من «الهفوات النادرة» لغرس النعمة الصابئ (ت ٤٨٠هـ)
الهفوات النادرة (٩)
وكتب يوماً رقعة إلى عبد الواحد بن المقتدر بالله يسأله مبايعته سقف ساج مذهب كان في بيت ماء من داره على دجلة بباب خراسان: "بسم الله الرحمن الرحيم: قد علم سيدي الأمير حال السقف الذهب الذي حاشا وجه سيدي في الخلاء، وهو هدية من ماله، والشكر عليه كثير، وليس أجعل وحياة رأس سيدي في الخلاء، أريده لصفه ويوعز سيدي الأمير إذا منحني من ثمنه، مزحت مع سيدي، وليس أخرج له من رأي قضاء حقي، حتى أبو محمد القرافي يعرفه ما في الأمر ويزن الثمن، وعرفته ذلك حتى يعمل معي ما يشبه إن شاء الله".
وحدثني والدي الرئيس ﵁ قال: ورد عليه كتاب عامل له بناحية الذنب يقول فيه: "وقد ورد التياس وهو مقيم منذ أيام، وقد منع الرحى من الدوران، وسقط بذاك الارتفاع" فظن القمي أن التياس بعض أصحاب السلطان، فحرد وغضب، وركب إلى دار الوزير أبي الفضل الشيرازي، وكتب رقعة عن صاحبه يشكو فيها التياس، ويسأل التوقيع بصرفه وإنفاذ نقيب جلد لذلك، وقال: لولا هيبة الوزير لأنفذت من يصرفه ويمنعه، ويضرب قفاه ويصفعه! فعجب أبو الفضل منه وقال له: يا أبا الحسن التياس من رعيتك، وأمرك فيه كأمري، فافعل ما أحببت فلا أعترض عليك مني! فقبل يده ورجله وشكره وقال: أحب أن ينفذ من الديوان نقيبان لذلك، فوقع له إلى أبي العلاء صاعد بن ثابت خليفته، على ظهر رقعته: "يجاب أبو حسن أيده الله إلى ملتمسه في أمر هذا التياس" فشكره على ذلك، وحمل التوقيع إلى صاعد وعرضه عليه، فلما قرأه تبسم ودفعه إلى أبي منصور كاتبه، وكتب له في المعنى منشوراً نسخ ببغداد وتدوول، وسلم إليه نقيبان ينفذان به! قال: وقال أبو إسحق بن المفتي كاتب القمي: فلما انصرف والمنشور والنقيبان معه وافقهما لنفقتهما على مائة درهم، أطلق لهما منها خمسين درهماً، وقال لي: اكتب إلي العامل معهما بما يجب في ذلك فتحيرت ودهشت وقلت له: التياس يا سيدي الماء، وهذا الذي كتب له سخرية من الكاتب ولهو، فلا تنفذه وتضيع ما تطلقه للنقيبين فقال لي: يا أبو إسحاق هذا لك أبداً تعارضني في أموري وتدبيري ويحك كم أقول لك أعمل ما أريد ولا تكثر كلامك وليس تقبل ثم كتب بخطه إلى العامل يوصيه بإكرام النقيبين وعطيتهما بقية نفقتهما، ويوزعها على الأكرة، ويسلم إليهما التياس حتى يشخصاه إلى الديوان! ومضيا إلى العامل وأعطياه الكتاب، وطالباه بالبقية من نفقتهما وتسليم التياس إليهما، فتحير وقال: أما التياس فهو الماء فتسلماه كيف أردتما وقدرتما، وأما الدراهم فما يستجيب الأكرة إلى وزنها، وما في حالي فضلل لإطلاقها من جهتي! فاستخفا به ولم يفارقاه حتى أخذا ما أراده منه، وكتب الجواب يشكو ما جرى عليه ويقول: "التياس زيادة الماء، وهذا شيء من فعل الله تعالى، وما لمخلوق فيه حيلة" ويستعفي من العمالة، فلما وقف القمي عليه قال: قد بليت بهذا القرفان المتخلف، مرة يكتب كذا ومرة يكتب كذا، ومضى إلى الوزير أبي الفضل وقال: أطال الله بقاء سيدنا، بليت بتخلف هذا العامل، كتب يشكو التياس، والساعة قد كتب يقول: التياس الماء فاستعظم أبو الفضل قوله وحمقه، وقال: اسكت ويلك، ثم تقدم بأن يكتب إلى النقيبين بالانصراف.
وكتب هذا القزويني يوماً رقعة إلى بعض أصحابه وصدرها ب"أطال الله تعالى بقاءك" فقال له بعض من كان عنده: ما يساوي الرجل هذا الدعاء فقال: صدقت وذكرتني! وكتب قبل "أطال الله بقاءك": لا، وأنفذ الرقعة.
وكان أبو سعيد ماهك بن بندار يكتب في صدر كتبه ورقاعه إلى عماله وأصحابه: "أطال الله بقاءك وحوائجها، فيقال له: ما معنى حوائجها؟ فيقول: دام عزك وتأييدك وهم لا يسوون ذكره ويكتب في آخر الرقعة: "الحمد لله وصلى الله على محمد وحاشيته" فيسأل عن ذلك فيقول: ذاك علي وفاطمة وكلهم غلمانه وحواشيه!
وحدث الرئيس أبو الحسين ﵁ قال: قال أبو العباس درستويه يوماً لمعلم ولده أبي نصر: ما تناصحني في تعليمه! فقال له: كيف يا سيدي؟ قال: البارحة اجتهدت به في أن ينشدني قصيدة من الفصيح فلم يحسن.
وكتب هذا المعلم إلى درستويه يسأله أن يطلق له جاري شهر قد استحقه، ويسلفه مال آخر ليكتسي به، فوقع إلى وكيله أبي محمد: "أبو محمد المؤدب أيده الله وأنت تطلب شهراً له وشهراً ليس له، فأطلق له الواجب، وتطلق له آخر قرضاً علي بسبب كتبته إن شاء الله".
وقال: كتب الطوسي لعلمكان الديلمي في أيام معز الدولة فاستدعاه علمكان في بعض الأيام منكراً عليه شيئاً، فبادر يعدو حتى وقف بين يديه، ولحظة علمكان لحظ منكر متهدد، فضرط ضرطة، وأطرق علمكان ضاحكاً، فقال له الطوسي مسرعاً: يا قائد هذا العمل من فزع وجهك الحردان، فكيف لو كان شيئاً آخر فضحك وقال له: اخرج.
