من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن الصّلاح الطَّبِيب
أَحْمد بن مُحَمَّد بن السّري نجم الدّين أَبُو الْفَتْح الْمَعْرُوف بِابْن الصّلاح كَانَ فَاضلا فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة جيد الْمعرفَة مطلعاً على دقائقها فصيح اللِّسَان مليح التصنيف متميزاً فِي صناعَة الطِّبّ وَكَانَ عجمياً أَصله من همذان أَقَامَ ببغداذ واستدعاه حسام الدّين تمرتاش بن إيلغازي بن أرتق إِلَيْهِ وأكرمه غَايَة الْإِكْرَام وَبَقِي فِي صحبته مُدَّة ثمَّ توجه إِلَى دمشق وَلم يزل بهَا مُقيما إِلَى أَن توفّي فِي نَيف وَأَرْبَعين وَخمْس مائَة وَكَانَ ابْن الصّلاح قد اسْتعْمل شمشكاً بغداذياً وَسَأَلَ عَن صانع مجيد فدلّ على رجل يُقَال لَهُ سَعْدَان الإسكاف فَاسْتعْمل الشمشك عِنْده وَلما فرغ مِنْهُ بعد مُدَّة وجده ضيق الصَّدْر زَائِد الطول رَدِيء الصَّنْعَة فَبَقيَ فِي أَكثر الْأَوْقَات يستعيبه ويستقبحه وَيَلُوم الَّذِي اسْتَعْملهُ وَبلغ ذَلِك الشَّيْخ أَبَا الحكم المتطبب فَقَالَ على لِسَانه هَذِه القصيدة على سَبِيل المجون
مصابي مصابٌ تاه فِي وَصفه عَقْلِيوأمري عجيبٌ شَرحه يَا أَبَا الْفضل
أثبك مَا بِي من أسى وصبابةٍوَمَا قد لقِيت فِي دمشق من الذلّ
قدمت إِلَيْهَا جَاهِلا بأمورهاعلى أنني حوشيت فِي الْعلم من جهل
وَقد كَانَ فِي رجْلي شمشكٌ فخاننيعَلَيْهِ زمانٌ لَيْسَ يحمد فِي فعل
فَقلت عَسى أَن يخلف الدَّهْر مثلهوهيهات أَن أَلْقَاهُ فِي الْحزن والسهل
ولاحقني نذلٌ دهيت بِقُرْبِهِفَللَّه مَا لاقيت من ذَلِك النذل
فَقلت لَهُ يَا سعد جد لي بحاجةٍتحوز بهَا شكرا مبراً على مثلي
بحقي عَسى تستنخب الْيَوْم قِطْعَةمن الْأدم المدبوغ بالعفص والخل
فَقَالَ على رَأْسِي وحقك واجبٌعلى كل إنسانٍ يرى مَذْهَب الْعقل
)
فناولته فِي الْحَال عشْرين درهماوسوّفني شَهْرَيْن بالفع والمطل
فَلَمَّا قضى الرَّحْمَن لي بنجازهوَقلت ترى سَعْدَان أنْجز لي شغلي
أَتَى بشمشكٍ ضيق الصَّدْر أحنفٍبكعبٍ غَدا حتفاً على الكعب وَالرجل
وبشتيكه بشتيك سوءٍ مقاربٌأضيف إِلَى فعلٍ شبيهٍ بِهِ فسل
بشكلٍ على الأذهان يعسر حلّهويعيي ذَوي الأرباب وَالْعقد والحلّ
وكعبٍ إِلَى القطب الشماليّ مائلٍووجهٍ إِلَى القطب الجنوبي مستعلي
وَمَا كَانَ فِي هندامه لي صحةٌوَلَكِن فسادٌ شاع فِي الْفَرْع وَالْأَصْل
موازاة خطي جانبيه تخالفافجزءٌ إِلَى علوٍ وجزءٌ إِلَى سفل
بوصلٍ ضروريٍ وَقد كَانَ مُمكنالعمرك أَن يَأْتِي الشمشك بِلَا وصل
وَفِيه اختلالٌ من قياسٍ مركّبفَلَا ينْتج الشّرطيّ مِنْهُ وَلَا الحملي
فَلَا شكله القطاع مِمَّا يَلِيق أَنأصون بِهِ رجْلي فَلَا كَانَ من شكل
وَلَا جنس إيساغويه بينٌ وَلَايحدّ لَهُ نوعٌ إِذا جِيءَ بِالْفَصْلِ
فسادٌ طرا فِي شكله عِنْد كَونهفَقل أيّ شيءٍ عَن مقابحه يسلي
وَقد كَانَ فِيهِ قوةٌ لمرادنافأعوزنا مِنْهُ الْخُرُوج إِلَى الْفِعْل
وَلَو كَانَ معدول الْكَمَال احتملتهوَلَكِن سلبت الْحسن فِي الْجُزْء وَالْكل
فيا لَك من إِيجَاب مَا الصدْق سلبهوَعدل قضايا جَاءَ من غير ذِي عدل
وَمَا عازني فِيهِ اختلال مقولةٍفجوهركم والكيف والكمّ فِي خبل
وَأي القضايا لم يبن فِيهِ كذبهَاوَأي قياسٍ لَيْسَ فِيهِ بمعتلّ
لقد أعوز الْبُرْهَان مِنْهُ شرائطٌتجانسه ثمَّ الضَّرُورِيّ والكلي
إِذا خطّ فِي شمسٍ فمخروط باشهكملتفتٍ يُبْدِي انحرافاً إِلَى الظل
وطبطب فِي رجليّ والصيف مَا انْقَضىفَكيف بِهِ إِن صرت فِي الطين والوحل
فأوهلني حَتَّى بقيت مغيّباًوَلم يبْق لي سَعْدَان يَا صَاح من عقل
وَفِي كلّ ذَا قد بَان نقف دماغهفأهون بشخص نَاقص الْعقل مختلّ
وأخرب ببيتٍ مِنْهُ فِي الْخلق مَا يرىسَرِيعا وَأولى بالهوان وبالأزل
واقليدسٌ لَو عَاشَ أعيا انحلالهعَلَيْهِ لأنّ الشكل مُمْتَنع الحلّ
)
فحينئذٍ أَقْسَمت بِاللَّه خالقيوهودٍ أخي عادٍ وشيثٍ وَذي الكفل
وَسورَة يسٍ وطه ومريمٍوصادٍ وحمٍ ولقمان والنمل
لَئِن لم أجد فِي المزلقان ملاسةًتوافي كراعي لَا جَعَلْنَاهُ فِي حلّ
وَلَا قلت شعرًا فِي دمشق وَلَا أرىأعاتب إسكافاً بجدٍّ وَلَا هزل
دهيت بِهِ خلا ينغص عيشتيفَلَا بَارك الرَّحْمَن لي فِيهِ من خلّ
وَكم آلم الإسكاف قلبِي بمطلهولاقيت مَا لاقاه مُوسَى من الْعجل
وَكَانَ أرسطاليس يدهى بمعشرٍيرومون مِنْهُ أَن يُوَافق فِي الْهزْل
وبقراط قد لَاقَى أموراً كَثِيرَةوَلكنه لم يلق فِي أَهله مثلي
وَقد كَانَ جالينوس إِن عضّ رجلهشمشكٌ يدواي العقد بالمرهم النخلي
وقسطا بن لوقا كَانَ يحفى لأجل ذَاوَمَا كَانَ يصغي فِي حفاه إِلَى عذل
وَكَانَ أَبُو نصرٍ إِذا زار معشراًوَضاع لَهُ نعلٌ يروح بِلَا نعل
وأرباب هَذَا الْعلم مَا فتئوا كَذَايقاسون مَا لَا يَنْبَغِي من ذَوي الْجَهْل
كَذَلِك إِنِّي مذ حللت بجلّقنَدِمت فأزمعت الرُّجُوع إِلَى أَهلِي
وَلَو كنت فِي بغداذ قَامَ بنصرتيهُنَالك أقوامٌ كرامٌ ذَوُو نبل
وَمَا كنت أَخْلو من وليٍّ مساعدٍوَذي رغبةٍ فِي الْعلم يكْتب مَا أملي
فيا لَيْتَني مستعجلاً طرت نَحْوهَاوَمن لي بِهَذَا وَهُوَ ممتنعٌ من لي
فَفِي الشَّام قد لاقيت ألف بليةٍفيا لَيْت أَنِّي مَا حططت بهَا رحلي
على أنني فِي جلّقٍ بَين معشرٍأعاشر مِنْهُم معشراً لَيْسَ من شكلي
فأقسم مَا نوء الثريا إِذا همىوجاد على الْأَرْضين دائمة الْمحل
وَلَا بَكت الخنساء صخراً شقيقهاوأدمعها فِي الخدّ دائمة الهطل
بأغزر من دمعي إِذا مَا رَأَيْتهوَقد جَاءَ فِي رجليّ منحرف الشكل
وأمرضني مَا قد لقِيت لأَجلهفيا لَيْت أَنِّي قد بقيت بِلَا رجل
فَهَذَا وَمَا عددت بعض خصالهوَكَيف احتراسي من أذيته قل لي
وَمن عظم مَا قاسيت من ضيق باشهأَخَاف على جسمي من السقم والسل
فيا لشمشك مذ تأمّلت شكلهعلمت يَقِينا أَن موجبٌ قَتْلِي
)
ويوقعني فِي علةٍ مَا إخال أَنيخلّصني مِنْهَا بزرٌ وَلَا مغلي
وينشد من يَأْتِيهِ نعيي بجلّقٍبِنَا مِنْك فَوق الرمل مَا بك فِي الرمل
فَلَا تعجبوا مِمَّا دهاني فإننيوجدت بِهِ مَا لم يجد أحدٌ قبلي
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع