستُ أذكر لك لوحاً محفوظاً ولا مُضيعاً، ولا كاتباً كريماً ولا لئيماً، ولكني أخُطُّ به الهندسة، وأُقيم عليها البرهان بالقياس والفلسفة.

وأخذ يخطّ وقلبي مُروَّع يجب وَجيباً.

فقال لي غير مُستعظِمٍ: إن هذا الخط طول بلا عرض، فذكرت صراط ربّي المستقيم، وقلتُ له: قاتلك الله! أَتدري ما تقول؟ تعالى صراط ربّي عن تخطيطك وتشبيهك وتبديلك وتحريفك وتضليلك، إنه لصراطٌ مستقيم، وإنه لأَحدُّ من السيف الباتر، والحُسام القاطع، وأدقُّ من الشَّعر، وأطول مما تمسحون، وأبعَد مما تذرعون، ومداه بعيد، وهولَهُ شديد؛ أَتطمع أن تُزحزِحَني عن صراط ربي أم حسبتني غُمْراً غبياً لا أعلم ما في باطن ألفاظك ومكنون معانيك؟ والله ما خططت الخطّ وأخبرت أنه طولٌ بلا عرض إلا حيلةً بالصراط المستقيم لتُزِلَّ قدمي عنه، وأن تُرديني في نار جهنّم.

أعوذ بالله وأبرأ إليه من الهندسة، ومما تدلُّ عليه وترشد إليه، وإني بريءٌ من المهندسين وما يُعلنون ويُسرُّون، ومما به يعملون؛

ولَبئس ما سوّلت لك نفسك أن تكون من خزنتها بل من وقودها، وإنّ لك فيها لأنكالاً وسلاسل وأغلالا، (وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وعَذَاباً أَليماً). قُم إلى لعنة الله وغضبه! فأخذ يتكلم. فقلت: سُدّوا فاه مخافة أن يبدر منه مثل ما بدّر من المضلِّل الأول، وأمرتُ بسحبه فسُحب إلى أليم عذاب الله ونارٍ (وَقُودُها النَّاسُ والحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ).

ثم أخذتُ قرطاساً وكتبتُ بيدي يميناً آليتُ فيه بكل عهدٍ مُؤكَّد، وعقدٍ مُردَّد، ويمينٍ ليست لها كفّارة - أن لا أنظر في الهندسة أبدا، ولا أطلبها، ولا أتعلّمها من أحدٍ سرّاً ولا جهراً، ولا على وجهٍ من الوجوه، ولا بسببٍ من الأسباب؛ وأكَّدتُ بمثل ذلك على عقبي وعلى أعقاب أعقابهم: أن لا ينظروا فيها

ولا يتعلّموها ما قامت السموات والأرض، إلى أن تقوم الساعة (لِميقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ).

فهذا بيانُ ما سألت - أعزّك الله - عنه مما دُفعتُ إليه وامتٌحنت به، ولتعلم ما كان مني، ولولا وَعكةٌ أنا في عَقابيلها لحضرتك مُشافِها، وأخذتُ بحظّي المُتمنّي من الأُنس بك، والاستراحة إليك؛ فمَهِّد على ذلك عُذري، فإنّك غير مُباين لفكري، والسّلام.

رسالة أبي العباس أحمد بن يحيى بن محمد بن ثوابة إلى أبي العباس أحمد بن الطيّب هذه، فيها مُعتبر واسع، وإشراف على عقلٍ مدخول، وهي شقيقة قول ابن عبّاد في الحكاية التي جرت قبل هذه؛ وليس ينبغي أن يُغتَرّ بالإنسان إذا كان فصيحَ العبارة، كثير التّشقيق، مديدَ النّفس، قادراً على السّجع، سهل الارتجال؛ فقد يأتلف هذا كلُّه والعقل ناقص، وقد يُفقَد هذا كلّه والعقلُ راجح.

وقلتُ لأبي سعيد السيرافيّ شيخ الدُّنيا: قال أبو زيدك يقال إنه لكثير فضيض الكلام، أَيرادُ بهذا مدح المذكور أم الزِّراية عليه؟ فقال لي: هو إلى الزّراية أقرب؛ لأن الفَضّ كسرٌ، ومنه: فضضت ختم الكتاب، ومنه: ضَرَبه فصار فُضاضا؛ والصّحيح خير من المكسور، وكأنه يراد بهذا أنه يرمي بهذا بالكلام مكسَّراً غير صحيح.

وإنما أتيت بهذا لأني سألت مرةً أبا السلم عن ابن عبّاد، فقال: إنه لكثير فضيض الكلام، ثم مرَّ بي لأبي زيد.

وكان بن عبّاد يقول كثيراً: ما مدحني شاعر بأوجز وأملح من أبياتٍ وافَتْني من شاعرٍ ينتسب لسجِستان؛ فإنها تدلّ على قدرة صاحبها وغزارة قائلها وحُسن تصرّفه فيها، وهي:

يا مَن أعادَ رَميمَ الملك مَنشوراوضَمّ بالرأيّ أمراً كان منشورا
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «يا من أعاد رميم الملك منشورا»
أنتَ الوزيرُ وإِن لم تُؤتَ منشوراوالأَمْر بَعدك إن لم يُؤتمن شُورَى
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «يا من أعاد رميم الملك منشورا»

وقال ابن نباتة والخالع وابن الجَلَبات: ليس في هذه الأبيات ما وجب له هذا الإعجاب كلّه، ولكن الرجل طريف المرأى والمخبر، عجيب المبشر والمنظر؛ مَداره على الهوى، كيفما سنَح له جنح إليه، وأينما برّح به طُرح عليه.

