تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

المستعين بِاللَّه العباسي

)

أَحْمد بن مُحَمَّد بن هَارُون أَمِير الْمُؤمنِينَ أَبُو الْعَبَّاس

المستعين بن المعتصم بن الرشيد ابْن الْمهْدي بن الْمَنْصُور ولد سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وبويع فِي شهر ربيع الآخر سنة ثمانٍ وَأَرْبَعين عِنْد موت الْمُنْتَصر ابْن المتَوَكل واستقام لَهُ الْأَمر واستوزر أَبَا مُوسَى أوتامش بِإِشَارَة شُجَاع بن الْقَاسِم ثمَّ قَتلهمَا ثمَّ استوزر صَالح بن شيرازاذ فلّما قتل وصيف وبغا باغراً التركيَّ الَّذِي قتل المتَوَكل تعصب الموَالِي وتنكروا لَهُ فخاف وَانْحَدَرَ من سرّ من رأى إِلَى بغداذ فأخرجوا المعتز بِاللَّه من الْحَبْس وَبَايَعُوهُ وخلعوا المستعين وبنوا الْأَمر على شُبْهَة وَهِي أَن المتَوَكل بَايع لِابْنِهِ المعتز بعد الْمُنْتَصر وأخرجوا الْمُؤَيد بِاللَّه إِبْرَاهِيم بن المتَوَكل ثمَّ إِن المعتز جهّز أَخَاهُ أَحْمد لِحَرْب المستعين واستعد المستعين وَابْن طَاهِر للحصار وتجرد أهل بغداذ لِلْقِتَالِ ودام أشهراً وغلت الأسعار ببغداذ ودام الْبلَاء وَصَاح أهل بغداذ فالجوع فانحل أَمر المستعين لما كَاتب ابْن طَاهِر للمعتز وَعلم أهل بغداذ بالمكاتبة فانتقل المستعين إِلَى الرصافة وخلع المسعتين نَفسه وأحدر إِلَى وَاسِط تَحت الحوطة وَأقَام بهَا مسجوناً ثمَّ إِنَّه ردّ إِلَى سرّ من رأى فَقتل بقارسيتها فِي ثَالِث شَوَّال سنة اثْنَيْنِ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَقيل ليومين بقيا من شهر رَمَضَان وَله إِحْدَى وَثَلَاثُونَ سنة

كَانَ مَرْبُوع الْقَامَة أَحْمَر الْوَجْه خَفِيف العارضين بِمقدم رَأسه طول وَكَانَ حسن الْوَجْه والجسم بِوَجْهِهِ أثر جدري عبل الْجِسْم وَكَانَ يلثغ بِالسِّين نَحْو الثَّاء وَأمه أمُّ ولد وَكَانَ مُسْرِفًا مبذراً للخزائن وَيُقَال أَنه قيل لَهُ اختر أيَّ بلد تكون فِيهِ فَاخْتَارَ وَاسِط فَلَمَّا أحدروه قَالَ لَهُ فِي السَّفِينَة بعض أَصْحَابه لأي شَيْء اخترتها وَهِي شَدِيدَة الْحر فَقَالَ مَا هِيَ بأحر من فقد الْخلَافَة وَأورد لَهُ المرزباني فِي مُعْجم الشُّعَرَاء لما خلع

كلُّ ملكٍ مصيره لذهابغير ملك الْمُهَيْمِن الوهّاب
كلُّ مَا قد ترى يَزُول ويفنىويجازى الْعباد يَوْم الْحساب

وَقَالَ لما استفحل أَمر المعتز

أستعين الله فِي أمري على كلَّالعباد
وَبِه أدفَع عنّيكيد باغٍ ومعادي

وَأورد لَهُ صَاحب الْمرْآة

أَحْبَبْت ظَبْيًا ثمينكَأَنَّهُ غثن تين

)

بِاللَّه أَي عَالمينمَا فِي الثما مثلمين
من لامني فِي هَوَاهُشوّكته بالعجين

قلت يُرِيد

أَحْبَبْت ظَبْيًا سمينكَأَنَّهُ غُصْن تين
بِاللَّه أَي عَالمينمَا فِي السما مُسلمين

قلت وَلَا فِي الأَرْض لأَنهم اتخذوك خَليفَة وأظن هَذَا منحولاً وَقيل إِنَّه كَانَ يَأْمر المغنين أَن يغنوا لَهُ بِهَذَا الشّعْر وأشباهه فيتضاحكون مِنْهُ ويتغامزون عَلَيْهِ وصنع يَوْمًا هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وهما

شربت كأساً أذهبتعَن ناظريَّ الخمرا
فنشّطتني وَلَقَدكنت حَزينًا خاثرا

ثمَّ إنّه قَالَ لَهُم بِاللَّه أجيزوهما فَقَالَ أحدهم

هَذَا خرا هَذَا خرَاهَذَا خرَا هَذَا خرَا

وَكَانَ للطف أخلاقه يحْتَمل ذَلِك مِنْهُم وَكَانَ يَقُول لَهُم ويومىء بِيَدِهِ إِلَى الْبَاب أَي شيىء تَصْحِيف بَاب فَيَقُولُونَ لَا نَدْرِي فَيَقُول لم لَا تَقولُونَ بَاب فَيَقُولُونَ بِسم الله عَلَيْك وَيَقُول أَي شَيْء تَصْحِيف مخدَّة وَيَضَع يَده خلف ظَهره على المخدة فَيَقُولُونَ لَا نعلم فَيَقُول لم لَا تَقولُونَ مخدة فَيَقُولُونَ بِسم الله عَلَيْك

وَكَانَ السَّبَب فِي توليه أَن الأتراك لّما قتلوا الْمُنْتَصر خَافُوا من تَوْلِيَة الْخلَافَة لأحد أَوْلَاد المتَوَكل فَيَأْخُذ بثأر أَبِيه وأخيه فولّوا المستعين وَكَانَ خاملاً يرتزق بالنسخ وَلَيْسَ بِابْن خَليفَة وَلم يلٍ الْخلَافَة من لَا هُوَ ابْن خَليفَة من الْمَنْصُور إِلَيْهِ إلاّ هُوَ وَلما جَاءَهُ الْأَمر بَغْتَة تطلع إِلَيْهِ قَالَ جَاءَ لطف الله بِالْأَمر الَّذِي لَا أرتجيه فعلي الْيَوْم أَن أَقْْضِي حقّ الله فِيهِ وأعداؤه رَوَوْهُ أَنه قَالَ حق الشّرْب فِيهِ ولّما وَردت خلَافَة المستعين إِلَى مصر أحضر الْوَالِي بهَا المنجمين وَقَالَ انْظُرُوا فِي طالعه وَمُدَّة عمره فنظروا فِي طالع الْوَقْت فَقَالَ لَهُم الْجمل الشَّاعِر لَا تتعبوا أَنا أعلم بعمره وأيامه قَالُوا كم يعِيش قَالَ مَا شَاءَ بغا وأوتامش ووصيف)

فارتج الْمجْلس بالضحك

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من من اسْمه أَحْمد

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.