قال: وكتب أبو القاسم الحسين بن أميرويه كاتب موسى بن قتادة رقعة مع جارية له إلى البلقي: "يدفع أعزك الله البلقي في الجارية عشرين قثارة كباراً، فقال لها البلقي: دعيني أدفع فيك قثاة واحدة بكل ما في الصن من القثاء.
قال: وقال إسرائيل ابن سعيد الرازي: قال ابن أميرويه يوماً لأبي القاسم علي بن الحسين ابن أخت الوزير أبي الفرج محمد بن العباس، وهو معروف بالتزمت والتصوف، وقد جرى على ابن أميرويه من الأتراك استخفاف وصفع: يا سيدنا أنا أخدم بين يديك وليس لي بعد الله غيرك، والجاري خمس مائة درهم تكفيني لنفقتي، فلم الأتراك في كل وقت وحين يصفعونك ويجرون برجليك ويستخفون بك فضحك منه وقال: لسوء أدبهم وأدب من يجرؤن برجله وأعرض عنه، وصار بعدها لا يكلمه إلا بالفارسية.
وكتب أحد كتاب الأتراك المتقدم على جماعته، المعروف بأبي منصور بن الفرج في اتفاق كتب بين أصحابه: "قد رضينا بذاك، وكتب محمد بن الفرج عن السادة الأصفهلارية بأمرهم ونهيهم".
ووقع إليه وزير العصر في سنة ثمان وثلاثين وأربع مائة ذو السعادات أبو الفرج بن فسانجس بأن ينظر بين غلامين من الأتراك تشاجرا في إقطاع ضيعة بينهما، وقال في التواقيع: "فإن الحق مقطعه ثلاث" يريد بيت زهير:
فإن الحقَّ مقطعهُ ثلاثٌيمينٌ أو نفارٌ أو جلاءُ
فلما عرضا التوقيع عليه قال: أنتما اثنان فأين الثالث؟ قالا: ما لنا شريك ولا منازع! قال: فكذا ذكر الوزير في توقيعه، وقام فدخل إلى الوزير واستفهمه عن المقطع الثالث، فقال له مستهزئاً به: أنا المقطع الثالث فخرج إليهما وقال: الوزير يدعي معكما ثلث الإقطاع فأفردا ما يتعلق به لأحكم بينكما في الباقي: فضجا من ذلك ودخلا إلى الوزير فعرفاه الحال، فضحك، وعرفهما الصورة فضحكا أيضاً، وحكم الوزير بينهما.
وكتب يوماً إلى الوزير وقد رتبه على سد البثق بنهر الرفيل يخبره بتمام سده، وقال فيه: "وأتمم البثق بسعادة مولانا، وصاح الناس عليه: عساو" ومد ما بين العين والألف مدة استوعب بها السطر فلم يفهم الوزير ذاك، واتفق أني كنت عنده، فأعطانيه وقال: ما هذا.؟ فقلت: قد حكى لمولانا صياح الرجال عليه فضحك، وتدوول بين الناس ذلك.
وحدثني الرئيس أبو الحسين ﵁ قال: حضر أبو منصور بردانقادار بن المرزبان يوماً عند الوزير أبي نصر سابور بن أردشير، أحد وزراء بهاء الدولة أبي نصر بن عضد الدولة بن بويه في سني نيف وثلاثمائة وتجاريا حديث الوزير أبي القاسم علي بن أحمد الأبرقوهي، وقد قبض سابور عليه واعتقله عنده وكان بحيث يسمع تحاورهما، وأبو منصور لا يعلم، فأسرع وغلط فيما بدر منه وأشار عليه بقتله، والاتفاق الردي ما سمع الأبرقوهي ما اشار به في معناه، واتفق أن خلص الأبرقوهي وتقلد الوزارة، وقبض على بردانفادار وقابله على ما كان منه، فكان إذا خوطب في معناه قال: يا قوم أنا سمعته يشير على سابور بقتلي فيمسك المخاطب ويكف السائل.
وحدثني ﵁ قال: حدثني أبو عبد الله الحسين بن الحسن النسوي المعروف بالنائب لأنه كان ينوب عن الوزراء قال: حدثني أبو القاسم الأبرقروهي، وكان مغرماً بالغلمان ومائلاً إليهم، قال: رأيت غلاماً أمرد مع أحد الخدم، فاستملحته واستحليته وراسلته واستملته، ووعدته وأرغبته، فأجابني وانتقل إلى حاشيتي، وشق على الخادم فعلي به، فشكاني إلى الملك بهاء الدولة، وبينا أنا في دار المملكة أنظر فيما يتعلق بي من العمل إذ جاءني فراش فقال: الأستاذ الأثير نحرير يستدعيك، فجئته فحين رآني قال: هاتوا حصيراً، فأحضر وبسط بين يديه، وصرف من كان قائماً وحاضراً إلا ثلاثة خدم استوقفهم، ثم قال لهم: ابطحوه على وجهه، فبطحوني، وضربت عشرين عصا جياداً، وأقعدني بعد ذلك وأنا أتململ، وقال: الملك يقول لك "إذا لم تكن مأموناً على غلام خادم فكيف آمنك على خمسة آلاف غلام تركي يجرون مجرى الحرم، وقد وكلتهم إلى مرعاتك" وأمرني بما عاملتك به، فانظر الآن بين يديك واحرس نفسك وجاهك، وارجع إلى شغلك. فقمت وعدت إلى ديواني نادماً على ما تسرعت إليه وغلطت وهفوت فيه.
وحكى أبو حيان التوحيدي قال: حضرت مائدة الصاحب أبي القاسم إسماعيل بن عباد فقدمت مضيرة رائقة فأمعنت فيها، فقال لي: يا أبا حيان إنها تضر بالمشايخ فقلت: إن رأى الصاحب أن يدع التطبب على طعامه فعل فكأنني ألقمته حجراً، وخجل واستحيا، ولم ينطق إلى أن فرغنا.
ومما تحدث به عن أبي الفتح محمد بن فارس أحد من نظر في الوزارة في أيام صمصام الدولة أبي كاليجار بن عضد الدولة أبي شجاع بن بويه أنه صعد يوماً من أيام ولايته من زبزبه إلى دار السيدة أم صمصام الدولة، فسقط من كمه زبيب، فقال عند مشاهدة الناس له وحيائه منه: أنا أجد في معدتي رطوبة، وقد وصف لي تناوله على الريق، فأنا أستصحبه لذاك فكان العذر أقبح من الفعل، ولقبه مجان بغداد: الوزير الزبيبي.
وحدثنا الرئيس أبو الحسين والدي رضي الله تعالى عنه قال: حدثني نجم الكفاة أبو عبد الله الحسين بن الحسن النسوي قال: حدثني أبو الفرج عبد الله بن الحسين الراماني قال: ورد أبو القاسم المعمر بن الحسين المدلجي مع الوزير أبي القاسم العلاء ابن الحسن من الأهواز إلى شيراز، وأبو القاسم المعمر أحد كتاب الإنشاء إذ ذاك، وعرضت للوزير أبي القاسم العلاء بن الحسن سفرة، فكتب إلي المدلجي، وأنا حينئذ خليفة العلاء، يطلب مني بغلة سروجية بآلتها، ولم تكن منزلته عندي منزلة من أراعيه أو أعطيه، فرددت الرقعة مع رسوله فلم أجبه عنها، ومضى الرسول ثم عاد إلي ومعه الرقعة بعينها وقد كتب على ظهرها:
فإنك لا تدري إذا جاءَ سائلٌأأنتَ بما تعطيهِ أم هو أسعدُ
عسى سائلٌ ذو حاجةٍ إن منعتهمن اليومُ سؤلاً أن يكونَ له غدُ
قال: فقرأت ذاك ثم أعدت الرقعة ثانياً بغير جواب كما فعلت أولا. وضرب الدهر ضربة وصرف العلاء بن الحسن ووزر المدلجي، وكنت إذ ذاك أتقلد كورة سابور وكورة أردشير خرة، فأنفذ إلي من أشخصني إلى شيراز، ووردت عليه وأنا لا أشك في القبض علي والمصادرة لي، لما كان من غلطي وسوء فعلي وما قضاه المقدور في، وحضرت مجلسه فقدمني وقربني ورفعني وأكرمني، وأقمت متردداً إليه وأياماً ومتعجباً من فعله وله مستطرفاً، فلما كان في بعض الأيام وقد قمت من مجلسه منصرفاً فتبعني الحاجب وقال: تقيم يا سيدي ساعة فإن الوزير يريد أن يجاريك شيئاً على خلوة، فلم يتخالجني شك في أنه القبض علي فأقمت خائفاً وجلا، ثم استدعاني وقد خلا مجلسه، وأسر إلى دواتيه شيئاً ومضى وعاد ومعه الرقعة بعينها فأخذها وسلمها إلي، فلما فضضتها وعرفتها أظلمت الدنيا في عيني، وودت أن الأرض ساخت بي، وقال لي: لا ترع فإنما واقفتك على فعلك الرذل القبيح لكيلا تستصغر بعدها أحداً وتطرح مراعاة العواقب والنظر فيها، وليكون هذا الفعل مني لك مصلحاً ولأخلاقك مهذباً، ثم خلع علي وردني إلى عملي.
وحدثنا والدي رضي الله تعالى عنه قال: حدثني أبو سعد عبد الله بن فهد النصراني الكاتب قال: لما تقلد أبو القاسم بن فسانجس أعمال النهروانات في أيام الوزير فخر الملك أبي غالب، وأبو العلاء سعيد بن الحسن بن يزيد النصراني يتولى يومئذ ديوانها، اتفق أن رفع أبو القاسم من حسابها ما احتيج إلى الموافقة عليه وحضر بحضرة فخر الملك وجرى من الخطاب ما خرج فيه أبو العلاء إلى سوء الأدب واستعمال السرف، وعادته بذاك جارية، وثقل على أبي القاسم ما سمعه منه، وإمساك فخر الملك عن إنكاره عليه ومنعه منه، وانقضى المجلس على غيظ من أبي القاسم تجرعه وكظمه، وامتعاض أسره وكتمه، ومضت الأيام وقتل فخر الملك، ووزر أبو القاسم لسلطان الدولة بواسط، فقامت قيامة أبي العلاء من ذاك، وضاقت به الأرض بما رحبت، وبقي متحيراً بين الاستتار والتغيب أو المقام والتجلد، وورد أبو القاسم إلى بغداد فحمل بنفسه على أن لقيه، فلم ير منه ما ظنه به، ونفسه تحدثه بضد ما يظهره له ويشاهده، فلما كان في بعض الأيام وقد خرج من بين يديه منعه الحاجب وقال له: الوزير يأمرك ألا تنصرف إلا بعد استئذانه فما شك أنه الذي خافه وتوقعه. قال: فأقمت ساعة، ثم استدعاني فوجدته جالساً على الفاكهة وهو يأكل منها، فجلست وظننت أن ما بين يدي منها مسموم، فلم أزل أقلبه وأولع به ولا أتعرض له، وأحس بفعلي فأخذ كمثراة وقطعها وأكل منها ثم أعطاني باقيها فأكلته، وأنست قليلاً، وقمنا إلى الطعام فجرت حالي على مثل ذاك، وهو يطعمني مما يأكل، ويقدم إلي مما بين يديه تأنيساً بي وفرغنا، وخرجت لغسل يدي، واستدعاني وقال لي: أراك منقبضاً متجعداً وجلا منزعجاً، وأظن ذاك لتذكرك ذلك اليوم هيهات ما الأمر على ما تظن وإني لك على ما تحب وتهوى، وليس من المروءة ذكر ما مضى فقبلت يده ورجله والأرض بين يديه، ودعوت له وانصرفت ساكناً مطمناً.
?
وحدثنا ﵁ قال: كان الوزير أبو القاسم العلاء بن الحسن قد لقبه الديلم سياه سبال لقباً اشتهر به بينهم وفشا فيهم، إما لأنه كان أسود السبال دون لحيته، أو لأنه كان يخضبه، حتى إن أحد الديلم المتقدمين قال له في كلام دار بينهما: يا وزير سياه سبال بار خداه، فضحك منه وعلم الديلمي بما جناه عليه، فنهض خجلاً عجلاً، واستعيد فلم يعد ثم راسله بالاعتذار الشديد، وبقي مدة لا يلقاه حياء.
وحدثنا ﵁ قال: حدثني الوزير مؤيد الملك أبو علي الرخجي قال: عاد فخر الملك من الأهواز في خرجته الأولى للقاء سلطان الدولة أبي شجاع بن بويه، فاتفق أن حضر عيد أو فصل، وحضر أبو الفضل بن أبي أحمد الشيرازي لخدمته فيه على رسمه، وأنشده قصيدة مدحه بها وهناه بذلك اليوم فيها، ثم وصل آخر القصيدة بحديث جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك مع الرشيد في قتله إياه، وقرأه عليه مسنداً له عمن رواه، فاستطرفنا إيراده ما أورده منه من غير أمر يقتضيه، وثقل على فخر الملك ما سمعه، وعلينا ما أورده وتطيرنا على فخر الملك من اتفاق ما اتفق، وأقبل بعضنا على بعض يعجب من ذلك، وندم أبو الفضل على ما كان منه، وانحدر فخر الملك عائداً إلى الأهواز، فكان من أمره ما كان وجرت حاله مجرى جعفر بن يحيى في قتله، فسبحان الله ما أطرف هذا الاتفاق.
وحدثنا ﵁ قال: حدثني نجم الكفاة أبو عبد الله الحسين بن الحسن النسوي النائب قال: حدثني أبو القاسم البلخي المنجم قال: كان أبو الفضل عبد المسيح بن العلاء النصراني الكاتب صديقاً للوزير أبي الفضل بن سودميذ، ومختلطاً به، فاجتمعا على الرأي والسعي في نكبة الوزير فخر الملك أبي غالب، وتقلد أبو الفضل موضعه، وقبض على فخر الملك فاتفق أن كنت يوماً حاضراً عند ابن سودميذ وقد جاءه عبد المسيح، وتحدثا وأطالا السرار والإفصاح، فضرب ابن سودميذ في عرض حديثهما إلى دفتر كان بين يديه وفتحه ليتفاءل بأول ما يقع طرفه عليه منه، فوقع نظره على بيت من قصيدة لأبي تمام، على قوله:
وصرتَ وزيراً والوزارةُ مكرعٌيغصُّ به بعد اللّذاذة كارعه
فرماه من يده، ثم أخذه بعد ساعة وفتحه، فخرج عليه البيت بعينه، فتطير منه ورماه في كانون تار كان بحضرته.
وحدثنا ﵁ قال: حدثني أبو طاهر الطهري حاجب فخر الملك وأبي محمد بن سهلان من بعده قال: كان في أبي محمد بن سهلان حدة من رزانة جميلة وله ألفاظ يوردها في كلامه واستراحات بين ألفاظه لا يحتملها أهل العراق، ومنها أنه كان يقول في أكثر أوقاته وضجراته: ليس تدرون من معكم في السفينة، فقال لي لما دخلنا بغداد: أنت أيها الحاجب تعرف من أخلاق البغداديين وعيوبهم ومذاهبهم في الإزراء على العجم وغيبتهم لهم وإيراد الحكايات عنهم ما لا أعلمه ولا أقف عليه ولا أخبره، وأريد أن تنبهني إلى ما أغفل عنه وأسهو فيه، وتلني على ما أتحفظ منه، ولا تراعي في ذاك هيبة الوزارة أو حشمة الرياسة، فإنها أمانة فقلت: السمع والطاعة، وكنت أشير إليه بإشارات في المواضع التي لا تحتمل الإفصاح، فيعرف ويرجع. وقلت له يوماً: هوذا تكثر من قولك "تدرون من معكم في السفينة" وهذا مما يستقبحه البغداديون ويعيبون عليه ويطعنون على قائله فيه، فقال: لم؟ فحاجزت ودافعت، وألح فقلت: نعم يقولون في الإنسان إذا استحمقوه: هو تيس في سفينة فأمسك. وكان ربما حملته الحدة والعادة على أن يقول ذاك، فإذا نظرت إليه فطن وقطع، وأمسك ورجع.
?
وحدثنا ﵁ قال: حدثني أبو نصر الحسن بن المصلحي الكاتب النصراني قال: كنا في يوم عيد بحضرة الوزير شرف الملك أبي سعد، والناس يدخلون إليه ويخدمونه ويهنونه، والشعراء ينشدونه ويمدحونه، إذا أنشد أحدهم فيه أنشد:
وأنت حصني الذي ألوذُ بهفما لهُ قد تهدّمت شرفه
فتطيرت عليه من ذلك ومن مشاكله شرفه بشرف الملك لقبه ثم أنشده آخر قصيدة أولها:
عقدُ الصيامِ بيومِ العيدِ محلولُفقلّد الكأسَ فالقنديلُ معزول
فازداد تطيري، وقدم الطعام، فبينا نحن نأكل إذ عثر المشاش وعلى رأسه طيفورية فيها أربعة صحون فرمى بها وكسرها، فكانت الثالثة في سوء ما اتفق، فلما كان في اليوم التاسع من شوال قبض عليه.
وحدثني أيضاً قال: حدثني أبو الفتح بن المقلد الأصفهاني قال: حدثني أبو منصور الحسن الحلبي قال: كنت أكاثر الوزير شرف الملك أبا سعد بن ماكولة بالبصرة فأنشدته يوماً لعتراه الخياط، ولم أعلم أن شرف الملك أصفهاني:
لم تكن أصفهانُ يوماً من الدّهرِ بدارٍ لنا ولا رامَ شاذا
غير أني اعتمدتُ فيها كريماًمن قريشٍ جعلتهُ لي ملاذا
بلدةٌ تمطرُ الترابَ علينامثلما تمطرُ السّماءُ الرّذاذا
أهلها شرُّ عصبةٍ خلقَ اللهُ وأجفاهم للغريب وآذى
ولهم لحنُ منطقِ لستُ أدريهِ إذا قال ذا وجاوبَ هذا
ما تعلّمتُ منه إلا قليلاًإنّهم أبدلوا من الريح وإذا
كلُّ ما يأثرونهُ من ملوك الفرس فيروزَ وابنه وقباذا
فإذا ما أعاذَ ربّي أناساًمن عذابٍ كبعضِ من قد أعاذا
فحمى الله أهلها أن يصيبواوزراً من عقابهِ وملاذا
خربت عاجلاً كما خرّبَ اللهُ بأعمالِ أهلها كلواذي
قال: فتغير لونه، وتمعر وجهه، واستحيا حياء بان غيظه من عرضه، وضحك إلي من حضر من أهله ضحكاً مستكلفاً متعملا، فتنبهت حينئذ على غلطتي وهفوتي، واعتذرت إليه اعتذاراً لم يمح منه قبيح زلتي.