وكان ابنُ عبّاد إذا تكلّم في مسألة ثم رأى في خصمه فتوراً نفش لحيته بأصابع يده وعبث بها، وفتل رأسه ولوى عُنقه، وشنّج أنفه، وعوّج شِدقه، وقال منشداً:

إِذا المشكِلاتُ تصَدَّين ليكشَفتُ حقائقها بالنظَرْ
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «إذا المشكلات تصدين لي»
وإِن برَزَت في مَخِيل الصَّوابِ عَمياءِ لا تَجْتَليها الفِكَرْ
مُقنَّعةً بخَفِيّ الشكُّوكِ وضَعتُ عليها حُسَام النظرْ

لساناً كشِقْشِقَة الأَرحِبيّ أو كالحُسام اليَماني الذّكَرْ

ولستُ بذِي وقْفَةٍ في الرجالِ أُسائل هذا وذا ما الخَبَرْ
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «إذا المشكلات تصدين لي»
ولكنَّني مِدْرَهُ الأَصغَريْن أَقيسُ بما قَدْ مَضَى ما غَبرْ
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «إذا المشكلات تصدين لي»

وكان لا يبعثه على هذا النمط إلا الذَّهاب بنفسه، والتّيه الذي يحول بينه وبين عقله؛ والعجيب أنه كان يعيب غيره بجزءٍ من هذا الباب لا يتجزّأ، ويقول: انظروا إلى تيههِ وصَلَفه ومدحه لنفسه واستبداده برأيه - وعلى هذا، حتّى إذا صار إلى نفسه وحديثه وخوّاص أمره جهل وذهل، وخرج في مُسْك من لم يسمع بشيءٍ من ذلك، ولم يفطن له، ولم يأبه لقبيحه، ولم يأنف من شنيعه.

وهذا من الأسرار في الأخلاق، ولهذا طال كلامُ الأوّلين في

الأخلاق، وجاءت الشّريعة واللُّغة واضعة كلاً في موضعها، وناعتةً لمختارها ومرذُولها، وباعثةً على حَسَنها وجميلها، وداعيةً إلى رفض قبيحها ومُنكرها.

والكلام في هذا طويل الذَّيل ميّاس، وما أحسن ما قال الشاعر:

لا تَلُم المرءَ عَلَى فعلِهِوأنتَ مَنسوبٌ إلى مِثلِهِ
من ذَمَّ شيئاً وأتَى مِثلَهُفإنما يُزْرِي على عقلِهِ

والبيت السائر:

لا تَنْهَ عن خلُقٍ وتأْتي مثلَهعارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ

فهذا هذا.

حدثني العتّابيّ قال: قال قومٌ من أهل أصفهان لابن عبّاد: لو كان القرآن مخلوقاً لجاز أن يموت، ولو مات القرآن في آخر شعبان بماذا كنّا نصلّي التّراويح في رمضان؟

فقال: لو مات القرآن كان رمضان أيضاً يموت، ويقول: لا حياة بعدك، ولا نُصلَي التراويح، ونستريح.

وسأله الدّامغاني يوماً عن قوله ﷿: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ)، أَتقول أن يوسف همّ بالمعصية؟ فقال: الكلام معطوف بعضه على بعض بالتّقديم والتأخير، فكأنه قال: لولا أن رأى بُرهان ربّه لقد كان يَهُمُّ بها، ولكنه لم يُهمّ، وهذا كقول القائل: إني غَرقت لولا أنه خلصني فلان.

فحدّثتُ بهذه الجملة ابن المراغي ببغداد، فقال: لو سكت عن هذا كان أحسن به، هذا تقدير لاعبٍ بكتاب الله، لا يحلّ نظم

الكلام على تحريفه؛ لأن ذلك جرأة؛ أما سمعت الله يقول: (لاَ تقَدَّمُوا بَيْنَ يَدَي اللهِ وَرَسُولِهِ) ؟ إنما المراد به على سجية الكلام؛ ولقد همّت به همّها اللائق، وهمّ بها هَمَّ البشر الذي لا براءة له من همّة إلا بتوفيق الله، والبرهان كان ذلك التوفيق.

وما في الهمّ؟ الله أكرم من أن يؤاخذ به، وإنما ذُكر ذلك ليعلم أن النبي صلى الله عليه في نُبوّته غير مُكتفٍ بها دون أن يكنفه الله بعصمته، ويتغمّده برحمته.

وسئل ابن عباد يوماً عن قوله ﷿: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنْتَصِرانِ، فَبأَيّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبانِ)، فقيل: كيف يجوز أن يُعدَّ هذا في الآلاء والنِّعم، وهو إحراقٌ بالنّار، ولا ألم بعده، ولا عذاب فوقه؟

فقال: أقول ما قال شيخنا أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن البصريّ ﵀، فإنه قال: إن الله جعل جهنّم سوطاً ساق به عباده إلى الجنّة؛

واللّفظ عن الحسن - على ما عُنينا بجمع كلامه عن الرُّواة -: " إنَّ الله خَلق جهنّم لِيحوُش بها الخَلق إلى طاعته ".

فقال أصحابُنا: فزَعُه إلى الحكاية عن الحسن حاكم بأنه مُفلس، وقد قال العلماء في ذلك، وإنما قول الحسن ترقيق، وكلام يدخل في الوعظ ولو حُقّق لقلق.

وسأله الدّامغاني يوماً عن قوله تعالى: (وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الغَضَبُ) أي موضع هذا السكوت، والسّكوت ضد الكلام كما أن السكون ضد الحركة؟ فما أحلى ولا أمرّ، وتغافل إما كِبراً وإما جهلاً.

وسمعتُ ابن بابويه يقول في هذا؟ هو مما حُرِّف لأنه نزل: (وَلَمَّا سَكَن عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ) بالنون.

فقلت له: وما درك المحرَّف في هذا؟ فقال: هو ما قلتُ لك، وقد صحّ عندنا ذلك عن الصّادق.

فأمسكتُ عنه؛ والجوابُ أبين من ذلك.

وقال يوماً الحصيري: أيها الصاحب! ما أقول لخصمي إذا قال لي: حدُّ الظّلم وضع الشيء في غير موضعه؟ قال: قل له يجب على هذا إذا أخذ الرجل عمامته المكوَّرة فوضعها على رُكبته أن يكون ظالماً.

قال أبو سُليمان: أخطأَ، لأن العمامة قد توضع على الركبة لغرضٍ صحيح وحاجةٍ بادية، في وقتٍ مُقتضٍ لذلك، وزمانٍ يليق به ذلك، ويكون حسناً عدلاً، ويكون في مكانها؛ والرأس أيضاً جُعل مكانها لغرض معروف، والأغراض تختلف وتأتلف.

وقيل له يوماً: ما أنكرت أن يكون الرِّزق ما يأكله المرزوق دون غيره؟ فقال: على هذا لو رزقك الله خُفّاً لكنت تأكله.

حكيت هذا لأبي سليمان فصرّف القول في الرّزق وفي أقسامه وعلله وأسبابه وغرائبه؛ وقد أخَّرته لمكان آخر، فإن هذا الكتاب يضيق عنه، ويخرج عن الأمر المُتحرّى به.

وقال له أبو عاصم البصري يوماً: أَليس المتكبّر هو الذي يتعظّم زائداً على ما يستحقّه ويحسن به، ومن أجل ذلك ذَمّوه بهذا الاسم إذا أطلقوه؟ فقال: بلى! قال: فما معنى وصف الله نفسه بالتكبر؟ ونحن إنما نفينا عنه التكبُّر لقُبحه عندنا وعند المعروف به بيننا، فلو ساغ أن يُنعت بالتكبّر ساغ أن يُنعت بالتكذّب.

فاشتطّ وانتفخ وتربّد وجهه ودرّ وريده وكاد يزند، ثم تدفّق بكلام كثير ليس من مسألة أبي عاصم في شيء، حفظت منه قوله: أحدهم لا يعرف اللغة على طرائقها ودقائقها وحقائقها من ناحية مجازها وسعتها، ولا من ناحية سلامتها وصحّتها؛ ولا يُفرّق بين ما يجوز على الله وبين ما لا يجوز على الله؛ ويقصد إلى المسائل المُشكلة، والمعاني المُعضلة، والأبواب الغامضة، والألفاظ المتعارضة، فيسأل عنها،

ويُعجب بها.

ليتك عرفت هذا بعد أن تعرف معنى قول العرب: " صابَت بقُر "، وما المراد بقولهم: " عَوْدٌ يُعلَّم العَنْج "، وما معنى قولهم: " لكلّ جابِةٍ جَوزةٌ ثم يُؤذَّن "، ومَن جمَع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه، ومتى توفي المَبْرمان، وما البديع، وما بديع البديع، وما المخترع، ومَن صاحب البيت السائر:

وبي مثل الذي بك غير أَنيأُلام عَلَى البكاءِ وتُعذَرينا

ولقد صدق الأعرابي في قوله: كُن كالضبّ الأعور يعرف قدره ولا يُفارق جُحْره؛ وأصاب عمر في قوله: لا تحملوا النَّفس على المهجور فتتركوا المفروض، ولا تتجنّبوا المأذون لكم فيه فتركبوا المنهيَّ عنه.

يحضُرنا قوم لهم دَفر كصُنان التيوس أعيا على المسك والغالية، يسألون عما لا يعنيهم ولا يليق بقدرهم، ولو سألت واحداً منهم عن كُنية أعشى هَمْدان أو عن دُعيمص الرّمل، وما ايم النموذج في كلام العرب، وكيف يُجمع العِجان، وكيف يصرف الهِجان، وما الأقذُّ والمَريش، وما الخِبَاء

والعريش، وما المشوق والحريش، وما المشوف والخريش، وما الرَّثْيَة والفريش، وما الكصيصة والقصيصة، والخرْبَصيصَة والهَلْبَسيسَة، وما الفرق بين: ما أنت أخانا فنكرمَك، وبين ما أنت أخانا فنهينُك، الأول بالنصب والثاني بالرفع، ومَن الذي يقول:

فأَرميها بجُلْمودٍوترميني بجُلْمود
فأرميها وتَرمينيوكل هالك مود

ولكن صدق عمرو بن عُبيد شيخنا وشيخ الإسلام، وشيخ " العدل والتوحيد " حين قال: لن يكون العبد مستكملاً لاسم الولاية حتى يسمع الكلمة العَوراء فيجعلها دُبُرَ أُذُنه.

هذا مع قوله: تقويم الجاهل بما ينكر أيسرُ من تعريفه ما يجهل، ولولا أن عُذري في تقويمك وتأديبك وتهذيبك وتربيتك يغمُض على كثير ممن يسمع هذا الحديث لسلخت شواتك، وكسرت على رأسك دواتك، وألزمتك دكانك وأداتك وأطعمتك بولك وخِراتك. اذهب فأنتَ طليق الجهل والقلّة، عتيق الخيبة والذلة.

وكان إذا انتهى كلامه مع خصم يقول: النظر شِعاري، والجدل دِثاري، والحقّ مَناري، والبيان مَداري، والله جاري.

وقال يوماً للحسين المتكلّم: أَلي تقول هذا، والجَدَل رِدائي، ولنظَر حِذائي، والعلم وطائي، والبلاغةُ غطائي، والذّهبُ والفضّة عَطَائي؟

وقال يوماً لأبي صادق الطّبري: أنت يا أبا صادق خفيفُ الراس، شديد الإِفلاس، إذا أبصرت النِّحار هذَيت بالوسواس، وصدَّعت رؤوس الناس، بالتَّمويه والإلباس.

وسمعته يوماً يقول لابن شاذان: يا أبا الحسن، توقّ الرسَن، وانظر إلى المسَنّ؛ فما أخوفني أن تُسن بالقبيح لا بالحسن.

فقال له: أيها الصاحب! كَرَم طبعك أمانٌ لي من بوائق سَجعك.

وقال يوماً لابن حمزة: والنظر من خَوَلي؛ هل هضبةٌ تُوفى على جَبَلي؟ فاحفظ نفسك، واعرف خصمك، وراجع فهمك، وجرِّب بختك.

وكانت له تعسات كثيرة، لكنها كانت تُدفن ولا تُذاع، رَهبةً ورغْبة.

قال يوماً: " اطَّلع عليه "، ولا يجوز " إليه "، والمعنى يقتضي عليه لا غير.

فقال له الضرير النحوي: فما نصنع بقوله ﷿: (لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِله مُوسَى) ؟ فبرد.

ومن هذا الضرب قال يوماً: جنَّ عليه الليلُ، أي كنَّه الليل، ولا يجوز غير هذا.

فقال له أبو عمران الحسنكي: هذا لعمري في الفصيح، وإياه ذكر ثعلب واختاره، ولكن أين نحن من المرّار الفقعسيّ، وهو أفصح من عالم صاحب " الفصيح "، فإنه قال:

آليتُ لا أُخفِي إِذا الليلُ جَنَّنيسَنَا النّارِ عن سارٍ ولا مُتَنوِّرِ
للشاعر المُرّار الفَقعَسي، اقرأ القصيدة

فقال: يا أبا عمران! أنت جاهل بالعلم، ولذلك شوّه الله وجهك، ووكّل المقت والإدبارَ بك.

وأنشد يوماً لشاعر:

إذا قلتُ لها: جُودِي لَناخرجَت بالصَّمت من لاَ ونَعم

قلت: أصحابنا كذا يُنشدون، ويقال فيه تصحيف.

فقال: اسلح على أصحابك.

ولو كان سأل عن وجه التّصحيف لكان أشبه بالفضل وأخلَق بأخلاق الرؤساء.

وقيل له يوماً: ما القُرحان؟ قال: الذي لم يخرج به الجُدَري.

قيل: ولم قيل ذلك؟ قال: ليُسخن الله به عين السائل، ويُسخّم وجهه، ويسمل عينه، وليُقلّ دينه، ويدُقَّ ظهره، ويسلّط عليه من يَسُدُّ دُبُرَه.

واستؤذن يوماً للورّاق الطرسوسي فقال: الطَّرُّ في لحيته، والسوس في حِنطتِه، ما أصنع بطلعته؟

وتكلم يوماً الخطيب في قول الرجل: " لا مالَ له قليلٌ ولا كثير، ولا مال له قليلاً ولا كثيراً "، فلم يفهم عنه.

وقيل له: ما الفرق بين " با " و " تا " و " ثا " في مواضعها المخصوصة؟ فتحيّر. وكان السائل ابن المراغيّ.

وقيل له: لم جاز: إنّ زيداً منطلق وعمرو، ولم يجز: ليت زيداً منطلقٌ وعمرو، والحرفان مُتضارعان في إيجاب النصب؟ فلم يكن عنده جواب.

ولقد سهرتُ معه ليلة في معرفة الفرق بين: " زيدٌ أفضلُ إِخوته وزيدٌ أَفضَل الإِخوة " وجواز أحدهما وبُطلان الآخر، فكان كالحمار بلادة.

وقلت للحيلوهي: إنك تنال من عِرض هذا الرجل جدّا؟

فقال: قال النبي صلى الله عليه: " لَيُّ الواجِد يُحِلُّ عِرضه وظهرَه " كما قال: " مَطلُ الغَنِيّ ظُلم ".

قلت: إنما وَرد هذا في الواجب، كالدَّين والثَّمن وما أشبههما.

فقال: الأمل دَيْن، والكَرَم مطلوب، وما رأّسَ اللهُ أحداً إلا وفرض عليه الإفضالَ والإحسان.

وقيل لعقيل بن عُلَّفة: لم تهجو قومك؟ فقال: إن الشاة إذا وردت الماء فلم يُصفر لها لم تشرب، أي إذا لم يُحرِّضوا على المكارم لم يفعلوها.

قال: وأنا استحسن قول الفضل بن يحيى: ما حثّني أحد على الكرم كرجل أنشدني بيتين وهما:

عُدْ لي بعادتك التي عوَّدتَنيروحِي فداؤُك يا أَبا العبّاسِ

إن الذَّخائر إن أَردتَ ذخيرةًمِمَّن يُقلّدها رقابُ الناس

قال: وأعجبُ من ذلك قول جرير فيما رواه الصُّولي: إذا مدحتم فاختصروا، وإذا هجوتم فأطيلوا؛ فإن الناس لا يملُّون الشَّر.

ورأيته يوماً، وقد جَرَى وانقطع ظهره؛ فإنه قال: قولهم: " إنها لإبلٌ أم شاءٌ "، معناه: بل شاءٌ.

فقال له الحَنْسكي: فما تصنع بقوله ﷿: (أَمِ اتَّخَذَ مَمَّا يَخْلُقُ

بَنَاتٍ؟) أَتُراه أراد به: بل اتّخذ مما يخلق بناتٍ، وهذا كفر؟ فما دارَ لسانُه بشيءٍ على حدّته وكثرة هَذَيانه.

وحدثني العَبسي، وقد جَرى ذكر ابن عباد:

لقد أَتانَا حديث ما نكذّبهعن الرَّسول روَيناه بإِسنادِ
أن تطلُب الْخيرَ ممَّن وجهُه حَسَنٌفكيف تطلبه عند ابن عبَّادِ
مشوَّه الخَلْق لا دينٌ ولا حسَبٌكالقِرْد ما عندَه خيرٌ لمُرتَادِ

فقلت: لمن الشّعر؟ فإنه واقع جدّاً.

فقال: هو لأدريس بن أبي حَفصَة.

قلتُ له: كأنه ما عَنَى غير صاحبنا.

وقال له يوماً ابن ثابت: روَى البخاري في " التاريخ " أن سعداً مولى أبي بكرٍ روَى

أن رجلاً شكا إلى النبي صلى الله عليه صفوان بن المعَطَّل، وقال: إنه هجاني.

فقال: دَعوه، إنه خبيث اللسان طيّب القلب.

فما تأويل: " خبيث اللسان وطيّب القلب "؟ فقال: البُخاري حشَويٌّ فُشَرِيّ، ليس عليه مُعوّل، ولا لقوله مُتأوَّل.

وسئل يوماً عن قول الله ﷿: (فَإنْ يَشَإِ اللهَ يَختِمْ عَلى قَلْبِك وَيَمْحُ اللهُ الْبَاطِل)، كيف نَظْمه وتمامُه في المعنى واللّفظ؟ فصاح على السائل وقال: أَتسأل عن النَّظم، وأنت لا تعرف الرّقم

ولا العَقْم ولا الصَّدْم ولا الرَّدْم؟ وأوصل إليه الوّليديّ مسائل من جماعة من أهل نيسابور، كان فيها؟ ما معنى: (إِنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الذِين لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ الله وأُولاَئِكَ هُمُ الكاذِبُون) ؟ قد علمنا أن من كذب فهو كاذب.

وكان فيها: ما معنى قوله تعالى: (لا تتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْن)، وقد علمنا أن إلهين لا يكونان إلا اثنين؟ ولا قناعة لنا بقول من قال: هذا توكيد؛ فإن المطالبة فوق التوكيد؛ وأضعف المتكلّمين في القرآن من زعم أن شيئاً منه زائد، وأن كذا وكذا لغوٌ، وأن هذا على وجه التوكيد، ونحن وإن كنا نعلم أن التوكيد مذهب العرب، وكذلك الزيادة والحذْف والإِضمار، فالحكمة المطلوبة غير ذلك.

وعرض عليّ الوليدي المسائل، وكان فيها: ما معنى قول الله ﷿: (لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمينَ) ؟ وما وجه قول القائل: " لا تجعَل " فيما لا يُجعل؟ أو جائز أن يقال للإنسان: لا تنظر برجلك، ولا تمش بعينك؟ فإنّ قيل: لا، لأن هذا لا يُخاف، قيل: وكذلك لا يجعل الله، أحداً مع القوم الظالمين، لأن هذا لا يُخاف.

وما معنى قوله: (مَا تَسْبقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُون)، وقوله: (ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يِا مُوسَى)، وقوله: (وأَلقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مَنّي)، وعن قوله ﷿: (وَتِلْكَ الأَيامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) ؟ وما معنى قوله: (لَقَد كَان في يُوسُفَ وَإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلينَ) ؟ خَبِّرنا عن الآيات، أَكانت في أفعالهم أو في أبدانهم؟

وما معنى: (مَنْ يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولاَئِكَ الذِينَ لَمْ يَرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) ؟ وخبِّرنا عن قوله: (وَمَا مِن دَابَّةٍ في الأَرْضِ إلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقهَا) وعن قوله: (فإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِريّ) وما معنى: (وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِنَ إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّك، ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) أَلِلاختلاف أم للرَّحمة؟ فإن قيل: للرحمة، قيل: فالمختلفون هم الذين خلقهم للرحمة، فما معنى: (وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفينَ إِلاَّ مَن رَحِمَ رَبُّكَ) ؟ فقد أخرج من رحم من الاختلاف وللرحمة خلقهم، فإذا كان كلهم للرحمة خُلقوا فكلّهم غير مختلفين، لأنه نفى عنهم الاختلاف وهم الجميع، فأين المراد بالآية؟

وقال: (إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبَّي)، وقال: (فَرِيقٌ في الجَنَّةِ، وفَريقٌ في السَّعيرِ، وَلَوْ شَاءِ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً

واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ في رَحْمَتِهِ، والظَّالِمونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَليٍّ وَلاَ نَصِيرٍ). أَفليس قد أخبر أنه لم يشأ أن يجمعهم على الهُدَى إذ أمرهم؟ وما معنى قوله: (كَذلِكَ لِنصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ) ؟ فإن كان عمَّ بهذا الكُفّار والمؤمنين فما فضيلة يوسف؟ وإن كان قد خصّ يوسف فهو قَدْح في النِّحْلة.

وقال: (وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلاَّ أَنْ يَشَاء اللهُ) مما شاء الله فعله؟ فإن قيل: نعم، فكلّ ما شاء الله كان، فهذا قولنا، وإن كان مما يشاء فلا يكون، فما وجهُ إِيجاب الأمر بأن لا يقول لشيء إني فاعل؟ إذ العباد يفعلون وإن لم يشأ الله.

وما تأويل قوله: (أُولاَئِكَ الذِينَ طَبَعَ اللهُ علَى قُلُوبِهمْ وَسَمْعِهمْ وَأَبْصَارِهِمْ)، وقال: (وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) ؟

فبدأ بالطّبع، ثم ثنّى بالاتباع، وهذا يدفع تأويلكم في قوله: (فَلَمَّا زاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ).

وما تأويل قوله: (وَالذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ)، وقال: (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظةٌ للمُتَّقِينَ) ؟ فهو بيان للكفّار، وهدىً وموعظةٌ للمتقين دون الكافرين، فلم تعُمُّون ما خصَّ الله، وتخصُّون ما عمّ لله؟ وما تأويل قوله: (وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنين، وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمينَ إلاَّ خَسَاراً) ؟ وما تأويل قوله: (لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) فخصَّ بهدايته أهل التّقوى؟

فإن قيل: هو هُدى للكافر أيضاً، فكيف وقد ختم القصّة فقال: (إِنَّ الذِينَ كَفَرواُ سَوَاءٌ عَليْهِم أَأنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ)، كيف يكون القرآن هدىً لمن كان سواءٌ عليه أَأُنذِر أم لم يُنذر.

ويقال: قال الله تعالى: (خَتَمَ اللهُ على قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وعلى أَبْصَارِهِمْ)، فهل زال فرض بختمه على قلوبهم؟ فإن قالوا: لا، فقد كُلِّفوا أن يُبصروا الهدى وقد ختم الله على قلوبهم، وأزالوا الفرض عمن ختم الله على قلبه وعذروه بكفره، وحطُّوه بمنزلة الصَّبيّ والمجنون.

وإن أبوا أن يقال: لو شاء الله لم يُعصَ، لأن الله ذمّ الذين قالوا: (لَوْ شاءَ اللُه مَا أَشرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا ...)، قيل: فما تصنعون بقوله: (وَآتَيْنا عِيسى ابنُ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ وَلَوْ شَاءِ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا) واقتتالهم معصية، ولو شاء الله ما عصوا بأن يمنعهم، إذ خلّى بينهم وبين معصيته؟ وما معنى قوله: (وَلكَنَّ اللهَ يَفعَلُ مَا يرِيدُ).

قال الوليدي: وترددتُ شهوراً ليُجيب عنه فما فعل.

وكان في المسائل أيضاً: كيف يُنفى العلم عن الله وقد أثبته لنفسه في مواضع، والنصّ لا يُحذف ولا يُتأوّل؛ قال الله تعالى: (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ)، وقال: (فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ)، وقال: (وَأَضَلَّهُ اللهُ علَى عِلْمٍ)، وقال: (وَلَقَد اخْتَرْناهُمْ عَلَى عِلْم)، وقال: ( ... وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ)، وقال: (وَسِعَ رَبُّنا كلَّ شَيءٍ عِلْماً).

ومن أعرض عن التّنزيل فقد خلع ربقةَ الدين.

وكان إذا رأى كاتباً يقول له: أَأحكمتَ " الفصيح "؟ هات: قذَتِ العينُ ماذا؟ وهات: لَحُم الرجلُ وشَحُم وما في بابِه.

وإذا رأى صاحب لغة قال: ما معنى قول الشاعر:

وأقدَرُ مُشرِف الصّهَوات ساطٍكُمَيتٌ لا أَحَقُّ وَلاَ شَئِيتُ

وإذا رأى نحوياً قال: على ماذا ينتصب (نَذِيراً لِلْبَشَرِ). فإذا أكثر من هذا وشبهه أنشد:

أَرى الناسَ أَخلاطاً جميعاً وإنهمعَلى ذاك شتَّى والهَوَى مُتَفرِّقُ

تَرى المرءَ إِن جالستَهُ ذا صِناعةٍ وسائرُ ما فيه على ذاكَ أخرَقُ

وتَلْقَى أَصيلَ الرأَي ليس لسانهُبمُخرِج ما في قَلْبه حين يَنطِقُ

ورأيته مرةً يسأل الحسنكي:

ما الطَّاية، والثّاية، والغاية، والآية، والرّاية؟

وما الناقة القاصِية والعاصية والعاطِية؟ وكان سريع الردّ على الإنسان شديد التعجرف، وكان ذلك ربما انقلب عليه.

وقال يوماً لبعض العلماء في كلام سمعته منه: " أَصْفَيتُهُ كذا وكذا " لا يجوز، أما قرأت القرآن: (أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالبِنِينَ) إنما يجب أن تقول: أَصفيته بكذا وكذا.

فقال العالم: هذا صحيح فصيح، وغيره جائز حسن، أما قرأت في الحماسة قول الشاعر في النسيب:

لئن كُنت أوطَأْتني عَشْوَةًلقد كنتُ أصْفَيتك الودَّ حِينا

فقال بعجْرَفَته: الشعر موضع ضرورة.

وكذب، ليس هذا من ذلك.

وحدثني الثقة قال: قال يوماً المسيّبي في حديثه: " وكان يخفر من ذاك ويستحس ".

فقال له: سخَنت عينك، لا يقال للرجل يخفر، الخفر للنساء.

فقال المسيبي: أيها الصاحب! التؤدة خير من العجلة، أين نحن من قول الشَّمَرْدل في أَرجُوزته، رواها أبو حاتم:

لا يَسبِقُ النائلَ منه المنكَرُفتىً شِتاءً يَسْتحي ويَخْفَرُ
للشاعر الشمردل بن شريك، اقرأ القصيدة

فقال: أخذنا في الحماقة.

وقال مرّة: " ضَرَّه وأضرَّ به "، ولا يجوز أضَرَّه، كذا لا يجوز ضرَّ به.

فقال له رجل من خُراسان: فما تقول في قوله ﷿: (وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِن أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ) ؟ فقال للرجل: اخسأ! أَهذا من ذاك؟ وأخجل الرجل في صوابه، ولم يخجل هو من خطئه لسقوطه وجهله ومُكابرته وحسده.

وقال يوماً: النَّكث للعهد، والخلف للوعد؛ ولا يجوز: نكث الوَعْد، وكذا لا يجوز: أخلفتَ العهد.

وكان بيت القرآن والرواية حاضراً أبو الحسن ابن شاذان فقال: هذا مرفوض بقوله تعالى: (قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ).

فبرَد، وكان بارداً، لا رحم الله صداه ولا بلَّ ثراه.

وقال في بعض الليالي: الاقتراف لا يكون إلاّ في القبيح، أما سمعت الكلام الذي هو كالمثل: " الاعترافُ يمحُو الاقتراف "؟ فقال له مٌقرئ قد حضر: التنزيل يأبى هذا الحُكم وينطق بغيره.

قال: وما ذاك؟ قال: قال الله تعالى: (وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيَها حُسْناً)، فخَزِي وقام.

ورأيته يناظر أبا الفرج البغداديّ الصُّوفي، وكان في أُذنه وقرٌ،

في وساوس الصوفية وخطراتهم، فقال: يا أبا الفرج! إذا كانت البينونة مشعوراً بها في عرصة الحقح حيث لا عبارة للخلق، ولا أمان للجلِّ والدِّقّ، بطنت وسائل المعرفة بحقائق المراد، واشتبهتْ أعلام الحال في تثبيت الإشارة، وبقيت العبارة على إِلف الآلف، وعادة المتالف.

فأجابه أبو الفرج: لا ثبات لمناسب البينونة في نهايات الاتحاد، لزوال شرائط رسوم الخلق عند تصافي الأرواح بحقائق الحق. قال ابن عبّاد: ما أُنكر تلاشي المناسب في نهايات الاتحاد، إذا سطعت أنوار الحقيقة بالاتّقاد؛ وإنما جررت الكلام إلى غاية تزلق فيها الأفهام، وتسيخ فيها الأوهام، ولا يُشرف عليها إلا نمن خصه الحق بخصائص التّمام، ورفع معارف جملة العوامّ؛ ولولا الحال التي امتحنني الحق بها، وسحبني على غرائبها وعجائبها، في عُرض صوادقها وكواذبها، مما هو مردود إليه، ومتوكّل فيه عليه، لشققت معك جلباب صدرٍ قد حُشي ودائع، وفتحت لك أبواب خزائن قد جمعت فيها بدائع؛ ولكني بما تراني أُذَبذب عليه مأخوذ،

وبما تسمعني أُدندن حوله مأخوذ. وإلى الله المشتكى، فهو الغاية والمنتهى.

ثم قال: يا أبا الفرج! هل تعرف من أصحابك من يقول:

بُليتُ بما لو يُبتَلَى أحد بهلأَصبَحَ كالعِهْنِ النَّفِيش يَطيشُ
بِعِشْقٍ وإِعراضٍ وشَوقٍ وغُربةومَحْك الذي أَهوى فكيف أَعيشُ
وأَعجَبُ مِن ذا أَنّني متصَوّفولكنّ صُوفَ العاشِقين حَشيشُ

وقلت لأبي السلم نجبة بن عليّ القحطاني الشاعر: قد لقيتَ ابن العميد، وها أنت تُشاهد ابن عبّاد، فصفهما لي؛ فإنك رجل بدويّ، وتنظر إلى كلّ شيءٍ بفطرتك، وتنطق عن كل شيءٍ بسابق فِطنتك.

فقال: أما ابن العميد - يعني أبا الفضل - فكان بحره لا يُنزف وبرُّه لا ينسف، وغُباره لا يُشقّ، ونسيمه لا يُنشَق، وحبّه

لا يفرك وأديمه لا يُعرك؛ على بُخلٍ كان به أحال نهاره ليلاً، وألصق به ثبوراً وويلا.

وأما هذا - يعني ابن عباد - فليس في استحسانه لإحسانه فضل لاستحسانه لإحسان غيره، قد غرق في بحر نفسه، فليس يرفع طرفه إلى أحد من بني جنسه؛ وهذا الذي يدل على غاية نقصه.

وقلت للحيلوهي يوماً: كيف ترى ابن عباد؟ فقال: كما قال الشاعر:

كَبَرْقٍ لاَحَ يُعْجِبُ مَنْ رَآهُوَلاَ يَسْقي الحَوَائِمَ مِن لَمَاقِ

ونظر إليه يوماً وقد طلع في موكبه فتمثّل بقول الشاعر:

وَأنتَ كَغَيْث السُّوء مَن يَرَ بَرقَهُيَشِمْه ومن يَحلُل به فهو جادِبهْ

ومن شعر ابن عباد، وهو يتملّح به عند نفسه، قوله في رجل تزوّجت أمُّه:

عذَلتُ لِتزويجه أُمَّهفقال: فعلتُ حلالاً يجوزْ
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «عذلت لتزويجه أمه»
فقلتُ: حلالٌ كما قد زعمتَ ولكن سَمحتَ بصَدع العجُوزْ
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «عذلت لتزويجه أمه»

وقال أيضاً:

زوَّجتَ أُمَّك يا أَخِيفكسَوتَني ثوبَ القلَقْ
والحرُّ لا يُهدِي الحُرُمُ إلى الرجال عَلَى طبَقْ
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «زوجت أمك يا فتى»

وقلت لأبي الفرج الصوفي البغدادي: أنت شيخ صوفي، ولك ذكر جميل، لمَ تتعاطى لهذا الرجل - أعني ابن عباد - الكلام في الزُّهد والدَّقائق والأضْمار والوَساوس وتصفية الأعمال؟ هذا علم يُذاكر به أصحاب الحُرَق، وأرباب الخِرق.

فقال: هذا رجل رقيع رفيع، وله جاه ومالٌ وهو مُطاع، ولست أصل إلى ما في يده إلا بالرَّقاعة، وأنا ثقيل الظَّهر بالعيال محتاج إلى

القوت، فأحمق له ساعة حتى أنال منه هذا الحُطام الذي قد تهالك عليه الخاصّ والعام، وقد قال الأول:

فحامَقْتُهُ حتى يقال سَجِيةٌولو كان ذا عَقلٍ لكنت أُعاقِلُهْ

وسمعته يقول، وقد جرى حديث ابن العميد أبي الفضل، فقال: لم يكن له - مع فضله الشائع، وأدبه ابارع - علم الدين، ولا كان عنده شيء من الشريعة؛ كان لا يعرف القرآن وأحكامه وغريبه وإعرابه، واختلاف العلماء فيه بضروب التأويل وغرائب التفسير؛ والرئيس إذا عري من هذا السِّربال فهو ممقوت عند الله تعالى، مقلي عند الناس. وكان إذا سمع كلاماً في الدين ثقُل عليه، وخنس عنه، وقطع على الخائض فيه، وكان إذا احتفل في العلم والحكمة وما يدل على الخصوصية قال: لمَ صارت الأشياء المتعادية في حياتها تتعادى بعد مماتها أيضاً وتتنافر؟ كَمِعَى الذّئب وجلد الشاة، وكسنّ السِّنَّوْر وعظْم الفارة.

ولمَ الصبيُّ إذا ولد أزرق فأرضعته حبشيةٌ عاد أشْهِل، فإن دامت عليه عادَ أكحل؟

ولم لا يتغلغل شعره كما اسودّت حدقته؟ ولم يُنسب الضَّب إلى العقوق، والهرَّة إلى البرّ، وهما يتشابهان في أكل أولادهما؟ قال: ويقول في دقيق علمه وغامض حكمته: قيل لسِّنَّورة: لم تأكلين جراءك على فرطِ حُبّك لها؟ قالت: يُخيل إلينا أكبادنا أولى بأن تكون فيها، من الأماكن التي تحويها.

قال: ومن جُملة ذلك أيضاً: لمَ يكوت السِّعلاة من الضَّربة الأُولى، وتعيش بالضّربة الثّانية؟ ولم صار الفرس لا طحال له، والبعير لا مرارة له، والظَليم لا مخَ لعظمه؟ ولم ليس في السّباع أطيب أفواهاً من الكلاب، وليس في الوحش أطيب أفواهاً من الظّباء؟

وكيف صار الأسد أشدّ الحيوان بَخَرا وكذلك الصقر؟ ولم صار الكلب أسبح من سائر السّباع؟ ولم صار حيتان البحر لا ألسنة لها ولا أدمغة؟ ولم صار صَفَن البعير لا بيضة فيه؟ ولم صارت السّمكة لا رئة لها؟ ولم صار في فؤاد الثّور عظم؟ ولم صارت البراغيث تجتمع على السّوط متى دُهن بشحم قُنفذ أو مُسح بمُصران ابن عُرس؟ ولم صار الزّنبور يموت في الزّيت ويعيش في الخلّ، كما تموت الخُنفساء في الورد وتعيش في الرّوث؟

ولم صار الضَّب يأكل الجراد ويسالم العقارب، وهي " أشبه بها من الماء بالماء "؟ - في حماقات كثيرة، الجهل بها أحمد من العلم بها.

هذا من تشنيعه على أبي الفضل، وكان مع ذلك ربما قال: كان واحد الدنيا؛ وهذا كما ترى، وهو يدخل في باب المناقضة.

والأمر الذي تشدّد فيه - أعني ابن عباد - وبلَغ الحدّ الأبعد منه، وزاد على جميع الناس فيه: باب المخاطبات، وأنه كان يطالب أصناف الناس بما ليس في الطّاقة ولم تجرِ به عادة، وكان يقول: هذا الذي به أجد طعم ولايتي، ولولا هذه اللّذة والشهوة ما باليتُ أن أتقلّب في مُرقَّعة خلق، وثوب رثٍ بال، أجوبُ بلاد الله، وألقى عباد الله، وآكل رِزق الله.

ولقد خُدع في هذا عن أموال خطيرة اختلست فتغافل عنها، إما عن جهلٍ وجنون، لأنه كان يسوم كلّ من كتب إليه أن يُكنِّي عن

نفسه بالعبودية، وعنه بالمولوية، ثم يعرض في هاتين الكنايتين، وكناية الحديث والشأن، ومن الحديث عنه، أو له، أو فيه، فربما تشاجرت كنايات وتداعت معانيها على الكاتب فلا يخلص إلى تحقيق مراد، واستبانة وجه، وهذا الذي أقوله يعرفه الذي دُفع إليه ودُهي به.

وقال لي ابن ثابت: قلت له: كيف كان الخليفة يرضى بأن يقال له: أعزّه الله، وكذلك وليُّ العهد، والوزير، ومن قاد الجيش وأغنى في الهبوة، ومن أمر على شطْر الدنيا؟ وكان ابن الزيات يقال له يا أبا جعفر، وابن أبي دُوَاد يقال له: يا أبا عبد الله.

فقال: كان الناس في ذلك الوقت ضِعاف العقول صغار الهِمم، ولم تكن لهم مَرائر مُغارة، ولا نفوس فيها غزارة.

هكذا قال. وهذا - حفظك الله - كلام جاهلٍ لا خبرة له بشيء من أمور الدنيا والدين، وهو مع ذلك دليل على النَّذالة والسقوط.

وجرى يوماً حديث المخاطبات عند القاضي أبي حامد المرورّرذي والترتيب فيها، وامتعاض الناس من التصارف الجاري بين أهلها، فقال: سبب هذا كلّه إحساس الناس بنقصهم القائم بهم، الرّاكد عليهم، النّابت فيهم؛ وطلب دفع ذلك بالترتيب، ونفيه بالخطاب؛ وليس الطّريق إلى هذا، بل الطريق إليه الأخذ بأخلاق من سَلف: من الحياء والكرم والدين والمروة. انظر إلى السلف الصالح كيف كانوا، هل خاطبوا رسول الله - صّلى الله عليه - إلاّ بيا رسول الله؟ وبعدُ فهل يخاطب ربنا إلا بالتاء وإلاّ بالكاف؟ وهل سمعت عبداً لله قد أخلص دينه له قال: إن رأى ربنا فعل بعبده كذا وكذا؟ وهل

الخير كله إلا فيما خص الله به نبيّه وأُمته، وأشاع فيهم حكمته وبركته.

ثم قال أبو حامد: وينبغي أن لا يكون بينك وبين أصدقائك صرف، لأنّ الصداقة فوق ذلك، بل المصارفة فيها تُقذيها وتفسدها، وتحيل نضارتها، وتبدّل غضارتها، وقد تستحيل الصداقة بالمصارفة عداوة، لأنّ التجني والاستزادة يَعتَوِرانها، والاعتداد والاحتجاج يَمحقانها؛ فأما النُّظراء والأكفاء فيكفي معهم أن يكون الجواب كالابتداء، والآخر كالأول.

وكان أبو محمد النُّباتي يقول في هذا الباب كلاماً طيباً، وأنا أحكيه لأنه موضعه وإن تنفَّست الرسالة، فالغرض فائدة، وإن كان سبب إنشائها الغيظ الذي فاض الصّدر به، ومرح اللسان بوصفه، وقد قال ابن الرومي:

وَمَا الحِقْدُ إلا تَوءَمُ الشُّكْرِ في الفتَىوبعضُ السَّجايا ينتَسِبْن إلى بَعْضِ
فحيْثُ تَرى حِقداً عَلَى ذِي إسَاءَةٍفَثَمّ تَرى شُكراً على حَسَن القَرْضِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «لئن كنت في حفظي لما أنا مودع»
إذا الأَرضُ أدَّت رَيْعَ ما أنتَ زارِعٌمن البَذْر فيها فهْي ناهِيك من أَرض
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «لئن كنت في حفظي لما أنا مودع»

فهذا هذا.

قال: جميع ما يتقلّب فيه من هذه الأمور الفاسدة والأحوال الرديّة، يرجع إلى أصول أربعة، وهي: الحماقة والرّقاعة والرُّعونة والجنون.

فأما الحماقة فما عليه الكتاب من المخاطبات المختلفة التي ليس فيها حقيقة، ولا ترجع إلى صحّة، لا من جهة الديانة ولا من جهة رسم الأولين السّادة، وإنما هو شيء يؤدّي إلى القال والقيل وإلى العداوة والمغالبة، ويبعث على الوحشة الشديدة بالاستشعار الرديّ، والوسواس الموديّ؛ لأن الترتيب إن كان بينك وبين من هو دونك

فهو على الدلالة على محلك، وإن كان إلى نظيرك، فهو على غاية المماثلة بينه وبينك، وإن كان إلى من فوقك فهو على توفية ما يستحقه منك.

قيل له: ها هنا قسم آخر، والدّاهية كلها منه.

قال: وما هو؟ قيل: الذي يدّعي أنه نظير لك وهو دونك، والذي هو فوقك وتدّعي أنه في حدّك، وها هنا يشتدّ النّزاع والفراع، وتتحطّم القنا ويتطاير الشّرر، ويجد الشيطان مدخلاً منه، وتسويلاً به.

النص من طبعة دار صادر ببيروت عن المجمع العلمي العربي بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أخلاق الوزيرين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.