من «الهفوات النادرة» لغرس النعمة الصابئ (ت ٤٨٠هـ)
الهفوات النادرة (٢)
وحدثني أبو طاهر بن أبي قيراط العلوي قال: كان عندي جماعة من الرؤساء والأماثل وفيهم أبو الغنائم بن جمهور الكاتب، وكانت له أخت فاسدة، فدخل علينا وقال: كنت الساعة في مشرعة الروايا مجتازاً فرأيت جمعاً وضجيجاً وصياحاً، فسألت عن الحال فقيل لي: حصلت بنت ابن جمهور عند ابن المطبخي القاص على فساد، فكبسا وهربا، وظفر بسراويلهما ومداسها وشيء من آلاف الفساد الذي اجتمعا فيه، فحين فرغ من كلامه طأطأنا رؤوسنا حياء من أخيها، وندم الرجل على ما تسرع فيه واتفق له، والحق ابن جمهور أمر عظيم، ونهض على أقبح وجه وانصرف، فلمنا الرجل فقال: غلطة جرت وهنة طرت.
وغنت جارية للمنصور قول عبيدة الله بن قيس بن الرقيات في عبد الملك بن مروان:
ما نقموا من بني أميَّةَ إللا أنَّهم يحملون إنْ غضبوا
وأنهم معدونُ الملوكِ فماتصلحُ إلاَّ عليهمُ العربُ
فاستعادها الصوت وقد تكره، وعلمت غلطها فغيرته في الحال وغنت:
ما نقموا من بني أميةَ إللا أنَّهم يسفهون إنْ غضبوا
وأنَّهم معدنُ النِّفاقِ فماتفسدُ إلاَّ عليهمُ العربُ
فقال لها: أحسنت يا جارية فمن أين لك هذا؟ قال: والله ما قصدت الغناء بهذا الشعر، فلما ابتليت به وعلمت بزلتي فيه غيرته على ما قلت.
وحكي أن المعتمد اصطبح يوماً واقتراح أن يغني بشعر أبي نواس:
يا كثيرَ النَّوحِ في الدمنِلا عليها بلْ على السَّكنِ
سنَّة العشَّاقِ واحدةٌفإذا أحببتَ فاستكنِ
فلم يزل يغني به يومه، ثم اشتكى جوفه ومات في ليلته.
وحدثني أبو لفتح منصور بن محمد بن المقدم الأصفهاني قال: كان أبو الفتح، ابن ابن العميد يشرب على مجلس قد أعجب به، وأغاني قد اجتمعت، وسر سروراً كثيراً، طرب طرباً زائداً، وجرى على لسانه عمل أبيات:
دعوتُ المنى ودعوتُ العلافلّما أجابا دعوتُ القدحْ
وقلتُ لأيامِ شرحٍ الشبابِإليَّ فهذا أوان المرحْ
إذا بلغَ المرءُ غاياتهفليس له بعدها مقترحْ
وتقدم إلى المغنين بتلحينه وألا يغني بقية ليلته إلا به، ففعل ذاك! قال الحاكي: فتطير جماعة الحاضرين عليه ما جرى على لسانه، ونهض من المجلس، وأم أن يغطى ولا يشوش، ليركب إلى دار فخر الدولة ويعود إلى حاله، وتقدم إلينا بانتظاره، وركب فقبض عليه فخر الدولة، وهربنا من داره، وكان ذاك آخر العهد به.
وحكى الأصمعي قال: دخلت على الرشيد يوماً وهو ينظر في كتاب ودموعه تسيل على خده، فلما بصر بي قال: أرأيت ما كان مني؟ قلت: نعم، قال: أما إنه ليس لأمر الدنيا، ثم رمى إلي بالكتاب، فإذا فيه أبيات لأبي العتاهية إسماعيل بن أبي القاسم وهي:
هلْ أنتَ معتبرٌ بمنْ خربتْمنهُ غداةَ مضى دساكرهُ
ويمنْ أذلَّ الدَّهر مصرعهفتبرأتْ منهُ عساكرهُ
ويمنْ خلتْ منه أسرَّتهوبمن وهتْ منه منابرهُ
ابن الملوكُ وأين عزُّهمصاروا مصيراً أنتَ صائرهُ
يا مؤثرَ الدَّنيا للذتهِوالمستعدَّ لمنْ يفاخرهُ
نلْ ما بدا لك أن ْ تناولهيوماً فإنَّ الموتَ آخرهُ
فلما قرأتها قال: والله يا أصمعي لكأني أخاطب بهذا الشعر وحدي دون الخلق! فقلت: دع هذا يا أمير المؤمنين فإنه استشعار لا يقطع به ولا يعول عليه، فو الله ما لبث بعد ذلك إلا شهراً (واحداً) ثم مات.
وحدث يقطين قال: إني لواقف على رأس المهدي إذا أغفى، فانتبه فزعاً وقال: علي بالشيخ! فقلت: أعيذك بالله اأمير المؤمنين، فقال: وقف علي الساعة وأنا نائم شيخ فقال:
كأنَّي بهذا القصر قد بادَ أهلهُوأقفرَ منه أنسه وشواكله
وصار عميدَ القومِ من بعدِ نعمةٍإلى جدثٍ تحثى عليه جنادلهْ
ولم يبقَ إلاَّ ذكرهُ وحديثهُتنادي عيهِ بالعويلِ حلائلهْ
قال: فما مضى عليه إلا أيام حتى مات.
وروي عن عبد الرحمن بن عفيف المروزي قال: حدثني أبي قال: وجدنا على باب علي بن عيسى بن ماهان، وهو الذي سعى بالبرامكة مع من سعى حتى هلكوا بيتين من الشعر لا يعلم من كتبهما:
إنَّ المساكين بني برمكٍصبتْ عليهم غيرُ الدَّهرِ
إنَّ لنا في أمرهم عبرةًفليعتبر صاحبُ ذا القصرِ
فلم تبعد نبكته، وكانت قريبة من نكبة البرامكة.
وحدث سليمان بن أبي شيخ قال: بلغني أن جعفر بن يحيى البرمكي في آخر أيامهم أراد الركوب إلى دار الرشيد يوماً فدعا باصطرلاب ليختار وقتاً يركب فه، وكان جالساً إلى دجلة، فمر رجل في سميرية وهو لا يرى جعفراً ولا يعرفهن ولا يدري ما يصنع، فأنشد:
يدبرُ بالنجومِ وليسَ دريوربَّ النجمِ يفعلُ ما يريدُ
فضرب جعفر بالاصطرلاب الأرض، وركب وقيذاً.
وحكي أن أبا عبد الله بن الجصاص كان جالساً يحادث المقتدر بالله، فنام، فقال له المقتدر هوذا تنام يا أبا عبد الله! فقال: تحت داري كلاب ما يدعوني أنام الليل، فقال له: تقدم إلى الغلمان بطردهم فقال: يا أمير المؤمنين هم شيء يطاقون، والله إن كل كلب مثلي ومثلك كرتين، فضحك المقتدر وقال: بل مثلك وحدك! واستيقظ ابن الجصاص فخجل واعتذر!.