وحكى الوالد قال: حدثني أبو نصر الحسن بن منصور الصلحي الكاتب النصراني قال: حدثني الوزير النفيس أبو الفتح محمد بن الفضل ابن أردشير قال: كنت بالسيرجان مع الوزير أبي غالب الحسن بن منصور الملقب ذا السعادتين، فاتفق أن شربت عنده يوماً وسكرت سكراً سقطت معه شستجتي من كمي وفيها رقاع إليه قد أعطانيها أربابها لأتنجز لهم توقيعاته فيها، ومن جملتها رقعتان قد كتبت قديماً بخطي في إحداهما:
يا قليلَ موفورَ الصّلفوالذي في البغى قد حاز السّرف
كن لئيماً وتواضع تحتملأو كريماً يحتمل منكَ الصّلف
وفي الأخرى:
يا طارقَ البابِ على عبدِ الصّمدلا تطرقِ البابَ فما ثمَّ أحدْ
وتقدم بأخذ الشستجة وإعطائه إياها، ووقف على الرقاع ووقع بجميع ما سأل أربابها فيها، ثم وقع في إحدى الرقعتين المتضمنة للبيتين اللذين بخطي: "يطلق له ألفا درهم" وفي الأخرى المتضمنة للبيت الواحد: "يوجب له ألف درهم مشاهرة على استقبال كذا من الشهر الشهر الذي كان فيه، ورد الجميع إلى الشستجة وأعادها إلى كمي في الموضع الذي نمت فيه، وأصبحت من غد ولا علم عندي بما جرى، واستدعاني إلى الطعام وقت الظهر ولم ير عندي أثراً لفعله ولا مني شكراً له، فقال لي: وقفت على الرقاع التي في شستجتك؟ فقلت: لا والله، فأمسك وتراجمت بي الظنون في قوله، فلما فرغنا من الأكل ونهضت لغسل يدي طلبت الرقاع وتأملتها فوجدتها على ما ذكرت وشغل قلبي حال ما وجدوه فيها بخطي وكيف سبق إلى ظنه من أن ما كتبته إيماء إليه وتعريض به، وعدت إليه فدعوت له وشكرته، واعتذرت من الشعر الذي كنت كتبته فقال: لا تعتذر فإنا نستحقه إذا لم نقض حقاً ولم نراع صاحبا.
وحدث أبو الفضل الأزدي قال: أخبرنا شاه قال: مر رجل بابن المبارك، وكان يدعي النحو، فوقف عليه وهو راكب دابته يحدثه، فقال له ابن المبارك: أما بلغك الحديث: "لا تتخذوا ظهور داوابكم مجالس" فقال له: مجالساً يا أبا عبد الرحمن فضحك ابن المبارك وقال له: إن مجالس لا ينصرف لأنه على وزن مفاعل، وأنت لم تبلغ هناك بعد فخجل الرجل وانصرف، فكان إذا مر في السوق صاحوا به: لم تبلغ هذا هناك بعد يا أبا فلان فكان قلما يفاجئ الناس ويلاقيهم.
وحدث محمد بن حبيب قال: أخبرني ابن الأعرابي قال: شهد أعرابي عند معاوية بشهادة فقال له: كذبت، فقال: الكاذب المتزمل في ثيابك فقال معاوية: هذا جزاء من عجل.
وحدث محمد بن شجاع قال: قرأ الكسائي في صلاة صلى فيها بهرون الرشيد: "إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون" فقال له الرشيد: يا أبا الحسن في أي لغة هذه؟ قال: يا أمير المؤمنين إنه وقع في نفسي وأنا أقرأ أنه ليس أحد يقوم بالقرآن كقيامي، ولا يقف حدوده وتقطيعه وغريبه ومعانيه وتفصيله وفصله وقوفي، فحين وقع هذا في نفسي ابتليت بما ابتليت به في لساني.
شهد رجل على رجل عند بعض القضاة، فقال المشهود عليه، أيها القاضي تقبل شهادة علي ومعه عشرة آلاف دينار وما حج عمره! فقال له: فاسأله عن زمزم فلم يدر بما يجيب فقال: حججت قبل أن حفرت فلم أرها.
قال الحجاج لعبد الرحمن بن أبي بكرة: ما مالك؟ فقال: لقد ختمت على ألف ألف درهم، ثم على عبد الرحمن أنها سقطة قد زلت من فمه فتداركها مسرعاً معجلاً وقال: ولقد أصبحت وما أملك إلا خاتمي.
وحدث علي بن محمد بن الجهم قال: حدثني أبو العباس محمد بن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال: حدثني أبي عن أحمد بن إسرائيل قال: صرت يوماً إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان، فلما صرت في صحن الدار رأيته مضطجعاً على مصلاه مولياً ظهره باب مجلسه، فهممت بالرجوع، فقال لي الحاجب: ادخل فإنه منتبه، فلما سمع حسي جلس، فقلت: حسبتك نائماً قال: لا، ولكني مفكراً في أمر الدنيا وصلاحها في هذا الوقت واستوائها ودرور الأموال وأمن السبل وعز الخلافة، فعلمت أنها أمكر وأنكر وأعذر من أن يدوم صفاؤها لأحد، وقد شغل قلبي حضور هذا الخاطر ببالي، وخفت عواقب ما وقع في نفسي فما مضى إلا أربعون يوماً حتى قتل المتوكل ونزل به من البغي ما نزل.
وحدثني ابن عبد الله الحميدي قال: أخبرني القاضي أبو الغنائم محمد بن علي بن الدجاجي عن المعافى بن زكريا قال: حدث الحسين بن القاسم الكوكبي قال: حدثنا عسل بن ذكوان قال: حدثنا المازني عن أبي عبيدة قال: تغذى أسد بن عبد الله بخراسان، فأتاه طباخه بشواء فيه يبيس، فقال له: ما هذا؟ قال: إذا كان في الشواء يبيس كان أطيب له قال: صدقت ولكنه ينفعك في الجوذابة وبلغ ذلك خالد بن عبد الله، فكتب إليه خالد: "ما كنت أحب لك هذه الفطنة البخيلة في قولك، ولا أن تبديها لجلسائك، فاقسم المال على ندماتك وجلسائك، ومرهم بالكتمان عليك".
وبالإسناد قال: حدث الحسين بن القاسم الكوكبي قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد قال: حدثنا الأصمعي عن ابن أبي عرفة قال: أملي زياد بن أبيه على كتابه يوماً كتاباً إلى معاوية، وسها فقال عن خاطر خطر بقلبه: "وهذا الرجل عمران بن الفضل البرجمي" فكتب الكاتب، فلما وصل الكتاب إلى معاوية، كتب إلى زياد: "ذكرت في كتابك عمران بن الفضل البرجمي ولم تذكر لهذا الكلام ما تقدمه ولا ما اتصل به" فسأل زياد الكاتب عن ذاك، فقال: ما أعلم، أنت تملي وأنا أكتب فقال زياد. حديث نفس سقط بين كلامي وكتابي، لا تكتبوا كتاباً إلا جعلتم له نسخة في الديوان، فكان ذاك أول وضع النسخ.
وبالإسناد قال: حدثنا محمد بن القاسم الأنباري قال: حدثنا محمد بن المرزبان قال: حدثنا أبو سعيد عبد الله بن شبيب قال: حدثنا أبو عبد الله القرشي قال: حدثنا مصعب بن عبد الله الزبيري قال: قال مالك بن أنس: إن لهؤلاء الشطار ملاحة، صلى واحد منهم خلف رجل، فلما قرأ: "الحمد لله" أرتج عليه، فجعل يقول: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" وردد ذلك دفعات، فقال له ذلك الشاطر من خلفه: والله ما للشيطان ذنب إلا أنك سخين العين ما تحسن تقرأ.
وبالإسناد قال: حدثنا أبو النصر العقيلي قال: حدثنا أبو الحسن بن راهويه قال: صلى يحيى بن المعلى الكاتب فقرأ: "قل هو الله أحد" فغلظ فيها، وكان في المجلس أبو نواس ووالبة بن الحباب وعلي بن الخليل والحسين الخليع، فقال أبو نواس:
أكثرَ يحيى غلطاًفي قل هو الله أحد
فقال والبة:
قام طويلاً ساكتاًحتى إذا أعيا سجد
فقال ابن الخليل:
يزحرُ في محرابهِزحيرَ حبلى للولد
فقال الخليع:
كأنما لسانهُشدَّ بحبلٍ من مسد
وبالإسناد قال: حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري قال: حدثني أبي قال: حدثنا إبراهيم بن سعدان قال: حدثنا الأصمعي عن عبد الله بن صالح قال: قال لي رجل من حارثة بن لام: أضافني رجل من بني تغلب فأحسن ضيافتي، فأفلت من لساني هذا البيت:
والتغلبيّ إذا تنحنح للقرىحكَّ أسته وتمثّل الأمثالا
فخجلت وسقط في يدي، فقال ما هذا بالله انبسط فإنما قلت كلمة مقولة.
وبالإسناد: حدثنا أحمد بن أبي سهل بن عاصم أبو بكر الحلواني قال أبو بكر ختن المبرد: لقيني الأسباطي على الجسر وقد أخذ إسماعيل بن بلبل دور أهل الخلد فقال لي:
بغى وللبغي سهامٌ تنظر
أنفذ في الأكبادِ من وخزِ الإبر
سهامُ أيدي القانتين في السحر
قال: فو الله ما مضت أيام حتى كان من أمر إسماعيل وهلاكه ما كان.
?
ذكر أعرابي أنه شهد الموقف مع عمر بن الخطاب ﵇ فصاح به صائح: يا خليفة رسول الله، ثم قال: يا أمير المؤمنين، فقال رجلي من خلفي: دعاه باسم ميت، مات والله أمير المؤمنين فالتفت إليه فإذا رجل من بني لهب، وهم من بني نضر بن الأزد، وهم أزجر قوم قال كثير:
سألتُ أخا لهبٍ ليزجرَ زجرةًوقد صار زجرُ العالمين إلى لهبِ
قال: فلما وقفنا لرمي الجمار إذا حصاة قد صكت صلعة عمر فأدمته فقال قائل: أشعر والله أمير المؤمنين، والله لا يقف هذا الموقف بعدها فالتفت إليه فإذا هو اللهبي بعينه، فقتل عمر قبل الحول، قدس الله روحه، ونور ضريحه.
وحكى المبرد قال: قال يزيد على المنبر، وقد ذكر عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب: وهذه الضبعة العرجاء، فتحدث الناس بزلته فيها وغلطته، لأن الأنثى يقال لها ضبع والذكر يقال له الضبعان فإذا جمعا قيل ضبعان.
وحدث العباس بن المأمون قال: حدثني المتوكل على الله قال: احتجمت في اليوم الذي توفي فيه الواثق بالله وأنا لا أعلم، فقالت لي أمي: امض إلى أخيك الواثق وعده من مرضه، فقلت لها: أطعميني شيئاً بعقب الحجامة فإنني احس من نفسي بضعف، فقالت: إذا أنت أكلت لم يكن لك لابد من أن تشرب، وهي ساعة، فامض إليه وعده، وعد إلى طعامك وشرابك مطمئناً، ففعلت ودخلت الدار وجلست بحيث كنت أجلس، وفي الموضع باب، فسمعت حركة وراءه، ونظرت من ثقب فيه محمد بن عبد الملك الزيات وإيتاخ ومعهما محمد بن الواثق، وهما يلبسانه الرصافية، فيدخل رأسه فيها لسعته وصغره عنها، فقال أحدهما للآخر: وما يكون إذا لم يلبسها، نعممه وقالا: فما نعمل بجعفر يغنوني قال محمد بن عبد الملك: نقتله في التنور، وقال إيتاخ: بل ندعه في الماء البارد حتى يموت، ولا يبين عليه أثر قتل، فغشى علي لما سمعته من عزمهما في أمري، ولإخراج الدم، وأنني لم آكل شيئاً، وضعفي ثم تحاملت فجلست في موضعي، وجاء ابن أبي داود، فدخل وسمعته يخاطبها بما لم أحصله لما كنت فيه، وخرج بعد ساعة الغلمان الصغار المعروفون بالإيتاخية يتعادون إلي ويقولون لي: مولانا انهض، فلم أحفل بما سمعته ورأيته منهم، وقلت: هؤلاء يخاطبونني على العادة وما يعلمون ما قد أعتزم في حقي، ثم قمت ولم أشكك في أني أدخل لأسلم على الصبي بالخلافة وأبايعه، ثم ينفذ في ما تقرر بينهم فعله معي، ودخلت الحجرة فرأيت السرير خالياً، فسكنت نفسي قليلاً، ثم لقيني ابن أبي داود فقبل يدي وأمسكها إلى أن بلغت السرير، وقال لي: اصعد إلى المكان فقد أهلك الله تعالى له، فلما صعدت وجلست سلم علي بالخلافة، وجاء محمد بن عبد الملك وإيتاخ فسلما علي بها أيضاً، وأخذ ابن أبي داود عليهما البيعة لي، وأدخل القواد والموالي على مراتبهم يسلمون ويبايعون، ورآني ابن أبي داود متغير اللون فقال لي وقد دنا مني ما الخبر مالك؟ فخبرته بحال الحجامة وغلبة الصفراء علي، وقلت: الساعة أموت وتقعون في شغل جديد فعاد إلى موضعه الذي كان قائماً فيه، وقال: يجوز أن يتمم أخذ البيعة في غير هذا الموضع، أخرجوا الناس فأخرجوا، ودعا بصاحب المطبخ وأمره أن يقدم الطعام فقدمه، وتناولت ما أمسك رمقي وعادت به نفسي. ثم سألت عن الحال كيف جرت، فقيل لي: إن محمد بن عبد الملك وإيتاخ تطابقاً على ما سمعته منهما، ووكلا بباب الحجرة من يمنع من دخول ابن أبي داود إليهما حتى يفرغا من تدبيرهما ويحكماه، فلما حضر ابن أبي داود منع، فدفع في صدور الموكلين، وهابوه فلم يراجعوه، ودخل فسلم عليهما وقال لهما: أنا رسول المسلمين إليكما، وهم يقرأون السلام عليكما ويقولون لكما: قد بلغتنا وفاة إمامنا وعند الله نحتسبه، ورحمة الله تعالى ورضوانه، وأنتما المنظور إليكما في هذا الأمر، فمن اخترتما لإمامتنا؟ فقالا: اخترنا محمد بن الواثق! فقال: بخٍ بخٍ ابن أمير المؤمنين، وأحق الناس بميراثه، إلا أنه صغير السن لا يصلح للإمامة، فمن غيره؟ قالا: فلان وفلان وفلان، وهما يقرظان كل واحد ممن يذكرانه ويصفانه إلى أن قالا: وجعفر بن المعتصم يعنياني فقال: رضي المسلمون، اصفقا على يدي، فصفقا، ثم أرسلوا إلى فكان من الأمر ما كان، وبقي ما قاله محمد بن عبد الملك وإيتاخ في نفسي، فقلتهما بما اعتزما قتلي به، وعلمت أن ذلك القول الذي كان منهما وسمعته من القدر الطريف والاتفاق العجيب فيما بدر من لسانهما واطلعت عليه من سرهما، ووقع في نفسي أن الله تعالى وقفني عليه وأعلمنه وأسمعنيه من حيث لم أظنه ولم يظنا لأكافئهما به وأجازيهما عليه عما انتشر من لعنتهما وشرهما وتجبرهما، فقتلت ابن عبد الملك في التنور، وإيتاخ بالماء البارد، فسبحان الله ما أطرف هذا الاتفاق وأعجبه.
ذكر المبرد أن يزيد بن عبد الملك قال يوماً: إن الدنيا لم تصف لأحد يوماً قط، فإذا خلوت يومي هذا فاطووا عني الأخبار، ودعوني ولذتي وما خلوت به، ودعا بحبابة فقال: اسقيني وغنيني، فخلوا في أطيب عيش، فتناولت حبابة حبة رمان فتركتها في فيها، فغصت بها، فماتت، فجزع يزيد جزعاً أذهله، ومنع من دفنها، حتى قال له مشايخ بني أمية: هذا عيب لا يستقال، وإنما هذه جيفة فأذن في دفنها، وتبع جنازتها، فلما ووريت قال: أمسيت والله فيك كما قال كثير:
فإن تسلُ عنكِ النفسُ أو تدعِ الهوىفباليأسِ تسلو عنكِ لا بالتجلّد
وكل خليلٍ راءني فهو قائلٍمن أجلكِ هذا هامةُ اليومِ أو غدِ
فتطير عليه من هذا التمثل، فمات بعد خمسة عشر يوماً.
وحدثني أبو عبد الله الحميدي قال: أنبأنا القاضي أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر القضاعي بمصر قال: أنبأنا أبو مسلم الكاتب قال: أنبأنا أبو بكر بن دريد قال: أنبأنا الحسن بن خضر عن أبيه عن كاتب عيسى بن علي عن إبراهيم بن خالد بن مخرمة قال: كنت يوماً عند مسلمة بن عبد الملك بن مروان وقد زاره عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وكان مصافياً له، فاستؤذن لرجل من أهل الحيرة على مسلمة، وقيل: قد حضر في مظلمة، وهو جار ضيعتك بمكان كذا فأذن له، فدخل فإذا برجل طويل القامة ضخم اللحية جهم الوجه، قد أخذ عارضاه ما بين منكبيه، وبلغ عثنونه سرته، وعليه ممطر فيه حشد ثلاثة مماطر في يوم صائف، فو الله ما هو إلا أن طلع فمشى وتقرح وخطر بيديه، فرأيت مسلمة يلاحظه ويعاتب نفسه على إيصاله، فسلم وذكر حاجته بنهر وضجيج ولغط وتخليط فقال له مسلمة: اجلس. فجلس فقال له: ما كنيتك؟ قال: أبو العجنس، فقال: ما اسمك؟ قال: صهاب ابن حيان، وأبدى يسراه فإذا فص خاتمه مثل الإبهام الغليظ، وعليه أسطار، فلما رآه مسلمة لم يصبر آن قال له: أرى فصك ضخماً كبيراً، وأرى عليه سطوراً، فما هي؟ قال: فدفعه غلي لأقرأ ما عليه، لأنه لم يعلمه ولا يحسن أن يقرأه، فإذا عليه: صهاب أبو العجنس يؤمن بالواحد الأحد الصمد، وبالنبي الأمي محمد، ويسأل الله حياة سعادة وموت شهادة، إنه على كل شيء قدير" فضحك عبد الله وضحك، وتبسم مسلمة، ثم قال لحاجبه: اقض حاجته وأحسن ضيافته، فلما انصرف قال مسلمة: ما بعد كنيته وعظم لحيته ونقش خاتمه شك لمعتبر.
وحدث أبو بكر بن دريد قال: أنبأنا أبو حاتم قال: حدثنا الأصمعي أن أعرابياً كثر عياله، فتوجه بهم إلى خيبر لوبائها وقال:
قلتُ لحمّى خيبر استعدّيهذا عيالي فاجهدي وجدّي
وباكري بصالبٍ ووردِأعانكِ الله على ذا الجندِ
فحُمَّ هو ومات، وسلموا وعادوا إلى موضعهم ورجعوا.
وحدث ابن دريد قال: أنبأنا أبو عثمان عن الثوري عن الأصمعي قال: حدثنا عيسى بن عمر قال: كان عندنا رجل لحانةٌ، فلقي لحانة مثله، فقال: من أين أقبلت؟ فقال: من عند (أهلونا)! فتعجب منه وحسده، وقال له: أنا أعلم من أين أخذتها، من قول الله تعالى: "شغلتنا أموالناوأهلونا".
وذكر أبو زيد الأنصاري قال: كنت ببغداد، فأردت الانحدار إلى البصرة فقلت لابن أخي: اكتر لنا سميرية، فجعل يقول: يا معشر (الملاحون)، فقلت له: ويلك ما تقول؟ فقال: جُعلت فداك، أنا مولع بالنصب! فضحكت منه وقلت: أتقنت. فقال: ماذا؟ قلت: اللحن!
وحدَّث أيوب بن محمد قال: سمعت بشر بن عبد الوهاب قال: كان يجلس إلى عمود في مسجد دمشق رجل جميل الهيئة، يظهر العبادة، فرأيته يوماً وقد سجد وهو يقول في سجوده سجد لك خضرتي وحمرتي وصفرتي وسوادي وبياضي خاضعاً ضارعاً خاشعاً ماصَّ بظر أمه! ومن أنا عبدك ابن عبدك الزاني ابن الزانية حتى لا تغفر له!.
وحدَّث عيسى بن هلال بدمشق قال: حدثنا أبو حيوة شريح ابن يزيد قال: كان سعيد بن سنان أبو مهدي مؤذن الجامع بحمص، وكان شيخاً صالحاً، ويسحر الناس في شهر رمضان، ويقول في تسحيره إياهم: يا أهل حمص اسخنوا قديراتكم، وعجلوا عجلوا في أكلكم قبل أن أؤذن فيسخِّم الله وجوهكم!
وحدّث النصر بن شميل قال: حدّث عبد الجبار بن سعيد المساحقي عن أبيه قال: دخل عبد الله بن الزبير على معاوية وعنده جماعة من قريش، فأوسع له معاوية حتى جلس معه على سريره، فلما انصرف قال له مروان بن الحكم: لله درك من رئيس قبيلةٍ تضع كبيرهم وترفع صغيرهم! فثقلت على معاوية وقال له:
نفس عصامٍ سوَّدت عصاما
وعرف مروان بن معاوية ذاك فضاحكه وقال: والله يا أمير المؤمنين ما قلتها إلا مازحاً! فقال: أترسلها شعثاً غبراً ثم تتبعها ضحكة يا مروان! فأخذ يعتذر إليه ويحلف له، فقال له: ما أغناك عن كلام تحتاج بعده إلى مثل هذا الاعتذار!
أنفذ عبد الله بن علي إلى السفاح مشيخة من أهل الشام يطرفه بعقولهم واعتقادهم وأنهم حلفوا لأنهم ما علموا أن لرسول الله ﷺ قرابة يرثونه غير بني أمية حتى وليتم أنتم!.
وقال هرون: حدثني يعقوب عن أبي الطريح ابن اسماعيل عن أبيه قال: كان المهاجر بن عبد الله الكلابي أشرف عربي في زمانه، وكان لأم ولدٍ وعاملاً على اليمامة من قبل بني أمية وبني العباس أربعين سنة. وكان يؤتى في الدية والحمالة من كل مكان فلا يرد أحداً إلا بحاجته، فبينا هو جالسٌ يوماً في منظرة له إذ رأى خمسين راكباً من قومه قد طلعوا عليه قاصدين إليه في زي جميل ومراكب ورواحل، فسره ذلك منهم، وأمر لهم بدار كبيرة وجعلها برسمهم، وبطعامٍ كثيرٍ يُصنع لهم، ودخل عليهم، وجعل يحييهم ويقبل عليهم فرحلً بهم وسروراً بما رأى من تجملهم وهيئتهم، وأتي بالطعام فجلس معهم يؤاكلهم ويحادثهم ويؤانسهم ويبسطهم، وهو لا يشك أنهم جاؤوه في دية أو حمالة وقعت عليهم، أو مغرمٍ ثقيل لزمهم، فقال لهم: حياكم الله وأنعم بكم عيناً يا بني عمي، ما حاجتكم فقد قضاها الله تعالى؟ قالوا: إن ابن عم لك أصاب رجلاً من طائفة العشيرة فقتله، وهو ابن أم ولد، وقد خفنا أن يأخذ ابن صريحة فيكون لهم الفضل علينا، وليس بنا ابن أم ولد غيرك، فنحن نحب أن ننقاد معنا ندفعك إلى القوم فيقتلوك ويصلح الله تعالى هذا الأمر بك، ولا يكون لهم على عشيرتك فضل! فلما سمع ذلك منهم قام عنهم، ودعا صاحب الشرطة فأخبره الخبر، وأمره أن يجلس لهم الصبيان في السكك معهم البعر، ثم يحملهم على رواحلهم، محولة وجوههم إلى أذنابها، ويأمر الصبيان بأن يرجموهم بالبعر وينثروه عليهم حتى يخرجهم من البلد، ففعل ذلك بهم.
وبلغ الأمين أن يعقوب بن المهدي لا يقيم نسبة، فدعاه وقال له: انتسب، فقال: أنا يعقوب بن المهدي، فقال: ابن من؟ فلم يعلم، فأمر به وحمل على الفيل، وحلف لا ينزله حتى يحفظ نسبه!
وكان خارجة بن زيد إذا صلى الجمعة انصرف إلى داره فجلس فيها، وأتته الأنصار طراً، أهل العوالي وغيرهم، مسلمة عليه كما يسلم على أمير المدينة، تعظيماً له وتشريفاً، وكان يأمر ليلة الجمعة بالماء يبرد في القرب، ويسقاه الناس بالعسل بعد صلاة الجمعة في عساس عظام من خيشاني، ونضارتها من الحسن والعظم ما لا غاية بعدها؛ وكان أبو عبد الله القراظ فارسياً سبي في خلافة عمر بن الخطاب، وله جواب منكر لا يطاق، وقد اسن، وخلقته مضطربة: له أذنان عظيمتان ورأس كبير وآراب منكرة، وكان ينصرف فيمن ينصرف بعد الجمعة إلى دار خارجة، فيشرب، فإذا رآه خارجة رحب به وأمر بتعجيل الشراب عليه، وإن رآه أحد أولاده فعل به كفعل أبيهم؛ فجلس يوماً إلى جنبه فتى من الأوس من ولد عبد الله بن نفيل بن الحارث، فلم تجز له، فإنه جعل يهزأ به ويقول للساقي: اسقِ الشيخ ماء فإنه لا حاجة له في العسل، ويضحك به؛ فقال له أبو عبد الله: من أنت يا فتى؟ قال: من الأنصار، قال: مرحباً بالأنصاري، فأي الأنصار أنت؟ قال: أنا فلان بن الحارث بن عبد الله بن نفيل بن الحارث، فقال: يا فتى تدري من الأنصار؟ قال: نعم وأنا وقومي، فقال له: أما جدك فلم ينصر، أعلمت ما نزل فيه من القرآن؟ أتدري ما فعلت سورة براءة بأبيك؟ فضحته! هي الفاضحة له المبدية لمساوئه! فاستحيا الفتى وأراد أنم يقوم، فقال له: كما أنت أزيدك، اعلم أني شيخ مجرب صحبت سعد بن أبي وقاص سنين في السفر والحضر، وغيره من الصحابة! لا تهزأن بالشيوخ .. فضار الفتى إذا لقيه أكرمه واعتذر إليه وقال له: لم أعرفك! فيقول له القراظ: ليس هذا بعذرٍ، لا تسيئن إلى أحد عرفته أو أنكرته!
النص من طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع