تجاوز إلى المحتوى

من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)

حكايات عن البهائم

روي أن أرنبا وثعلبا تحاكما إلى الضبّ فقالا جئناك لتحكم بيننا يا أبا الحسل. قال:

في بيته يؤتي الحكم. فقال الأرنب: إني جنيت ثمرة. فقال: حلوا جنيت. فقال: إن هذا

أخذها منّي. فقال لنفسه بغى الخير، فقال: وإني لطمته. فقال: البادئ أظلم. فقال:

فلطمني. قال: كريم أنتظر فقال أحكم بيننا. فقال: حدث حديثين امرأة فإن لم تفهم فأربعا يعني وفي طريقته في الحكم.

وحكى أن عدي بن أرطأة بن إياس بن معاوية، قاضي البصرة جلس في مجلس حكمه وعدي أمير، وكان أعرابي الطبع. فقال له: يا هناة أين أنت؟ قال: بينك وبين الحائط. قال: فاسمع منّي، قال: للاستماع جلست. قال: إني تزوجت امرأة قال: بالرفاء والبنين، فقال: وشرطت لأهلها أن لا أخرجها من بينهم، فقال الشرط أملك أوف لهم به.

قال: وأنا أريد الخروج. قال: في حفظ الله. قال فاقض بيننا قال: قد فعلت.

وقيل: إن الثعلب نظر إلى عنقود فلم ينله فقال إنه حامض:

أيها العائب سلمىأنت منها كثعاله
رام عنقودا فلمّاأبصرا العنقود طاله
قال في هذا حامضلمّا رأى أن لا يناله

روى أن ضبعا صادت ثعلبا فقال لها: منّي عليّ أم عامر، قالت: اختر خصلتين إما أن آكلك أو أخصيك. فقال لها: تذكرين يوم نحكتك قالت: لا. فانفتح فوها فأفلت الثعلب فضربت العرب المثل: قالت: عرض على خصلتي الضبع.

وزعموا أن الفيل والحمار تجمّعا في مرعى فطرد الفيل الحمار، فقال: لم تطردني وبيننا رحم؟ قال: وما هي؟ قال: إن في غرمولى شبها من خرطومك، فقبل منه.

بلع ذئب عظما وبذل لكركي أجرة على أن يخرج العظم من حلقه، فأدخل الكركي رأسه فأخرج العظم ثم قال للذئب: هات الأجرة فقال: أنت لم ترض أن أدخلت رأسك في فم الذئب ثم أخرجته سالما حتى تطلب الأجرة أيضا.

وقيل للحمار: لم لا تجتر؟ قال: أكره مضغ الباطل. وهذا كمثل الأعرابي لما أرمي إليه علك فقال: تعب الحنجرة وخيبة المعدة.

لقي كلب أصبهاني كلبا رازيا بالريّ فقال له: ما أطيب أصبهان إني أرى الخبّازين يرمون بالرغفان على قارعة الطريق. فقال الكلب الرازي: لا أعمل خيرا من الخروج إلى أصبهان. فلما خرج أوّل ما لقي دكان خبّاز من الطريق الذي يشرع إليّ دولكاباذ فجاز بها، وأخذ الخباز يطرح الخبز على الوجه والكلب أخذ يأكل. فنظره الخبّاز فأحمى السفود ومدّه إلى خرطومه وتناول سبخة يرميه بها، فقال الكلب: عليّ هذا السعر.

تصاحب ثعلبان فلقيا أسدا فقال أحدهما للآخر: ما الحيلة؟ فقال: عليّ الحيلة. فقال الأسد: ما الخبر؟ فقالا: إنا ورثنا أغناما من أبينا ونريد أن نقسمها بيننا. قال: أين هي؟

قالا: قريب. فتبعهما حتّى أتيا إلى مجرى ماء يخرج من بستان، فقال أحدهما للآخر:

أدخل فأخرج الأغنام. فدخل فأبطأ فقال أخوه: أنظر إلى بطنه حتى أدخل أخرجه من الغنم. فدخل وجلس الأسد ينتظر فصعدا إلى السطح فقالا: اذهب فقد اصطلحنا. فغضب الأسد وزأر فقالا: لا تكن باردا فما رأينا من يغضب من صلح الخصمين غيرك.

اشتكى الأسد فعاده السباع كلها إلا الثعلب. فقال الذئب: أنظر إلى الثعلب كيف استخف بك؟ فلم يأتك. وتطاير الخبر إلى الثعلب فأتاه، فقال له الأسد: يا ابن الفاعلة تأخرت عن الخدمة. فقال: إني مذ بلغني مرضك كنت في طلب دواء لك حتّى وجدته.

قال: وما هو؟ قال: لا يصلح إلا مرارة الذئب فقال وأنّى لي بذلك؟ فقال أنا آتيك به، فإذا أتاك فاقتله وتنال مرارته. فأتاه به فقفز إليه الأسد فأفلت وعدا بدمه فتبعه الثعلب. فقال: يا صاحب السراويل الأحمر، إذا جلست عند الملوك فاعقل كيف تتكلم؟ وقيل للثعلب:

أتحمل كتابا إلى الكلب وتأخذ مائة دينار؟ فقال: أما الكراء فواف، ولكن الخطر عظيم.

ووقع ثعلبان في شرك صياد فقال: أحدهما للآخر: أين نلتقي يا أخي؟ فقال: في الفرّايين بعد ثلاث.

ودخل كلب مسجدا فبال في المحراب، وكان هناك قرد، فقال له: أما تستحي تبول في المحراب؟ فقال: ما أحسن ما صوّرك حتى تتعصب له.

وزعموا أن أسدا وذئبا وثعلبا اشتركوا فيما يصيدون فاصطادوا حمارا وظبيبا وأرنبا.

فقال: الأسد للذئب: اقسم بيننا واعدل. فقال: أما الحمار فلك، وأما الظبي فلي، وأما الأرنب فللثعلب فغضب الأسد وضربه ضربة أندر رأسه، فوضعه بين يديه. ثم قال للثعلب: أقسم بيننا وأعدل. فلما رأى الثعلب ما صنع بالذئب خشي أن يصيبه مثله، فقال: أما الحمار فلك تتغذى به، وأما الأرنب فخلالا تتخلل به فيما بينك وبين الليل، وأما الظبي فلك تتعشى به. فقال له الأسد: ويحك يا ثعلب ما ينبغي لك إلا أن تكون قاضيا من علّمك هذا القضاء؟ قال: الرأس الذي بين يديك.

نظر سقراط إلى شوك في الماء وعليه حيّة، فقال: ما أشبه الملاح بالسفينة.

وزعموا أن البازي قال للديك: ما أرى في الأرض أقل وفاء منك قال: وكيف؟ قال:

أخذك أهلك بيضة فحضنوك ثم خرجت على أيديهم وأطعموك في أكفهم، ونشأت بينهم حتى إذا كبرت صرت لا يدنو منك أحد إلا طرت ههنا وههنا، وصحت وصوّت وأخذت أنا من الجبال فعلّموني وألفوني ثم يخلّى عنّي فآخذ صيدي في الهواء فأجيء به إلى

صاحبي. فقال له الديك: إنك لو رأيت من البزاة في سفافيدهم مثل الذي رأيت أنا من الديوك كنت أنفر مني؟ وفي أمثال الهند أن ثعلبا قيض على أرنب فقال له الأرنب: والله ما هذا لقوتك ولكن لضعفي.

وقف جدي على سطح فمرّ به ذئب فأخذ الجدي يشتمه فقال: لست تشتمني إنما يشتمني المكان الذي تحصنت به.

كانت أفعى نائمة فوق حزمة شوك فحملها السيل، فقال ذئب لا تصلح هذه السفينة إلا لهذا الملاح.

أراد ثعلب أن يصعد على حائط فتعلق بعوسجة فعقرت يده فأخذ يلومها فقالت: يا هذا قد أخطأت حين تعلقت بي ومن عادتي أن أتعلق بكل شيء.

وقف كلب على قصّاب فأخذ يكثر النبح فقال له: إن ذهبت، وإلا ضربت رأسك بهذه القطعة من اللحم، وتشاغل عنه فوقف الكلب ينتظر ثم قال: تضرب رأسي بشيء ولا أمر.

دخلت فأرة الحمام فلما خرجت رأت سنورا فقال لها طاب حمامّك فقالت: لو لم أرك يا ابن البظراء.

وقيل: إن جملا وحمارا توحشّا فوجدا مرعى خاليا يرتعان فيه، فقال الحمار يوما وقد بطرا: إني أريد أن أغنّي. فقال الجمل: اتق الله فينا فإني أخشى أن ينذر بنا فنؤخذ، قال: لا بد ثم نهق فسمعته قافلة مارة فأخذوهما. فأبى الحمار أن يمشي فحمل على الجمل، فمرّوا به في عقبه. فقال الجمل: إني طربت لغناك المتقدّم وأريد أن أرقص رقصة. فقال الحمار اتق الله إني أسقط فلا تفعل فرقص فأسقط الحمار فوقصه.

قال وهب: قال النمر اللهم إن جلدي الذي خلق على أثر من تزين به بقدر أن يترك عليه.

بعث ابن هبيرة إلى المنصور في الحرب: بارزني فامتنع فقال: لأسبقن امتناعك ولأعيرنك به. فقال: مثلنا في ذلك مثل خنزير قال الأسد: قاتلني، فقال: لست بكفؤي ومتى قتلتك لم يكن لي عزّ بقتل خنزير. فقال الخنزير لأخبرن السباع بنكولك فقال:

احتمال تعيرك أهون من التلطخ بدمك.

النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الحد الخامس والعشرون في فنون مختلفة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.