وكأن رجل يؤاكل صديقاً له، فدق إنسان الباب، فقال صاحب الطعام، من ذا الكشخان، الآخر؟ فنهض صديقه وقال: والله لا آكلتك أبداً، فخجل وحلف "أن لساني هفا وأنك أولى من عفا"، فلم يرجع عن أنه له عني وعنه كنى، وانصرف.
وكان جماعة يأكلون سمكة مشوية، ففرغوا من جنبها وقبولها إلى الجنب الآخر، فسأل سائل على الباب، فأراد صاحب السمكة أن يرد عليه فقال: قد أقلبوها، فرفعت الجماعة أيديها، ونهضت، وخجل الرجل وحلف لهم أنه ما عنى ما وقع لهم وعرض بخاطرهم، بل سهو بدر به لسانه، فلم يقيموا ولا تمموا أكلهم، وخرجوا يبخلونه واستحيا منهم كل وقت يلقونه!.
وذكر حماد بن إسحق عن أبي بكر بن عياش قال: كان بالكوفة امرأة لا زوج د عسر عله المعاش، فقالت له: لو خرجت فضربت في البلاد وطلبت من فضل الله تعالى رجوت أن ترزق شيئاً، فخرج إلى الشام فكسب ثلاثمائة درهم فاشترى بها ناقة فارهةً وركبها قاصداً إلى الكوفة، وكانت زعرة فأضجرته واغتاظ منها ومن زوجته وإخراجه وتقطيعه بأسفاره، فبدر لسانه فيها بأن حلف بطلاق امرأته أنه يبيعها يوم يدخل الكوفة بدرهم! وسكن من حوده فندم أشد ندامة واغتم أعزم غم، وقدم الكوفة فقالت له زوجته: أي شيء جئت به معك؟ ورأته مغتماً، قال: لا شيء، فقالت له: فهذه الناقة لمن؟ قال: لا أدري لمن تحصل له، وحدثها بحديثه وما جنى عليه حرده وجره لسانه، فقالت له: أنا أحتال لك حتى لا تخنث ولا تخيب، وعمدت إلى سنور فأخذتها وعلقتها في عنق الناقة وقالت: أدخلها السوق وناد عليها: من يشتري هذه السنور بثلاثمائة درهم والناقة بدرهم واحد، ولا أفرق بينهما؟ فدخل السوق وفعل ذلك، فجاء إعرابي يجور حول الناقة وجعل يقول: ما اسمك ما أفرهك ما أحسنك ما أرخصك، لولا هذا المشارك الذي في عنقك.
حدثني أبو سعد محمد بن علي ن الحسن المعروف بابن المانداي قل: حدثني الجهرمي الشاعر قال: كان السقطي الصوف من أهل المروءات، وقد آلى على نفسه أنه لا يأكل طعاماً عند أحدٍ، فخلوت به يوماً وسألته عن العلة في ذاك فقال: بكرت إلى صديق لي في حاجة وعدن بها، ودخلت إليه وبين يديه غداؤه، فمددت يدي وأكلت، ووقف على الباب سائل، وأراد أن يقول له: لطف الله بك، فقال: قد كسر آخر فقلتُ: بعد ما مسه فخجل واستحيا وقال: ما قصدت ما وقع لك، فقلت: خذ في غير هذان ولم آكل معه، ونهض عن طعامه حياءً مما بدر من كلامه، وجعلت في نفسي ألا أكل طعام أحد بعدها.
وحدثني الوزير فخر الدولة أبو نصر بن جهير قال: كان سليمان ابن فهد كاب قرواش بن المقلد بالموصل حديداً سوداوياً على الفضل الذي كان فيه، واتفق أن كان جالساً وإلى جانبه أبو طاهر النصراني الكاتب ابن كعب، وله المنزلة الكبيرة وفي وقته المكانة الجليلة في بلده، وقد خدم شرف الدولة باب الفوراس ابن الملك عضد الدولة بن بويه والمسيب جد قرواش، فقال له سليمان مقبلاً على الحاضين على طريق الانبساط والاسترسال، وهذه أخت ابن كعب قحبة مشهورة كما تعلمون، وابن عرقل ممن تحبه ويفعل بها كل يوم، ولا يغبها ولا تغبه، وغيره وغيره، فإذا راسلتها واستدعيتها تمنعن وتحكمت وتبطأت وتأخرت! ثم التفت فرأى ابن كعب إلى جانبه، فاستحيا ونهض، وقال: هذا هو الجنون الذي لا دواء له! ودخل إلى بعض حجره، وانصرف الحاضرون خجلين ن ابن كعب وسماع ذلك، وبقي كعب جالساً حائراً لا تساعده رجله على النهوض والانصراف، وشاهد حاجب سليمان حاله، فجاءه وأخذ بيده وقال: ينهض سيدنا إلى جاره، فقد جرى ما فيه الثواب، وإن كأن من محن الدهر الصعاب، فقام يجر نفسه وانصرف.
وحدثني أيضاً قال: كان البرقعيدي يوماً جالساً عند بعض أصدقائه بالموصل، فأنشد بعض الحاضرين:
وليلٍ كوجه البرقعيدي ظلمةًوبردِ أغانيه وطولِ قرونهِ
فقال له: هأنا قاعدا يا سخي العين! فاستحيا المنشد وضحك الحاضرون.
وحدثني الرئيس أبو الحسين والدي قال: كان النابغ والهائم بحضرة عضد الدولة يوماً يلعبان بالشطرنج، فغاصا في الفكر لدستهما، فأنشد أحدهما:
وأبو القاسمِ يروي شعرناحسنٌّ ذاكَ ويأتي بالخبرْ
والشعر لعضد الدولة أبي شجاع بن بويه، فقال له الآخر: أف منك ومن هذا الشعر! فإعادة ذاك إنشاد البيت على مذهب الشطرنجيين في مغايظة ملاعبيهم وتكرار ما يثقل عليهم، فال له: هذه شعرة لا شعر! فردده وكرر ذلك كالسب للشعر وقائله، وعضد الدولة يسمعهما، إلى أ، فرغا من دستهما، ونهض واستدعى أبا علي بن محمد أستاذ الدار، وتقدم إليه بضربهما مائتي سوط، وأن يأمرهما بألا يتكلما بعد يومهما على الشطرنج بشيء، فعل ذاك، وعرفا ما كان منهما، وأنه السبب فيما جرى عليهما.
وبالضد من هذه الحكاية أن عضد الدولة وصف له ابن الصقر يلعب الشطرنج والتقدم فيه، وكان من العمال المتقدمين، وإليه عمالة البلاد العليا، فتقدم بإحضاره، وأجلس معه من يلاعبه ممن يجري في طبقته، فأجاد ابن الصقر، وغلب محاذيه دستاً، واستحسن عضد الدولة لعبه، ولعب الدست الثاني وفكر وفي نفسه وقال: متى واصلت غلب هذا المحاذي استحسن عضد الدولة لعبي ونقلني من الرئاسة والعمالة، وهي المنزلة الزرية والرتبة الدنية، وليس لي غير ما أقصر في لعبي وأتغالب لتزول هذه السمة عني! ولاح له في الدست أن يلعب بفرسه ضبة يغلب محاذيه بها، وفراغ عنها ولعب بغيرها، فقال له عضد الدولة: العب بفرسك، فإني أردك إلى عملك! فقبل الأرض ولعب بفرسه، وغلب الدست، ورده إلى العمل وأعفاه من اللعب.
ودخل الزكي أبو علي العلوي يوماً على بعض الرؤساء فجالسه وحادثه فهما في ذلك إذ حضر صاحب ذلك الرئيس فقال: يا سيدنا أي الخيل نسرج اليوم؟ فقال اسرجوا العلوي: سمةٌ لفرس له يعرف بذلك، فقال الزكي: أحسن اللفظ يا سيدنا فاستحيا الرجل وقال: غفلة لا يؤاخذ عليها.
وحضر يوماً بعض المغنين مجلس الملك جلال الدولة بن طاهر ابن بويه فغناه:
وبتنا جميعاً لو تراقُ زجاجةٌمنَ الخمرِ فيما بيننا لم تسرَّبِ
فقال جلالُ الدولة: صدقت! أقيموه، فأقيم وصرِف
وحدثني أبو سعد محمد بن علي المانداي قال اجتاز المرتضى أبو القاسم نقيب العلويين، يوم جمعة على باب جامع المنصور، وبحيث يباع الغنم، فسمع المنادي عليها يقول: نبيع هذا التيس العلوي بدينار! فظن أنه قصده بذاك، وعاد إلى داره، وتألم إلى الزير مما فعل به، وكشف عن الحال فوجد أن التيس إذا كان في رقبته حلمتان (متدليتان) سمي علوياً، تشبيهاً بشعرتي العلوي المسبلتين على رقبته.
واجتاز أبو الفرج بن الأقساسي العلوي الكوفة، كان أعرج أحول فسمع منادياً ينادي على تيس ويقول: بكم علكم هذا التيس العلوي الأحول الأعرج، فلم يشك أنه عناه، فراغ عليه صفعاً وضرباً إلى أ، تبن أن التيس أحول أعرج، فخلاه، وضحك الحاضرون مما اتفق في معناه.
وحدثني المانداي وقال: كنت يوماً ند أبي البركات العلوي المدائني وهناك ابن عبد السميع الهاشمي وجماعة حضور، فانجر الحديث إلى أن حكين له حكاية كانت (مع رجل) في جوارنا بنهر طابق يقال له ابن نفاط، وقلت: إنه استدعى خياطاً فصل له ثياباً وأقعده بخيطها بين يديه، وجاء الليل وأحضرت الشمعة، فقال للخياط: حدثني بشيء من سير الفرس وأخبارهم، فلم يفهم عنه ما قاله، فضلاً عن أن يحدثه بما التمسه، وقال: يا سيدنا ما أعرف شيئاً من ذاك ومن هؤلاء الفرس ومتى كانوا وأين كانوا!! فقال إنا الله، فهات شيئاً من سيرة النبي ﵇ وأخباره وفتوحه وأفعاله وما جرى له من قريش! فقال يا سيدنا ما اعرف إلا أنه رسول اله تعالى، فأما تفصيل ذلك فعند غيري، وعل من تشاغل به، ولم ينكمش على مثل صنعتي، فأنشد قائلا:
غفلٌ من النَّاسِ ليسَ فيهِموضعُ هجوٍ ولا مديحِ!
ثم قال: فاقرأ خمس آيات من القرآن لنقطع زماننا بشيء يكون ثواب وأجرٌ، فقال: والله العظيم ما أعرف إلا ما أصلي به، على غير إتقان له ولا علم على الحقيقة به! فقال: ويلك فما سمعت أحدوثة في بيتك ومن أهلك ومن يضمه ذراك؟ فقال: أفمن هذا تريد؟ السمع والطاعة، ثم قال: كانت فأرة ..
قال: أي شيء هذا مما يتحدث به! هات.
فقال: كنست بيتها ..
قال: والفأرة مسك مكنسة! وتفهم الكنس! وأي بين لها بخضه، هذا جنون، ولكن هات ما عندك لننظر آخره! فقال: وجدت حنطاية ..
فقال: حنطاية! ما هي؟ قال: طعام ..
قال: يجوز أن يكون في أعشاش الفأر طعام ..
قال: فحملتها إلى الطحان وقالت اطحن لي هذه وخذ نصفها وأعطني نصفها.
فقال: ويلك أيتهيأ أن تمضي الفأرة إلى الطحان وتخاطبه بلسان صهصلق وكلام ذلق، هذا محال، وهذا محال!.
وصاح ونفض كمهن فانطفأت الشمعة، وضحكت مما اتفق لهما.
قال أبو سعد: فضحكت الجماعة ضحكاً شديداً، وقام من بينهم غلام فخرج، فلما خرج قيل لي: أي شيء قد علمت! فقلت: ما الخير! فقالوا: هذا الخارج ولد الذي حكيت عنه، وقد تغير وجهه وخبثت نفسه وانصرف على ما شاهدت من أمره، قلت: ما علمت ووجب عليكم أن تعلموني حيث بدأت بحديث أبيه! واستحييت مما اتفق!.
قال: وكانت لابن الناط هذا حكايات: فمنها أنه خرج يوماً فرأى على بابه سنوراً ميتة، فقال لها: ها على بابي سنور ميتة! فقالت له جارية في داره: يا سيدي هذه سنور حوراء جارتنا، فقال: ومن هي حوراء البظراء! يجب أن نفذ إلى سيدنا السديد يعني صاحبه الذي كان يكتب له ويحضر منها نقيبان جلدان يأخذان هذه السنور من ها هنا ويطرحانها ها هنا، ويعني على باب حوراء صاحبتها.
وحدثني وقال: قضى الرؤساء لأحد شعراء زماننا حاجة فجاء ليشكره (على صنيعه فقال):
لا خيلَ عندكَ تعطيها ولا مالُفليحسنِ القولُ إنْ لم تحسنِ الحالُ
فقال له حاجب الرجل: يا هذا ليس ما قلت بمدح ولا خارج مخرج شكر! فقال: سهوت وغلطت، فانصرف خزيان.
وجرى بين شهرام المروزي وبين أبي مسلم صاحب الدولة كلام، فال له شهرام: يا لقيط، فصمت الو مسلم وتنبه شهرام على هفوته، فاعتذر وخضع، فقال له أبو مسلم: لسان سبق ووهم أخطأ وبادرة غضب، والغضب من الشيطان، وأنا جرأتك بطول احتمالي لك، فإن كنت للذنب معتمداً كنت لك شركاً، وإن كنت مخطئاً فالعذر يسعك، وقد شمل عفوي الحالين! فقال له شهرام: أيها الأمير عفو مثلك لا يكون غروراً، قال له أبو مسلم: أجل، قال شهرام: فإن عظم ذنبي لا يدع قلبي يسكن! فقال أبو مسلم: سبحان الله العظيم، ومن أحسن إليك مع إساءتك لا يسيء إليك مع إحسانك!
وكان عامر بن مصعب يوماً ينظر إلى ابنه وهو يخطب، وقد استحسن الناس كمه، فأقبل على قوم جلوس، وقال لهم: هذا بني ومن هذا خرج، وأومأ إلى ذكره، فتضاحك القوم به، وعرف زلته وانصرف.
واجتاز بعض العوام وهو سكران بجماعة قعود، فجلس وأنشد وأومأ إليهم:
اضرطْ عليهمْ فكلهمْ سفلُشبابهمْ والشيوخُ والكهلُ
وضحك ضحكاً مفرطاً، وانصرف، فقال رئيس كان من الجماعة لم يعننا هذا السكران بقوله، دفعاً لذلك عنهم، فقال له أحدهم: الله الله يا سيدنا، أنت سيد الجماعة ومتقدمها، وما على غيرك ولا أراد سواك! فقال له: أحسنت يا سخين العين! وضحكت الجماعة منه.
قال مؤلفه: وحدثني والدي ﵀ عليه قال: كنت عند أبي الحسن محمد بن عمر العلوي رحمه لله وقد دخل إليه بعض معامله شاكياً من بعض العمال، فقال له: يا سيدنا قد جرى علينا كذا وكذا من الامتهان والحرف، والاستخفاف والخف وأشرفنا على الانصراف من هذا الموضع والانجلاء عنه، فقال: يا هذا ولم ذاك؟ ولأي سبب؟ فأراد أن يقول له: قصداً لك وقبحاً معك، فقال: والله العظيم ما امتهنا ولا صفعنا إلا على رأسك! فقال: أخرجوه قبحه الله تعالى! فلما أخرج تبين قوله وطارت روحه!
وحدثني أبو سعد محمد بن علي المانداي قال: كنت عند أبي الغنائم ابن القنائي جالساً فحضر بعض المعاملين وشكا من بعض الناس، فقال له ومستهزئاً به: ولم صبرت منه على هذات الفعل وكان يجب أن تشيل قفاك فتصفع يده ولا تفكر فيه ولا تحتشمه، فقال: هذا يفعله سيد مثلك فأما أنا فلا أقدم على مثله! فامتقع لون ابن القنائي حيا من الحاضرين.
وحدثني قال: كان مع بعض القصاص رجل شيخ يعرف بعبدان، يحضر حلقته ويستحسن كلامه ويزهره ألفاظه، ويعطيه ثلاثة أرطال خبزاً جزاء فعله، وربما نام تحت الكرسي بشيخوخته وتخرج منه رياح تبلغ إلى أنف القصاص، فقال له يوماً: يا عبدان! قال: شافي والله العظيم، فقال له: دعني من هذا، هو ذا تنام وتؤذيني بفساك! فقال له أنا يا سيدي!! الله الله، هؤلاء الروافض يفسون حول الحلقة ويقولون: هذا في لحية الشيخ، قصداً لك وقبحاً لك، فقال له: يا عبدان أمسك، فعذرك أشد علي من فعلك، فضحك الناس منهما، وانحل المجلس وانفل جمعه ذلك اليوم.
وحدثني قال: كان لابن القنائي أخ يعرف بالبقطائي من أمه، فقعد يوماً يلعب الشطرنج مع إنسان يعرف بأبي عمر الصيرفي وكان أبو عمر يسهو في لعب الشطرنج إلى الحد الذي تجعل على رقبته وظهره الشي الكثير الثقيل فلا يحس بع ويحمله ولا ينتبه له، فتوجهت له على الباقطائي، فقال له: شاه يا بن القحبة، فقال له ابنه: أنت مجنون! الرئيس أبو الغنائم قاعد وأنت تشتم أخاه وأمه! فعلم أنه د غلط، فقال: ما قلت ذاك إلا من جهة الباقطائي، فضحكت الجماعة منه، وخجل ابن القنائي ونهض.
وحدثني قال: كان عندنا إنسان يعرف بزوج المرأة، فمضى يوماً لزيارة قبر (الشيخ) معروف الكرخي (قدس الله سره) ومعه ابن أخت له فرأى فاختة في الطريق، فقال لابن أخته: امض وعلق تلك الفاختة، فقال له: إذا قربت منها طارت فكيف أعلقها؟ فقال: امض مع الحائط نحو تنور الآجر، كأنك تساوم صاحبه على شراء الآجر وخذها، فضحك!
قال: وماتت قريبة لأبي منصور بن الفرج، وكان رئيساً في الوقت، فاجتمع الناس على طبقاتهم لقضاء حقه، وأخرجت الجنازة والنساء يلطمن ويقلن: واستاه واستاه! على ما جرت به عادة النساء في ذلك، فأنكر زوج المرأة هذا القول وقال: لاستَّ إلا الله ﷾، وصاح عليهن، فضحك الناس، وصار المكان مكان هزل لا مكان حزن.
قال: وأحضره السوادية طنجيراً وقال: قد ابتعت هذا بخمس دوانيق، فانظر أرخيص هو أم غالٍ! فأدخل رأسه فيه، فقال السوادي: هو صحيح يا سيدي، وليس فيه كسر، قال: ما نحوت إلى ذاك، وإنما أفتقده لا يكون العث قد وقع فيه، فتستعمله أياماً ويظهر لك بعد ذلك عيبه! فضحك منه وأخذ الطنجير، وذهب.
قال: وكان عندنا كاتب ديوان يعرف بأبي غالب الإصطخري، شديد المعضلة قليل الدربة بالعادات، وكان في داره حمام، وكان يوقده بنفسه من السحر إلى الفجر، فإذا فرغ منه دخل الحمام وتغسل وركب، فمن حكاياته أنه صلى بالناس في شهر رمضان فقرأ سورة القصص وخرج من رأس السبعين إلى رأس الثمانين، وسقط في هذه العشر الآيات قصة قارون، فلمنا جلس في التشهد قال في تشهده: أليس كان لقارون المدبر في هذه السورة حديث طويل! ترى أليس كان منه! دع حتى يمر إلى لعنه الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته!
قال: ورأيته يوماً وهو على دكان مالحاني، وفي يده رغيف، وهو يأكل من خل المالح، فقلت: يا سيدنا أتأكل هذا الخبر اليابس بهذا الخل القذر في السوق وبين العوام، فاغتاظ مني فقال: خرا أريد أن أصلحه، فأي شي عندك في هذا يجيء خراء أولاً!
قال: وكان إذا خرج في حاجة فقال له إنسان: إلى أين أيها الرئيس! رجع ولم يمض فيها، وجرى على القائل له ذاك قبح منه، فاجتاز علي يوماً مسرعاً ولم يسلم، فقلت: إلى أين مدة شهر؟ فرجع إلي: وقعد عندي وقال: قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: إياك وأن تقول لإنسان ما في حاجة إلى أين، فربما كان ماراً في شيء من قاذورات الدنيا، فإن صدقك فقد أحرجته، وإن كذبك فقد آثمته!
وحدث أن سابور الوزير استناب في دار العلم بين السورين خازناً يكنى بأبي منصور، فلبس في بعض الأعياد ثياباً جدداً، وأخذ في السحر قارورة فيها حبر، فصبها في يده وطرحها على وجهه، غلطاً من قارورة ماء الورد إلى قارورة الحبر، وخرج على تلك الصفة يريد الجامع، فلقيه الناس وتضاحكوا منه ورأوا ما به، فقال: غلطنا من ماء الورد إلى الحبر! ورجع.
وكان أبو الحسن السمسماني متطيراً، فخرج يوم عيد داره، ولقيه الناس فقال له مهنئاً: عرف الله تعالى سيدنا الشيخ بركة شؤم هذا اليوم، فقال: وإياك يا سيدي، وعاد وأغلق به، ولم يخرج (بقية) يومه.
ودخل بعضهم إلى رئيس الرؤساء أبي القاسم بن المسلمة فقال له متعجباً من رئاسته التي عبقت به وجلالته التي باتت له:
فسبحانَ الذي أعطاكَ ملكاًوعلَّمكَ الجلوسَ على السَّريرِ
فضحك رئيس الرؤساء منه، ولم يعلمه بموضع غلطه، لعله بقلة معرفته وبأنه لا يعلم أصله!
واتفق أن اجتمعت به يوماً عند عميد الملك أبي نصر الكندري بعد قتل رئيس الرؤساء، فقال له كيف أنشدت رئيس الرؤساء
فسبحانَ الذي أعطاكَ ملكاًوعلَّمكَ الجلوسَ على السَّريرِ
أما تعلم أنه ثاني بيت، هو:
أتذكرُ إذ قميصك جلدُ شاةٍوإذ نعلاكَ من جلد البعيرِ
فقال: والله يا مولاي ما أدري ما قلت، ولا أدري ما تقوله أنت الساعة لي، غير أنه مدحني به مادح فمدحت به رئيس الرؤساء فضحك عميد الدولة حتى استلقى!
ورأيت أبا الحسن الوكيل عند بعض الأصدقاء وهما يشربان، ومع أبي الحسن فوطة كتان مغربية مقفصة مليحة، فمزحنا معه وقلنا له: هذه من غزل البيت! فقال: نعم يا سيدنا طاقه وضرطه! فضحكنا وقطعنا بذاك أكثر يومنا.
ولقي يوماً بعض الأجلاف نصر بن الطيب في الطريق، فقال له: يا سيدي البارحة آلمني هذا الموضع من رأسي، وكشف رأسه وترك يده على الموضع، وبقي مكشوف الرأس، فقال له الطبيب: أر رد عمامتك فكفاني الإيماء إلى الموضع من فوق العمامة!.
وخرج يوماً إلى بستان داره فقال للصعاد: احطط من هذا الفحل طلعاً فصعد له، فقال: قد ذكرت بهذا الطلع الجمار، فافتح جمارة الفحل واكسر لي من جانبها قطعة فقال له: يا سيدنا يموت الفحل، فقال: ما يصيبه شيء إذا أخذت لي من جانب جمارته، فامتنع وتعجب، فصفعه إلى أن فتح الجمارة وأعطاه منها طعمة، ومات الفحل بعد أيام، فقال: صدق والله الصعاد!
ودخل بعض الأنصار إلى العلوي البلخي فحين وقعت عليه عينه قال:
ذهبت قريشٌ بالمكارمِ كلَّهااللؤم تحتَ عمائمِ الأنصارِ
فقال: هذا جزاء أجدادنا في نصرتكم، وجزاؤنا الآن في قصدكم وخدمتكم! فخجل وحلف أنه ما قصد ذاك ولا عناه، وإنما بيتٌ طرأ على قبله فحكاه!
ودخل أبو نخيلة الراجز على مسلمة بن عبد الملك بن مروان، فقال له:
أمسلمَ إني يا بنَ كلِّ خليفةٍويا فارس الهيجا ويا جبلَ الأرضِ
شكرتك إنَّ الشُّكر حقٌّ على الفتىوما كلُّ من أقرضتهُ نعمةً يقضي
وألقيتُ لما أنْ أتيتكَ عارياًعليَّ لحافاً سابغ الطولِ والعرضِ
فأحييتَ لي ذكري وما كانَ خاملاًولكنَّ بعضَ الذِّكر أهون من بعضِ
فقال له: ممن أنت؟ قال من بني سعد، أحد بني جمان، قال: فأين أنت من الرجز؟ قال: أرجز الناس! قال أبو نخيلة: فذهبت أنشده فسهوت، وأنشدته للعجاج، فلما أكثرت قال: حسبك أنا أعلم بها منك! فخجلت واستيقظت، ومقتني على الكذب وحرمني.
ولما قتل زيد بن المهلب أتى مسلمة برأسه، فقال رجل:
من سرَّ يوماً بزَّ بهوالدَّهرُ لا يغترُّ بهْ
فتطير مسلمة واغتم لذلك، فقال بعض من حضر، وقد رأى ما بمسلمة، يقيم عذر الرجل كم من رجل قد أتى هنا برأسه كذا! فكان قوله أشد على مسلمة من القول الأول، فنهض من مجلسه وانصرف.
وقيل: خرج عبد الملك بن مروان يوماً قاراً، وعليه جباب خز متظاهرة، على علي بن عبد الله بن العباس، فقال عبد الملك: يا أبا محمد ندق أم دفر دقاً يعن الدنيا، تكنى بأم دفر، ثقة بالأمل والبقاء، فما مضت عليه جمعة حتى مات!
وأخبر المدائني: قال أبو بكر بن الوليد بن عبد الملك بن مروان يوماً لبعض الناس: ما أحسن غرة فرسك! يعني التي في يده.
وقال: أتى رجل الوليد بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين إنك تعيش، أربعين سنة خليفة، فقال الوليد: لا يرضى أمير المؤمنين بضعف ذلك! فمات في أسبوعه.
وأخبر عن الجرمي عن أبيه قال: كنا مع عبد العزيز بن الوليد ومعنا حجر بن عقيل الرياحي، فقال عبد العزيز أو ابنه بشر: أنشدنا يا أبا بشير فأنشد:
فما أخرجتنا رغبةٌ عن بلادناولكنَّه ما قدرَ الله كائنُ
لحينِ نفوسٍ لم تجدْ متأخراًفلا تبعدنَ تلك النفوسُ الحرائنُ
فقلت له تطيرت: قطع الله لسانك وهلك عبد العزيز في وجعه ذلك.
وخرج زياد مع معاوية، فحدا الحادي:
قد أعلمتهُ الضمرُ الجيادُأنَّ الأميرَ بعدهُ زيادُ
فتنمر معاوية وقال لحصين وزياد يسمعُ يا حصين إن لك رأياً وتعقلاً، فما فرق أمر هذه الأمة فسفكت دماءها، قال قتل عثمان، قال: صدقت، إن الخلافة أمر من أمر الله وقدره، لا تصلح لمنافق ولا لمن ضل وأعان ظالماً، يعرض بزياد أنه أعان عليا ﵇، ففطن زياد واعتذر إلى معاوية وقال: يا أمير المؤمنين، راجزٌ رجز بما لم يكن عن أمري ولا علمي يصير ذنباً لي! أعيذك بالله من هذه الظنة التي لا تجوز لك ولا تحسن بك، فقبل معاوية ذاك وأمسك.
وحكى مسرور الخادم قال: أمرني الرشيد بقتل جعفر بن يحيى، فهجمت عليه في الوقت، فوجدته يشرب، وبين يديه أبو زكار، المغني الأعمى وهو يقول:
عداني أنْ أزورك غيرَ بغضٍمقامك بين مصفحة سداد
فلا تبعدْ فكلُّ فتىً سيأتيعليهِ الموتُ يطرقُ أو يغادي
فقلت له: يا أبا الفضل الذي قد جئت له والله من ذاك قد والله طرقك، فأجب أمير المؤمنين، قال فدعني أوصي، فتركته فأوصى بما أراد، وحملته فحززت رأسه، وفي ذلك يقول الرقاشي:
أيا سبتُ يا شرَّ السُّبوتِ صبيحةًويا ضفرُ المشؤومُ ما جئتَ أشأما
أتى السَّبتُ بالأمر الذي هدَّ ركنناوفي صفرٍ جاءَ البلاءُ مصمما
وفيه يقول أيضاً:
الآنَ استرحنا واستراحت ركابناوأمسكَ من يجدي ومن كان يجتدي
وقل للمنايا قد ظفرتِ بجعفرٍولن تظفري من بعدهِ بمسوَّدِ
وقل للعطايا بعد فضلٍ تعطَّليوقلْ للرزايا كلَّ يومٍ تجددَّي
ودونكَ سيفاً برمكياً مهنداًأصيبَ بسيفٍ هاشميٍّ مهنَّدِ!
وقيل: كان فرج الرخجي مولى لحمدونة بنت الرشيد المعروفة بحمدونة بنت عضيض، ولحق ولاؤه الرشيد، وكان زياد أبو فرج معن بن زائدة، وسبي معه فرج ابنه عند غزو معنٍ الرخج.
قال عمر بن فرج: حدثني أبي قال: كنت مع أبي زياد إلى حين سبانا معن، وكان قد غنم غنائم جليلة من الرخج وسبياً عظيماً، فنزل في معسكره، وحطت الأثقال، ونزعت السروج (عن الدواب) فينا نحن على ذاك إذ بصرنا بغبار عظيم، فظن معن أنه الطلب، فأمر قتل الأسرى، فقتل في ساعة واحدة أربعة آلاف أسير، وخبأني أبي تحت الأكف، وقال: لعلك إن قتلت أنا سلمت أنت! ثم أقشع الغبار عن حمير وحش، وبقي عدد يسير من الأسرى، فرفع السيف، وكان ذلك الغبار المشؤوم بقتل أربعة آلاف نفس.
وهذا قصر فرج الذي ببغداد قصره، ولم يزل في يده وفي يد عمر ولده إلى أن قبضه المتوكل عن عمر، ونظر أعرابي إلى بناء قصر فرج فقال:
لعمركَ ما طولُ البناءِ بنافعٍإذا كان فرعُ الوالدين قصيرا
وحكى أبو عبيدة قال: كان عجل بن لجيم من محمقي العرب، فقيل يوماً إن لكل فرس اسماً، فما اسم فرسك فإنه جواد؟ قال: لم اسمه، قالوا: فسمه، ففقأ إحدى عينيه وقال قد سميته الأعور! وفيه يقول الشاعر:
رمتني بنوُ عجلٍ بداءِ أبيهمُوهلْ أحدٌ في النَّاسِ أحمقُ منْ عجلِ
أليسَ أبوهم عاب عينَ جوادهِفسارت به الأمثالُ في النَّاسِ بالجهلِ
وحدث الصولي بإسناده ذكره عن عمرو بن محمد الرمي قال: كان على بيت مال المعتصم رجل من أتهل خراسان يكنى أبا حاتم، فخرجت لي جائزة فمطلني بها، وكان ابنه قد اشترى جارية مغنية تسمى "قاسم" بستين ألف درهم، فعملت فيه شعراً أهجوه به، وجلست ألاعب المعتصم بالشطرنج، ويلعب بين يديه فلما في نفس من أمر أبي حاتم وغيظي منه غفلت عن كوني ألاعب المعتصم وأنشدت هجوي له، وكان:
لتنصفني يا أبا حاتمٍأو لتصيرن إلى الحاكم
فتعطي الحقَّ على ذلةبالرغم من أنفكِ ذا الرَّاغم
يا سارقاً مالَ إمامَ الهدىَسيظهرُ الظلمُ على الظالم
ستونَ ألفاً في شرا قاسمٍمن مالِ هذا الملكِ النائمِ
فقال المعتصم: ما هذا الشعر؟ فاسترجعت وفزعت من قولي "الملك النائم" وتحرجت أيضاًُ أن أكون سبب هلاك الرجل وفساد أمره، فلجلجت القول، وخفت الحال، وكلما انزعجت ورويت حرص بي، وألح علي، حتى تنعمه فقلت: أقول وأنا آمن؟ قال: نعم فقلت: أظن صاحب بيت الكمال مطل الشعراء شيئاً فعمل هذا الشعر فيه، قال: فما معنى قاسم؟ قد اشترى ابنه جارية اسمها قاسم، بستين ألف درهم، وإياها لاشك عني، فقال: إذاً فأنا الملك النائم لاشك، هذا رجل مملقٌ وليته بيت ليعيش بما يرتزق عليه منذ سنين، فمن أين لابنه هذا المال! ثم قال لإيتاخ: عليك بصاحب بيت المال وابنه فاقبض عليهما، وخذ مائتي ألف درهم منهما، ووله غيرهما.
وحدث أبو الخطاب زياد بن يحيى قال: حدثنا الهيثم بن الربيع قال: حدثنا الهيثم عن الشعبي، قال: أرسل إلي عبد الملك بن مروان وهو شاك، فقلت: كيف أصبحت يا أمير المؤمنين، قال أصبحت كما قال ابن قميئة أخو بني قيس بن ثعلبة، قلت: وما قال؟ قال: قال:
كأني وقد جاوزتُ تسعين حجَّةًخلعتُ بها عني عذارَ لجامي
رمتني بناتُ الدهر من حيث لا أرىفكيف يمن يرمي وليسَ برامِ
فلو أنني أرمي بسهمٍ رايتهُولكنني أرمي بغير سهامِ
إذا ما رآني الناسُ قالوا ألمْ يكنحديداً شديد البطشِ غير كهامِ
فأفنى وما أفنى من الدَّهرِ ليلةًولم يفن ما أفنيت سلكَ نظامِ
على راحتي مرةً وعلى العصاأنوءُ ثلاثاً بعدهنَّ قيامي
قال الشعبي: فقلت لا ولكنك كما قال لبيد بن ربيعة، قال: وما قال؟ قلت: قال.
راحت تشكي إليَّ النَّفس مجهشةًوقد حملتُكَ سبعاً بعد سبعينا
فإن تزادي ثلاثاً تبلغي أملاًوفي الثلاث تمامُ للثمانينا
فعاش والله بعد ذلك حتى بلغ وتسعين حجة فقال:
كأني وقد جاوزت تسعين حجةًخلعتُ بها عن منكبي ردائيا
فعاش والله حتى بلغ عشراً ومائة فقال:
أليسَ في مائة قد عشها رجلٌوفي تكامل عشرٍ بعدها عبرُ
فعاش والله حتى بلغ عشرين ومائة فقال:
عمرتُ حيناً بعد مجرى داحسٍلو كانَ للنفسِ اللجوجِ خلودُ
فعاش والله حتى بلغ أربعين ومائة فقال:
ولقد سئمت من الحياةِ وطولهاوسؤال هذا الخلق: كيف لبيد؟
فقال عبد الملك: والله لقد ذهب بحديثك عن البأس، فاقعد يا شعبي عندي، ما بيني وبينك إلا الليل، فحدثني قال: فحدثته حتى أمسيت وانصرفت فمات والله في جوف الليل!.
وحكى أبو عبيدة عن عمه عن أبيه عن الكلبي عن عوانة: أن زياداً بينا وهو جالس في قصره إذ برزت له كف قد عقدت ثلاثين، ثم غابت عنه، فقال زياد: إنا لله، نعيت إلى نفسي، أعيش ثلاثين يوماً أو ثلاثين شهراً أو ثلاثين سنة! فلمنا استوفى ثلاثين يوماً أمل ثلاثين شهراً، فلما بلغا اتفق أن قدم عبيد الله بن أبي بكرة، وكان عامله على سجستان، فأمر زياد سليماً مولاه بمحاسبته من ليلته، ثم أرسل إلى سليم فحضر فقال له: إني أجد وعكاً، فمسه، فإذا مثل لهب، النار في جسده، فتأمله فرآه قد طعن في إصبعه، فأتاه بمائة وخمسين طبيباً منهم ثلاثة قد أدركوا كسرى، فنظروا إليه، فقال بعضهم: دلوني على أنصح الناس له، فقالوا: سليم، فأخذ بيده وقال له: مر صاحبك بالوصية، فانطلق سليم إلى شريح القاضي فقال له: يا أبا أمية إن بعض الأطباء أخبرني أن الأمير مما به قد أمرني أن آمره بالوصية، وأنا أكره أن استقبله بذاك، ولك عنده منزلة، فإن رأيت أن تأمره بالوصية فافعل، فإنه ليس يتهمك! قال: نعم، وأمر زياد ببابيه ففتحا ودخل الناس يعودونه ويدعون له وينصرفون، ثم جاء شريح حتى قام على باب القبة فسام، ودعا ثم قال: أيها الأمير الوصية، فإن الله قد أمر بها، وليست تقدم شيئاً وليست تؤخره، فقال: نشدتك الله أتاك سليم فقال لك كذا وقال لك كذا وقال لك كذا؟ قال: اللهم نعم، فقال: قد أوصيت ثلاث وصايا نسختها واحدة، واحدة منها عند أمير المؤمنين، وواحدة مثلها عند المنجاب الضبي، ونسخ ابن الكلبي الثالثة وبضعهم عند حارثة بن بدر الغداني! ثم قال: أيتهن أصبتم فاعملوا بها، ثم دعا مهران كاتبه فقال: اكتب إلى أمير المؤمنين: "من زياد بن أبي سفيان أمات بعد: فإني كتبت وأنا في آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من (أيام) الآخرة، وقد وليت الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد، ووليت البصرة سمرة بن جند، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته فقال له سليم: أذكرك أيها الأمير إلا وليت عبيد الله ابنك فإنه ليس بدون هؤلاء في الفضل، فقال: اسكت، إن يكن فيه خير فسيوله عمه، وقدم الهيثم من الحجاز، فأخبر بذلك، فقال: ما أصنع بالهيثم وما معه! ولم يأذن له ومات من ليلته.
وحدثنا أبو عبد الله الزبير بن أبي بكر بن عبد الله بن مصعب ابن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام قال: حدثني تعمي عن معافى بن نعيم أن والياً كان على اليمامة ولاه بلال بن جرير بعض أعماله، فجلس يوماً يحكم والخصوم كجلوس، إذ تمثل أحدهم:
وابنُ المراغةِ واقفٌ أعيارهُمرمى القصيَّة ما يذقنْ بلالا
ولا يعلم أنه من ذاك بسبيل، فقال: أين هذا المتمثل، قال: هأنذا أصلحك الله، قال: ادن أنت وخصمك، فدنوا، فقال: هلم أعد البيت فغمره إنسان فقال: والله ما هو إلا شيء على لساني وما أردت بذلك مكروهاً! قال: هو أشهر من ذاك، هلم فاحتجا، وحكم بينهما.
وحدث الزبير قال: حدثني عبد الرحمن بن عبد الله الزهري عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، عن عمر بن عبد العزيز بن مروان قال: حضر الأخطل عند عبد الملك بن مروان فأنشده:
ألا سائلِ الجحَّافَ هلْ هوَ ثائرٌبقتلي أصيبْ من سليمِ وعامرِ
قال: واتفق أن كان الجحاف حاضراً فكلح في وجه الأخطل وقال مجيباً له:
نعمْ سوفَ نبكيهمْ بكلَّ مهَّندِونبكي عميراً بالرِّماح الخواطرِ
يعني عمير بن حبابٍ السلمي، ثم قال: لقد ظننت يا بن النصرانية أنك لم تكن لتجترئ علي ولو رأيتني لك مأسوراً، وأوعده، فما زال الأخطل من موضعه حتى حمَّ، فقال له عبد الملك: أنا جارك منه.
وحدث الزبير قال: حدثني عم مصعب بن عبد الله عن أبي نخيلة الراجز قال: قدمت على المنصور فأقمت ثلاثة أشهر لا أصل إليه، فقال لي عبد الله بن الربيع الحارثي: يا أبا نخيلة إن أمير المؤمنين يريد أن قدم المهدي ولده في العهد بين يدي موسى بن عيسى، فلو قلت شيئاً تحثه على ما يريد، ويؤكد عزمه كنت حرياً أن تخطى، فقال أبو نخيلة في ذلك:
دونكَ تعبد الله ذاكاخلافة الله الذي أعطاكا
أعطاكَ ربِّي وبها اصطفاكافقد تنظرنا لها اباكا
ثم انتظرنا بعده إيَّاكاونحن فيهم والهوى هواكا
نعرى فنستدري إلى ذراكاأسند إلى محمدٍ عصاكا
فابنك منا استرعيته كفاكاواحفظ النَّاسِ له أدناكا
وقد وجدت الرجلَ والوراكاوحكتَ حتَّى لم تجدِ محاكا
ودرتَ في هذا وذا وذاكاوكل قولٍ قلتُ في سواكا
زورٌ وقد كفر هذا ذاكا
وثناها بأخرى هي:
إلى أمير المؤمنين فاعمديسيري إلى بحرِ البحورِ المزبدِ
أنتَ الذي يابن سميَّ أحمدِويابنَ بيتِ العربِ المسوَّدِ
يا أعظمَ النَّاسِ بداً لم تجحدِإنَّ الذي ولاكَ ربُّ المسجدِ
ليس وليُّ عهدها بالسعدِعيسى فنكلِّها إلى محمدِ
فقد رضينا بالهمام الأمردِبل قد فرغنا غير أن لم نشهدِ
وغيرَ أن العقدِ لم يؤكَّدِوحتى تؤدي من يدٍ إلى يدِ
فبادرِ البيعةَ وردَ الحشَّدِوردَّه منك رداءَ يرتد
فهو داءُ السَّابق المقلَّدِقد كان يروي أنَّها كأنْ قدِ
عادتْ ولو قد فعلتْ لم ترددِفهي ترامي فدقداً عن فدفدِ
حتَّى إذا حان ورود الوردِوحان تحويل الغوي المفسدِ
قال لها الله هلمي وارشديفأصبحت نازلةً بالمعهدِ
لم ترمِ تزفارَ النفوسِ الحسَّدِبمثلِ ملكٍ ثابتٍ مؤيدِ
لما انتحوا قدحاً بزندٍ مصلدِبلوا بمشزور القوى مستحصدِ
صمصامةٍ تأكلُ كلَّ مبردِ
وروي الخدم هذا الشعر وحفظوه وتداولوه، فبلغ ذلك المنصور فدعا به وعنده عيى بن موسى جالساً عن يمينه، فأمر بإنشاد ما بلغه عنه، فحذر عيسى، ولم يمكنه التوقف فيما أمره المنصور، فأنشده والمنصور يشر ويفرح، وعيسى يكمد ويحقد! قال أبو نخلة: وخرجت فلحقني عقال بن شبه فقال: أما أنت فقد سررت أمير المؤمنين، فلئن تم ما أصلت لتصيبن ما أملت ولئن أخطاك ذاك لتبغين "نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء! " قال: فعلت لعقالٍ:
علقت معالقها وصرَّ الجندب!
ما كان لي والله قدرة على الخلاص من هذا المجلس وما جرى فيه، فكتب المنصور لأبي نخلة بمائة ألف درهم، فخرج إلى الري لأخذها.
قال الزبير: فحدثني عمي أن عيسى بن موسى وجه مولى يقال له قطري، فقتله في طريقه، وسلخ وجهه، وقال له لما أضجعه ليذبحه: يابن المومسة هذا أوان صر الجندب! فقال أبو نخيلة: لعن الله ذاك جندباً ما كان أشأم ذكره وأنكد جده! وكان ظفره به قطري بساوة، وهو ذاهب إلى الري، وقال لي محمد بن الحسن المخزومي، بل ظفر به حين انصرف من الري، ودخل عليه قومه وهو في بيت خمار، وقد ثمل فذبحه، وقتل مزن كان معه من غلمانه، وهرب بعضهم بدوا به وماله!.
وكان سليمان بن عبد الملك في بادية له، فسمر حتى تفرق جلساؤه عنه، ودعا بوضوء فجاءته به جارية له، فبينا هي تصب عليه إذ لهت عنه، فحركها بيده واستمدها ومرة ومرتين فلم تصب عليه، فرفع رأسه إليها، وإذا تهي مصغية بسمعها مائلة بجسدها، هادلة إلى صوت غناء تسمعه من ناحية العسكر، فأمرها فتنحت، واستمع الصوت، فإذا صوت رجل يغني، فأنصت له حتى فهم غنائه، ثم دعا جارية من جواريه يراها، فطرحت الماء عليه وتوضأ، فلما أصبح أذن للناس إذناً عاماً، فلما أخذوا مواضعهم أجرى ذكر الغناء ومن كان يسمعه، ولين فيه حتى ظن به أنه يشتهيه، فأفاضوا في ذلك إلى التحليل والتسهيل والتليين وذكر من كان يسمعه من أهل المروءات وسروات الناس، ثم قال: هل بقي أحد يسمع منه؟ فقال رجل من القوم: يا أمير المؤمنين عندي رجلان حادان من أهل إيلة، فقال: وأين منزلك من العسكر؟ فأومأ إلى الناحية التي كن الغناء منها، فقال سليمان: تباعث إليهما، فوجد الرسول أحدهما، فأقبل به حتى أدخله على سليمان، فقال: ما اسمك؟ قال: سمير، فسأله عن الغناء كيف هو فيه، قال: حاذق ومحكم، قال: فمتى عهدك به؟ قال: في ليلتي هذه الماضية، قال: وفي أي نواحي العسكر كنت؟ فذكر الناحية أيضاً، قال: فما عنيت، فذكر الشعر الذي سمعه سليمان، فقال سليمان: هدر الجمل فصغت الناقة، وهب التيس فشكرت الشاة، وهدر الحمام فزافة الحمامة، وغنى الرجل فطربت المرأة! ثم أمر به فخصي، وسأل عن الغناء: أين أصله وأكثر ما يكون؟ قالوا: المدينة، وهو في المخنثين أكثر، وهم الحذاق الأئمة فيه، فكتب إلى عامله بالمدينة، وهو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزام: أن أخص من قبلك من المخنثين المغنين.
النص من طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع