تجاوز إلى المحتوى

من «أخلاق الوزيرين» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)

أخلاق الوزيرين (١٠)

عنه مخالف، وعلى دَيْدَنك المعروف ثابت، وبفضلة لسانك مسحور، وبشائع حلمي عنك مغرور، وليت ثقتك بذلك لا تخونك، وتطوّلي عليك لا يتطاول بك، واغترارك بغيري لا يُزلّك، وليتك، إذ قد ضللت سواءَ السبيل في حظّك، شاوَرتَني فكنتُ لا أبخلُ عليك بالهداية.

يا هذا! شكوتُ إليك أوائل هذه العلّة التي قد تخوَّنتني ونهكتني وكان التَّلافي سهلا، وباب العافية مفتوحاً، فوعدت بالقيام عليها وبذل النصيحة في تدبيرها، وكنت لشكري على ذلك حائزاً، وبمُقترحك مني فائزاً، فتقاعست عني بلا عُذر، ووَقفتَني بين وصْل وهجْر، فلم أدرِ كيف أُخاطبك، وعلى ماذا أُعاتبك؛ لأني يئستُ من نُجوع العتاب فيك، ومن إحاكة الخطاب في قلبك؛ ولأنك مشهور بِقحة، ومذكور بسلاطة، ومعتاد للبهت، وجارٍ على الكذب.

وأول ذلك أنك تدّعي بُنُوّة محمد بن زكريا من ناحية ابنته،

وقد شاهدتُ محمداً وما خلّف بنتاً، ولا وَلَدت بنت لم تكن له ابناً، ولو كانت له بنتٌ وولدت ابناً لم يكن أنت، ذاك للغوائل المجموعة فيك، والعيوب المتناثرة عليك.

ولك تكن العلّة التي رجعت إليك في تدبيرها صَرْعاً ولا صُداعاً، ولا جنوناً ولا جُذاماً، ولا صَمماً، ولا بَكَماً، ولا فالِجاً، ولا لقْوة، ولا سَكْتةً، ولا زَمانةً، ولا شللاً، ولا أَدْرَةً، ولا عِلَةً لا يقوم ببرئها إلا المسيح الذي هو كلمة الله التي ألقاها إلى مريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها؛ ولم تحتج في مُداواتي إلى الرُّقى والتمائم، ولا إلى النَّفق في الأرض، أو إلى الطَّيران في السُّكَاك، ولا إلى يدٍ بيضاء كيد موسى ابن عمران، ولا عصَا موسى، ولا إلى قميص يوسف، ولا

إلى عرش بلقيس، ولا إلى لوحٍ من سفينة نوح، ولا إلى فلذةٍ من كبش إبراهيم الذي فدى الله به ابنه إِسحق، كما قال الله تعالى: (وَفَدَيْنَاهُ بِذَبْحٍ عَظِيمٍ)، ولا إلى الصَّدفة التي فيها الدُّرة اليتيمة، ولا إلى شَطْبةٍ من سَنام ناقةِ صالح، ولا إلى زُبْرَة من زُبَرِ الحديد الذي جُعل رَدْماً ليأْجُوجَ ومأْجوجَ، ولا إلى عُسٍّ من لبنِ بقرة بني إِسرائيل التي ذبحوها وما كادوا يفعلون، ولا إلى أدمِغةِ الطير الآبابيل التي رَمَت بحجارةٍ من سِجّيل، ولا تُربةٍ من (إِرَمَ ذاتِ العِمَادِ التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلاَد)، ولا إلى قطعةٍ من السّحاب المُسَخّر

بين السماء والأرض، ولا إلى لمعة من البرق الذي يخطف الأبصار، ولا إلى مثقال من صوت الرَّعد الذي يسبّح بحمده تعالى، ولا إلى ذرَّةٍ من الشمس التي جُعلت ضياءً للعالمين، ولا إلى قبضةٍ من القمر الذي جُعل نوراً لأهل الخافقين، ولا إلى صبْغٍ من الأصباغ التي تظهر في قوس قُزَح غِبَّ الأنداء المتّصلة، ولا إلى مثقالٍ من السَّراب الذي يحسبه الظمآن ماء، ولا إلى شيءٍ من شحم الذئب الذي لم يأكل يُوسُف، ولا إلى ناب الكلب الذي كان باسطاً ذِراعيه بالوصيد الذي لو اطَّلعتَ عليه لولَّيتَ منه فراراً ولَمُلِئتَ منه رُعْباً، ولا إلى الكِبريت الأحمر، ولا إلى المُومياي الأبيض الذي لا يوجد، ولا إلى

حيلة بُلِنْيَاس ولا إلى قطرات من ماءِ الحيوان تعجُن به هذه الأدوية، ولا إلى مُنخل تنخل به، ولا إلى ذَنَب شَعَر حِمار عُزَير الذي أماته الله مائة عامٍ ثم بعثه، فتنخُلَ به العقاقير، ولا إلى مرارة العَنقاءِ المُغْرب التي لم تُرَ قطُّ، ولا إلى مُخّ البَعُوض، ولا إلى بيض الأَنُوق، ولم تحتج في تدبير علَّتي وجميع أدويتي إلى نهارٍ لا ليلَ بعده، ولا إلى ليلٍ لا نهارَ

بعده، ولا إلى نهارٍ مولج في ليل، ولا إلى ليلٍ مُولَج في نهار، ولا إلى زمان يخرج من أن يكون ربيعاً أو صيفاً أو شتاءً أو خريفاً.

ولو ظننت أن هذه كلها أو بعضها تلزمك أو تدخل في تكلفك لآثرت الموت على العافية؛ فإن في الموت خلاصاً منك، ومُفارقةً لمثلك، ووالله ما أندُب إلا حُسن ظنّي بك، ومُباهاتي أهل مجلسي بفضلك، وقولي: أبو دلف وما أدراك ما أبو دُلَف! لا تنظروا إلى هَزْله، فإن وراءَ ذلك جدّا، وإن أردتم حقيقة ما أقول فافزعوا إليه في حوائجكم؛ فإنكم تجدونه في قضائها قبل إنهائها؛ وهو المرءُ الذي قد جمع الله له بين المنظر والمخْبَر، وبين الدَّعوى والبيِّنة، وبين القول والحُجّة، وبين الضّمان والوفاء، وبين الصداقة والشفَقة. فما زلت أقول هذا أو شِبهه، وأصحابي يُشيِّعون قولي بمثله في الظاهر، ويُخالفونني بعِلمهم في الباطن حتى كان الفُلْجُ لهم ساعة هذه؛ لأني احتجت إلى علمك فخُنتَ عهدي، وأقبلتُ عليك فأعرضتَ عنّي، ووَهبتُ لك كلّي فبَخِلتَ ببعضك عليّ؛ " فيارُبَّ مظنونٍ به الخيرُ يُخْلِفُ "

ولقد استفدتُ بمعرفتك تجنُّب مثلك؛ ويقال: لم يهلك من مالك مَن وعَظك، ومَن أطلَعك على خَبيئه من خيره وشرّه، فقد أراحك من طويل الفكر فيه، وكَفاك خَطر التجربة له والسّلام ".

قلتُ لأبي دُلَف: ما أجبته عن هذا الكلام؟ قال: عملتُ في المسوّدة شيئاً، ثم لم أجسر على إظهاره، وخِفت صَولته ونِكايته وشرّه وغائلته؛ ومما قد حدث في رؤساءِ زمانك أنهم يحقدون على الأتباع، ولا يعرفون حقّهم في الخدمة والطّاعة.

وكنّا يوماً عند ذي الكِفايتين بمدينة السلام، فجرى حديث بغداد، فقال ذو الكفايتين: لمّا رجع ابن عباد من بغداد، قال له الأستاذ الرئيس - نضَّر الله وجهه -: كيف رأيت بغداد؟ قال: رأيت بغداد في البلاد، كالأستاذ في العِباد.

وحَكَى أيضاً في هذا اليوم عن أبيه قال: لمّا انصرف أهل خُراسان سنة خمسٍ وخمسين وثلاثمائة أمام الغُزاة من الريّ، بعد

الحادثة التي جرت ودفع الله حدّها، وأعادَ نضارتها، أخذ الرئيس يبني حول دار ركن الدولة حائطاً عظيماً.

فقال له عليّ بن القاسم العارض: هذا كما يُقال: الشَّدُّ بعد الضَّرط.

فقال: هذا أيضاً جيّد لئلا تنفلت أُخرى.

ورأيت أبا الفتح ذا الكِفايتين يسأل أبا الحسن العامِريّ: لِمَ طَلَبت النَّفسُ الفرق بين المتشابهين؟ فقال العامريّ: لأنها في جوهرها، وما هو لائقٌ بها تأبى الكثرة وتنفر منها، وهي تحنُّ إلى الوَحدة بسُوسها، وتنزع نحوها وتتقبَّل كل ما أعانها على ذلك، ويُذَلّل الطريق لها؛ والفرق يوضّح

سبيل الوحدة. وكلما كان الاشتباه أشدّ كان الفرق ألطف. وكلّما كان الفرق ألطف كانت أشدّ بحثاً عنه وألهجَ بطلبه لأن ظفرها به يكون أعزّ، ونيلها مطلوبها يكون أحلى.

وقال أبو الفتح يوماً آخر لابن فارس المعلّم: لِمَ قال الجاحظ: " فإنّ الكلام قد يكون في لفظِ الجِدّ ومعناه الهزل، كما يكون في لفظ الهزل ومعناه الجِدّ "؟ فلم يقُل شيئاً.

فقال أبو الفتح: قد صدق أبو عثمان، هذه خاصة مذاهب العرب، ولكن لِمَ عرض هذا في أخبارها، وأدنى ما فيه أن يدلّ على وضع الشيء في غير موضعه؟ فلم يُحره شيئاً.

فقال هو: إن إفراز الجدّ من الهزل، وتمييز الهزل من الجد حتى لا يُؤتى بهذا في هذا، ولا بهذا في هذا لَنوْعٌ من الخَطر على المتكلّم البليغ والقائل البيّن، ولو جرى على ذلك كان الاقتدار يُبطل الحدَّ الملزوم، والسَّعة تُضيّق الغاية المبلوغة.

ولما كان البيان لا يكون بياناً، والبلاغة لا تصير بلاغة إلا بأن يكون المتكلم آخذاً في كلّ واد، قادحاً بكل زِناد، مُستظهراً بكل عتاد، وجب أن يدخل الهزل في الجدّ إمتاعاً واستمتاعاً، ويدخل الجدّ في الهزل اقتداراً واتّساعاً.

قال ابن فارس: وأيُّ خُصوصيّة تكون في هذا، ونحن بالفارسية نرى هذا المذهب، ولعلّ سائر اللغات على ذلك؟ فقال: القول كما قلت، ولكن أين مزية كلام العرب على جميع ما لأَِصناف العجم؟ ثم قال: إن الغرض الأول في الكلام الإفادة، وجُلُّ الأُمم على هذا. والثاني تحسين الإفادة، ثم التحسين تارةً يكون بمعاني التوكيد، وتارةً يكون بمعاني الحذْف، وتارةً يكون بوزن اللفظ، وبتعديل الوزن، وبتسهيل المطالع، وبتيديل المقاطع؛ وهذه الأنواع غيرها مما يطول إحصاؤه؛ وهو للعرب خاصة، ولباقي الأُمم عامّة.

ثم قال: وقد اشتمل القرآن على هذا كله، وعلى ضروبٍ أُخر لم تن في عادة القوم فاشية ولا كثيرة، ولكن كالشيء البديع، أَلا ترى أنك لا تجد شوافع هذه المعاني التي في الكتاب غريبة في منثور كلامهم ولا في نظومهم؟ وأنت تعلم أنهم كانوا لا يسكتون،

وكان ولوعهم بالكلام أشدَّ من ولوعهم بكل شيء، وكلُّ وَلوع كان لهم بعد الكلام فإنما كان بالكلام.

فهل تجد معنى قوله تعالى في الإنابة عن التّوحيد: (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ، إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِمَا خَلَقَ، وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) في شيء من كلام.

وكذلك أيضاً لا تجد ما يشبه قوله ﷿: (لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا تَقُوُلُون إذاً لاَبْتَغَوْا إلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً).

وكذاك أيضاً لا تجد ما يقارب قوله: (لَوْ كَانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ اللهُ لَفَسَدَتَا).

وكذلك لا تجد ما يُداني قوله: (وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ)، أو قوله: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَر). ثم تدبَّر قوله: (إِنَّا

صَبَبْنَا المَاءَ صَبّاً)، وقال: (ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقّاً)، وقال: (فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا)، وقال: (إنَّ في خَلْقِ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ وِاخْتِلاَفِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ التي تَجْرِي في الْبَحْرِ بمَا يَنْفَعُ النَّاسَ)، وقال: (وَفي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آياتٌ لقَوْمٍ يُوقِنون)، وقال: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ، قَالَ: مَنْ يُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ: يُحْيِيهَا الذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ)، وقال: (الذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ)، وقال: (يأَيُّهَا النَّاسُ إنْ كُنتُم فِي رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَام مَا نَشَاءُ

إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى ثُمَّ نُخْرِجُكُم طِفْلاً، ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُم مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُم مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمْ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً، وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإذا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْج بَهِيجٍ)، وقال: (وَمِن آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْها الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ). وقال: (إنَّ الذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

ثم قال: وهذا سَبكٌ بديع، وأسلوب مُعجز؛ ولو كانت العرب نغمت بهذه المعاني بعبارات دون عباراتها، أو حلمت بهذه العبارات بمعانٍ دون معانيها، لكنّا نقف ونترجّح، ونرتاب ونضطرب، فأما وشيء لا يصاب لهم، لا على وجه التشبيه ولا على التحقيق فماذا يبقى؟ ثم هب أنهم كانوا مصروفين عنها في الأول وهم لا يأبهون لها، هلاَّ تصرَّفوا فيها في الثاني وقد تُحُدُّوا بها؟ إنّ هذا لَواضح.

وكان مع شبابه وكثرة أشغاله مليئاً بهذا الفن، ولقن أكثره من معلمه ابن فارس؛ فإنه قد ذلل هذا وأشباهه له، وكان ينتصب للناس في جامع الري، ويفسّر القرآن، ويتكلّم على وجوهه ونظائره وتأويلاته، وزاد هو أيضاً أعني أبا الفتح بقوته كشفاً لغامضها، وإبانةً لما خَفي منها؛ وكان على كلّ حال أمثل طريقةً من والده أبي الفضل الذي سُمع يُنشد هازئاً:

وَمُدَّعٍ يدَّعي بالسَّيْفِ حُجتَهما حُجَّةُ السَّيفِ إِلاَّ حُجّةُ البَطَلِ

وينشد:

لَعَن اللهُ ذا العَصَا فلَقَد كانت لقُفْل النَّامُوسِ كالْمفتاحِ

وهذا كله دليل على سوء الضمير، وخبث العقيدة، وشدّة المجاهرة.

قال أبو الفتح يوماً لأبي سليمان: قال أبو عثمان في رسالته في

" التّربيع والتّدوير " إلى ابن عبد الوهاب: " لمَ صرنا تنذكر الشيء المهمّ فلا نقدر عليه حتى ندعه يأساً منه أجمع ما نكون نفساً وأحسن ما نكون تدبُّراً، ثم يُعارضنا ويخطر على بالنا في حال شُغل أو حال نوم، وأسهى ما نكون عنه وأقل ما نكون احتفالاً به ". وأنا أُحب أن أسمع من الشيخ فيه قولاً.

فقال أبو سليمان: ليست النفس على قدرة إرادة الإنسان منها، بل الإنسان على قدر مُراد النفس؛ لأن النفس هي مالكته ومُدبرته ومقوِّمته ومُتمّمتُه ومحرّكته؛ فلو كان الإنسان إذا أراد إِذْكارها أذكَرها، وإذا أراد إنساءها أنساها، كانت النّفسُ تحت مَلَكة الإنسان وجارية على إرادته، ومتصرَّفة بتصريفه وإرادته، إنما هي منها ويقوم هو بها، وكما له من جهتها، وتمامُه من مَعونتها.

فلهذه الحال قد يتذكّر الشيء فلا يجد من النفس إجابة له في ذكر

ذلك الشيء، وقد يسهو عن ذلك الشيء فيُلقى عليه أغفل ما يكون عنه لأنه موجود عندها عَتيد قِبلها، وإنما يكون هذا منها في الفينة بعد الفينة؛ ولو لم يتذكر الإنسان شيئاً جملةً، لكانت النفس الناطقة مغمورة، ولو تذكر كلما شاء لكان قد صفا كل الصَّفاء، فأما وقف بين هاتين المنزلتين تذكر مرة فذكر، وسها مرة فحصر.

وطال كلامه في حديث النفس، واتّسع في فنون منه.

فلمّا انتهى قال له أبو الفتح: عين الله عليك أيها الشيخ! أنت كما قال الأَحْوَص:

إِني إِذا خَفِي الرجالُ وجدتنيكالشَّمسِ لا تخفَى بكُلِّ مكانِ
إِنّي علَى ما قَد علِمت مُحسَّدٌأَنْمِي عَلَى البَغْضاءِ والشنآنِ
ما تَعتَرِيني مِن خُطوبِ مُلمّةٍإِلا تُشرّفُني وتَرفعُ شَاني
فإذا تَزول تَزول عن مُتَخمِّطٍتُخشَى بَوادِرُه لَدَى الأَقرانِ

فلله دَرُّك ودرُّ زمانٍ أنت من أهله.

فقال أبو سليمان: سعادة ذي الكِفايتين هي التي نعَشَتني عنده، وهيأت وصفي على لسانه، وزوّدتني فخراً بخدمته، وأبقت ذكري منوَّهاً بذكره؛ ولقد كنتُ غضيض الطرف حتى رأيته، كليل اللّسان حتى وصفته، مَبْخوس الحظ حتى عرفته، خامل الذكر حتى خدمته. وإن فسح الله في المدّة فسأستقبل خلق العيش جديداً، والحق مفقود المُنى موجوداً.

وحدثني الخليليّ قال: أول ما عيبَ على هذا الفتى أنه بعد موت أبيه أبي الفضل، أمر

بأن يُنقل المطبخ إلى دار النّساء، فقال الناس: الحمد لله، صار الطعام حِراً والخبز عَورة، والقِدْر والغَضَارُ حُرمة.

والله ما أراد بهذا إلا أن يُصان الخبز كما تُصان ذوات الخُمُر وصواحب المقانع، وإن هذه لغَيرةٌ وضعت في غير موضعها. ثم أنشد لدِعْبل قوله:

صَدِّق أَلِيّتَهُ إِن قال مُجتَهِداًإِي والرَّغِيفِ فذاك البَرُّ من قَسَمهْ
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «صدق أليته إن قال مجتهدا»
وإِن هممتَ بِهِ فافتُك بخُبزَتِهِفإِن مَوقعَها من لحمِهِ ودمِهْ
ما كان أَحسَنَه لو أَن غَيْرتَهعَلى جَراذقِهِ كانَت علَى حُرَمِهْ

قال الخليلي: كنت واقفاً في صحن داره خلف شجرة كبيرة، والزمان قيظ، والهاجرة مُحتدِمة، وهو أيضاً واقف تجاه تلك الشجرة لا يلحقني طَرْفه. فقال لخادمٍ بين يديه: قد جُعتُ فأصلحوا الطَّعام، وصيحوا بهؤلاء الأكَلة الطَّغام.

قال: فنزَّت في نفسي أنَفَةٌ سدَّت ما بيني وبين السّماء، فرجعت القَهْقَري ألقُطُ قدمي حتى صرتُ إلى الباب، وفتُّ إلى المنزل؛ وطُلبت فاحتجبت، ثم طلبت فاحتجيت، وقلت: سقطت من عالي السّطح، وانكسرت ساقي؛ وبقيت على هذه التَّعلّة حتى فرّج الله بالقبض عليه.

قال: وهذا عِرْقٌ كان ينبض فيه عن أبيه؛ فإن أباه كان غالياً في هذا الخلُق، وكان يُكابد من سَتْر هذا الداء على نفسه أمراً عسيراً. ولقد

حضر ابن بُندار يوماً، وكان يأكل معه، فنظر إلى غَضارة قد مُلئت ثريداً فأنشد:

ثريدٌ كأَنّ الشَّمس في حَجراتهنجومُ الثُّرَيا أو عُيون الضَّياوِنِ

فقال: أُفّ، لعن الله قائله! فقال ابن بندار: قائله حسَّان بن ثابت، والنبي ﵇ لا يرضى بلعن من يقول له حاضّاً على جواب المشركين: " قُلْ ومعَك روحُ القُدس ". فسَكَت خَزْيان.

وكان ينجم من قلبه في الوقت بعد الوقت بُغْضُ العرب والأَكَلة؛

أنشد يوماً بيتاً، وقال: أُحبُّ أن أعلم ما يُريد الأعرابيُّ بقوله:

تَرى وَدَك السَّديفِ عَلَى لِحَاهُمكَلَوْن الرَّاءِ لَبَّدهُ الصَّقِيعُ
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «ألا ظعن الخليط غداة ريعوا»

قال: وما انتصف منه أحد كأبي العباس ابن بندار؛ فإنه جرى ليلة حديث العرب والقبائل والأنساب. فقال أبو الفضل: أسَدٌ عِرْقٌ وَشيج ورحاك ونشيج وطراز نسيج، فقال ابن بُندار:

إِذا أَسَدِيٌّ جاعَ يوماً ببلَدةٍوكان سَميناً كَلْبُه فهو آكِلُه

فتغافل أبو الفضل كأنه لم يسمع، وكان حليماً حمولاً لئيماً ذَلُولا.

وقال: أحدّثك من حلمه بأعجب من هذا؛ كُنّا بأَذْرَبيجان لما افتتحناها لإبراهيم بن المرْزُبان وقرَّرناها في يده اتفق أن ظفرنا هناك بطبيب نصرانيّ بغداديّ حسن الحذق، بارع الصناعة، مشهود له بصواب الرأي وجودة التدبير، فأدناه أبو الفضل ورضيَ هدْيَه، وحمِد رأيه وقوله، وكان يخصّه بالبرّ والتحفة؛ فكان من أمره أن أبا الفضل شرب غَداتئذٍ قدحاً من شراب الرُّمان، فبقي في أسفل القدح قليلاً، ومدَّ يده إلى الطّبيب يناوله، تكرِمةً له، ويقول له: اشرب هذه البقية.

فقال له الطبيب: " نَهَى نبيُّكم عن سُؤر الكَلْب "، وأمسك عن القدح.

فاصفرَّ وجه أبي الفضل، ولم ينطق بكلمة، ولا أساء إليه، ولا اعتذر ذاك من فرطته.

ولتدافُع الحديث ما أخرُج من ذكر هذا إلى شأن ذاك. ولقد اضطرب عليّ نسج الرسالة على مذهب المصنّفين، ولكن عذري بيّن، لأني نقلت ما نقلت في وقتٍ صعب وحالٍ عوراء.

سألت العتابيَ، شيخاً من أهل أصفهان كان صحب ابن عباد في أيام الحداثة، عن ترك ابن عباد الشراب.

فقال: والله ما ترك ما ترك لله، ولكن تركه أنه كان إذا سكر افتضح ودعا إلى الفجور به، ولما فشا هذا وقبُحَت القالةُ هَجَره، وأظهر ذلك لتقوى الله، أو لوجه الله تعالى.

ورأيت ابن عباد يوماً يقول لابن أبي هشام: لا تقُل حَرِجت نفسه، إنما الحَرَج للصّدر، قال الله تعالى: (فَلاَ يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ).

فقال له: فأين أنت من قوله تعالى: (ثُمَّ لاَ يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ). فعرق جبينه خجلاً؛ وكان ذاك سبب إعراضه عن هذا الشيخ، وانقلابه عنه بالحرمان.

وقال لي العتابي: كان هذا، يعني ابن عباد يقال له في المكتب: دِيوْجَه، قال: وتفسيره شيطان صغير.

وقال لي ابن الرازي: كلَّمته في شيء يوماً، وقلت في عُرض الكلام: " وكان ذلك لانطلاق لسانه "، فقال له: " اخسأ، الانطلاق في الشيء والطَّلاقةُ في اللّسان ".

قال: فقلت له: ما تصنع بقول الأول وهو يزيد بن الصَّعق يخاطب النّابغة الذّبياني:

وأيُّ الناسِ أَغدَرُ من شآمٍله صُرَدان منطَلَقَ اللسان
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «فإن يقدر علي أبو قبيس»

قال: فخَمَد وحَقَد.

هكذا قال بفتح القاف، وكان فصيحاً.

وقال يوماً في المجلس، وهو يحدّث عن رجل أعطاه شيئاً فتلكّأَ في قبوله: " ولا بُدَّ مِن شيءٍ يُعينُ على الدَّهرِ " ثم قال: قد سألت جماعة عن صدر هذا البيت فما كان عندها ذاك. فقلت: أنا أحفظُ ذاك.

فنظر إليَّ بغضبٍ وقال: فما هو؟ قلتُ: قد نسيته.

قال: ما أسرع ذكرك من نسيانك.

قلت: ذكرته والحال سليمة، فلما حالت على سلامتها نسيتُ.

قال: وما حيلولتها؟ قلت: نظر الصاحب بغضب، فوجب في حسن الأدب أن لا يقال ما يُثير الغضب.

فقال: ومن تكون حتى يُغضب عليك؟ دع هذا وهات! قلت: قال الشاعر:

أُلامُ على أَخذِ القَليل وإِنَّماأُصادِف أَقواماً أقلّ من الذرّ
فإِن أنا لم آخُذ قليلاً حُرِمتُهولا بُدَّ من شيءٍ يُعين عَلى الدَّهْرِ
للشاعر الأحنف العكبري، من قصيدة «ألام على أخذ القليل وإنني»

فسكَت.

وكان ابن عباد ورد إلى الري سنة ثمان وخمسين مع مؤيد الدولة، وحضر مجلس ابن العميد أبي الفضل، وجرى بينه وبين مِسْكَوَيْه كلام، ووقع تجاذب.

قال مسكويه: فدعني حتى أتكلم، ليس هذا نصفة، إذا أردت أن لا أتكلم فدع على فمي مخدَّة.

فقال له: أنا لا أدع على فمك مخدّة، ولكن أدع فمك على المخدّة. وطارت النادرة، ولصقت وشاعت وبقيت.

فأما حديث ابن عباد مع أبي عبد الله الحصيري فمن الطّرائف؛ كان هذا الحصيري من أسقط الناس وأنذلهم، فلما ورد ابن عباد الريَّ تقرَّب إليه وعرض نفسه عليه، وسأل أن يُلقّنه المذهب، فحقره ابن عباد، وكان لا يهشّ له.

فجعل الحصيري يقف في الأسواق والشوارع العظام، والمربعات الكيار، ويُنادي بصوتٍ جهير ويقول: ادعوا الله للصّاحب الجليل، إسماعيل الذي ليس له في الدنيا عديل! ثم يقول بالفارسية: فإنه قد بسط العدل، وأحيا العلم، وبثّ المكارم، وآوى الغرباء؛ لا يشرب الخمر، ولا يَعْفِجُ الغلمان، ولا يخلو بالمُرْدان، ولا يتقحّب بالنساء، ولا ياخذ الرُّشا، ولا يقبل المُصانعات؛ نهاره في المُلك، وليله في دراسة العلم.

وأشباه هذا الكلام الشَّنيع.

وكان المنظر عجيباً، والمسمع أعجب. وكان أهل الريّ يقفون

ويسمعون ويضحكون ويسخرون، والبلد يغلب على أهله النوادر والعيارة.

فلما توالى ذلك منه، نُمي إلى ابن عباد، وشُنع به على الحصيري، واستُؤذن فيه ليُنهى عنه ويُزجر.

فقال: لا تفعلوا فإن باله ينكسر، ونشاطه يذهب، دعوه على شدّته في المذهب وحدَته على أهل الكذِب.

وكان له آخر يُلقّنه بالفارسية، ويقال له: اجلس في الأسواق عند الباقلاّني وعند الصّيدلانيّ، وعند المرّاق، وعند الهرّاس، واطرح له حسن " العدل والتّوحيد "، وادعه إلى المذهب، ولك مشاهرة تدرُّ عليك، وبرٌّ في كل وقت يصل إليك، ولك الجاه العريض في الوصول إليّ، والخلوة معي؛ وكان يقال لهذا الرجل الفُقّاعِيّ.

ورأيت آخر يقال له أبو عليّ الإسكاف، وكان أشفّ من الفُقاعي، على هذا؛ وكان يقال لهؤلاء دعاة الصّاحب، وخاصة الصاحب.

واجتهد بالحسين المتكلم الكُلاّبي أن ينتقل إلى مذهبه، فتلّطف حسين وقال: أيها الصاحب! دعني حتى أكون مشحذاً لك، فما بقي غيري، وإن دخلت في المذهب لم يبق بين يديك من تنثو عليه قبيحه، وتُبدي للناس عُواره.

فضحك من كلامه وقال: قد أعفيناك يا أبا عبد الله، وبعد ما نبخل عليك بنار جهنّم، اصلَ بها كيف شئت! قال لنا حُسين بعد ذلك: يا قوم! أَتُراني أصلى بنار جهنم وعقيدتي وسيرتي معروفتان، ويتَبوّأُ هو الجنة مع قتل الأنفُس المحرّمة، وركوب المحظورات العظيمة؟ إن ظنّه بنفسه لَعَجب، والله لو كان من المرجئة لكان مخوفاً

عليه، فكيف وهو يدعي الوعيد، ويخوِّف بالتخليد؟ لَحا الله الوَقاح.

وقال يوماً: ما صَدْر قول الشاعر:

والمشرَبُ العَذْبُ كَثِيرُ الزّحامْ؟

فسكت الجماعة.

فقال: قد - والله - فشا النّفص، وذهب الحفظ، ومات الأدب.

فقال ابن الرازي: صدره:

يزدَحِم الناسُ علَى بَابِهِ

فأقبل عليه بغيظ، وقال: ما عرفتك إلا متعجرفاً جاهلاً، أما كان لك بالجماعة أُسوة؟ وسمعته يقول: كان أبو الفضل مطبوعاً على معرفة الشِّعر، وكان

لا يخفى عليه جيده من رديِّه، وكان يعجب بقول الشاعر:

وجاءَت إلى باب من السِّجْف بينَنامُجافٍ وقد قامَتْ عليه الولائدُ
للشاعر عبد الله بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة
لِتَسْمعَ شعرِي وهو يَقرع قلبَهابوحيٍ تؤدّيه إليها القصائدُ
للشاعر عبد الله بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة
إذا سمِعتَ معنىً لطيفاً تنفّسَتله نَفَساً تنقدُّ منه القلائدُ
للشاعر عبد الله بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة

ثم قال: هذا والله القول، وأنا أعجب بقول الآخر حين يقول:

ما زلتُ أَهواك سؤلَ قلبيما دمت بين الأَنام حَيّا
وكيف يَسلُو هَواك قلبٌسَقَيْته من هَواك ريّا
أَولى لك الله ثم أَولَىأَما خشِيت العِقاب فِيّا
جِئت إِلينا بغير وعْدٍيا حبّ من زارَنا بَدِيّا
حتّى إذا ملكْت قلبيوازدَدت حُسناً نعَمْ وزِيّا
نفرَت نفرَ الظباء عنّافصارَ من دونك الثُّريّا

وسنوسّع هذه الرسالة بعد هذا التطويل ببعض ما يكون حجةً أو عذراً، وإن اعترض حديث سقناه على غَرِّه، وعرضناه على حُلوه ومُرّه، ولولا أن الفائدة - أبقاك الله - في سماع هذه الأشياء ومعرفة هذه الأحوال أضعاف الفائدة في الإضراب عنها، لكان السكوت ممكناً، والإمساك مستطاعاً، والسَّلم واقعاً، والإعفاء سهلاً؛ ولكن الخيرة لا تقع، واليقظة لا تستحكم، والطّبع لا يرتاض حتى تتصفح الأمور، وتتعقّب الدُّهور، وتأخذ نصيبك من الاعتبار، وتبعث همتك على محمود الاختيار؛ والشاعر يقول:

ومن يَطُل عَيشُهُ لا تَلْقَه غَمراًوفي الحَوادِث والأيّام تجريبُ

وقال آخر:

أَخو خَمسين مُجتَمعٌ أَشُدِّيونجَّذّنِي مُداورَةُ الشُّؤونِ

وقال آخر:

أَلم ترَ ما لاقيت والدهرُ أَعصرومن يتَملَّ العيشَ يَرْأَ ويسْمَعُ

وقال لي أصحابنا حين وقف على جُرامة هذا الكلام: قد كشفتَ طائفتين كبيرتين، وحملتهما على عداوتك والإرصاد لك، يعني المتكلّمين والمتفلسفين؛ فإن هذه لا تصبر لك على ثَلْبك ابن عبّاد، وهذه لا تسكت عنك في نيلك من ابن العميد.

فقلت له: متى كان الخصم منصفاً، وكان مُدِلاً بالحق متوقّفاً، فإن القول معه يسهل، والجدل يخف، والحديث يُفيد؛ وهل أنا إلا كمن قال لرسول الله ﷺ في حديث: يا رسول الله: رَضيتُ فقلتُ أحسَنَ ما عرَفت، وغضبت فقلت أقبح ما عرفت. فلم يُنكر ذلك رسول الله ﷺ. وأنا أروي لك القصة لتكون الفائدة أظهر، والحجة أنوَر.

قال عمرو بن الأهتم للزِّبْرِقان، حين قال له النبيّ ﵇: ما عِلمك فيه؟ قال: أعلم أنه قد نجمت له مروّة، وأنه مطاع في قومه، وأنه مانعٌ لما وراء ظهره.

فقال الزبرقان: أما والله لقد ترك ما هو أفضل من هذا.

فقال عمرو: أما إذا قال ما قال فهو ما علمت أحمق الأب، لئيم الخال، زَمِرُ المروّة، حديث الغِنى؛ ولقد صدقت في الأولى، وما كذبت في الأُخرى.

وضحك رسول الله ﷺ.

فقال عمرو: يا رسول الله! لقد غضبت فقلت أقبح ما عرفت، ورضيت فقلت أحسن ما عرفت.

فقال النبي صلى الله عليه: " إنّ من البيانِ لَسِحْراً ".

فهذا هذا، على ما رواه ابن الأعرابي.

ومن أظلم ممن طلب من الساخط ما لا يوجد إلا عند الرّاضي، وطلب من الراضي ما لا يصاب إلا عند السّاخط؟ ومن كان كذلك فقد ردّ الأمور

على أعقابها، وأتى المطالب من غير أبوابها. ولكل واحد من الراضي والساخط شاكلة يعمل عليها، وشيمة يظهر بها. على أني ما بهرَجْت مذهب المتكلمين، ولا زيّفت مقالة المتفلسفين. وإنما قلت في أُولئك إنهم ادّعوا " العدل " وعملوا بالجَوْر، وأمروا بالمعروف وركبوا المُنكر، ودعوا الناس إلى الله بالقول ونفّروا عنه بالفعل، ولم يرجعوا فيما نصروه وذبّوا عنه إلى ورعٍ ظاهر وتحرُّجٍ معروف، ويقين لا خلاج فيه، كما كان عليه سلفهم وأعلامهم؛ واصل، وعَمرو، والحسن ومن جرى مجراهم.

وهذا ما لا أحتاج إلى الاعتذار منه؛ فإني سمعت الدّيّانين منهم يقولون هذا فيهم، ويرونه من الدّاء الذي قد أعضل عليهم.

ثم إني ما رأيت أحداً سكت عن أحدٍ من سفهائهم تغافلاً عنه أو حصراً له إلا ورأيته يقول ويُطنب في ابن عباد غير خاشٍ ولا مُتحاش، لعظم الآفة به على المذهب، وتفاقُم الأمر بمكانه على أهله.

وما قولي هذا فيهم إلا كقولك يوم اجتماعنا في مقبرة معروف الكرخي لبعض الشيعة: لو كنت دائناً بحبّ آل الرسول معتقداً لشرف العِتْرة راجعاً إلى صحة السريرة والعقيدة لظهر ذلك في عفّتك وورعِك، وصلاتك وصيامك، وحجِّك، وعبادتك واجتهادك، وصدقتك ومواساتك؛ مع إحياء الليل وإظماءِ النهار، واقتداءٍ بالذين إياهم تحبّ، وعنهم تذبّ؛ ولم تكن تقنع من جميع محاسن المذهب بسبّ السلف وتضليل الأُمة، وثلب الصالحين وتكفير السّابقين وتدنيس الطاهرين.

فقولك لهذا الرجل الشيعي هو قولي للمتكلم إذا كان دعياً، ولم يكن في مذهبه براً تقياً.

وأما ابن العميد، فمن هذا الذي يتفلسف على بصيرة ومعرفةٍ، وهو يرضى سيرته، ويحمد هَدْيه، ويراه قُدوةً ويعدُّه سعيداً؟ كأن الفلسفة إنما تكون بالدّعوى باللسان، من غير عمل ومعاناة ورياضة، وقمعٍ للشهوات إذا غلبت، وردعٍ للنفس إذا طغت، واستصلاحٍ للأمور بالعدل المؤثر فيها، وطلب السعادة والفوز في العاقبة على ما رسمه علماؤها، وحققه حكماؤها.

هيهات! ظنٌّ لا تسافر فيه العين، وقول لا يصبر على لفْح الكِير. فليت شعري بعد هذا من الخصم الذي يركب البهت، ويدفع العيان، ويسحر العقول، ويطرح الأذهان، ويقول: ليس القول بالعدل والتوحيد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر إلا ما هو عليه ابن عباد، ولا الفلسفة إلا ما كان يختاره ابن العميد؟

هذا ما لا يقوله أحد ممن له عقل ونهى، ولا يجترئ عليه من له حجر وحِجا، خاصة إن كان ممن يرُبُّ مروّته بالحق، ويصون كلمته عن الكذب، ويغار على عقله من تعنيف معنّف، ويأنف لنفسه من لومة لائم.

سمعت القاضي أبا حامد المَرْورُّوذِيّ يقول، وكان سيد الفقهاء في وقته وإمام أصحابه في عصره، وعجيب الفضل في جميع أموره؛ لو أن رجلين ظاهرين زكَّيا رجلاً عند الحاكم، ثم سأل الحاكم آخرين مرضِيّيْن عن ذلك المزكّى بعينه فجرَّحاه لكان الحاكم لا يقف ولا يتحيَّر ولا يعيا ولا يحصر، ولكنه يقدّم الجرح على التزكية ويعمل به دونها، ويصير إليه تاركاً لها؟ فإن قلت: ما الحكمة في هذا؟

قيل لك: إن اللذين زكّيا قالا بالظاهر، وربما يكثر مثله، ويغلب شبيهه، وربما يُتكلّف في نظيره بالرياء والسمعة، والنّفاق والخديعة،

والختل والحيلة؛ فلو لم يكن هذا لأمضيتُ التزكية على ظاهرها، وعملت بها، وسكنت إليها. فأما إذا استنظهرتُ فسألت آخرَيْن مرضيَّين عن المزكّى فجرّحاه، فكأنما علِما من باطن أمره وخافي حاله وكُنْه غَيْبه، ومطويّ شأنه ما توارَى عن عرفان من ركَّاه، وخفي على بحث من عدّله. فكان هذا عندي بالقبول أولى والعمل به أحرى.

هذا ما قاله هذا الرجل العالِم، وهلك سنة ثلاث وستين وثلاثمائة.

وابن عباد حفظك الله - ليس بصغير القدر، وابن العميد لم يكن خامل الذكر، وما فيهما إلا من هو غُرة زمانه، وتاريخ دهره، لنباهته وصِيته، وطول أيامه وامتداد دولته، ومواتاة مُراده، وطاعة الناس له، وتوجه الأطماع إليه؛ فكيف يُجزّف الحديث عنهما مجزّف، ويُلزَق الكذب بهما مُلزق، أو يدّعي الباطل عليهما مُدَّع؟ هذا ما لا يطمع فيه حصيف، ولا يعمل عليه عاقل؛ ولكن حديث الدِّين والكَرَم والعقل والمجد والسِّيرة والهدى والجُود والبَذْل،

ليس من حديث الجَدّ والفتح والختال والإنفاق والدولة والسناء والمرتبة في شيء.

اللهم إلى أن يكون الفضل كله عند هذا المخالف في كتاب يُنشأ ومعنىً يُقتضب، وقصيدة تُنشد، ورسالة تُحبّر، ومسألة تتداول بالعيِّ والبيان، ودعوى تُتناقل بالشُّبهة، وعربية تُشقَّق تشقيقاً، وكلمة تُزَوَّقُ تزويقاً، وباطلٍ يُنصر لحاجةٍ تدعو إليه، وحقٍّ يُرفض لأمر يحمل عليه، وخصم يُفحم بما غثَّ وسمن، وشُبهةٍ تُركب بما ظهر وبطن.

أو يكون الفضل عنده، والتَّمام لديه في الأمر والنهي، والعزل والولاية، والقبض والمُصادرة، والكيد والغيلة، والاستخراج والحيلة، والغاشية والحاشية، والخدم والحشم، والدُّور والقصور، والمراكب والمواكب، فيكون كل ما يدّعيه الخصم مقبولاً، وكل ما يأباه مرذولاً؛ فأما أن يكون الفضل - بإحماع الأوّلين والآخرين، والماضين

والغابرين - في الدّينونة والتألُّه والعفاف والتحرُّج والكرم، والطَّهارة والتقزز والنّزاهة والرّقة والرّحمة والجود والعَطية والحِلم والعفو والإبقاء والإغضاء والوفاء والإرضاء والتغافل والتسمُّح والبرّ والتعهُّد، والبِشْر والطَّلاقة، والدّماثة والشجاعة وطلب الذّكر الجميل من كل أحد، إما للساعة وإما للأبد، فينبغي على هذا أن لا يكون لكلام الخصم سامع، ولا لدعواه مُصدّق ولا لحُكمه مُجيز.

قلت لأبي الوفاء المهندسن وكان قد رجع من عند ابن عباد، لقيه بجُرجان مؤدياً إليه رسالة من بغداذ، لقيتُه بالمرْج في ليلة عمياء بالمطر والبرد والثّلج والسّيل العرم: كيف شاهدت ابن عباد، فإنك صَيْرَفيُّ الناس في الناس؟ فقال: يقال لمثله عندنا بنيسابور عندنا طبلٌ هَرْثَمِيّ، ويقال لمثله عند إخواننا ببغداد: مادح نفسه يقرئك السّلام؛ وهو مع هذا عند أصحابه رقيع طيّب، وعند الكُتّاب أحمق غليظ، وعند سفلة المعتزلة واحد الدنيا، وعند الفلاسفة طائر طريف، وعند الصالحين ظلوم قاس،

وعند الله فاسق عاصٍ، وعند أهل بلده أفّاكٌ أثيم، وعند الجمهور شيطان رجيم.

وقلت لأبي السلم تحية بن علي الشاعر القحطاني: أين ابن عباد من ابن العميد؟ فقد زرتهما مُنتجعاً، وزرتهما جميعاً.

فقال: كان ابن العميد أعقل، وكان يدّعي الكرم، وابن عباد أكرم، وهو يدّعي العقل؛ وهما في دعوييهما كاذبان، وعلى سجيّتِهما جاريان.

أنشدت يوماً على باب ذاك قول الشاعر:

إذا لم يكن للمَرْء في دولة امرئٍجمالٌ ولا مالٌ تمنَّى انتقالَها
وما ذاك من بُغضٍ لها غير أنهيؤمّل أُخرى وهو يرجو زَوالها

فرُفع إليه إنشادي، فأخذني وأوعدني، وقال لي: انجُ بنفسك فإني رأيتك بعد هذا أَولَغْت الكلاب دَمد.

وكنت قاعداً على باب هذا منذ أيام فأنشدت البيتين على سهوٍ، فرُفع إليه الحديث، فدعاني ووهب لي دُريهماتٍ وخُريقات، وقال: لا تَتمنّ انتقال دولتنا بعد هذا.

وأبو السلم هذا من أغزر الناس في الشعر، يحفظ الطِّمَّ والرِّمَّ، وكان طيّب الإنشاد، رخيم النغمة. أنشدني لابن حسان:

إِن الجديدَيْن في طول اختلافهمالا يَفْسُدان ولكن يَفسُد النَّاسُ
للشاعر الخنساء، من قصيدة «إن الزمان وما يفنى له عجب»
لا تَطمعا طمَعاً يُدْني إلى طَبَعٍإِن المطامِع فَقْرٌ والغِنى اليَاسُ
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
للناسِ مالٌ ولي مالاَنِ مالَهُماإذا تحارَسَ أهلُ المالِ، حُرَّاسُ
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة
مَالي الرِّضَا بِالذي أَصبحتُ أَملِكُهوماليَ اليأَسُ مما يَملِكُ الناسُ
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة

وقال لي الخليلي: الرجل مجنون، يعني ابن عباد، وفي طباع المعلمين. سمعته وهو يقول للتميمي الشاعر: كيف تقول الشعر؟ وإن قلته كيف تجيده؟ وإن أجدت كيف تغزُر فيه؟ وإن غَزَرت فيه فكيف تَروم غاية وأنت لا تعرف ما الزَّهْلِق وما الهِبْلَع، وما العُثَلطِ، وما الجَلَعْلَع، وما القَهْقَب، وما الطُّرْطُب، وما القَهْبَلِس، وما الخَيْسَفُوج، وما الخُزَعْبِلَة، وما القُذَعْمِلة،

وما العَرَوْمَط، وما السَّرَوْمَط، وما الدَّوْدَرَى، وما المَكْوَرَّى، وما العَفْشَليل، وما القفشليل، وما الجَلَعْبَى، وما القِرْشَبُّ، وما الصِّقْعَل، وما الجِرْدّحْل، وما الدَّرْدَبيس، وما الطَّرْطَبِيس، وما العَلْطَمِيس، وما

الجرَعْبِيل، وما الخُنَعْبيل، وما العُبَاريد، وما العَبابِيد، وما العَباديد، وما النِّقاب، وما الجِرْفَاس، وما اللَّووس، وما النَّعْثَل، وما الطِّرْبَال؟ وما معنى: إنه لظريف ولا تِباعَة؛ وما الفرق بين العَذْم

والرَّذْم، والحَدْم والحَذْم، والخَصْم والقَضْم، والنَّضح والرَّضْح، والقَصْم والفَصْم، والقَصْع والفَصْع، وما العَبَنْقَس، وما الفَلَنْقَس، وما الوَكْواك والزَّوَنَّك،

وما الخَيْتَعور، وما السَّيْتَعور، وما اليَسْتَعور، وما الحِرْذَون، وما الحَلَزون، وما القصدر، وما الجُمَعْلِيل. قال الشاعر:

جاءت بخف وحتين ورجل

جاءت تمشّي وهي قدّام الإِبل

مشيَ الخُمَعْليلة بالحرف النقل

قال: ورأيت بعض الجهال باللغة يصحّف هذا ويقول:

بخف وحنين ورخل

قلت للخليلي: من عنيَ بهذا؟ قال: عنيَ ابن فارس معلّم ابن العميد أبي الفتح.

قال الخليلي: أَفهذا الضرب من الكلام مما يجب أن يفتخر به،

ويتدفّق به، إنك يا أبا حيان لو رأيته يميس وهو يهذي بهذا وشبهه، ويتفيهق فيه، ويلوي شدقه عليه، ويقذف بالبُزاق على أهل المجلس، لحمِدت الله تعالى على العافية مما بُلي به هذا الرجل.

وبعد فما بين الشاعر وبين هذا الضرب؟ الشاعر يطلب لفظاً حُراً، ومعنىً بديعاً، ونظماً حُلواً، وكلمة رشيقة، ومثالاً سهلاً، ووزناً مقبولاً.

قلت للخليلي: فما بال الناس، مع علمهم برقاعته وجنونه، قد لزِموا فِناءه، وتزاحموا على بابه؟ فقال لي: يا هذا! خلَت الدنيا من الكرم والكرام، واصطلح الناس على قلّة المباهاة بالفضائل، وكان هذا كله منوطاً بالخلافة، فانقضت أيام الصّدر الأول بالدِّين الخالص، وأيام بني مروان بالرّياء والسُّمعة، وأيام بني العباس بالمروّات والتوسع في الشهوات، ولم يبق بعد هذا شيء.

ولا بد للناس من الانتجاع، أخصبت البلاد أم أجدبت، والحِرف لا تسع الخلق، والمرتبة الواحدة لا تحفظ النظام، ولا بدَّ للناس من التقسُّم بين الرَّفعة والضَّعة، وعلى ما بينهما من الأحوال؛ على أن الكرم والعطاء، والبذل وحبّ الثناء، والهزّة والأريحية أمور قد فُقدت منذ زمان،

وقامت عليها النوادب في كل مكان. هذا ثُمامة المتكلم يحكي بلسانه، وهو صاحب المأمون، قال: دخل النَوْشَجَاني على المأمون، فقال: يا أمير المؤمنين! ما في بيت مال الصدقات درهم، وقد كثر الغارمون.

فقال المأمون: وكيف لا يكثرون وثلاثة أرغفة بدرهم، وها هنا أُناس لا حرفة لهم، وا إفضال من مُوسريهم على معسريهم؟ أما والله لقد شهدت أيام الرشيد والخراج أقل وأرذل، وإن فيها لأكثر من مائة يدٍ بالخير طويلة، وبالعطايا سائلة، وللمعروف باذلة، وللأرحام واصلة.

وروى عن سابق بني هاشم في هذا أعجب كلام، قال: والله لو علم الله أن غنى فقرائكم في أكثر من زكوات أغنيائكم لَفرض لهم ذلك. فتبارك الله رب العالمين.

أين أولئك البرامكة؟ وأين نحن منهم اليوم؟ كان معروفهم يسع الصغير والكبير، ويهمُّ الغنيّ والفقير، مرذةً يغرف ومرة ينزف، ما لهم همّ إلا تثميره.

ومن أولئك زُبيدة بنت جعفر وابنها، إني والله لأحسبهما فرّقا من المال فيمن لجأ إليهما وطلب معروفهما أكثر كم ألف ألف ألف دينار؛ ولقد كان لمن ذكرت بطانة، وللبطانة بطانة، وكان لهم من المعروف والبذل في الجار والحميم والسائل وابن السبيل ما لو أُحصي لطال ذكره وعظُم قدره؛ فما بالعراق اليوم من يجود بدرهم ولا رغيف، أو ليس من انقلاب الزمان أن صار عبد الله بن بشير أحد أجواده، وأحد أبواب المعروف؟ فما ظنكم بنا وقد حشرنا في زمرة واحدة؟ ثم مَيِّزْ أهل كل زمان! فإذا نظر إلى أهل زماننا لم يَقُم في المباهاة إلا عند الله ومالك ابن شاهي! " إنا لله وإنا إليه راجعون ".

اكتب لهم إلى البلدان. وانظر من كان منهم محتملاً فارم به إلى الأطراف وأجنحة الثغور، ومن قلّ ماله ورثّ حاله، وقعد به العدم عن الحركة الشاسعة فلا تُجاوز به الموصل والبصرة، وفرّق فيهم ألف درهم، وعجّل سراحهم الأول فالأول.

النص من طبعة دار صادر ببيروت عن المجمع العلمي العربي بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أخلاق الوزيرين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.