من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أَبُو جلنك الشَّاعِر
أَحْمد بن أبي بكر شهَاب الدّين أَبُو جلنك الْحلَبِي الشَّاعِر الْمَشْهُور بِالْعشرَةِ والنوادر والفضيلة وَفِيه همة وشجاعة نزل من قلعة حلب للإغارة على التتار فَوَقع فِي فرسه سهم فَوَقع وَبَقِي رَاجِلا وَكَانَ ضخماً فأسروه وأحضر بَين يَدي مقدم التتار فَسَأَلَهُ عَن عَسْكَر الْمُسلمين فكثرهم)
وَرفع شَأْنهمْ فَضرب عُنُقه سنة سبع مائَة يُقَال إِنَّه دخل إِلَى الْموصل
وَقصد الطَّهَارَة وعَلى بَابهَا خَادِم لَهُ أكيال وَهُوَ مرصد لمن يدْخل يناوله كيل مَاء للاستنجاء فَدخل على عَادَة الْبِلَاد وَلم يعلم بالأكيال فَلَمَّا تقدم إِلَى الدُّخُول إِلَى بَيت الْخَلَاء صَاحب بِهِ ذَلِك الْخَادِم وَقَالَ قف خُذ الْكَيْل فَقَالَ أَنا أخرأ جزَافا فبلغت الْحِكَايَة صَاحب الْموصل فَقَالَ هَذَا مطبوع وَطلب أَبَا جلنك ونادمه وَأَخْبرنِي من لَفظه القَاضِي جمال الدّين بن سُلَيْمَان بن رين قل لازمنا مُدَّة وَكَانَ ينتبه نصفا من اللَّيْل فيكرر على محافظيه وَمِنْهَا مُخْتَصر ابْن الْحَاجِب ثمَّ يشبب ويزمزم فَإِذا أصبح تَوَضَّأ وَصلى الصُّبْح وأنشدني قَالَ أَنْشدني من لَفظه لغزاً فِي مَسْعُود
اسْم الَّذِي أهواه فِي حُرُوفهمَسْأَلَة فِي طيها مسَائِل
خمساه فعل وَهُوَ فِي تصحيفهمُبين وَالْعَكْس سم قَاتل
تضيء عبد الْعَصْر إِن جِئْت بِهِمكرراً من عكسك الْمنَازل
وَهُوَ إِذا صحفته مكرراًفَاكِهَة يلتذ مِنْهَا الْآكِل
وَهُوَ إِذا صحفته جَمِيعهوصف امْرِئ يعجب مِنْهُ الْعَاقِل
وَفِيه طيب مطرب وطالماهَاجَتْ على أَمْثَاله البلابل
قلت لغز جيد ومقاصد حَسَنَة إِلَّا أَن فِي قَوْله وَهُوَ إِذا صحفته جَمِيعه الْبَيْت تسامحاً لِأَن المشعبذ لَا يُقَال فِيهِ مشعوذ لِأَن الشعبذة بِالْبَاء لَا بِالْوَاو وأنشدت لَهُ مضمناً فِي أقطع وَهُوَ فِي غَايَة الْحسن
وَبِي أقطع مَا زَالَ يسخو بِمَالِهوَمن جوده مَا رد فِي النَّاس سَائل
تناهت يَدَاهُ فاستطال عطاؤهاوَعند التناهي يقصر المتطاول
وَقَالَ الشَّيْخ يحيى الخباز فِيمَا عبد إنَّهُمَا لَهُ وأنشدني العلاّمة أثير الدّين أَبُو حَيَّان من لَفظه قَالَ أنشدنا الْعَلامَة عَلَاء الدّين عَليّ بن عبد الْملك بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الْحلَبِي قَالَ أنشدنا أَبُو جلنك لنَفسِهِ
أَتَى العذار بِمَاذَا أَنْت تعتذروَأَنت كالوجد لَا تبقي وَلَا تذر
لَا عذر يقبل إِن نم العذار لواينجيك من خَوفه بَأْس وَلَا حذر
كأنني بوحوش الشّعْر قد أنستبوجنتيك وبالعشاق قد نفروا
وَكلما مر بِي مرد أَقُول لَهُمقفوا نظرُوا وَجهه هَذَا الْحر واعتبروا
)
وأنشدني بالسند الْمَذْكُور وَكَانَ قد مدح قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين أَحْمد بن خلكان فَوَقع لَهُ برطلي خبز وَكتب ذَلِك على بستانه
لله بُسْتَان حللنا دوحهفِي جنَّة قد فتحت أَبْوَابهَا
والبان تحسبه سنانيراً رَأَتْقَاضِي الْقُضَاة فنفشت أذنابها
قلت بَلغنِي أَن الشَّيْخ بدر الدّين ابْن مَالك وضع على هذَيْن الْبَيْتَيْنِ كراسة فِي البديع وأنشدني بالسند الْمَذْكُور لَهُ أَيْضا لَا تحسبن خضابها النامي على الْقَدَمَيْنِ بالمتكلف الْمَصْنُوع
لَكِنَّهَا بالهجر خاضت فِي دميفتسربلت أَقْدَامهَا بنجيعي
وأنشدت لَهُ جعلتك الْمَقْصد الْأَقْصَى وموطنك الْبَيْت الْمُقَدّس من روحي وجثماني
وقلبك الصَّخْرَة الصماء حِين قستقَامَت قِيَامَة أشواقي وأشجاني
أما إِذا كنت ترْضى أَن تقاطعنيوَأَن يزورك ذُو زور وبهتان
فَلَا يغرنك نَار فِي حشاي فَمنوَادي جَهَنَّم تجْرِي عين سلوان
قلت ألطف من هَذَا قَول الْقَائِل
أيا قدس حسن قلبه الصَّخْرَة الَّتِيقست فَهِيَ لَا ترثي لصب متيم
وَيَا سؤلي الْأَقْصَى عَسى بَاب رَحْمَةفَفِي كبد المشتاق وَادي جَهَنَّم
وأنشدت لأبي جلنك أَيْضا
وشادن يصفع مغرى بِهِبراحة أندى من الوابل
فَصحت فِي النَّاس أَلا فاعجبوابَحر غَدا يلطم فِي السَّاحِل
وأنشدني أثير الدّين قَالَ أَنْشدني عَلَاء الدّين عَليّ بن سيف الدّين سكن قِرَاءَة عَلَيْهِ قَالَ أنشدنا أَبُو جلنك لنَفسِهِ
مَاذَا على الْغُصْن الميال لَو عطفاوَمَال عَن طرق الهجران وانحرفا
وَعَاد لي عَائِد مِنْهُ إِلَى صلةٍحسبي من الشوق مَا لاقيته وَكفى
صفا لَهُ الْقلب حَتَّى لَا يمازجهشَيْء سواهُ وَأما قلبه فصفا
وزارني طيفه وَهنا ليؤنسنيفاستصحب النّوم من عَيْني وانصرفا
)
ورمت من خصره برءاً فزدت ضنىوطالب الْبُرْء وَالْمَطْلُوب قد ضعفا
حكى الدجى شعره طولا فحاكمهفَضَاعَ بَينهمَا عمري وَمَا انتصفا
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع