تجاوز إلى المحتوى

من «الهفوات النادرة» لغرس النعمة الصابئ (ت ٤٨٠هـ)

الهفوات النادرة (٤)

لطربت على غنائه، فقال الحجاج: أخرجوه من القبر لعنه الله! ثم قال: يا أهل الشام ما أبين حجة أهل العراق في جهلكم! ولم يبق أحد حضر الموضع إلا استفرغ ضحكاً.

وحكى لي الرئيس أبو الحسين والدي قال: كنت عند الشريف أبي الحسن محمد بن عمر العلوي وقد حضر بعض متقدمي نواحيه بشكوى فأحضره وقال له: مالك؟ فقال: يا سيدنا هو ذا نصفع اليوم سبعة أيام على رأسك؟ فضحك منه وقال: أخرج قبحك الله! فأخرج وضحك الحاضرون.

وحدثني بعض الأصدقاء قال: جاء ني .. الملقب بفخر الحجاب أحد حجاب الدار الخليفية يعزيني عن ولد لي، فقال لي: أيها السيد قال الله تعالى: إن تذهب الجلةُ فالسخلُ هدر! قال: فضحكت وضحك من كان حاضراً، ونهضت!.

لما مات عبد الملك بن مروان جاه الوليد ابنه، فأنشد هشام بن عبد الملك، وكان أصغر ولده:

فما كانَ قيسٌ هلكهُ هلكُ واحدٍولكنَّهُ بنيانُ قومٍ تهدما
للشاعر عَبدَةِ بنِ الطَبيب، اقرأ القصيدة

فلطمه الوليد على فمه وقال: اسكت يا بن الأشجعية، فإنك أحول أكشف تنطق بلسان شيطان! ألا قلت:

إذا مقرمٌ منا ذرا حدُّ بهِتخمَّطَ فينا نابُ آخر مقرمِ

وأنشد جرير لعبد الملك بن مروان بعد أن أقام دهراً على بابه، وتسأله قيس وتشفع فيهن وهو لا يجيب إلى مسماع شعره ومدحه، ثم أذن في ذلك، فابتدأ وأنشد:

أتصحو بل فؤادك غيرً صاحِعشيَّةَ همَّ صحبكَ بالرواحِ
للشاعر جرير، من قصيدة «أتصحو بل فؤادك غير صاح»

فقال عبد الملك: بل فؤادك يابن اللخناء! فحصر جرير واغتم كيف اتفق له مثل ذلك بعد امتناعه من سماع إنشاده!.

وحدث زياد بن عبيد الله الحارثي قال: خرجت وافداً إلى مروان بن محمد في جماعة، فلما كنا ببابه دفعنا إلى ابن هبيرة، وهو على شرطته وما وراء بابه، فتقدم الوفد رجلاً رجلاً، كلهم يخطب ويطنب في مروان وابن هبيرة، فجعل ابن هبيرة يبحثهم عن أنسابهم، فكرهت ذاك وقلت: إن عرفني زادني ذلك عنده شراً، فلطيت وجعلت أتأخر رجاء أن يمل كلامهم فيمسك، حتى لم يبق غيري، فقدمني، فلو أجد بداً ما كرهت، فتكلمت بدون كلامهم، وإني لقادر على الكلام، فقال: ممن أنت؟ فقلت: من أهل اليمن، قال: من أيها؟ قلت: من مذحج، قال: إنك لتطمح بنفسك، اختصر! قلت: من بني الحارث بن كعب، قال: يا أخا بني الحارث إن الناس ليزعمون أن أبا اليمن قردٌ فما تقول في ذلك؟ قلت: وما أقول أصلحك الله! إن الحجة لفي هذا لغير مشكلة، فاستوى قاعداً، وقال: وما حجتك؟ قلت: تنظر كنية القرد فإن كان بكنى "أبا اليمن" فهو أبوهم وإن كان يكنى "أبا قيس" فهو أبو من كني به! فنكس وندم ونكت الأرض وتعلم أنه هفا فيما واجهني بهن وجعلت اليمانية تعض على شفاهها، تظن أن قد هربت، والقيسية تكاد تزدردني، ودخل الحاجب إلى مروان، ثم رجع، وقام ابن هبيرة فدخل عله أيضاً ثم لم يلبث أن خرج، فقال الحارثي: فقمت على مروان وهو يضحك، فقال: إيه عنك وعن ابن هبيرة! فقلت: قال كذا وقلت كذا، فقال: أيم الله لقد حجبته، أو ليس أمير المؤمنين يزيد الذي يقول:

تمسك أبا قيسٍ بفضل عنانهافليسَ عليها إن هلكت ضمانُ
للشاعر يزيد بن معاوية، من قصيدة «تمسك أبا قيس بفضل عنانها»
فلو أرَ قرداً قبلنا سبقتْ بهجيادَ أميرِ المؤمنين أتانُ

وهذان البيتان ليزيد بن معاوية، وذاك أنه حمل قرداً على أتان وحشية، وسبق بينها وبين خله، فسبقت الأتان وعليها القرد قال زياد:

فخرجت وخرج ابن هبيرة فوضع يده بين منكبي وقال: يا أخا بني الحارث، والله ما كان كلامي إياك إلا هفوة، وإن كنت لأربأ بنفسي عن مثل ذلك، ولقد سرني كيف لقنت علي الحجة، ليكون ذلك أدباً لي فيما استقبل، وأنا لك بحيث تحب، فاجعل منزلك عليَّ! ففعلت، وأكرمني وأحسن إليَّ!.

وغنى علوية بين يديى المأمون:

برئتُ من الإسلامِ إن كانَ ذا الذيأتاكِ به الواشونَ عنِّي كما قالوا
ولكنَّهم لما رأوك سريعةًإليَّ تواصوا بالنميمةِ واحتالوا
وقد صرتِ أذناً للوشاةِ سميعةًينالون من عرضي ولو شئتْ ما نالوا

فقال المأمون لعلوية: لمن هذا الشعر؟ قال: للقاضي، قال: أي قاضٍ؟ قال: قاضي دمشق، فأقبل على أخيه المعتصم وقال له: أعزله، قال: قد عزلته، قال: فليحضر الساعة! فأحضر شيخ خضيب ربعة، فقال له المأمون: من تكون؟ فنسب نفسه، فقال: تقول الشعر؟ قال: قد كنت أقوله .. قال: يا علوية أنشده الشعر، فأنشده، قال: نعم يا أمير المؤمنين، وبرئ من الإسلام ونساؤه طوالق وعبيده أحرار وماله في سبيل الله إن كان قال شعراً منذ ثلاثين سنة إلا في زهد أو معاتبة صديق! فقال للمعتصم: اعزله يا أبا إسحق، فما كنت لأولي الحكم بين المسلمين من يبدأ في هزله وجده بالبراءة من الإسلام، ثم قال: اسقوه، فأتي بقدح فيه شراب فأخذه بيده وهي ترعد، ثم قال: يا أمير المؤمنين، الله الله، ما ذقته قط! قال: فلعلك تريد غيره؟ قال: لم أذق منه شيئاً قط! قال: أفحواهم هو؟ قال: نعم، فقال المأمون: أولى لك، فبها نجوت، انصرف، فانصرف، ثم قال لعلوية لا تقل:

برئت من الإسلام ......

وقلْ:

حرمتُ مناي منكِ إن كان ذا الذيأتاكِ به الواشونَ عنَّي كما قالوا

وقيل: أنشد الفرزدق الحجاج:

وما يأمنُ الحجاجَ والطيرُ تتقّيعقوبته إلاّ ضعيف العزائمِ

فقال له: ويلك يا فرزدق جعلتني لا عهد لي ولا عقد! قبحك الله وويحك أين أنت من قول جرير:

فمن يأمنُ الحجَّاجَ: أمَّا عقابهفمرٌّ وأمَّا عقدهُ فوثيقُ
يسرُّ لك الشَّحناءَ كلُّ منافقٍكما كلُّ ذي دين عليك شفيقُ

فاعتذر الفرزدق: وقال غلطة من غلطات الشعراء، وسهوة من سهوات القول!

وحدث الصولي قال: انفرد الرشيد وعيسى بن جعفر بن المنصور والفضل بن البيه في صيد من الموكب، فلقوا أعرابياً مليحً فصيحاً، فولع به عيسى إلى أن قال له: "يا بن الزانية! " فقال: بئس ما قلت، قد وجب عليك ردها أو العوض منها فارض بهذين المليحين يحكمان بيننا، قال عيسى: قد رضيت، فقالا: يا أعرابي خذ منه دانقين عوضاً من شتمك! فقال: أهذا الحكم؟ قالا: نعم، قال: وهذا درهم خذوه وأمكم جميعاً زانية، وقد أرجحت لكم بدل ما وجب لي عليكم! فغلب عليهم الضحك، وما كان لهم سرور يومهم ذلك غير الأعرابي: وضم الأعرابي إلى الرشيد وخص به، وكان يدعوه في أكثر الأوقات، والأعرابي نادم واجمٌ، ويقول للرشيد: لو عرفت لأبقيت، وما نفع الحمق!.

وحدث ابن دريد عن الرياشي عن الأصمعي قال: حدثني منتجع بن نهبان قال: أخبرني رجل من بني الصيداء من أهل الصريم: قال: كنت أهوى جارية من باهلة يقال لها رملة، وكان قومها قد أخافوني وأخذوا علي المسالك، فخرجت ذات يوم فإذا حمامات يسجعن على أفنان أيكات متناوحات في سراوة فاستفزني الشوق فركبت وأنا أقول:

دعتْ فوقَ أغصانٍ من الأيكِ موهناًمطوقةٌ ورقاُ في إثرِ آلفِ
فهاجت عقابيلَ الهوى إذ ترنَّمتوشبَّت ضرام الشوقِ بين الشراسفِ
بكت بجفونٍ دمعها غيرُ ذارفٍوأغرت جفوني بالدموع الذوارف

وخرجت حتى أتيت أرضها، فآواني الليل إلى حي، فخفت أن يكونوا من قومها، فبت بالقفر فلما هدأت الرجل ورنقت في عيني سنة فإذا قائل يقول:

يمتعْ من شميمِ عرارِ نجدٍفما بعدَ العشيَّةِ من عرارِ

فتفاءلت بها وانزعجت لها، ثم غلبتي عيناي فإذا آخر يقول:

لن يلبثَ القرناءُ أن يتفرقواليلٌ يكرُّ عليهمُ ونهارُ

فقمت فعثرت، وركبت متنكباً عن الطريق، وإذا راع قد سرح غنمه، وهو يتمثل بقول القائل:

كفى بالليالي مخلقاتٍ بجدَّةٍوبالموتِ قطَّاعاً حبالَ القرائن

فأظلمت عليَّ الأرض، فتأملته فعرفته، فقلت: فلان؟ قال: فلان، قلت: ما وراءك؟ قال: ضاجعت والله رملة الثرى! فما تمالكت أن سقطت عن بعيري، فما أفقت حتى حميت علي الشم، فاستيقظت وقد عقل الغلام بعيري ومضى فكررت راجعاً إلى أهلي بأخيب ما آب به راكب وأنا أقول قول المحروق:

يا راعيَ الضأنِ قد أبقيتَ لي كمداًيبقى ويتلفني يا راعيَ الضَّأنِ
نعيتَ نفسي إلى روحي فكيفَ إذاًأبقى ونفسي في أثناءِ أكفانِ
لو كنت تعلمُ ما أسأرتَ في كبديبكيتَ مما تراهُ اليومَ أبكاني

وحدث ابن دريد قال: حدث أبو حاتم قال: سمعت أبا عبيدة يقول: ذكروا أن رجلاً ساءت حاله، فهرب من عياله، فصار إلى ساحل من سواحل البحر، فبينا هو قاعد يفكر في أمره إذ صر بصخرة مكتوب عليها:

لما رأيتكَ قاعداً مستقبليأيقنتُ أنكَ للهموم قرينُ
فارفضْ بها وتعرَّ من أثوابهاإن كان عندك بالقضاء يقينُ
للشاعر عبد الله بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة
هوّن عليك يكونُ ما هو كائنفأخو التوكلِ شأنهُ التَّهوين
طرحَ الأذى عن نفسِهِ في رزقهِلما تيقَّنَ أنه مضمونُ

قال: فنهض وعاد إلى أهله، وفتح عليه رزقه ودر.

ولما أنفذ المأمون طاهر بن الحسين إلى قتال ابن ماهان، حضر بين يديه لوداعة فقال له: امض إلى هذا اللعين واصمد له، فإنك قاتله، فأنفذ رأسه إلى أمير المؤمنين بإذن الله ومشيئته! وخرج طاهر لوجهه، فلما أنفذ رأس ابن ماهان إلى المأمون دخل الفضل بن سهل وحل قباءه بين يديه، فأنكر المأمون ذلك عليه، وقال له: ما السبب في هذا الفعل السمج الشنيع، فقال: سمعت أمير المؤمنين يقول لطاهر لما ودعه: "إنك تقتل ابن ماهان وتحمل رأسه إلى حضرة أمير المؤمنين" وقد كان ذاك، وما هذا إلا غيب قد اطلع عليه أمير المؤمنين، إما وحي فاسأل إطلاعي عليه بحكم خدمتي ونصحي ومحبتي، أو علم عند أمير المؤمنين يحزنه عن آبائه وأجداده، أسأل إعلامي به، ولست أعود لخدمتي ولا أشد علي قبائي إلا بعد أن يشرفني أمير المؤمنين بما سألت! فقال له: يا هذا والله ما أعلم الغيب ولا عندي علم محزون منه فأطلعك عليه وأعلمك به، وإنما قلت ما قلت تفاؤلاً حققه الله تعالى بفضله ومنه وإحسانه وطوله! فامتنع الفضل من قبول هذا القول، وأعاد السؤال، وأعاد المأمون القول واليمين، فبعد جهد ما شد قباءه عن غير طيب نفس بقول المأمون، بل على يقين من كتمانه إياه، فقال المأمون: واله لقد سقط من عيني سقطة ما مثلها، وتحققت جهله، واستشعرت فيه ما طرحت معه قوله ورأيه وعقله بعده.

وكان زياد بن عبيد الله الحارثي خال السفاح والياً له على مكة، فحضر أشعب مائدته في أناس من أهل مكة، وكانت لزياد صفحة يخض به فيها مضيرة من لحم جدي، فأتي بها فأمر الغلام وهو لا يعلم أنها هي فوضعها بين يدي أشعب، فأكلها الشعب واستطابها، واستبطأ زياد الصفحة فقال: يا غلام أين الصفحة؟ قال: أمرتني بتركها بين يدي أبي العلا؟ فقال وقد اغتاظ: هنأ الله أبا العلاء وبارك له؟ فلما رفعت المائدة قال: يا أبا العلاء هذا شهر رمضان وقد وافى، وهو شهر مبارك، وقد رققت لأهل السجن مما هم فيه من الضر وانهجام الصوم عليهم، وقد رأيت أن أسيرك إليهم فتلهيهم بالنهار وتصلي بهم في الليل! فقال: أو غير ذلك أصلح الله الأمير؟ قال: وما هو؟ قال: أعطي الله عهداً ألا آكل مضيرة بلحم جدي أبداً! فخجل زياد واستحيا ونهض، وصار هذا خبر يسطر، وذماً يذكر إلى الأبد!

وحدثني الرئيس والدي أبو الحسين ﵁ قال: عمل فخر الملك أبو غالب سماطاً عظيماً للأتراك ببغداد، واغترم شيئاً كثيراً، وكان مما يتعذر مثله، وفرح بما تم له فيه، ووف يمشي على السماط، ويخدم الناس، فقال لبعض الأتراك مازحاً معه وقد كسر دجاجة ما بينك وبين هذه المسكينة! فرفع رأسه إليه وقال له: والله ما علمت أنك تراني يا مولانا! ورمى بالدجاجة، وكان يبخل على الطعام، فخجل خجلاً نغص عليه يومه وذمم له فعله، ودخل إلى بعض الحجر، واستدعى خمس قطع ثياباً حسنة وأنفذها إلى دار التركي اسكتفافاً له عن تلك الكلمة التي غلط بها وهفا فيها!.

وحدثني ابن عاصم قال: لما انحدر الملك العزيز بن بويه قاصداً البصرة ومحاراً لها وطامعاً فيها شيعته وخدمته وكنت في جملة الغلمان قائماً على رأسه، فأنشد شيئاً من شعره وأخذ الحاضرون يصفونه ويمدحونه، وذكر في شيء منه انحداره هذا وقصده ورجاء النجاح فيه والثقة به، فأردت أن أدخل نفسي في جملة من يمدحه ويتكلم بين يديه، وكنت أحفظ له ثلاثة أبيات فيها ذكر الانحدار فقلت: يا مولانا ولك في كذر الانحدار شي حسن! فقال ما هو؟ فقلت:

وما شكرت زماني حين أصعدنيفكيفَ أشكرهُ في حال منحدري
للشاعر الملك العزيز خسرو بن فيروز، اقرأ القصيدة
تلاعبت بي أمور لو رميت بهاجوانب الفلك الدَّوَّارِ لم يدرُ
تزيدني قسوةُ الأيَّام طيبَ ثناًكأنني المسك بين الفهرِ والحجَر
للشاعر أبو عثمان الخالدي، اقرأ القصيدة

فتطير من ذلك وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! لا أحسن الله جزاءك! فرجعت إلى نفسي، وعرضت غلطي على نفسي فعرفته، وهربت على وجهي خجلاً ولنفسي معنفاً! وكسر في هذا الوجه ورجع كما لا يجب!.

ودخل بعض أصدقائنا إلى رجل قد ابتاع داراً في جواره، وسلم عليه وأظهر الأنس بقربه والابتهاج بمكانه، وعاشره وصادقه، فلما كان يوماً من الأيام وهم على نبيذ قال له: كان فلان صاحب هذه الدار تلتي ابتعتها أنت الآن ﵀ صديقنا وأخانا ورفيقنا وشقيقنا، إلا أنك أنت بحمد الله أوفى منه مكاناً وكرماً وموضعاً، وأوسع نفساً وصدراً، وأعلى محلاً وقدراً، والحمد الله الذي عوضنا مثلك عنه، وبدلنا به من هو خير منه! وأنشد:

بدلٌ من البازي غرابٌ أبقعُ

فضحك الرجل حتى استلقى، وتعجب من غفلته، ولم يكن المنشد يفهم ما أنشد ولا يعلم ما أورد، فسقط قوله، وخجل من إنشاده، وصار معيرة له يوله لأجلها دائماً به.

وكان في دار العلم بين السوريين التي وقفها سابور الوزير خازن يعر بأبي منصور، واتفق بعد سنين كثيرة من وفاة سابور أن آلت مراعاة الدار إلى المرتضى أبي القاسم الموسوي نقيب نقباء الطالبين، فرتب معه آخر يعرف بأبي عبد الله بن حمد مشرفاً عليه، وكان داهيةً جلداً وضد أبي منصور مكراً وكيداً، فصار يتلهى به دائماً، فمن ذلك أنه قال يوماً: قد هلكت الكتبوذهب معظمها! فقال له وانزعج: بأي شيٍ؟ قال: بالبراغفيث وتعيثهم فيها وهعبثهم بها، قال: فما نفع في ذاك؟ قال: تقصد الأجل المرتضى وتطالعه بالحال وتسأله إخراج شي من أدوائها المعدة عنده لها لينثر بين الو رق ويؤمن الضرر! فمضى إلى المرتضى وخدمه وقل له بوقار وسكون، ومن طريق النضح والاحتياط: يتقدم سيدنا إلى الخازن بإخراج شي من دواء البراغيث، فقد أشرفت الكتب على الهلاك بها، ليتدارك أمرها بتعجيل إخراج الدواء المانع لها المبعد لضررها؟ فقال المرتضى مكرراً: البراغيث البراغيث! لعن الله ابن أحمد، فأمره كله هزل وطنزٌ! قم أيها الشيخ مصاحباً، ولا تسمعن لابن حمدٍ نصيحةً ولا وقولاً.

وحدثني أبو الحسن ابن الصوفي العلوي قال: كان ملاحان من النبط في سفينة بالبطائح: أحدهما منطرح والآخر يجدف، فسقطت على صدر النائم بقة، فأشار إلى الذي يجذف بأن اقتلها، إيماءً خوفاً من أن تسمع البقة قوله، وعجز أن يقتلها بيده فأخذ النبطي حربة كانت معه في السفينة وضرب بها البقية شجاعة عليها، فدخلت الحربة في صدر الآخر وطلعت من ظهره، فمات من وقته!

وحدثني الوزير فخر الدولة أبو نصر بن جبير قال: كان بعض الشطرنجيين برسم خدمة عضد الدولة أبي شجاع بن بويه، يلاعبه، فلاعبه يوما وله رسم يشرب بحضرته، فحاف النبيذ عليه، وغلب لعضد الدولة فقال له: شاه مات يا خرا! وكان للشطرنجي غلام تركي يخف على قلب عضد الدولة وينفق عنده لنجابته وذكائه، وقد أذن له في أن يسقي بحضرته، فلما سمع الغلام ما قال له مولاه استعظمه، وعلم أن النبيذ قد غلب على عقله فأبدى ما أبدى من جهله، فأخذ مخدة فتركها على رأسه، إعلاما لعضد الدولة أنه لا يحس بفعله، فكيف بقوله؛ فلما كان من غد حضر الشطرنجي على رسمه، ولم يبد لعضد الدولة منه ولا شاهد عنده ما يدل على علمه بما جرى منه، فعلم أنه لم يحس بقوله ولا أطلعه الغلام على فعله لئلا يظهر منه خوف يوحش عضد الدولة منه، فأعجب عضد الدولة بالغلام زيادة إعجاب، وشغف بذكائه فضل شغف، وعرض للشطرنجي به وبالرغبة فيه، فلم يطب الشطرنجي قلبا بإخراجه عن يده، لمحبته له وغلبته عليه، وكونه قوام أمره! ثم مات الشطرنجي فلم يكن لعضد الدولة همة غير الغلام، وأخذه، ووضع عليه من يطارحه الحديث ويعرض له به، فما أقر لأحد بمعرفة تلك الحال وما جرى فيها، واستنبطه بنفسه عن فعل مولاه وقوله وغلطه وجهله، فأنكر أشد الإنكار، وجحد أنه رأى ذلك أو حضره؛ فاختص به عضد الدولة وقدمه حتى استودعه أسراره ومهماته وما لم يكن يثق فيه إلى غير نفسه!

وحكى المرزباني قال: حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني أحمد بن محمد الأسدي قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن علي بن سويد بن مخوف عن أبيه قال: كنا مع جعفر بن يحيى فأخبر أن الرشيد مغموم، قال: بماذا؟ قالوا: منجم يهودي قد حكم عليه بأنه يموت في سنته تلك، وإن اليهودي في دار الرشيد موكل به .. فركب جعفر مبادرا وأحضر اليهودي فقال له: يا مدبر ما حملك على هذا القول الذي قتلك وأهلكك؟ قال: هفوة وزلة! قال: قد حكمت على أمير المؤمنين بالوفاة في هذه السنة فهل حكمت لنفسك أن تعيش؟ قال: نعم، قال: كم؟ قال: كذا وكذا سنة، لسنين كثيرة ذكرها، فنهض جعفر بن يحيى إلى الرشيد وأعلمه بما جرى وكذبه عنده، وقال: قد ذكر أنه مختل العقل وأن ذلك حمله على ما قال، وأنها زلة وهفوة يسأل العفو عنها والإقالة منها، فإنها كذب وزور أوجبه فساد عقله والسوداء المعترضة له! فقال الرشيد: هيهات! هذا يقول حيث خاف وفزع! واجتهد جعفر في أن يخرج ذلك من نفس الرشيد فلم يكن إليه سبيل، فقال لهما أيس منه: يا أمير المؤمنين قد ظهر كذبه وحمقه بما لا يقع شك فيه، قال: وما هو؟ قال: قد ذكر أنه يعيش كذا وكذا سنة، وإذا تقدم أمير المؤمنين بضرب عنقه علم كذبه وفساد علمه وأنه لا يصح حسابه لنفسه فكيف يصح لغيره! فتقدم الرشيد بضرب عنقه، وزال عنه ما اهتم له؛ ومضى دم المنجم بحمقه! وحكي أن أبا عبد الله بن الجصاص صلى خلف إمام، فلما قرأ "غير المغضوب عليهم ولا الضالين" قال ابن الجصاص: إي لعمري! وأنه أراد تقبيل رأس الخاقاني الوزير فقال له مازحا معه: لا تفعل ففي رأسي دهن! فقال: والله لو كان في رأس الوزير خراء لقبلته! وقال يوما: قمت البارحة في الظلمة إلى الخلاء فما زلت أتلمظ المقعدة حتى وقعت عليها! ووصف يوما مصفحا بالعتق فقال: هو كسروي!

وحدث القاضي أبو حامد قال: كنت قائما بين يدي معز الدولة أبي الحسين بن بويه فقال لأبي جعفر الصيمري وزيره: أريد الساعة خمسمائة ألف درهم لمهم، فقال له: زد أيها الأمير فإني أيضا أريد مثله! قال: فإذا كنت وزيري فممن أطلب إلا منك؟ قال: فإذا كان الارتفاع ما يفي بالخرج من أين لي مال أعطيه إذا طلبته! فحرد معز الدولة فقال: الساعة أحبسك في الخلاء حتى تؤدي ذاك! قال: إذا حبستني في الخلاء خرئت نقرة وضربتها دراهم!! فخجل معز الدولة وأمسك عنه.

وحدث أبو أحمد الحارثي قال: كان عندنا بواسط رجل مختلف موسر يقال له أبو محمد بن أبي أيوب، وكان يعاشرنا بمغنية يهواها، وكان من غنائها صوت أوله:

إنَّ الخليطَ أجدَّ منتقلهْولوَ شكِ بينٍ حملتْ إبلهْ

وكانت تجيد فيه الصنعة فيستحسنه ولا يفهمه أبو محمد لتخلفه فاقترحه يوما عليها فقال: بالله يا ستي غني لي:

إني خريت وجئت أنتقله!!

فقالت: أنا أغني شيئا من هذا!! ففطنت أنا لما يريد، فقلت لها: إنه يريد أن تغني له:

إن الخليط أجد منتقله

فقالت له: قطع ظهرك! أين هذا من هذا!! وغنت الصوت.

وكان من غنائها الجيد:

خليليَّ هبّا نصطبحْ بسوادِ

فقال لها يوما: يا ستي غني لي بالله:

خليلي هبا نصطبح بسماد

فقالت له: إذا عزمت على هذا فوحدك!

وحدث أبو محمد يحيى بن محمد بن فهد قال: رأيت أبا الحسن علي بن عمرو الموصلي يكتب إلى أبي تغلب ابن ناصر الدولة كتابا، فكتب في موضع منه: "أمور حميدة" فقلت: أمور جميلة قال: صدقت، ولكن كتبت وأنا بالموصل إلى أبي تغلب رقعة فيها "أمور جميلة" ووصلت الرقعة إليه وهو عند أخته جميلة، وكانت غالبة عليه محتوية على أمره، لا يقطع شيئا دونها، فعرضها عليها وأخذ فيها تضمنته رأيها، فأنكرت علي قولي "جميلة" إنكارا شديدا لأنه اسمها، وبلغني فاعتذرت أعظم الاعتذار، وما كتبت إلى أحد بعدها "جميلة"، وصارت لي عادة!

وحدث أبو القاسم الجهني قال: كان في أسد بن جهور نسيان وسوداء، فحضرته يوما في دار بعض الوزراء وقد جلس يتحدث، ومعنا بعض القضاة، وكان يوما حارا، فوضعنا عمائمنا، ووضع القاضي قلنسوته، فطلب الوزير أسد بن جهور، فقام مسرعا، وأخذ قلنسوة القاضي، وعنده أنها عمامته، فلبسها ودخل على الوزير، فصاح القاضي به وجماعتنا، فما سمع ولا رجع، حتى بلغ الوزير، فضحك منه، وخجل أسد وعدا إلينا راجعا عنه.

وحدث القاضي أبو القاسم التنوخي أن بعض المعمرين من الشهود بالأهواز حدثه عن بعض أهله قال: كان محمد بن منصور يتقلد القضاء بكور الأهواز وعمر بن فرج الرخجي يتقلد الخراج بها، وكانا يتوازيان في المرتبة السلطانية، ولا يركب أحدهما إلى الآخر إلا بعد أن يجيئه، ويتشاحنان على التعظيم، وترد كتب الخليفة عليهما بخطاب واحد، وتولدت بينهما من ذلك عداوة عظيمة، ويكتب الرخجي إلى المتوكل في القاضي فلا يلتفت المتوكل إليه لعظم محله عنده وموضعه منه، ويبلغ القاضي ذلك فلا يحفل به .. فلما كان في بعض الأوقات ورد خادم بكتاب المتوكل لهما بأن يجتمعا على أمر رسمه لهما، فقال الرخجي للقاضي: تحضر الديوان لذلك، وقال القاضي له: بل تحضر أنت الجامع لنجمع على ما رسم، فقال الرخجي للخادم: ترجع إلى أمير المؤمنين وتعلمه أن القاضي امتنع من أن يحضر ديوانه، وسامني الحضور إلى الجامع لإمضاء أمر أمير المؤمنين فلم أفعل، لما فيه من القباحة والوهن، وأن العرض وقف إلى أن يعود الأمر بما يفعل فيمتثل! فبلغ القاضي ذلك فركب إلى الديوان، ودخل والرخجي جالس في دسته، وبين يديه الكتاب والجلة، فحين شاهدوا القاضي قاموا له وخدموه، إلا الرخجي فإنه لم يكلمه ولا سلم القاضي عليه، وجلس في طرف المجلس وآخر البساط، بعد أن رفع غلامه طي البساط، وجلس على البارية، واحتف به شهوده، وجاء الخادم فجلس عنده ووقفه على كتاب المتوكل، وتخاطبا فيما رسم، حتى فرغوا منه، فلما انقضى ذلك قال الرخجي له: يا أبا جعفر ما هذه الجبرية! لا تزال تولع بي وتتحكك بمناقرتي ومضاهاتي، وتقدر أنك عند الخليفة أطال الله بقاءه مثلي، أو محلك يوازي محلي! قال: وأسرف في هذا القول، وحمي في الخطاب، ومضى على رأسه في الكلامُ والقاضي ساكت، إلى أن قال في جملة كلامه وبحدة طبعه: والخليفة أعزه الله لا يصرف على يدي في أمواله التي بها مقام دولته، ولقد أخذت من ماله ألف ألف دينار، وألف ألف دينار، وألف ألف دينار، وألف ألف دينار، وألف ألف دينار فما سألني عنها، وإنما إليك أن تحلف منكرا لحق، وأن تفرض لامرأة على زوجها، وأن تحبس ممتنعا من أداء حق ... وأخذ يعدد هذا وشبهه، وأبو جعفر لما ذكر الرخجي يعد بأصابعه الألف الألف التي كررها، وقد كشفها للناس ليروها إلى أن عقد خمسة، فلما أمسك الرخجي لم يجبه القاضي بشيء، وقال: يا فلان الوكيل، قال: سمعت ما جرى؟ قال: نعم، قال: قد وكلناك لأمير المؤمنين وللمسلمين على هذا الرجل في المطالبة لهم بهذا المال الذي أقر به، فقال الوكيل: إن رأى القاضي أن يحكم بهذا المال للمسلمين فعل! فأخذ القاضي دواة وكتب بخطه في مربعه سجلا بالمال ورمى به إلى الشهود وقال: اشهدوا على إنفاذي الحكم بما في هذا الكتاب، وإلزامي فلان بن فلان هذا وأومأ إلى الرخجي ما أقر به عندي من المال المذكور مبلغه في هذا الكتاب للمسلمين! فكتب الشهود خطوطهم بالشهادة وختموها، وأخذها القاضي فجعلها في كمه، ونهض، وأخذ الرخجي يهزأ بالقاضي ويقول: يا أبا جعفر بالغت في عقوبتي، قتلتني، أهلكتني! فقال له القاضي: إي والله! فما سمعناه أجابه بغيرها وافترقا.

وكتب صاحب الخبر إلى المتوكل قي الوقت بما جرى، فلما وقف المتوكل على الحال تقدم بالقبض على الرخجي وتقييده، وقال لوزيره: حاسب هذا الخائن المقتطع لأموالنا حتى حفظها الله تعالى بقاضينا محمد بن منصور، وقد ظهرت أموالنا عليه بإقراره في سقطات قوله وفلتات فعله، وهذه عادة الله تعالى عند أئمة عباده أن يأخذ لهم أعداءهم كذلك، اكتب الساعة في أمره بما رسمته واحمله مقيدا مغلولا، فخرج الوزير وهو على غاية القلق لعنايته بالرخجي، واستدعى خليفته على الباب وقال له: اكتب إليه الساعة: "قد تسرعت يا مشؤوم، وقتلت نفسك، ما الذي دعاك إلى معاداة القضاة! " وقل له: "قد جرى كيت كيت، وأنت مقتول إن لم تتلف أمر محمد بن المنصور، فاجتهد فيه" وأعلمه أنني هو ذا أؤخر ما أمر الخليفة به فيه اليوم فقط إلى أن يحكم أمره مع القاضي، وأقول للخليفة إني قد أنفذت إليه من يقبض عليه، وأنفذ إليه في الغد! فلما ورد ذلك على الرخجي قامت قيامته، وأحضر من يخصه فشاوره فقال له: تركب الساعة إلى القاضي وتطرح نفسك عليه .. فركب إليه في موكب عظيم، فحجبه ولم يوصله، واجتهد في الوصول إليه، فلم يكن إلى ذلك طريق، فرجع حيران، وقال لأصحابه: ما ترون فإني أخاف أن يرد العشية من يقبض علي! فقيل له: إن للقاضي رجلا يخصه، وقد قدمه وعظمه وأنس به، ويريد أن يسمع شهادته، وهو غالب عليه جدا، فتستدعيه وتكتب له روزا بشيء من خراجه ترغبه فيه، وتسأله أن يوصلك إليه ويستصلحه لك! فأحضره الرخجي، وكتب له روزا بألف دينار من خراجه وسأله ذلك، فقال: أما استصلاحه لك فلا أضمنه، ولكن أوصلك إليه، فقال له: قد رضيت، فقال: إذا كان الوقت المغرب فانتظرني! وخرج الرجل، فلما كان المغرب جاءه وقال: تلبس عمامة وطيلسانا وتركب حمارا وتجيء وحدك، ففعل ذلك وركبا بغير سمعة، وجاء الرجل فقال للحاجب: استأذن لي على القاضي ولصديق لي معي؛ فدخل إليه وخرج إليهما وقال: ادخلا، فدخلا، فحين شاهده القاضي صاح على الرجل وقال له: ادخلا، فدخلا، فحين شاهده القاضي صاح على الرجل وقال له: أتحتال وأنت أمين مرشح للشهادة! ثم قال للرخجي: اخرج عافاك الله عن داري! قال: فبادر الرخجي إلى رأسه فقبله، فلماذا رآه القاضي قد فعل ذلك قام إليه وعانقه وجلسا، وبكى الرخجي بين يديه، ودفع الكتاب إليه، فبكى القاضي وقال: عزيز علي يا هذا ما كان اضطرك إلى الإقرار بما أقررت به! قال: غلطت وأخطأت وغفلت، فتحتال الآن في أمري؟ فقال: والله ما لي حيلة، فإن الحكم كالسهم إذا خرج لم يمكن رده! فجهد به الرخجي فما زاده على هذا، وانصرف بأقبح منصرف، فما كان من الغد ورد خادم فقبض عليه، وغله وقيده، وحمله، وورد كتاب الخليفة إلى القاضي:"أحسن الله تعالى جزاءك على ما فعلته في أموال المسلمين، وقد كنا نأمر بمحاسب هذا الرجل فنؤخر ذلك لعوائق، والآن فقد أقر طائعا غير مكره بما في ذمته، وما نؤثر معاملته إلا بما يعمله أهل الذمة لو كانوا في مكاننا من أخذ الحق بالحكم، وقد أنفذته على الواجب بارك الله عليك وله أملاك قبلك، فتنصب من يبيعها وتحمل ثمنها إلى بيت المال" ففعل ذلك، وهي الأملاك التي تعرف الآن بالرخجيات، وجعل الرخجي في العذاب بسر من رأى.

وحدث الحسين بن عياش قال: كان جحظة لما أسن يفسو في مجالسه، فيلقي من يعاشره منه جهدا، وكنت أحب غناءه، والكتابة عنه لما عنده من الآداب، وكان عشيري، فكنت إذا جلست عنده أخذت عليه الريح، فجئته يوما في مجلس الأدب، والناس عنده، وهو يملي، فلما خفوا قال لي ولآخر كان معي: اجلسا عندي حتى أقعد كما على لبود، وأطعمكما طباهجة بكبود، وأسقيكما من غناء المسدود! فقلنا: هذا موضع سجدة! وجلسنا وصدبقي لا يعرف خلقه في الفساء، وأنا قد أخذت الريح فوقي، فوفى لنا بجميع ما ذكره: وقال لنا وقد غنى وشربنا: نحن بالغداة علماء، وبالعشي في صورة المخنكرين! فلما أخذ النبيذ منه أقبل يفسو، وصديقي يغمرني ويتعجب، فأقول: إن ذلك عادته وخلقه، وإن سبيله لي يحتمل، إلى أن غنى صوتا من الشعر، والصنعة له فيه، وكان يجيده جداً:

إنَّ بالحيرةِ قسَّا قد مجنْفتنَ الرُّهبانَ فيها وافتتنْ
للشاعر جحظة البرمكي، اقرأ القصيدة
ترك الإنجيلَ حبَّا للصِّباورأى الدُّنيا مجوناً فركنْ

فطرب صديقي عليه طربا شديدا، واستحسنه كثيرا، وأراد أن يقول له: أحسنت والله يا أبا الحسن، فقال له لما في نفسه تردد من أمر الفساء: افس علي يا أبا الحسن كيف شئت! فخجل جحظة، وخجل الفتى وانصرفنا!

وحدث أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب بن إسحق ابن البهلوي التنوخي قال: حدثني أبي قال: حضرت أسد بن جهور، وكان شديد النسيان، عند عبيد الله بن سليمان الوزير وهو يخاطبه في أمر من الأمور فيقول له أسد: السمع والطاعة لأمر القاضي أغزه الله، وقد أنسي أنه الوزير؛ وكان إلى جنب أبي العباس بن الفرات، فغمزه أبو العباس وقال له: قل الوزير أعزه الله! فقال لأبن الفرات: نعم أعز الله القاضي! فضحك ابن الفرات وقال: لست القاضي، فارجع إلى صاحبك فقضه!.

قال: وكنت يوما عند أسد بن جهور وهو يكتب، فجفت دواته، فقال: يا غلام كوز ماء للدواة، فجاء الغلام بكوز ماء، فأخذه وشربه، ومضى الغلام بالكوز، وأخذ يكتب فلم تنكتب له، فقال: ويلك هات الماء للدواة، فجاء بشربة ثانية، فأخذها وشربها، ولم يطرح في الدواة منها، ثم كتب فلم تنكتب له، فقال: ويلك كم أطلب للدواة ماء ولا تحضره،! فجاءه الغلام بشربة ثالثة، فأخذ يشربها، فقال له: يا سيدي اطرح منها أولا في الدواة، ثم اشرب الباقي! فقال: نعم نعم! وطرح في الدواة وكتب.

