من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
بهاء الدّين ابْن غَانِم
أَبُو بكر بن مُحَمَّد بن غَانِم ذكر تَمام نسبه فِي تَرْجَمَة أَخِيه أَحْمد بن مُحَمَّد هُوَ أحد الْإِخْوَة كَانَ كَاتب إنْشَاء بطرابلس ثمَّ حضر إِلَى دمشق وَكتب الدرج قُدَّام الصاحب شمس الدّين ثمَّ)
لما عزل زين الدّين عمر بن حلاوات من توقيع صفد توجه بهاء الدّين إِلَيْهَا وَأقَام بهَا تَقْدِير تسع سِنِين فَلَمَّا توفّي زين الدّين ابْن حلاوات بطرابلس سنة سبع وَعشْرين وَسبع مائَة جهز بهاء الدّين إِلَى طرابلس كَاتب سر عوضه وَلم يزل بهَا إِلَى سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَسبع مائَة فَتوفي فِي هَذِه السّنة رَحمَه الله تَعَالَى وَكَانَ حسن الشكل لطيف الْعشْرَة عَلَيْهِ أنس فِي السماع وَله حَرَكَة فِي الرقص وَكَانَ قد حصل لَهُ ميل إِلَى طقصبا وَهُوَ صبي يُغني وَكَانَ يعْمل بِهِ السماعات ويرقص على غنائه وَيحصل لَهُ وجد عَظِيم
أَنْشدني من لَفظه لنَفسِهِ
لَا ترجى مَوَدَّة من مغنفمعنّى الْفُؤَاد من يرتجيها
أبدا لَا تنَال مِنْهُ وداداًوَلَك السَّاعَة الَّتِي أَنْت فِيهَا
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
كدت أبلى ببليهمن جفون بابليه
فتكت فِي الْقلب لَكِنكَانَت التَّقْوَى تقيه
وأنشدني لنَفسِهِ
يَا من غَدا مشتغلاًعَمَّن بِهِ يشْتَغل
بَيْتك قلبِي وَهُوَ منهجرك لي يشتعل
وأنشدني لنَفسِهِ فِي بدر الدّين ابْن الخشاب وَشرف الدّين ابْن كسيرات وَكَانَ لَهُ عذبة
يَا ماعراً صفداً مذ حل منصبهاوَحل بالشد عقدا من مآثرها
دقَّتْ بدرة نحس لَا خلاق لَهُأما ترَاهَا علت أكتاف ناظرها
وأنشدني لنَفسِهِ
يَا سيداً حسنت مَنَاقِب فَضلهفعلت بِمَا فعلت على الْآفَاق
حاشاك تكسر قلب عبد لم يزلتوليه حسن صنائع الإشفاق
هَب أَنه أخطا وأذنب مرّةمولَايَ أَيْن مَكَارِم الْأَخْلَاق
وجهز إِلَيّ من طرابلس وَأَنا بِدِمَشْق وَقد تَأَخَّرت مكاتباتي عَنهُ ثَلَاثَة أوصال وَرقا أَبيض وَكتب فِي ذيلها وَلم يكْتب غير ذَلِك
سُبْحَانَ من غير أَخْلَاق منأحسن فِي حسن الوفا مذهبا
)
كَانَ خَلِيلًا فغدا بعد ذَالما انْقَضى مَا بَيْننَا طقصبا
أَشَارَ إِلَى أَمر طقصبا الْمَذْكُور وَكَانَ لَهُ عَم أسود زوج أمه فَكَانَ ينغص علينا الِاجْتِمَاع بِحُضُورِهِ وَلما كتب هَذِه الأبيات كَانَ طقصبا الْمَذْكُور قد توفّي بصفد من مُدَّة لحسن إبراز هذَيْن الْبَيْتَيْنِ فِي هَذِه الصُّورَة فَكتبت الْجَواب إِلَيْهِ
يَا باعث العتب غلي عَبدهوَمَا كَفاهُ العتب أَو ندبا
ومذكري عهدا لبسنا بِهِثوب سرُور بالبها مذهبا
مر فَلم يحل لنا بعدهعَيْش وَلم نلق الْهوى طيبا
مَا كل ذِي ود خَلِيل وَلَاكل مليح فِي الورى طقصبا
فحبذا تِلْكَ اللَّيَالِي الَّتِيكم يسر الله بهَا مطلبا
مَا أحد فِي مثلهَا طامعهَيْهَات فَاتَت فِي المنى أشعبا
وَيُنْهِي بعد دُعَاء يرفعهُ فِي كل بكرَة وأصيل وَوَلَاء حصل مِنْهُ على النَّعيم الْمُقِيم وَلَا يَقُول وَقع فِي العريض الطَّوِيل وثناء إِذا مر فِي الرياض النافحة صَحَّ أَن نسيم السحر عليل وحفاظ ود يتَمَنَّى كل من جالسه لَو أَن لَهُ مثل الْمَمْلُوك خَلِيل وَورد الْمِثَال الْكَرِيم فقابل مِنْهُ الْيَد الْبَيْضَاء بل الديمة الوطفاء بل الكاعب الْحَسْنَاء وتلقى مِنْهُ طرة صبح لَيْسَ للدجى عَلَيْهَا أذيال وغرة نجح مَا كدر صفاءها خيبة الآمال فَلَو كَانَ كل وَارِد مثله لفضل المشيب على الشَّبَاب وَنزع المتصابي عَن التستر بِالْخِطَابِ ورفض السوَاد وَلَو كَانَ خالاً على الوجنة وعد الْمسك إِذا ذَر على الكافور هجنة وَأَيْنَ سَواد الدجى إِذا سجى من بَيَاض النَّهَار إِذا انهار وَأَيْنَ وجنات الكواعب النقية من الأصداغ المسودة بِدُخَان العذار وَأَيْنَ نور الْحق من ظلمَة الْبَاطِل وَأَيْنَ العقد الَّذِي كُله در من العقد الَّذِي فِيهِ السبج فواصل يَا لَهُ من وَارِد تنزه عَن وَطْء الأقلام المسودة وَعلا قدره عَن السطور الَّتِي لَا تزَال وجوهها بالمداد مربدة حَتَّى جَاءَ يتلألأ بَيَاضًا ويتقد وأتى يتهادى فِي النُّور الَّذِي تعتقد فِيهِ الْمَجُوسِيَّة مَا تعتقد وَلَكِن توهم الْمَمْلُوك أَن تكون صحف الود أمست مثله عفاء وَظن بِأَبْيَات العهود السالفة أَن تكون كهذه المراسلة من الرقوم خلاء
لَو أَنَّهَا يَوْم الْمعَاد صحيفتيمَا سر قلبِي كَونهَا بَيْضَاء
فَلَقَد سودت حَال الْمَمْلُوك ببياضها وَعدم من عدم الْفَوَائِد البهائية مَا كَانَ يغازله من صحيحات)
الجفون ومراضها وَمَا أَحَق تِلْكَ الأوصال الوافدة بِلَا فَائِدَة الجائدة بزيارتها الَّتِي خلت من الْجُود بِالسَّلَامِ وَإِن لم تخل زورتها من الإجادة أَن ينشدها الْمَمْلُوك قَول البحتري أبي عبَادَة
أخجلتني بندى يَديك فسودتمَا بَيْننَا تِلْكَ الْيَد الْبَيْضَاء
وقطعتني بالوصل حَتَّى أننيمتخوف أَلا يكون لِقَاء
يَا عجبا كَيفَ اتخذ مَوْلَانَا هَذَا الصَّامِت رَسُولا بعد هَذِه الفترة وَكَيف ركن إِلَيْهِ فِي إبلاغ مَا فِي ضَمِيره وَلم يحملهُ من در الْكَلَام ذرة وَكَيف أهْدى عروس تحيته وَلم يقلدها من كَلَامه بشذرة مَا نطق هَذَا الْوَارِد إِلَّا بالعتاب مَعَ مَا نذر وَندب وَلَا أبدى غير مَا قرر من الإهمال وَقرب
على كل حَال أم عَمْرو جميلَةوَإِن لبست خلقانها وجديدها
وَبِالْجُمْلَةِ فقد مر ذكر الْمَمْلُوك بالخاطر الْكَرِيم وَطَاف من حنوه طائف على الْمَوَدَّة الَّتِي أَصبَحت كالصريم وَإِذا كَانَ الشَّاعِر قد قَالَ
وَيدل هجركم علىأَنِّي خطرت ببالكم
فَكيف بِمن دخل ذكره الضَّمِير وَخرج وَذكر على مَا فِيهِ من عوج وَمَا استخف بِي من أَمرنِي وَمن ذَكرنِي فَمَا حقرني وَالله تَعَالَى يديم حَيَاته الَّتِي هِيَ الْأمان والأماني ويمتع أَلْفَاظه الفريدة الَّتِي هِيَ أطرب من المثالث والمثاني
فَكتب إِلَيّ الْجَواب عَن ذَلِك
يَا هاجراً من لم يزل قلبهإِلَيْهِ من دون الورى قد صبا
أرْسلت من بعد الجفا أسطراًأرقص مِنْهَا السّمع مَا أطربا
شفت فؤاداً شفه وجدهمن بعد مَا قد كَاد أَن يذهبا
قَالَ لَهَا العَبْد وَقد أَقبلتأَهلا وسهلاً بك يَا مرْحَبًا
أحلهَا قلباً صَحِيح الولامَا كَانَ فِي صحبته قلّبا
وَلَا نسي عهد خَلِيل لَهُقديم عهد كَانَ مَعَ طقصبا
وَقبل مواقع تِلْكَ الأنامل الَّتِي يحِق لَهَا التَّقْبِيل وقابل بالإقبال تِلْكَ الْفَضَائِل الْمَخْصُوصَة بالتفضيل وقابلها بالثناء الَّذِي إِذا مر بالمندل الرطب جر عَلَيْهِ من كمائم كمه فضل المنديل وتأملها بِطرف مَا خلا من تصور محَاسِن صديق وَلَا أخل بِمَا يجب من التلفت إِلَى مَوَدَّة)
خَلِيل وَشَاهد مِنْهَا الرَّوْضَة الْغناء بل الدوحة الفيحاء بل الطلعة الغراء فَوَجَدَهَا قد تسربلت من الْمعَانِي البديعة بِأَحْسَن سربال وتحلت من الْمعَانِي البديهة بِمَا هُوَ أحلى فِي عين الْمُحب المهجور وَقَلبه من طيف الخيال لَكِن مَوْلَانَا غَابَ عَن محبه غيبَة مَا كَانَت فِي الْحساب وهجره وَهُوَ من خاطره بِالْمحل الَّذِي يَظُنّهُ أَنه إِذا ناداه بالأشواق أجَاب وَاتخذ بِدعَة الْإِعْرَاض عَن الْقَائِم بِفَرْض الْوَلَاء سنة واشتغل عَمَّن لَهُ عين رضى عَن نِسْيَان مَا مضى كليلة دمنة فخشي الْمَمْلُوك من تطاول الْمدَّة وخامر قلبه تقلبات الْأَيَّام فخاف أَن تبقى أَسبَاب المقاطعة ممتدة ووثق بنما يتَيَقَّن من حسن الموافاة ويعتقد فَاقْتضى حكم التذْكَار لطف الِاخْتِصَار توصلاً إِلَى تفقد التودد وَمن عادات السادات أَن تفتقد تذكر أَيَّام حلت مَسَرَّة وهناء وليال أحلى من سَواد الشَّبَاب أولت بوصال الأحباب الْيَد الْبَيْضَاء
لَو أَن ليلات الْوِصَال يعدن ليكَانَت لَهَا روح الْمُحب فدَاء
فيا لَهَا من مليحة أَقبلت بعد إعراضها ولطيفة رمقت بإيماء جفن مواصلتها وإيماضها وبديعة استخرج غواص مَعَانِيهَا من بحار معاليها كل ذرة وصنيعة أبدى نظام لآليها من غرر أياديها أجمل غرَّة ورفيعة جددت السرُور وشرحت الصُّدُور فعلت بِمَا فعلت إكليل المجرة ومتطولة رغبت المقصر فِيمَا يختصر وحببت ومتفضلة قَضَت بِحَق تفضيلها على مَا سبق وأوجبت
مودتها فِي مهجتي لَا يزيلهابعاد وَلَا يبلي الزَّمَان جديدها
وَالله تَعَالَى يشْكر مَا حواه من فضل هَذِه الْمَعَالِي والمعاني ويمتع بفضائله الَّتِي تغني أغانيها عَن المثالث والمثاني
وَكَانَت بيني وَبَينه محاورات ومناقضات ومعارضات ومناقشات ومنافسات ومجاراة ونظم ونثر وبدآت ومراجعات وَهَذِه النبذة أنموذج تِلْكَ الْجُمْلَة
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع