تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

زَوْجَة الرشيد

زبيدة بنت جَعْفَر بن الْمَنْصُور زوج الرشيد أم وَلَده مُحَمَّد

الْأمين اسْمهَا أمة الْعَزِيز وكنيتها أم جَعْفَر الهاشمية العباسية قيل لم تَلد عباسية خَليفَة قطّ إِلَّا هِيَ

وَكَانَ لَهَا حُرْمَة عَظِيمَة وبر وصدقات وآثار حميدة فِي طَرِيق الْحَج ولقبها جدها الْمَنْصُور زبيدة لبضاضتها ونضارتها أنفقت فِي حَجهَا بضعاً وَخمسين ألف ألف دِرْهَم

وَكَانَ فِي قصرهَا من الخدم والحشم والآلات وَالْأَمْوَال مَا يقصر عَنهُ الْوَصْف من جملَة ذَلِك مائَة جَارِيَة كل مِنْهُنَّ يحفظ الْقُرْآن وَكَانَ يسمع من قصرهَا مثل دوِي النَّحْل من الْقِرَاءَة

وَلم تزل زين نسَاء الْوَقْت بالعراق فِي أَيَّام زَوجهَا وَوَلدهَا وَأَيَّام ابْن زَوجهَا الْمَأْمُون وَتوفيت سنة سِتّ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَهِي الَّتِي سقت أهل مَكَّة بعد أَن كَانَت الراوية عِنْدهم بِدِينَار

وأسالت المَاء عشرَة أَمْيَال تخط الْجبَال وتجوب الصخر حَتَّى غلغلته فِي الْحل إِلَى الْحرم

وعملت عقبَة الْبُسْتَان فَقَالَ وكيلها يلزمك نَفَقَة كَبِيرَة

فَقَالَت اعملها وَلَو كَانَت ضَرْبَة الفأس بِدِينَار

وَلما دخل الْمَأْمُون بَغْدَاد دخلت زبيدة عَلَيْهِ وَقَالَت أهنئك بخلافة قد هنأت بهَا نَفسِي عَنْك قبل لقائك

وَلَئِن كنت فقدت ابْنا خَليفَة وَلدته فقد عوضني الله خَليفَة لم ألده وَمَا خسر من اعتاض مثلك وَلَا ثكلت أم مَلَأت راحتيها مِنْك

وَأَنا أسأَل الله أجرا على مَا أَخذ وإمتاعاً بِمَا عوض فَقَالَ الْمَأْمُون مَا يلد النِّسَاء مثل هَذِه فَمَا أبقت بعد هَذَا الْكَلَام لبلغاء الرِّجَال وحشا فاها درا

كتب إِلَيّ القَاضِي الْعَلامَة شهَاب الدّين أَحْمد بن فضل الله ملغزاً فِي اسْم زبيدة من الْخَفِيف

أَيهَا الْفَاضِل الَّذِي حَاز فضلامَا عَلَيْهِ لمثله من مزِيد
قد تدانى عبد الرَّحِيم لَدَيْهِوتناءى لَدَيْهِ عبد الحميد
أيُّ شَيْء سمي بِهِ ذَات حجبتائه بالإماء أَو بالبعيد
هُوَ وصف لذات سترٍ مصونٍوَهِي لم تخف فِي جَمِيع الْوُجُود
قد مضى حينها بهَا لَيْسَ تَأتيوَهِي تَأتي مَعَ الرّبيع الْجَدِيد

)

وَهُوَ مِمَّا يبشر النَّاس طرامِنْهُ مأتى وَكَثْرَة فِي العديد
وحليم أَرَادَهُ لَا لذاتٍبل لشيءٍ سواهُ فِي الْمَقْصُود
ذَاك من ارتجاه سَفِيهوَهُوَ شيءٌ مخصّصٌ بالرشيد

فَكتبت الْجَواب إِلَيْهِ على ذَلِك من الْخَفِيف

يَا فريداً أَلْفَاظه كالفريدومجيداً قد فاق عبد الْمجِيد
وَإِمَام الْأَنَام فِي كل علمٍوشريكاً فِي الْفضل للتوحيدي
عرف الْعَالمُونَ فضلك بالعللم وَقَالَ الْجُهَّال بالتقليد
للشاعر البحتري، من قصيدة «بعض هذا العتاب والتفنيد»
من تمنى بِأَن يرى لَك شبهارام نقضا بِالْجَهْلِ حكم الْوُجُود
طَال قدري على السماكين لماجَاءَنِي مِنْك نظم دُرٍّ نضيد
شابه الدّرّ فِي النظام وَلماشابه السحر شَاب رَأس الْوَلِيد
هُوَ لغزٌ فِي ذَات خدرٍ منيعنزلت فِي العلى بقصر مشيد
هِيَ أم الْأمين ذَات الْمَعَالِيمن بني هَاشم ذَوي التأييد
أَنْت كنت الْهَادِي لمعناه حَقًاحِين لوحت لي بِذكر الرشيد
دمت تهدي إِلَيّ كل عجيبٍمَا عَلَيْهِ فِي حسنه من مزِيد

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الزَّاي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.