وحدث أبو محمد السليماني الهاشمي المعروف بعباد رحله، وقد جرى ذكر البربهاري بحضرته، فقال: رأى عينا هائجة فقال: لو استعمل لها الخضرط عوفيت! فقال له: ليس هو الخضرط، فقال: نعم غلطت، الخضخض! فسكتوا عنه، وإنما أراد الحضض!.

وطلب المكتفي يوما من أبي عبد الله بن الجصاص عقدا حسنا من فاخر الجوهر ليبتاعه منه، فقال: كم يبلغ يا أمير المؤمنين؟ قال: ثلاثين ألف دينار، قال: لا تصب ما تريد إذا، ولكن عندي عقد فيه ستون حبة، ولا أبيعك إياه بأقل من ستين ألف دينار، فإن بلغت حملته إليك، فقال: افعل، فحمله إليه والعباس بن الحسن الوزير قائم بين يديه، فعرضه عليه، فهال المكتفي أمره وحسنه! قال: ما رأيت قط مثل هذا! فقال له ابن الجصاص: ومن أين عندك أنت مثل هذا يا أبا مشكاحل! فتنكر المكتفي وتنمر، وأومأ إلى ابن الجصاص العباس بالإمساك والانصراف، ففعل. وقال المكتفي للعباس: بالله وبحقي عليك هذه الكنية تلقبني بها العامة؟ قال: لا والله يا مولاي، ولكن هذا الرجل رقيع عامي جاهل، والعامة إذا افتخرت على إنسان قالت له: يا أبا مشكاحل! وقد ربحت يا أمير المؤمنين بهذه الكلمة العقد بلا ثمن فدعني وابن الجصاص، فتنمر له وأحله علي؛ فلما كان بعد أيام جاء ابن الجصاص فأذكر المكتفي بثمن العقد، فازور عنه وقال له: الق العباس؛ فجاء إليه يطالبه بالمال، فقال له: ويحك تطالب بثمن العقد للخليفة بعد أن لقيته بما لقيته وخاطبته في معناه بما خاطبته، واجترأت عليه وأخطأت بين يديه بما لا يجوز أن يتفوه به!! ولولا أنه ينسبك إلى العامية والبحارة والجهل والحمق لضرب رقبتك! أمسك عنه ولا تتكلم في معناه بحرف؛ فأمسك، وذهب العقد بتلك الكلمة!.

وورث بعض المتخلفين المخلقين مالا جليلا فقامر به وعمل كل ما اشتهى، وضجر من المال فقال لجلسائه وندمائه: افتحوا لي باب صناعة أتلف فيها بقية هذا المال، لاتعود علي بشيء منها! فقال أحدهم: تشتري التمر من الموصل فتبيعه بالبصرة! فقال: أليس يعود من ثمنه شيء وإن كان قليلا! وقال آخر: تبتاع الإبر التي كل ثلاث وأربع بدرهم، وتجمع منها ألوفا كثيرة وتسبكها سبيكة لاتساوي خمسة دراهم! قال: وذا أيضا يعود منه خمسة دراهم، وما قصدي إلا ما لا يعود منه درهم واحد! فقال آخر: ابتع ثيابا واخرج إلى الأعراب فبعها عليهم وخذ سفاتج منهم إلى الأكراد، وافعل مثل ذلك مع الأكراد، فما يرجع إليك شيء! فقال: ذلك، وفعله في بقية ما بقي معه.

وبلغني عن آخر أنه أسرع في إتلاف ماله حتى بقيت منه خمسة آلاف دينار، فالتمس مثل ما ألتمس الأول، وأشير عليه بأشياء لم توافقه، فقيل له: ابتع بالمال إلا خمسمائة دينار مخروطا وبلورا، واجعله في بيت مصففا مصنفا واشرب عليه يومك، وأنفق الخمسمائة دينار في الجذور وما تحتاج إليه ذلك اليوم، فإذا فرغت فخل فيه فأرا وسنانير، فإن تلك تهرب وهذه تطلب، فيتكسر الجميع فلا يرجع منه شيء! فاستطاب ذلك وفعل، وكان يفرح بتكسير ذلك ويضحك، وقام جلساؤه فجمعوا الزجاج ووجدوا فيه صحيحا ومصدعا، وباعوه واقتسموا بدارهم صالحة من ثمنه، وتفرقوا عنه، ولا حديث لهم غير حديثه، فلما كان بعد سنة قال صاحب المشورة بالزجاج والفأر والسنانير: أمضي إلى ذلك المدبر .. فمضى فوجده قد باع قماش بيته وآلاته وأنفقه في قوته، ثم نقض داره وباع آلتها، ولم يبق غير دهليزها، وهو فيه نائم، تحته قطن وفوقه قطن من البرد وعدم الملبوس، فقلت له: يا مشؤوم ما هذا؟ قال: ما تراه! فقلت: بقيت في نفسك حسرة؟ قال: نعم، أشتهي أن أرى فلانة، المغنية التي كان يعشقها وأتلف المال عليها، وبكى بكاء شديدا، فرققت له، وأعطيته دست ثياب، فلبسها، وجئنا إلى بيت المغنية، فقدرت أن حاله قد أثابت، فأدخلتنا إليها وأكرمته، وبشت به، وسألته عن خبره، فصدقها عن الصورة، فقالت في الحال: قم لا تجيء ستي فتراك وليس معك شيء فتحرد علي لم أدخلتك الدار، فاخرج إلى الشارع حتى أصعد أكلمك من الروزنة! فخرج وجلس ينتظرها، فقلبت عليه مرقة السكباج فصيرته آية ونكالا، وضحكت فبكى بكاء شديدا، وقال: يا فلان بلغ أمري إلى هذا، أشهد الله تعالى وأشهدك أني تائب من كل ما يكرهه الله تعالى، فأخذت أطنز به وأقول: أي شيء تنفعك التوبة الآن!! فرجعنا إلى بيته، وأخذت الثياب عنه، وتركته بين القطن وانصرفت ولم أرجع إليه نحو ثلاث سنين؛ فأنا ذات يوم في باب الطاق، وإذا بغلام يطرق لرجل راكب، فرفعت رأسي وإذا به على برذون فاره بمركب مليح فضة محرقة، وعليه ثياب فاخرة، وكان من أولاد الكتاب وممن يركب الخيول الحسان الفرهة بالآلات الحسنة، ويلبس من الثياب الثمينة، فحين رآني قال: فلان؟ فعلت أن حاله قد صلحت، فقبلت فخذه وقلت: سيدي أبو فلان؟ قال: نعم، قلت: ما هذا؟ فقال: قد صنع الله تعالى فله الحمد، البيت البيت، فتبعته حتى انتهى إلى بابه، ونزل ودخل ودخلت معه، فإذا بالدار الأولية قد رتبها وجعلها صحنا فيه بستان، وجصصها وطبقها، وعمل فيها مجلسا حسنا عامرا، وجعل باقي الدار صحنا كبيرا، وقد صارت منزلا جيدا ليس على ما كانت عليه أولا، وأدخلني إلى حجرة كانت له قديما يخلو فيها، وقد أعادها أحسن مما كانت عليه، وقد فرش فيها فرشا حسنا، وفي داره أربعة غلمان وخادم وبواب وشاكري هو سائس دابته، وجلس فجاءوه بآلة حسنة مقتصدة نظيفة، وفاكهة متوسطة، وطعام نظيف كاف على قدر ما نحتاج إليه، فقدم وأكلنا، وجيء بنبيذ تمري حسن فجعلوه بين يدي، وبمطبوخ بين يديه، ومدت ستارة، وبخر موضع بعود مطرى، هذا كله وأنا متشوف إلى علم السبب في ذاك، وشربنا وغنت جارية من وراء الستارة غناء طيبا، فلما طابت نفسه قال: يا فلان تذكر أيامنا الأولية؟ قلت: نعم، قال: أنا الآن في نعمة متوسطة، وما قد رزقته من العقل والعلم بالزمان والإخوان أحب إلي من تلك النعمة، هو ذا ترى فرشي؟ قلت: نعم! قال لي: إن لم يكن ذلك الكثير فهو الذي يحتاج إليه، قلت: أجل، قال: وكذلك داري وآلتي وثيابي ومركوبي وطعامي وشرابي .. وأخذ يعدد ويقول: إن لم يكن ذاك المفرط ففيه جمال وبلاغ وكفاية، وقد تخلصت من تلك الشدة الشديدة! أتذكر يوم عاملتني المغنية لعنها الله بما عاملتني، وما عاملتني أنت أيضا من أخذك الثياب عني وتعريتي؟ فقلت: هذا قد مضى والحمد لله الذي أخلف عليك وخلصك مما كنت فيه، فعرفني من أين تجددت لك هذه النعمة، ومن هذه الجارية التي تغنينا؟ فقال: أما الجارية فاشتريتها بألف دينار وربحت تخريق الثياب والجذور والهدايا والألطاف وتلك الحماقات، وأما النعمة فإنه كان لأبي خادم بمصر وابن عم، وماتا في يوم واحد، وخلفا ثلاثين ألف دينار، فحملت إلي وأنا بين القطنين كما رأيت، فحمدت الله تعالى على ذلك، واعتقدت أني لا أبذر، وأنا أدبر أمري وأعيش عيشا وسطا صالحا طيبا، فعمرت الدار، واشتريت جميع ما فيها بخمسة

آلاف دينار مع ثمن الجارية، وجعلت تحت الأرض خمسة آلاف دينار، وابتعت ضياعا ومستغلا بعشرين ألف دينار تغل لي كل سنة مقدار نفقتي التي تراها، وأمري يمشي على هذا! وأنا في طلبك منذ سنة، ما عرفت لك خبرا، فإنني أحببت أن ترى رجوع حالي ونعمتي ثم لا أعاشرك يا ماص بظر أمه أبدا!! يا غلمان برجله! فجروا والله برجلي وأخرجوني مسحوبا؛ فكنت بعد ذلك أراه راكبا فيضحك مني، ولم يعاشرني ولا لتلك الطبقة جميعها!.

وحدث أبو الحسين عبد الله بن أحمد بن العباس قال: كان أبو عصمة العكبري الخطيب غالبا على أبي القاسم بن الحواري، ومنزله في الطيبة مشهور، قال: حدثني أن أبا عمر القاضي خطب لابن رائق الكبير على ابنة قيصر الكبير بحضرة المقتدر فأطال وأبلغ، وكان يوما حارا؛ فلما انقضت الخطبة قيل له: اخطب على الابنة الأخرى للأخ الآخر؛ فكره الإطالة لئلا يضجر الخليفة، وأراد التقرب إليه، فحمد الله تعالى وقرأ آية من القرآن وعقد النكاح، فنهض المقتدر مبادرا لشدة الحر، ووقع ذلك التخفف عنده ألطف موقع لأبي عمر. قال: وعاد ابن الحوري إلى داره، وجئت وجلست معه أحادثه وأتطايب له على عادتي وأغمزه، فقال: جرى اليوم لأبي عمر كل جميل، ووصفه الخليفة وقرضه واستحسن إطالته في الخطبة الأولى وإيجازه في الثانية، وقال: مثل هذا الرجل وفيه هذا الفضل لم لا نزيده في الإحسان إليه؟ فقررت معه أن نزيده في أرزاقه وأعماله كذا وكذا، وأمرني بتنجز ذلك له من الوزير! قال: وكان ابن الحواري صديقا لأبي عمر، فلما سمعت ذلك دعتني نفسي إلى أن أسبق بالخبر إلى القاضي، لأستحق البشارة منه وأتقرب إليه، فطال علي الوقت حتى نام أبو القاسم، وقمت وركبت وجئت إلى أبي عمر، فأنكر مجيئي ذلك الوقت، وعلم أنه لمهم، فأوصلني وجلست وهنأته وحدثته بالحديث، فقال أبو عمر: أطال الله بقاء أمير المؤمنين، وأحسن جزاء أبي القاسم، ولا عدمتك! فاستقلت شكره، وولد لي ذلك فكرا مغما بأن لي في وجهه من التعجب مني، فلما خرجت ندمت ندما شديدا وقلت: سر للسلطان أفشاه إلى رجل عنده في منزلة الوزراء، فباح به ذلك الرجل إلي وحدي، لأنسه بي، لا يسره إشفاؤه، ولعله هو أراد أن يعيد على القاضي، فبادرت أنا بإخراجه إليه، "إنا الله وإنا إليه راجعون" وإن راح أبو عمر يشكره على ذلك ويذكره به علم أن ذلك من فعلي، وبأي صورة يتصورني؟ أليس يراني بصورة مخرج سر، وإخراج السر في الخير والشر والفرح والغم والجيد والرديء واحد، وربما أداه ذلك إلى استثقالي واطراحي وتجنبي واحتشامي وقطع معيشتي وحجابي، وإذا فعل ذلك من يرغب في، ومن يستخدمني بعده ويدخلني داره وقد علم أني طردت لإفشاء سر لا يعلم ما هو!! ما لي إلا أن أرجع فأتدارك غلطي وزلتي وجهلي وغفلتي وحمقي وهفوتي، وأسأل القاضي ألا يظهر أنه علم بذلك، قال: فرجعت إليه، فحين وقع ناظره علي قال: يا أبا عصمة ولا حرف!! فعلمت أنه علم بما جئت له، وحسب لي ما حسبته لنفسي، وعرف من جهلي وغلطي ما عرفته أنا من زللي وخطلي، فشكرته وعجبت من صحة حدسه وزيادة عقله، وانصرفت.

النص من طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الهفوات النادرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.