من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن جهور الْأَزْدِيّ المرسي
ماذا روى «الوافي بالوفيات» عن ابْن جهور الْأَزْدِيّ المرسي؟
مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن جهور الْأَزْدِيّ أَبُو بكر من أهل مرسية كَانَ أحد أدبائها ونبهائها من شعره وَقد رأى امْرَأَة سافرة فغطت وَجههَا بكفها المخصوب السَّرِيع
فاجأتها كالظبي فِي سربهفاحتجبت بالكف والمعصم
وَقد بدا الوشى بأطرافهافأقصرت عَن لومها لومي
قَالُوا وَقد دلههم حبهامن طوق البلار بالعندم
قلت جرت من مقلتي دمعةفاختضبت أنملها بِالدَّمِ
هَذَا الْمَعْنى مطروق مبذول متداول مر وَهُوَ بِجَزِيرَة شقر بِأَرْض حَمْرَاء لِابْنِ مرج الْكحل غير صَالِحَة للعمارة فَقَالَ يداعبه الْبَسِيط
يَا مرج كحل وَمن هذي المروج لَهُمَا كَانَ أحْوج هذي الأَرْض للكحل
مَا حمرَة الأَرْض عَن طيب وَعَن كرمفَلَا تكن طَمَعا فِي رزقها الْعجل
لَكِن شيمتها أَخْلَاق صَاحبهَافَمَا تفارقها كَيْفيَّة الخجل
فَأَجَابَهُ الْبَسِيط)
يَا قَائِلا إِذْ رأى مرجى وحمرتهمَا كَانَ أحْوج هذي الأَرْض للكحل
تِلْكَ الدِّمَاء الَّتِي للروم قد سفكتفِي الْفَتْح بيض ظَبْي أجدادي الأول
أحببتها إِذْ حكت من قد كلفت بِهِفِي حمرَة الخد أَو إخلافه أمْلى
الصاحب تَاج الدّين ابْن حنا مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَليّ ابْن مُحَمَّد بن سليم الْمصْرِيّ الصاحب تَاج الدّين أَبُو عبد الله ابْن الصاحب فَخر الدّين ابْن الْوَزير بهاء الدّين ابْن حنا ولد سنة أَرْبَعِينَ وَتُوفِّي سنة سبع وَسبع مائَة وَسمع من سبط السلفى جُزْء الذهلي وَمن الشّرف المرسي وبدمشق من ابْن عبد الدَّائِم وَمن ابْن أبي الْيُسْر حدث بِدِمَشْق وبمصر وانتهت إِلَيْهِ رئاسة عصره بمصره وَكَانَ ذَا تصون وسودد وَمَكَارِم وشكل حسن وبزة فاخرة إِلَى الْغَايَة يتناهى فِي المطاعم والملابس والمناكح والمساكن وَمَعَ ذَلِك صدقاته كَثِيرَة وتواضعه وافر ومحبته فِي الْفُقَرَاء والصلحاء زَائِدَة وَهُوَ الَّذِي اشْترى الْآثَار النَّبَوِيَّة على مَا قيل بستين ألف دِرْهَم وَجعلهَا فِي مَكَانَهُ بالمعشوق وَهُوَ الْمَكَان الْمَنْسُوب إِلَيْهِ بالديار المصرية وَقد زرت هَذِه الْآثَار فِي مَكَانهَا ورأيتها وَهِي قِطْعَة من العنزة ومرود ومخصف وملقط وَقطعَة من قَصْعَة وكحلت ناظري برؤيتها وَقلت أَنا الْكَامِل
أكْرم بآثار النَّبِي مُحَمَّدمن زارها استوفى السُّعُود مزاره
يَا عين دُونك فألحظي وتمتعيأَن لم تريه فَهَذِهِ آثاره
وَرَأى من الْعِزّ والرئاسة والوجاهة والسيادة مَا لَا رَآهُ جده الصاحب بهاء الدّين حكى لي القَاضِي شهَاب الدّين مَحْمُود ﵀ وَغير وَاحِد أَن الصاحب فَخر الدّين ابْن الخليلي لما لبس تشريف الوزارة توجه من القلعة بالخلعة إِلَى عِنْد الصاحب تَاج الدّين وَجلسَ بَين يَدَيْهِ وَقبل يَده فَأَرَادَ أَن يجْبرهُ ويعظم قدره فَالْتَفت إِلَى بعض غلمانه أَو عبيده وَطلب مِنْهُ توقيعاً بمرتب يخْتَص بذلك الشَّخْص فَأَخذه وَقَالَ مَوْلَانَا يعلم على هَذَا التوقيع فَأَخذه وَقَبله وَكتب عَلَيْهِ قدامه وَكَانَ الشَّيْخ فتح الدّين ابْن سيد النَّاس ﵀ إِذا حكى ذَلِك يَقُول وَهَذِه الْحَرَكَة من الصاحب تَاج الدّين بِمَنْزِلَة الْإِجَازَة والإمضاء لوزارة ابْن الخليلي وَمن أحسن حَرَكَة اعتمدها مَا حَكَاهُ لي القَاضِي شهَاب الدّين ابْن فضل الله قَالَ اجتزت بتربته فَرَأَيْت فِي داخلها مكتباً للأيتام وهم يَكْتُبُونَ الْقُرْآن فِي ألواحهم فَإِذا أَرَادوا مسحها غسلوا الألواح وسكبوا ذَلِك على قَبره فَسَأَلت عَن ذَلِك فَقيل لي هَكَذَا شَرط فِي هَذَا الْوَقْف وَهَذَا مقصد حسن وعقيدة صَحِيحَة وَكَانَ الصاحب بهاء الدّين يؤثره على أَوْلَاده لصلبه ويعظمه أَخْبرنِي)
القَاضِي شهَاب الدّين ابْن فضل الله قَالَ أَخْبرنِي قَاضِي الْقُضَاة جلال الدّين الْقزْوِينِي ﵀ قَالَ وقفت على إِقْرَار الصاحب بهاء الدّين بِأَنَّهُ فِي ذمَّته للصاحب تَاج الدّين ولأخيه مبلغ سِتِّينَ ألف دِينَار مصرية وَمن وجاهته وعظمته فِي النُّفُوس أَنه لما نكب على يَد الشجاعي جرده من ثِيَابه وضربه مقرعة وَاحِدَة فَوق قَمِيصه وَلم يَدعه النَّاس يصل
إِلَى أَكثر من ذَلِك مَعَ جبروت الشجاعي وعتوه وتمكنه من السُّلْطَان وَكَانَ لَهُ شعر حسن من ذَلِك مَا كتبه إِلَى السراج الْوراق يعزيه عَن حمَار سقط فِي بِئْر فنفق من أَبْيَات الْكَامِل
يفديك جحشك إِذْ مضى متردياًوبتالد يفْدي الأديب وطارف
عدم الشّعير فَلم يجده وَلَا رأىتبناً وَرَاح من الظما كالتالف
وَرَأى البويرة غير جَاف مَاؤُهَافَرمى حشاشة نَفسه لمخاوف
فَهُوَ الشَّهِيد لكم بوافر فَضلكُمْهذي المكارم لَا حمامة خاطف
قوم يَمُوت حمارهم عطشا لقدازروا بحاتم فِي الزَّمَان السالف
قَوْله لَا حمامة خاطف أَشَارَ إِلَى أَبْيَات ابْن عنين الَّتِي مدح الإِمَام فَخر الدّين الرَّازِيّ وَقد جَاءَت حمامة فَدخلت حجره هربا من جارح كَانَ خلفهَا وَسَيَأْتِي ذَلِك فِي تَرْجَمَة فَخر الدّين الرَّازِيّ وأجابه الْوراق بقصيدة على وَزنهَا فِي غَايَة الْحسن مَوْجُودَة فِي ديوانه أَولهَا الْكَامِل
أدنت قطوف ثمارها للقاطفوثنت بِأَنْفَاسِ النسيم معاطفي
مِنْهَا فِيمَا يتَعَلَّق بِذكر الْحمار الْكَامِل
وَلكم بَكَيْت عَلَيْهِ عِنْد مرابعومراتع رَشَّتْ بدمعي الذارف
يُمْسِي على عسرى ويسرى صَابِرًابمعارف تلهيه دون معالف
وَقد اسْتمرّ على القناعة يَقْتَدِيبِي وَهِي فِي ذَا الْوَقْت جلّ وظائفي
وَدعَاهُ للبئر الصدى فَأَجَابَهُواعتاقه صرف الْحمام الآزف
وَهُوَ المدل بألفة طَالَتْ وَمَاأنسى حُقُوق مرابعي ومآلفي
وموافقي فِي كل مَا حاولتهفِي الدَّهْر غير مواقفي ومخالفي
(دوران سَاقيه لطاحون لنقل المَاء فِي شات وَيَوْم صَائِف)
لَكِن بِمَاء الْبِئْر رَاح بنقلهقتلته شامات بِمَوْت جارف
وَمِمَّا ينْسب إِلَى الصاحب تَاج الدّين الطَّوِيل)
توهم واشينا بلَيْل مزارنافجَاء ليسعى بَيْننَا بالتباعد
فعانقته حَتَّى اتخذنا تلازماًفَلم ير واشينا سوى فَرد وَاحِد
ونظم يَوْمًا الصاحب تَاج الدّين الطَّوِيل
توافى الْجمال الفائزي وَأَنهلخير صديق كَانَ فِي زمن الْعسر
وَأمر السراج الْوراق بإجازته فَقَالَ الطَّوِيل
فيا رب عَامله بالطافك الَّتِييكون بهَا فِي الفائزين لَدَى الْحَشْر
وَبعث الصاحب إِلَى السراج وَقد ولد لَهُ ولد صلَة وَثلثا حريرياً وَكتب مَعَ ذَلِك أبياتا خَمْسَة
أَولهَا الوافر
بعثت بهَا وبالثلث الرفيع فَأَجَابَهُ الْوراق بِأَبْيَات أَولهَا الوافر
سرت من جَانب الْعِزّ الرفيعإِلَيّ بِطيب أنفاس الرّبيع
مصرعة كَأَنِّي الْيَوْم مِنْهَاولجت على حبيب والصريع
دَعونَا الْخَمْسَة الأبيات سِتالسبع علقت فَوق الْجَمِيع
فدينا من هباتك مذهباتكَانَ محوكها قطع الرّبيع
تزيد بلمس كفك حسن وشىكحسن الرَّوْض بالغيث الهموع
بِمَا أَحييت للنفساء نفساولي مَعهَا وللطفل الرَّضِيع
وَقد سمنت كيسى بعد ضعفبِهِ الْتَقت الضلوع مَعَ الضلوع
وَهَذَا الثَّالِث من هَذِه الأبيات بديع فِي الْغَايَة وَمن شعر الصاحب تَاج الدّين مَا قَالَه ملغزا فِي الْورْد الطَّوِيل
ومعركة أبطالها قد تخضبتأكفهم من شدَّة الضَّرْب عِنْدَمَا
لَهُم عِنْدهَا نَار وللنار عنبرتأجج حَتَّى يتْرك الْورْد أدهما
وَقَوله يمدح الشَّيْخ خضر الهكاري الطَّوِيل
وحزت بميدان الْعِبَادَة غَايَةتذكرني يَوْم السباق ابْن أدهما
وَله موشح مَشْهُور بَين أهل مصر الْتزم فِيهِ الْحَاء قبل اللَّام فِي أقفاله وَهُوَ مجزوء الرجز
قد انحل الْجِسْم أسمر أكحلوأوحل الْقلب فِيهِ مذ حل
يمِيلوَعنهُ لَا أميل
يحولوَعنهُ لَا أَحول
)
أَقُولإِذا زَاد بِي النحول
أما حل عقد الصدود ينْحلويرحل عَن نجمي المزحل
برغميكم يستبيح ظلمي
وَيَرْمِيبحربه لسلمى
وجسميمَعَ الْتِزَام سقمي
منحل وَقد غَدا مزحلفَلم حل سفك دمي وَمَا حل
متوجبالْحسنِ هَذَا الأبهج
مدبجعذاره البنفسج
مفلجيرنو بِطرف أدعج
مكحل وريقه المنحلمفحل بالعنبر المحلحل
كم أبعدوَكم أَبيت مكمد
ويعمدبهجره لَا يفقد
ويجهدفِي ارتضاء من قد
تمحل والحاسدون دحلوَمحل والوعد مِنْهُ أمحل
قلانيواشتط هَذَا الحاني
رمانيفِي عشقه زماني
خلانيأَشْكُو لمن يراني
قد انحل الْجِسْم أسمر أكحلوأوحل الْقلب فِيهِ مذ حل
ونظم يَوْمًا الصاحب تَاج الدّين بَيْتا وَهُوَ الطَّوِيل
أَلا قَاتل الله الْحَمَامَة أَنَّهَاأذابت فؤاد الصب لما تغنت
وَقَالَ للسراج أجزه فَقَالَ قصيدة أَولهَا الطَّوِيل
أطارحها شكوى الغرام وبثهفَمَا صدحت إِلَّا أجبْت بآنة
أَخْبرنِي الشَّيْخ الْعَلامَة أثير الدّين أَبُو حَيَّان قِرَاءَة مني عَلَيْهِ قَالَ اجْتمعت بِهِ وَسمعت عَلَيْهِ شَيْئا من الحَدِيث وأنشدني من لَفظه لنَفسِهِ الْكَامِل
وَلَقَد أَبيت على أغر أدهمعبل الشوى كالليل إِذْ هُوَ مظلم
)
وبكفي الْيُمْنَى قناة لدنةكالأفعوان سنانها مِنْهُ الْفَم
مُتَقَلِّدًا عضباً كَانَ متونهبرق تلألأ أَو حريق مضرم
وعَلى سابغة الذيول كَأَنَّهَاسلخ كسانيه الشجاع الأرقم
وعَلى المفارق بَيْضَة عَادِيةكالنجم لَاحَ وَأَيْنَ مِنْهَا الأنجم
فالرعد من تصهال خيلي والسنابرق الأشعة والرذاذ هُوَ الدَّم
اشْترى فرسا من الْعَرَب فأقامت عِنْده فِي الْحَاضِرَة ثمَّ إِنَّه عبر بهَا على بيُوت الْعَرَب فجفلت فَقَالَ
الطَّوِيل نسيت بيُوت الشّعْر يَا فرسي وَقدربيت بهَا وَالْحر للْعهد ذَاكر
وَلَكِن رأيتيها بِنَجْد وَأَهْلهَاعلى صفة أُخْرَى فعذرك ظَاهر
فِي الثَّانِي عيب لِأَنَّهُ لحن من كَونه أشْبع حَرَكَة الكسرة فِي رَأَيْتهَا حَتَّى نشأت يَاء قَالَ الشَّيْخ أثير الدّين ونظمت أَنا فِي هَذَا الْمَعْنى فَقلت الطَّوِيل
عجبت لمهري إِذْ رأى الْعَرَب نكباكَأَن لم يكن بَين الأعاريب قد رَبًّا
أجل لَيْسَ نكراً للفريق وَإِنَّمَاتخوف عتباً مِنْهُم فتجنباً
قلت التصريع فِي الْبَيْتَيْنِ لَيْسَ بمليح وَكَانَ يتعاطى الفروسية ويحضر الْغَزَوَات ويتصيد بالجوارح وَالْكلاب وَقد مدحه الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة شهَاب الدّين مَحْمُود ﵀ بقصيدة عدتهَا أَزِيد من ثَمَانِينَ بَيْتا وَهِي روايتي عَنهُ بِالْإِجَازَةِ أَولهَا الْكَامِل
أَعلَى فِي ذكر الديار ملامأم هَل تذكرها عَليّ حرَام
أم هَل أَذمّ إِذْ ذكرت منازلاًفارقتها وَلها عَليّ ذمام
مِنْهَا فِي مدح الصاحب تَاج الدّين الْكَامِل
وشجاعة مَا عَامر فِيهَا لَهُقدم وَلَا عَمْرو لَهُ إقدام
ثَبت الْجنان إِذا الفوارس أحجمتخوف الردى لم يثنه إحجام
وبكفه فِي جحفل أَو محفلتزهى الرماح السمر والأقلام
وَحكى لي الْمشَار إِلَيْهِ سيادة كَثِيرَة شَاهدهَا مِنْهُ من ذَلِك أَنه قَالَ دخلت يَوْمًا إِلَيْهِ فلقيني إِنْسَان نسيت أَنا اسْمه وَمَعَهُ قصيدة قد امتدحه بهَا فَقَالَ لي يَا مَوْلَانَا لي مُدَّة وَلم يتَّفق لي إِلَى الصاحب وُصُول فأخذتها وَدخلت إِلَيْهِ وَقلت بِالْبَابِ شَاعِر قد مدح مَوْلَانَا الصاحب فَقَالَ يدْخل فَأعْطَاهُ القصيدة فأنشدها وَلم يمْتَنع من سماعهَا كَمَا يَفْعَله بعض النَّاس فَلَمَّا فرغت أَخذهَا مِنْهُ ووضعها إِلَى جَانِبه وَلم يتَكَلَّم وَلَا)
أَشَارَ فَحَضَرَ خَادِم وَمَعَهُ مبلغ مِائَتي دِرْهَم وتفصيلة فَدَفعهَا إِلَيْهِ قلت وَهَذَا غَايَة فِي الرِّئَاسَة من سماعهَا وَعدم قَوْله أَعْطوهُ كَذَا أَو إِشَارَة إِلَى من يحضر فيسر إِلَيْهِ وَقيل عَنهُ أَن جَمِيع أَحْوَاله كَذَا لَا يُشِير بِشَيْء وَلَا يتَكَلَّم بِهِ فِي بَيته وكل مَا تَدْعُو الْحَاجة إِلَيْهِ يَقع على وفْق المُرَاد وَحكى لي أَنه أضَاف جده يَوْمًا ووسع فِيهِ فَلَمَّا عَاد إِلَى بَيته أَخذ النَّاس يعْجبُونَ من همته وكرم نَفسه فَقَالَ الصاحب بهاء الدّين لَيْسَ مَا ذكرتموه بعجيب لإن نَفسه كَرِيمَة ومكنته متسعة وَالْعجب العجيب كَونه طول هَذَا النَّهَار وَمَا أحضرهُ من المشروب والمأكول من الطَّعَام والفاكهة والحلوى وَغير ذَلِك على اخْتِلَاف أَنْوَاعه مَا قَامَ من مَكَانَهُ وَلَا دَعَا خَادِمًا فَأسر إِلَيْهِ وَلَا أَشَارَ بِيَدِهِ وَلَا بطرفه وَلم يَجِيء إِلَيْهِ أحد من خدمه وَلَا أَشَارَ وَقيل أَن النَّاس تعجبوا على كثرتهم وشربهم المَاء مبرداً فِي كيزان عَامَّة ذَلِك النَّهَار فَسئلَ عَن ذَلِك فِيمَا بعد فَقَالَ اشترينا خمس مائَة كوز وبعثنا إِلَى الْجِيرَان قَلِيلا قَلِيلا بردوا ذَلِك فِي الباذهنجات الَّتِي لَهُم وَلَا شكّ فِي أَنه كَانَ عَليّ الهمة ممجداً مسوداً وَلَكِن لم يكن لَهُ دربة وَالِده فِي تَنْفِيذ الوزارة فَإِنَّهُ وَليهَا مرَّتَيْنِ وَمَا أَنْجَب وَكَانَ لَهُ إِنْسَان مُرَتّب مَعَه حمام كحمام البطائق مدرب إِذا خرج من بَاب القرافة أطلق مَا مَعَه من الْحمام فيروح إِلَى الدَّار الَّتِي لَهُ فَيعلم أَهله بِأَنَّهُ قد خرج من القلعة فيرمون الططماج والملوخية وَغير ذَلِك من أَنْوَاع المطجن وَمَا شابهه حَتَّى إِذا جَاءَ وجد الطَّعَام حَاصِلا والسماط ممدوداً وَقد سمع مِنْهُ الشَّيْخ شمس الدّين الذَّهَبِيّ أَيْضا وجالسه وأنشده شعره وَاعْتَكف فِي مأذنة عَرَفَات
بِجَامِع مصر ثَلَاثَة أَيَّام فَقَالَ السراج الْوراق الطَّوِيل
ثَلَاثَة أَيَّام قطعت لطولهاثَلَاث شديدات من السنوات
حجبن محيا الصاحب ابْن مُحَمَّدلِتجمع بَين الْحسن والحسنات
وَمَا كَاد قلبِي أَن يقر قرارهلِأَنِّي بِمصْر وَهُوَ فِي عَرَفَات
وَقَالَ السراج أَيْضا لما عمر الصاحب تَاج الدّين جَامع دير االطين الطَّوِيل
بنيتم على تقوى من الله مَسْجِداوَخير مباني العابدين الْمَسَاجِد
وأعلن داعيه الْأَذَان فبادرتاجابته الصم الْجبَال الجلامد
ونالت نواقيس الديارات وجمةوَخَوف فَلم يمدد إلَيْهِنَّ ساعد
تبْكي عَلَيْهِنَّ البطاريق فِي الدجىوَهن لديهم ملقيات كواسد
بذا قَضَت الْأَيَّام مَا بَين أَهلهَامصائب قوم عِنْد قوم فَوَائِد
البيتان الأخيران للمتنبي من قصيدته الْمَشْهُورَة وَأهْدى إِلَيْهِ عسلاً مسعودياً فَقَالَ الطَّوِيل)
من الظّرْف رد الظّرْف ممتلئاً حمداًكَمَا جَاءَ فِي نعماك ممتلئا رفدا
مِنْهَا الطَّوِيل
أَتَانِي مَسْعُود بِهِ لون عرضهبَيَاضًا جلا من حالك الْحَال مَا اسودا
وَكنت لسيعاً من زماني وَصَرفهفبدلني من سمه الْقَاتِل الشهدا
فأدنيت من أبعدتها لَا قلى لَهَاوَلَكِن من الْأَشْيَاء مَا يُوجب البعدا
فَإِن رفع الدَّاعِي يَدَيْهِ فَهَذِهِبأربعها تَدْعُو وتستفرغ الجهدا
وَقَالَ أَيْضا يمدحه بقصيدة أَولهَا الْكَامِل
أتروم صبري دون ذَاك الريمهَيْهَات لمت عَلَيْهِ غير ملوم
لَو شاهدت عَيْنَاك مَا شاهدتهلرجعت فِي أَمْرِي إِلَى التَّسْلِيم
مخضر آس واحمرار شقائقأَنا مِنْهُمَا فِي جنَّة ونعيم
ومعاطف من دونهن روادفأَنا مِنْهُمَا فِي مقْعد ومقيم
سل طرفه عَن شعره الداجي فَلميُخْبِرك عَن طول الدجى كسقيم
يَا غُصْن قامته إِلَيْك تحيتيمَعَ كل ماطرة وكل نسيم
إِن الْجمال لَهُ بِغَيْر مُنَازعوالوجد لي فِيهِ بِغَيْر قسيم
وَكَذَا الْعلَا لمُحَمد بن مُحَمَّد بن عليّ بن مُحَمَّد بن سليم
نسب كمطرد الكعوب فَلَا ترىإِلَّا كَرِيمًا ينتمي لكريم
مِنْهَا الْكَامِل
وشبيبة حرس التقى أطرافهافلهَا مَحل الشيب فِي التَّعْظِيم
وَإِذا تحرمت الْمسَائِل باسمهجلى عَن التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم
إِن قَالَ لَا يَخْلُو فَمَا من عِلّةتبقى لصِحَّة ذَلِك التَّقْسِيم
إِمَّا إِذا جارى أَخَاهُ أحمداًشاهدت بحرى نائل وعلوم
بحران إِن شِئْت الندى نجمان إِنشِئْت الْهدى غوثان فِي الأقليم
وَأرْسل إِلَيْهِ ديوكاً مخصية فاستبقاهن فَأرْسل إِلَيْهِ دجَاجَة كَبِيرَة فَقَالَ المتقارب
فديت الديوك بِذبح عَظِيموأنقذتها من عَذَاب اليم
فنارى لَهُم مثل نَار الْخَلِيلونارك لي مثل نَار الكليم
)
وَذُو الْعرف بِاللَّه فِي جنَّةفَكُن واثقاً بالأمان الْعَظِيم
لقد أنست لي دَار بهموَمن قبلهم أَصبَحت كالصريم
مَشوا كالطواويس فِي ملبسبهى البرود بهيج الرقوم
كَأَنِّي أشاهدهم كالقضاةبسمت عَلَيْهِم كسمت الْحَلِيم
وَإِلَّا أزمة دَار غَدَتْبهم حرما آمنا كالحريم
وَلَا فرق بيني وَبَين الخصىفَلم لَا أَرَاهُم بِعَين الْحَمِيم
وَنعم الْفِدَاء لَهُم قد بعثتمن القانتات ذَوَات الشحوم
أعدن الشَّبَاب إِلَى مطبخيوَقد كَانَ شَاب لحمل الهموم
وعادت قدوري زنجيةفأعجب بزنجية عِنْد رومي
وَطَالَ لِسَان لناري بِهِخصمت خطوباً غَدَتْ من خصومي
وأمسيت ضيفك فِي منزليوَمن فِيهِ ضيف لضيف الْكَرِيم
ثمَّ خرج إِلَى الْمَدْح وَأدْخل الْمِيم على ضمير الديكة وَإِن كَانَت لمن يعقل لِأَنَّهُ نزلها منزلَة من يعقل وَإِمَّا اسْتِعَارَة الشَّبَاب والشيب للمطبخ فَمن أحسن الْكِنَايَات عَن الطَّبْخ وَعَدَمه وَقَوله زنجية عِنْد رومي ظرف فِيهِ إِلَى الْغَايَة لإن السراج ﵀ كَانَ أشقر أَزْرَق وَله نظم فِي ذَلِك وَهُوَ قَوْله الرجز
وَمن رَآنِي وَالْحمار مركبيوزرقتي للروم عرق قد ضرب
قَالَ وَقد أبْصر وَجْهي مُقبلالَا فَارس الْخَيل وَلَا وَجه الْعَرَب
وَلما قدم من غَزْوَة حمص سنة ثَمَانِينَ وست مائَة امتدحه الْحَكِيم شمس الدّين مُحَمَّد بن دانيال بقصيدة أَولهَا الطَّوِيل
تذكرت سعدى أم أَتَاك خيالهاأم الرّيح قد هبت إِلَيْك شمالها
مِنْهَا الطَّوِيل
لقد أقبل الصَّدْر الْوَزير مُحَمَّدفَأَقْبَلت الدُّنْيَا وسر وصالها
مِنْهَا
الطَّوِيل بغى آبغا لما تصرع أَهلهبدار هوان قد عراهم نكالها
وألقوا عَن الأفراس حَيْثُ رؤوسهمأكاليلها فَوق التُّرَاب نعالها
وَكَانَت لَهَا تِلْكَ الذوائب فِي الثرىشكالاً وثيقاً يَوْم حل شكالها
)
فأمسوا فراشا والأسنة شرعذبال إِلَى أَن أحرقتم ذبالها
وَقَالَ نَاصِر الدّين حسن بن النَّقِيب يهجوه المنسرح
يحْتَاج ذَا التَّاج من يرصعهبدرة تَحت دالها كَسره
فَمن رأى عُنُقه الطَّوِيل وَلَاينزل فِيهِ يَمُوت بالحسرة
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع